[٢٨٧٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ)) قَالَ: ((يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ )) قَالَ: ((فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ)) قَالَ: ((فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ)) قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَيُمْلَأُ عَلَيْهِ خَضِرًا إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
[خ: ١٣٧٤]
في هذا الحديث: أن الإنسان له مقعدان: مقعد من الجنة، ومقعد من النار، وأنه يراهما جميعًا، وأنه يقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدًا من الجنة.
وفيه: أنه تَرجع إلى العبد روحُه عند السؤال، ثم بعد ذلك تصعد روح المؤمن إلى الجنة، وتهبط روح الكافر إلى النار.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا)).
حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: ابْنَ عَطَاءٍ- عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ))، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ.
في هذا الحديث: أن الميت تُرَدُّ إليه روحه، ويسمع قرع نعال مُشيِّعيه،
стр. 4342
وهذا مستثنى من قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، ويستثنى منه- أيضًا-: نداء النبي ﷺ على قتلى بدر (١)، وسماع الميت كلام الملائكة، وكذلك- أيضًا- سماعه ﷺ سلام المسلم عليه، على خلاف بين العلماء.
يعذَّب، وظاهر الحديث: أن الذي يحاسَب يُعَذَّب، فَأُشكل هذا على عائشة ﵂ فجمع النبي ﷺ بين الآية والحديث بأن المراد: من نوقش الحساب عُذِّب، كأن يُسأل: لمَ فعلتَ كذا؟ أما في العرض فإنه تُعرَض عليه أعماله دون سؤال، ثم تُغفر له.
وفيه: مراجعة المسؤول والكبير والعالم فيما يُشكل من الكتاب والسنة، ومسائل العلم.
стр. 4348
بَابُ الْأَمْرِ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمَوْتِ
[٢٨٧٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثٍ- يَقُولُ: ((لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ)).
وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمٌ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ- يَقُولُ: ((لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ ).
في هذا الحديث: دليل على أنه ينبغي على الإنسان أن يحسن الظن بالله ، وذلك مع إحسان العمل، فإن من حسن عمله حسن ظنه، ومن ساء عمله ساءت ظنونه، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ)) (١).
وقوله: ((لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ)): فيه: أنه ينبغي للإنسان عند الموت أن يُغَلِّبَ جانب الرجاء، وأما في حال الصحة فينبغي أن يُغَلِّبَ جانب الخوف؛ حتى يحمله الخوف على العمل والاجتهاد، وترك المعاصي.
قال بعض العلماء: ينبغي أن يكون الرجاء والخوف على حد سواء كجناحي الطائر، فإن المؤمن يطير إلى الله تعالى بجناحي الخوف والرجاء،
стр. 4349
فهما كجناحي الطائر، فإذا بقي الجناحان استقام الطيران، وإن قُطع أحدهما هلك الطائر.
[٢٨٧٨] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ)).
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ.
في هذا الحديث: أن الإنسان يبعث على ما مات عليه من خير، أو شر، فمن مات على الخير بُعث على الخير، ومن مات على الشر بُعث على الشر.
وفيه: بيان أن الخاتمة لها تأثير، فمن مات على حُسن خاتمة بُعث على ما مات عليه، ومن مات على سوء خاتمة بُعث على ما مات عليه، ومن ذلك: ما جاء في الحديث: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ، فَيُضَارَّانِ فِي الوَصِيَّةِ، فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ))، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾)) (١).
стр. 4350
[٢٨٧٩] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ)).
[خ: ٧١٠٨]
في هذا الحديث: أن الله إذا أراد بقوم عذابًا أصاب الجميعَ، ثم بُعثوا على نياتهم، يعني: إذا جاءت العقوبات فإنها تعم الصالح والطالح، ثم البعث بعد ذلك يكون على حسب النيات، وعليها يجازَون.
وفيه: أن الناس إذا رأوا منكرًا فلم يغيروه أوشك أن يعمَّهم اللهُ بعقاب من عنده، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.
* * *
حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ.
[٢٨٨١] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ)) وَعَقَدَ وُهَيْبٌ بِيَدِهِ تِسْعِينَ.
[خ: ٣٣٤٧]
في هذا الحديث: دليل على أنه ينبغي الحذر من المعاصي؛ لأنها سبب للهلاك إذا كثرت، ولو وُجد الصالحون، فتعم العقوبة الصالح والطالح، ثم يبعثون على نياتهم.
وقولها: ((أَنَهْلِكُ)): بكسر اللام على اللغة الفصيحة المشهورة، وحكي فتحها، وهو ضعيف.
وفيه: نُصحُ النبي ﷺ لأمته، وتحذيره إياهم من الفتن.
وفيه: مشروعية ذكر الله عند الفزع، وعند حصول ما يُخَافُ منه.
وقوله: ((وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ)): خص العربَ؛ لأنهم أصل مادة الإسلام.
وقوله: ((فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ)): يأجوج ومأجوج فيهما لغتان:
يأجوج ومأجوج بتحقيق الهمزة، ويقال: ياجوج وماجوج بإبدال الهمزة حرف مد من جنس حركة ما قبلها، وهو هنا الألف (١).
وهما أمتان من بني آدم كافرتان، سُمُّوا يأجوج ومأجوج، من الأجيج، وهو اختلاط الأصوات؛ لكثرتهم، ويقال: هم أهل الصين؛ لأنهم كثيرون.
стр. 4354
وذو القرنين بنى السد بينهم وبين الناس، كما أخبر الله تعالى، فيحتمل أنهم باقون في السد، وأن الله أخفى السد عن الناس، أو أنه أزال السد، ولكنهم لا يظهرون إلا بعد نزول عيسى ابن مريم ﵇، وخروجهم هو العلامة الرابعة من علامات الساعة بعد المهدي، والدجال، ونزول عيسى ﵇.
قال النووي ﵀: ((قوله: ((فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ- وَعَقَدَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ عَشَرَةً))، كذا وقع في رواية سفيان عن الزهري، ووقع بعده في رواية يونس عن الزهري: ((وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها))، وفي حديث أبي هريرة ﵁ بعده: ((وعقد وهيب بيده تسعين))، فأما رواية سفيان ويونس فمتفقتان في المعنى، وأما رواية أبي هريرة ﵁ فمخالفة لهما؛ لأن عقد التسعين أضيق من العشرة، قال القاضي: ((لعل حديث أبي هريرة ﵁ متقدم، فزاد قدر الفتح بعد هذا القدر، قال: أو يكون المراد: التقريب بالتمثيل، لا حقيقة التحديد، ويأجوج ومأجوج غير مهموزين، ومهموزان)) (١).
وفيه: لطيفة إسنادية، وهي اجتماع أربع صحابيات: زوجتان للنبي ﷺ ، وربيبتان له:
أما الزوجتان: فهما أم حبيبة ﵂، وزينب بنت جحش ﵂.
وأما الربيبتان: فزينب بنت أبي سلمة ﵂، وحبيبة بنت أم حبيبة ﵂، ولا يوجد حديث اجتمع فيه أربع صحابيات إلا هذا الحديث، قال النووي ﵀: ((هذا الإسناد اجتمع فيه أربع صحابيات زوجتان لرسول الله ﷺ وربيبتان له بعضهن عن بعض ولا يُعلَم حديث اجتمع فيه أربع صحابيات بعضهن عن بعض غيره)) (٢).
وقوله: ((قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ ! قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ)):
стр. 4355
فيه: دليل على أنه إذا كثرت المعاصي هلك الناس، وجاءت العقوبات، فتَعُمُ الصالح، والطالح- ولا حول ولا قوه إلا بالله! - ثم يُبعثون على نياتهم، والحديث يوافق قوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾، أي: أن الفتنة لا تخص الظالمين، بل تعم الظالم، وغير الظالم.
والعقوبات كثيرة، منها: قسوة القلوب، ومنها: تسليط الأعداء، ومنها: السيول الجارفة، ومنها: الفيضانات المدمرة، ومنها: الرياح العاصفة الشديدة.
فالواجب على المسلم الحذر من المعاصي، وأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر حتى لا تعم العقوبات.
وروى الإمام أحمد بسند جيد أن النبي ﷺ قال: ((إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابِهِ)) (١).
والله تعالى قص علينا في القرآن الكريم قصة أصحاب السبت، وأنهم صاروا ثلاث فرق:
الأولى: فعلت المعصية، واصطادت الحوت في يوم السبت الذي حرم الله عليهم الاصطياد فيه.
الثانية: أنكرت عليهم.
الثالثة: سكتت، فلما جاءت العقوبة نجَّى الله الذين أنكروا المنكر، وخلَّد ذكرهم إلى قيام الساعة، وأما الذين سكتوا فسكت الله عنهم جزاء وفاقًا، وقيل: إنهم هلكوا معهم، قال تعالى- حاكيًا حال الفِرَق الثلاث-: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك
стр. 4356
نبلوهم بما كانوا يفسقون﴾.
ولما قال الساكتون: ﴿لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا﴾، فهذا لا يفيدهم، بل هم هالكون، قالت الطائفة المنكِرة: لا، بل فيه فائدة، وهي: ﴿معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾.
فإنكار المنكر له فائدتان:
الأُولى: الإعذار إلى الله تعالى ﴿معذرة إلى ربكم﴾.
الثانية: رجاء زوال المنكر ﴿ولعلهم يتقون﴾.
وقد ضرب النبي ﷺ مثلًا للقائمين على حدود الله، وللواقعين فيها، فقال: ((مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا)) (١)، أي: إذا أخذوا على أيديهم ولم يتركوهم يخرقون السفينة نجوا، وإذا تركوهم يخرقون السفينة دخل الماء وغرق أهل الدور الأول وأهل الدور الثاني جميعًا، فكذلك أهل المعاصي إذا تُركوا هلكوا وهلك من سكت عنهم، وإذا أخذوا على أيديهم وأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر سلم العصاة من العقوبة وسلم غيرهم.
стр. 4357
بَابُ الْخَسْفِ بِالْجَيْشِ الَّذِي يَؤُمُّ الْبَيْتَ
[٢٨٨٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنِ الْقِبْطِيَّةِ قَالَ: دَخَلَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ وَأَنَا مَعَهُمَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَسَأَلَاهَا عَنِ الجَيْشِ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ، فَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا؟ قَالَ: ((يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ، وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ)).
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هِيَ بَيْدَاءُ الْمَدِينَةِ.
حَدَّثَنَاه أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِ قَالَ: فَلَقِيتُ أَبَا جَعْفَرٍ، فَقُلْتُ: إِنَّهَا إِنَّمَا قَالَتْ: بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَلَّا وَاللَّهِ إِنَّهَا لَبَيْدَاءُ الْمَدِينَةِ.
قوله: ((فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ)): البيداء: هي الأرض الملساء التي ليس فيها شيء، وبيداء المدينة: الشرف الذي أمام ذي الحليفة من جهة مكة.
وقوله: ((وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ هِيَ بَيْدَاءُ الْمَدِينَةِ)): هذا القول من كيس أبي جعفر؛ إذ لا دليل على تحديد البيداء بأنها بيداء المدينة.
وفي هذا الحديث: دليل على أن العقوبات إذا جاءت تَعُمُّ.
стр. 4358
[٢٨٨٣] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ، سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ: أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((لَيَؤُمَّنَّ هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ يَغْزُونَهُ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوْسَطِهِمْ، وَيُنَادِي أَوَّلُهُمْ آخِرَهُمْ، ثُمَّ يُخْسَفُ بِهِمْ، فَلَا يَبْقَى إِلَّا الشَّرِيدُ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْهُمْ))، فَقَالَ رَجُلٌ: أَشْهَدُ عَلَيْكَ أَنَّكَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى حَفْصَةَ، وَأَشْهَدُ عَلَى حَفْصَةَ أَنَّهَا لَمْ تَكْذِبْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ .
قوله: ((لَيَؤُمَّنَّ هَذَا الْبَيْتَ))، يعني: ليقصِدَنَّ هذا البيتَ.
وقوله: ((يُخْسَفُ بِأَوْسَطِهِمْ، وَيُنَادِي أَوَّلُهُمْ آخِرَهُمْ، ثُمَّ يُخْسَفُ بِهِمْ))، يعني: أن هذا الجيش يُخسف به حمايةً من الله لبيته، كما أهلك الله تعالى أصحاب الفيل الذين جاؤوا مع أبرهة ملك الحبشة لهدم الكعبة، قال تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول﴾ [؟ ؟ : ؟ ؟ ]، وكان ذلك العام هو العام الذي وُلد فيه النبي ﷺ ، وسمي بعام الفيل.
وفي هذا الحديث: أن الخسف وقع بالجيش الذي قصد البيت الحرام يغزوه، كما أنه سيقع في آخر الزمان.
فقال: ((الْعَجَبُ، إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ بِالْبَيْتِ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ)).
وقوله: ((نَعَمْ، فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ، وَالْمَجْبُورُ، وَابْنُ السَّبِيلِ، يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا)): فالمستبصر: المستبين لذلك الأمر القاصد له عمدًا، والمجبور: المكره، وابن السبيل: الذي تبع الجيش وليس منهم، كل هؤلاء يهلكهم الله مهلكًا واحدًا، فتنزل العقوبة وتعم الجميع.
وقوله: ((وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ))، يعني: يُبعثون على نياتهم، فمن كانت له نية سيئة- مثل المستبصر- فإنه يعاقَب عليها، ومن لم تكن له نية سيئة- كالمجبور وابن السبيل- فلا يعاقب أصلًا.
والعقوبة في الدنيا لَمَّا تأتي لا تحاشي أحدًا، وإنما تعم الجميع؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((خُسِفَ بِهِمْ))، أي: جميعًا- ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي هذا الحديث: أن جيشًا يغزو قومًا في مكة ليس لهم منعة، ولا عدد، ولا عدة.
وفيه: أن الإنسان يجب أن يبتعد عن أهل السوء والشر؛ لئلا يصيبه ما أصابهم.
وفيه: أن من كثَّر سواد أهل الشر وكان معهم أصابه ما أصابهم من العقوبات.
وقوله: ((هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ)): شبَّه الفتن بالقطر لكثرتها وعمومها، أي: إنها كثيرة وعامة لا تختص بطائفة دون طائفة.
وفي هذه الأحاديث: دليل من دلائل نبوته ﷺ ؛ حيث وقع ما أخبر به ﵊ كما أخبر.
وفيها: التحذير من الدخول في الفتن، وأنه مَن وَجَدَ ملجأً فليعذ به، أي: فلينأ عن هذه الفتن ويبتعد عنها، ولا يشارك فيها، وأنه كلما ابتعد الإنسان عن الفتن كان ذلك أسلمَ لدينه.
وقوله: ((سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ)): لأن القائم متهيئ لِدُخولها، والمشاركة فيها، ((وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي)): الماشي هو الذي يمشي رويدًا، فهذا خير من الساعي، وكلما بعد الإنسان عن الفتن كان أسلمَ لدينه.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْهَرْجُ)) قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الْقَتْلُ الْقَتْلُ)).
قوله: ((يَا أَحْنَفُ، ارْجِعْ)): هذا ظن من أبي بكرة ﵁ أن قتال علي ومعاوية ﵄ داخل في قوله: ((إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ)).
والصواب كما سبق: أنه ليس داخلًا فيه، وأن الحق ظاهر مع علي ﵁، والمراد بهذا الحديث: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما في قتال الفتنة التي لم يتبين فيها الحق من غيره.
وقوله: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ)): المراد بالفئتين: فئة أهل العراق: علي ﵁ وأصحابه، وفئة أهل الشام: معاوية ﵁ وأصحابه.
وقوله: ((وَدَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ))، أي: كلّ فئة منهما تدعي أنها على الحق.
فعلي ﵁ هو الخليفة الذي بايعه أكثر أهل الحل والعقد، يدعي أنه هو المحق، وأن أهل الشام بغاة، وأهل الشام يطالبون بدم عثمان ﵁، ويدَّعون أنهم محقون.
قال النووي ﵀: ((((إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّار)): معنى تواجههما، أي: ضرب كل واحد وجه صاحبه.
وأما كون القاتل والمقتول من أهل النار فمحمول على من لا تأويل له، ويكون قتالهما عصبيةً ونحوها، ثم كونه في النار معناه: أنه مستحق لها، وقد يجازَى بذلك، وقد يعفو الله تعالى عنه، هذا مذهب أهل الحق، وقد سبق تأويله مراتٍ، وعلى هذا يتأول كل ما جاء من نظائره.
واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة ﵃ ليست بداخلة في هذا الوعيد، ومذهب أهل السنة والحق: إحسان الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأوِّلون، لم يقصدوا معصية
стр. 4367
ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغٍ، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيبًا وبعضهم مخطئًا معذورًا في الخطأ؛ لأنه اجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه، وكان علي ﵁ هو المحق المصيب في تلك الحروب، هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة، حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها، فاعتزلوا الطائفتين، ولم يقاتلوا، ولم يتيقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مساعدته)) (١).
قلت: وهذا الكلام جيد من النووي ﵀.
ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا)).
[خ: ٦٦٠٤]
وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَقْبَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَمَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ.
قال النووي ﵀: ((وهذا الحديث والأحاديث قبله وبعده مما يحتج به من لا يرى القتال في الفتنة بكل حال، وقد اختلف العلماء فى قتال الفتنة:
فقالت طائفة: لا يُقاتل في فتن المسلمين، وإن دخلوا عليه بيته، وطلبوا قتله، فلا يجوز له المدافعة عن نفسه؛ لأن الطالب متأوِّل، وهذا مذهب أبي بكرة الصحابي ﵁ وغيره.
وقال ابن عمر وعمران بن الحصين ﵃ وغيرهما: لا يدخل فيها إن قصد الدَفْع عن نفسه.
فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في جميع فتن المسلمين.
وقال معظم الصحابة والتابعين وعامة علماء الإسلام: يجب نصر المحق في الفتن، والقيام معه بمقاتلة الباغين، كما قال تعالى: ﴿فقاتلوا التى تبغى ... ﴾ الآية.
وهذا هو الصحيح، وتُتأوَّل الأحاديث على من لم يظهر له المحق، أو على طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحدة منهما، ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد، واستطال أهل البغي والمبطلون، والله أعلم)) (١).
وهذا الحديث بعضه من كلام الله ، وبعضه من كلام النبي ﷺ .
стр. 4370
وقوله: ((إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ))، يعني: جمعها له، وجعله ينظر إلى مُلك أمته، وهذا من الغيب الذي أطلع الله عليه نبيه ﷺ .
وفيه: دليل على أن ملك الأمة سيتسع من جِهَتَي المشرق والمغرب أكثر من غيرهما من الجهات؛ لذلك قال النبي ﷺ : ((فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا))، بخلاف جِهَتَي الشمال والجنوب، فكان التوسع من ناحيتهما أقل.
وفيه: عَلَمٌ من أعلام النبوة، حيث وقع كما أخبر، وقد اتسع ملك أمته ﷺ من جهة المشرق والمغرب.
ومن علامات النبوة- أيضًا-: قوله ﷺ : ((وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ))، يعني: الذهب والفضة، والمراد: كنزَا كسرى وقيصر؛ وذلك أن أمته في عهد عمر بن الخطاب ﵁ فتحت هذه البلدان، وكسروا ملك كسرى، وملك قيصر، وأُتي بالكنزين الأحمر والأبيض إلى عمر ﵁.
وفيه: أن الله تعالى أعطى نبيه ﷺ ألا يُهلك أمته بأمرين:
الأول: ألا يهلكها بالقحط العام، فإذا حصل الجدب يكون في ناحية من نواحي الأرض، وبقيةُ بلاد الإسلام لا يصيبها قحط.
الثاني: ألا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، والبيضة هي: الأصل، والجماعة، وتطلق على العز والملك، يعني: ألا يسلط عليهم عدوًّا يقضي على الأمة كلها، حتى يُهلك بعضهم بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا، وجاء في الحديث الآخر: ((سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي: أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا))؛ ولهذا قال في الحديث: ((حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا)).
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَعُوذُ بِوَجْهِكَ))، فَقَالَ:
стр. 4371
﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَعُوذُ بِوَجْهِكَ)): قَالَ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((هَذَا أَيْسَرُ)) (١).
وقوله: ((وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً، فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ)): هذا هو القضاء المبرَم، وهو القضاء الذي لا يُرد، وهناك قضاء معلَّق بشرط، كأن يعلَّق بالدعاء وغيره، فلا يحصل حتى يحصل المشروط، أو بغيره من الأسباب.
стр. 4372
بَابُ إِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ
[٢٨٩١] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ كَانَ يَقُولُ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ، وَمَا بِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسَرَّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ شيئًا لَمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِي، وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ- وَهُوَ يُحَدِّثُ مَجْلِسًا أَنَا فِيهِ عَنِ الفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَعُدُّ الْفِتَنَ-: ((مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ لَا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شَيْئًا، وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ كَرِيَاحِ الصَّيْفِ، مِنْهَا صِغَارٌ، وَمِنْهَا كِبَارٌ)).
قَالَ حُذَيْفَةُ: فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ كُلُّهُمْ غَيْرِي.
قوله: ((مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ لَا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شَيْئًا))، أي: لا تترك أحدًا إلا أصابته- ولا حول ولا قوة إلا بالله- ومن ذلك: فتنة المال، وفتنة الربا، فلا يكاد أحد يسلم منهما، ومن سلم من الربا أصابه غباره.
وقوله: ((كَرِيَاحِ الصَّيْفِ))، يعني: تمر مرورًا لا تستقر، ولا تطول مدتها، بل تأتي وتذهب.
إلى قيام الساعة، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، وذكر حذيفة ﵁ أنه نسي بعض ما ذكره النبي ﷺ ، فإذا وقع ما ذكره من الفتن تذكَّر كلامه ﷺ ، كما يتذكر الإنسان وجه الإنسان حينما يغيب عنه وينساه، فإذا رآه تذكَّره، فكذلك النبي ﷺ أخبرهم بأمور كائنة، فنسوا بعضها، فلما وقعت تذكَّروها.
وهذا قول عظيم منه ﵊، يوم كامل يخطب الناس، فلما صلى الفجر صعد إلى المنبر، وخطب في الناس حتى حضرت الظهر، ثم نزل فصلى الظهر، ثم صعد المنبر فخطب في الناس حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى العصر، ثم صعد المنبر، فخطب في الناس حتى غربت الشمس، وأخبرهم بما هو كائن.
وهذا الأمر كان بوحي من الله لتعليم الناس ما يكون، وهذه الصفة في الموعظة شيء قليل ونادر في أحواله ﷺ ؛ إذ الأغلب في خُطَبه ﵊ أن تكون قصيرة، كما أرشد الخطباء إلى ذلك بقوله: ((إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا)) (١)، أي: دليل على فقهه.
وفي هذا الحديث: أنه صلى الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب بوضوء واحد، وهذا الفعل لا بأس به؛ فتجديد الوضوء لكل صلاة مستحب، وليس بواجب.
في هذا الحديث: بيان أن حذيفة ﵁ عنده علم خاص بالفتن؛ ولهذا لما سأل عمر ﵁، وقال: ((أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ كَمَا قَالَ؟ قال حذيفة ﵁: أَنَا، فقال عمر ﵁: إِنَّكَ لَجَرِيءٌ))، وسبب هذه الجرأة من حذيفة ﵁: أن النبي ﷺ أسرَّ إليه بشأن هذه الفتن، وأخبره بها.
وفيه: أن الفتن أنواع، منها: فتن خفيفة، ومنها: فتن شديدة.
وقوله: ((فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ)): وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه.
وفتنة الرجل فى أهله وماله وولده صرفه- من فرط محبته لهم، وشغله بهم- عن كثير من الخير، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة﴾، وقوله ﷺ : ((إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ)) (١)، أو لتفريطه فى القيام بما يلزم من حقوقهم، وتأديبهم وتعليمهم، كما قال: ((وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) (٢)، وكذلك فتنته في جاره من هذا القبيل.
وهذا الحديث مثل حديث أبي هريرة ﵁: ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ)) (٣).
وقول عمر ﵁: ((لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ))، أي: لست أسأل عن هذه الفتن الخفيفة التي تُكَفَّر بالطاعات، بل أسالك عن الفتن ((الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ))، أي: فتن الحروب، والقتال، والشبهات، فقال حديفة ﵁: ((مَا لَكَ وَلَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا))، أي: أنت سالم منها، فقال عمر ﵁ لحذيفة ﵁: ((أَفَيُكْسَرُ الْبَابُ، أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ: ذَلِكَ
стр. 4377
أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ أَبَدًا))، أي: إذا كان الباب يُفتح فإنه يُغلق، لكن إذا كُسر فلا حيلة في إصلاحه.
فهابوا أن يسألوا حذيفة مَن هو هذا الباب، فقالوا لمسروق: سله، فسأله، فقال حذيفة: ((عُمَرُ))، أي: أن عمر ﵁ هو الباب، فإذا قُتِلَ ظهرت الفتن، وهذا هو الواقع، فإنه لما قتله أبو لؤلؤة المجوسي- لعنه الله- وطعنه ست طعنات، حصل اختلاف بين الصحابة ﵃ من يكون الخليفة؟ ثم عهد الأمر إلى ستة من أهل الشورى، ثم بعد ذلك قُتِلَ عثمان ﵁، فتتابعت الفتن، وحصلت الحروب بين علي ومعاوية ﵄، فانفتح باب الفتن إلى يومنا هذا، وإلى قيام الساعة.
[٢٨٩٣] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ جُنْدُبٌ: جِئْتُ يَوْمَ الْجَرَعَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، فَقُلْتُ: لَيُهْرَاقَنَّ الْيَوْمَ هَا هُنَا دِمَاءٌ، فَقَالَ ذَاكَ الرَّجُلُ: كَلَّا وَاللَّهِ، قُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ، قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ، قُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَحَدِيْثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنِيهِ، قُلْتُ: بِئْسَ الْجَلِيسُ لِي أَنْتَ مُنْذُ الْيَوْمِ، تَسْمَعُنِي أُخَالِفُكَ وَقَدْ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا تَنْهَانِي، ثُمَّ قُلْتُ: مَا هَذَا الْغَضَبُ؟ فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ وَأَسْأَلُهُ، فَإِذَا الرَّجُلُ حُذَيْفَةُ.
في هذا الحديث: أن حذيفة ﵁ أعلم من جندب ﵁ بالفتن؛ لهذا حلف حذيفة ﵁ ألا تهرق دماء في هذا اليوم، أما حَلِف جندب ﵁ فعلى حسب ظنه بسبب هذا التوتر الذي حدث لأجل قيام أهل الكوفة ضد والي عثمان ﵁، والإنسان إذا حلف على حسب ظنه فلا يلام.
ويوم الجرعة يوم قدم فيه سعيد بن العاص أميرًا على الكوفة من قبل عثمان ﵁، فردوه، وأمَّروا أبا موسى الأشعري ﵁، وسألوا عثمان رضي الله عنه
стр. 4378
أن يُقِرَّه، فأقرَّه.
وقول حذيفة ﵁ هذا كان استنادًا إلى ما أخبره به المصطفى ﷺ ، وهو أن الفتنة تبدأ بمقتل عثمان ﵁، ولا يستبعد أن يكون النبي ﷺ أخبره بهذا الحادث خاصة، وهو الظاهر؛ لهذا جزم وحلف ألا يحدث قتال.
قال النووي ﵀: ((الجَرعة- بفتح الجيم وفتح الراء وإسكانها، والفتح أشهر وأجود، وهي-: موضع بقرب الكوفة على طريق الحيرة، ويوم الجرعة: يوم خرج فيه أهل الكوفة يتلقون واليًا ولَّاه عليهم عثمان ﵁، فردوه، وسألوا عثمان ﵁ أن يولي عليهم أبا موسى الأشعري ﵁، فولَّاه)) (١).