لَا)): قال أبو العباس القرطبي ﵀: ((وإنما نفى أبو نضرة أن يكون هذا الخليفة هو عمر بن عبد العزيز؛ لقوله ﷺ : ((فِي آخِرِ أُمَّتِي))، وذلك لا يَصْدُق على زمن عمر بن عبد العزيز إلا بالتوسع البعيد؛ ولأنه لم يصب المال كما جاء في هذا الحديث، وقد روى الترمذي وأبو داود أحاديث صحيحة في هذا الخليفة، وسمياه بالمهدي، فروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمْلِكَ العَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي)) (١)، وقال: حديث حسن صحيح، وخرجه أبو داود، وزاد فيه: ((يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا)) (٢). وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: خَشِينَا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نَبِيِّنَا حَدَثٌ فَسَأَلْنَا نَبِيَّ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((إِنَّ فِي أُمَّتِي الْمَهْدِيَّ يَخْرُجُ يَعِيشُ خَمْسًا- أَوْ سَبْعًا، أَوْ تِسْعًا، زَيْدٌ الشَّاكُّ- قَالَ: قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: سِنِينَ، قَالَ: فَيَجِيءُ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَيَقُولُ: يَا مَهْدِيُّ أَعْطِنِي أَعْطِنِي قَالَ: فَيَحْثِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ)) (٣). وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وروى أبو داود من عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْمَهْدِيُّ مِنِّي، أَجْلَى الْجَبْهَةِ، أَقْنَى الْأَنْفِ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا، يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ)) (٤). وروى- أيضًا- أبو داود عن أم سلمة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: ((يَكُونُ اخْتِلَافٌ عِنْدَ مَوْتِ خَلِيفَةٍ، فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ هَارِبًا إِلَى مَكَّةَ، فَيَأْتِيهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَيُخْرِجُونَهُ وَهُوَ كَارِهٌ، فَيُبَايِعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، فَيُبْعَثُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الشَّامِ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ، فَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ أَتَتْهُ أَبْدَالُ الشَّامِ، وَعَصَائِبُ
في هذه الأحاديث: علم من أعلام النبوة، وهو قتل عمار بن ياسر ﵁، وكنيته: أبو اليقظان، تقتله الفئة الباغية، وقد حصل ذلك.
وفيها: دليل على أن المصيب هو علي ﵁، وأن له أجرين: أجرَ الإصابة، وأجرَ الاجتهاد، وأن معاوية ﵁ ومن معه فاتهم أجر الصواب، وحصلوا على أجر الاجتهاد.
ومن الأدلة- أيضًا- على أن عليًّا ﵁ هو المصيب: قوله ﵇: ((تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ)) (١)، فخرجت الخوارج، وقتلهم علي ﵁.
وفيها: دليل على أن جيش معاوية ﵁ هم الفئة الباغية.
стр. 4416
[٢٩١٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((يُهْلِكُ أُمَّتِي هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ)) قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: ((لَوْ أَنَّ النَّاسَ اعْتَزَلُوهُمْ)).
[خ: ٣٦٠٤]
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ فِي مَعْنَاهُ.
قوله: ((يُهْلِكُ أُمَّتِي هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ))، وفي لفظ قال: ((هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ)) (١): وهذه الرواية تبيِّن أن المراد بهذه الرواية: طائفة من قريش، قيل: إن المراد بهم يزيد بن معاوية، والوليد بن يزيد، ومحمد بن علي السفاح، وكلهم من قريش، وملكوا وهم صغار السن، وكان في ولايتهم شيء من الظلم.
وهذا الحديث من علامات النبوة، وقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ ، وقد كان أبو هريرة ﵁ يَتَعَوَّذُ مِنْ إِمَارَةِ الصِّبْيَانِ وَالسُّفَهَاءِ. (٢)، فاستجاب الله دعاءه، فمات قبل إمارة يزيد بن معاوية.
والمراد: زوال ملكهما من هذين الإقليمين، أي: من الشام، والعراق.
وقد وقع كما أخبر النبي ﷺ ، حيث زال ملك الكياسرة من العراق، وملك القياصرة من الشام، وأُنفقت كنوزهما في سبيل الله، وجيء بهما إلى عمر بن الخطاب ﵁.
فأما ملك كسرى فقد زال وتمزق، ولم تقم له قائمة؛ لأنه لما جاءه كتاب النبي ﷺ إليه مزقه، فدعا عليه النبي ﷺ : أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ (١)، وأما قيصر الروم فإنه عظَّم كتاب النبي ﷺ لما جاءه، وكاد أن يسلم، وزال ملكه من الشام، وانحصر في بلاد الروم خاصة.
[٢٩٢٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ ثَوْرٍ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ الدِّيلِيُّ- عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((سَمِعْتُمْ بِمَدِينَةٍ جَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَرِّ، وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ؟ )) قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ، فَإِذَا جَاءُوهَا نَزَلُوا، فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحٍ، وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ، قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيْهَا- قَالَ ثَوْرٌ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ-: الَّذِي فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّانِيَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الْآخَرُ، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّالِثَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَيُفَرَّجُ لَهُمْ، فَيَدْخُلُوهَا فَيَغْنَمُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْمَغَانِمَ؛ إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ، فَقَالَ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ، فَيَتْرُكُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَيَرْجِعُونَ)).
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ الدِّيلِيُّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ.
في هذه الأحاديث: ذكر الفتح الأخير لمدينة القسطنطينية، وستفتح
стр. 4419
أيضا، ويكون ذلك علامة من علامات الساعة الكبرى.
قال القاضي عياض ﵀: ((((مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ))، كذا في سائر الأصول. قال بعضهم: المعروف المحفوظ: ((مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ))، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه؛ لأنه إنما يعني العرب والمسلمين؛ بدليل الحديث الذى سماها فيه في الأم، وأنها القسطنطينية، وإن لم يصفها بما وصفها به هنا)) (١).
وقال المباركفوري ﵀: ((((مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ)): قيل: هذا وهمٌ من بعض الرواة؛ لأنه ﷺ أراد بهم العرب، وهم بنو إسماعيل، وليسوا ببني إسحاق. أقول: بل هو صحيح؛ لأنه أراد بهم أهل الشام، ومعظمهم من بني إسحاق، وقليل منهم من غيرهم، فعبَّر عنهم ببني إسحاق تغليبًا، وقد كان لإسحاق ﵇ ولد أكبر من يعقوب، اسمه العيص، نشأت ذريته في الشام وغير الشام، وقد أسلموا حين دخل المسلمون في بلادهم، وافتتحوها، والله أعلم)) (٢).
قلت: وأولاد العيص: هم الروم.
قال أبو العباس القرطبي ﵀: ((وقوله: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ)): هكذا صحت الرواية عند الجميع، وفي الأمهات. قال القاضي أبو الفضل: قال بعضهم: المعروف المحفوظ: ((مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ))، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه؛ لأنه إنما يعني به: العرب والمسلمين، بدليل الحديث الذي سماها فيه في الأم، وأنها القسطنطينية، وإن لم يصفها بما وصفها به هنا.
قال الشيخ ﵀: وهذا فيه بُعدٌ؛ من جهة اتفاق الرواة والأمهات على ابن إسحاق، فإذًا المعروف خلاف ما قال هذا القائل، ويمكن أن يقال: إن الذي وقع في الرواية صحيح غير أنه أراد به العرب، ونسبهم إلى عمهم، وأطلق
стр. 4420
عليهم ما يُطلق على ولد الأب، كما يقال ذلك في الخال، حتى قيل: الخال أحد الأبوين، والله تعالى أعلم.
وأما قوله: إن هذه القرية هي القسطنطينية، فينبغي أن يبحث عن وصفها؛ هل توافق ما وصفه النبي ﷺ في هذه المدينة، أم لا؟ وأما ما ذكره مسلم في الأم من حديث القسطنطينية فهو ما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁ والذي قال في أوله: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالأَعْمَاقِ، أَوْ بِدَابِق)) قال فيه: ((فَيُقَاتِلُهُمُ المُسْلِمُونَ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ، ويُقْتَلُ ثُلُثٌ، ويَفْتَحُ الثُّلُثُ القُسْطَنْطِينيَّة، فَبَيْنَمَا هُمْ يُقَسِّمُونَ الغَنَائِمَ، قَدْ علَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ؛ إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ المَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ)): وظاهر هذا يدل على أن القسطنطينية إنما تُفتح بالقتال.
وهذا الحديث يدل أنها تفتح بالتهليل والتكبير، فقول بعضهم فيه بعد.
والحاصل: أن القسطنطينية لا بد من فتحها، وأن فتحها من أشراط الساعة على ما شهدت به أخبار كثيرة، منها: ما ذكرناه آنفًا، ومنها: ما خرجه الترمذي من حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((المَلْحَمَةُ العُظْمَى، وفَتْحُ القُسْطَنْطِينِيَّةِ، وخُرُوجُ الدَّجَّالِ فِي سَبْعَةِ أَشْهُرٍ)) (١) قال: هذا الحديث حسن صحيح، وفيه: وعن أنس بن مالك: أن فتح القسطنطينية مع قيام الساعة. هكذا رواه موقوفًا. قال محمد: هذا حديث غريب. والقسطنطينية هي مدينة الروم تفتح عند خروج الدجال، والقسطنطينية قد فُتحت في زمان بعض أصحاب النبي ﷺ .
قال الشيخ ﵀: وعلى هذا فالفتح الذي يكون مقارنًا لخروج الدجال هو الفتح المراد بهذه الأحاديث؛ لأنها اليوم بأيدي الروم أمَّرهم الله تعالى، والله بتفاصيل هذه الوقائع أعلم)) (٢). انتهى
стр. 4421
وقال المباركفوري ﵀: ((((فَيُفَرَّجُ لَهُمْ))، أي: فيكشف ويفر العدو، والفتح المذكور في هذا الحديث غير الفتح الذي افتتحه محمد الفاتح العثماني، فإنه افتتح هذه المدينة بعد الحصار الطويل، والحروب الشديدة، والتدابير الغريبة النادرة، وهذا الفتح المذكور في هذا الحديث إنما يحصل بهتاف التكبير دون القتال، ويحصل قرب خروج الدجال جدًّا، والسر في فتحها بالتكبير أن المسلمين يغزونها بعد الملحمة الكبرى التي تقع بالأعماق، أو بدابق، وقد تقدم ما يقع فيها من القتل الذريع في العدو، بحيث يطير الطائر بجنباتهم، فلا يجاوزهم حتى يخر ميتًا، فيداخلهم لأجل ذلك رعب شديد، حتى إنهم حين يسمعون بقدوم المسلمين إلى هذه المدينة لا يتمالكون أنفسهم، ولا يجترئون على القتال، بل يلوذون بالفرار بمجرد قدوم المسلمين، ولله الحمد)) (١).
خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ)).
والغرقد: نوع من شجر العوسج؛ لهذا فإن اليهود الآن يغرسون شجر الغرقد؛ لأنه يخون معهم، وما عدا الغرقد فإنه يتكلم، وقد يحصل هذا قبل نزول عيسى ﵇.
[٢٩٢٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ)).
وَزَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)).
وَحَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، قَالَ سِمَاكٌ: وَسَمِعْتُ أَخِي يَقُولُ: قَالَ جَابِرٌ: فَاحْذَرُوهُمْ.
[١٥٧] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- وَهُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ- عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: يَنْبَعِثَ.
[خ: ٣٦٠٩]
في هذا الحديث: علامة من علامات النبوة وقعت كما أخبر النبي ﷺ ، حيث يخرج دجالون كذابون قريب من ثلاثين، والمراد: مَن له شوكة وأتباع، أما من ادَّعى النبوة لخبل في عقله، أو هوس في رأسه فهذا كثير لا عبرة به.
стр. 4424
أما من خرج وله شوكة وأتباع: فمنهم: مسيلمة الكذاب، وقد خرج في آخر حياة النبي ﷺ ، وتبعه بنو حنيفة، وقاتلهم الصحابة ﵃.
ومنهم: الأسود العنسي في اليمن، وقُتل في آخر حياة النبي ﷺ .
ومنهم: سجاحِ التميميةُ، ادعت النبوة، ولها أتباع، ثم تابت وأسلمت.
ومنهم: طليحة الأسدي، ثم تاب وأسلم.
ومنهم: مرزا غلام أحمد القادياني.
стр. 4425
بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ
[٢٩٢٤] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَرَرْنَا بِصِبْيَانٍ فِيهِمْ ابْنُ صَيَّادٍ، فَفَرَّ الصِّبْيَانُ وَجَلَسَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَكَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَرِهَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ((تَرِبَتْ يَدَاكَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ ))، فَقَالَ: لَا، بَلْ تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ذَرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنْ يَكُنِ الَّذِي تُرَى فَلَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَرَّ بِابْنِ صَيَّادٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا))، فَقَالَ: دُخٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ))، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((دَعْهُ، فَإِنْ يَكُنِ الَّذِي تَخَافُ لَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ)).
في هذين الحديثين: ذكر ابن صياد، ويقال له: ابن صائد.
وفيها: أن اسمه صافٍ، وهو دجال من دجاجلة اليهود، إلا أنه لم يبلغ الحلم، وكان قد أشكل أمره على النبي ﷺ في أول الأمر، فلم يدر هل هو الدجال الأكبر، أو ليس هو؟ ! لأن الله تعالى بين له الأوصاف، ولم يبين له عينه، ثم بعد ذلك أخبره الله أنه ليس هو الدجال الأكبر، وإنما الدجال
стр. 4426
الأكبر يخرج في آخر الزمان.
قوله: ((تَرِبَتْ يَدَاكَ)): هذا دعاء من النبي ﷺ عليه بأن تلصق يده بالتراب من الفقر، وهو من الألفاظ التي تقولها العرب وهم لا يريدون حقيقتها، وقد يراد به الحقيقة، كما في هذا الدعاء على ابن صياد.
وفيهما: أن ابن صياد ادعى النبوة؛ لأن النبي ﷺ قال له: ((أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ ))؛ ولهذا قال عمر ﵁: ((ذَرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَقْتُلَهُ))؛ لأنه يهودي كافر، ومدَّعٍ للنبوة.
قوله: ((إِنْ يَكُنِ الَّذِي تُرَى فَلَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ)): تُرى بمعنى: تظن، أي: إن كان الذي تظن من أنه الدجال الأكبر فلن تستطيع قتله، كما يدل عليه الحديث الذي بعده: ((فَإِنْ يَكُنِ الَّذِي تَخَافُ لَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ))؛ لأنه لا بد أن يمكث المدة التي قدَّرها الله له أن يمكثها في الأرض، كما سيأتي في حديث الدجال، وهي: ((أَرْبَعُونَ يَوْمًا؛ يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ))، ولا بد أن تجري على يديه الخوارق، والأمور التي قدَّرها الله ، وهذا يدل على أن النبي ﷺ لم يعرف أنه الدجال في أول الأمر، حتى أعلمه الله بعد ذلك أنه ليس هو الدجال الأكبر.
وفيهما: أن ابن صياد ادعى الكهانة، فقال النبي ﷺ : ((قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا))، فَقَالَ: دُخٌّ، وخبأت، يعني: أضمرت في نفسي، وأخفيت، والدُّخ لغة في الدخان، يعني: أن النبي ﷺ أضمر له هذه الآية: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾، فعرفها ابن صياد.
وفيهما: أنه لا يجوز للإنسان أن ينفذ الأحكام بنفسه، بل لا بد أن يكون ذلك عن طريق ولاة الأمور؛ ولهذا استأذن عمر ﵁ النبي ﷺ ، وقال: ((دَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ))، فمنعه النبي ﷺ ، ولم يأذن له في قتله.
مسألة: لِمَ لم يقتل النبي ﷺ ابن صياد؟
والجواب: اختلف العلماء في ذلك على قولين:
стр. 4427
الأول: لأنه يهودي، واليهود بينهم وبين النبي ﷺ عهد.
الثاني: أن النبي ﷺ قال: إنه صبي، والصبي ليس مكلفًا، ولا تقام عليه الحدود.
والأقرب- والله أعلم-: أن النبي ﷺ في أول الأمر لم يؤذن له في قتله؛ لأنه اشتبه عليه الأمر، فلم يدر هل هو الدجال الأكبر، أو غيره، حتى إن بعض الصحابة ﵃ كان يحلف أنه هو الدجال الأكبر، وقد حلفوا على ما يظنون، ولا يعتبر هذا من الكذب.
ولم يؤذن له بالخروج؛ ولهذا قال ابن صياد: ((وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ مَوْلِدَهُ، وَمَكَانَهُ وَأَيْنَ هُوَ))، فيؤخذ من هذا: أنه موجود، وأنه مولود، وأنه موثق بالحديد، وهذا من الأدلة على أن ابن صياد ليس هو الدجال الأكبر.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ صَائِدٍ- وَأَخَذَتْنِي مِنْهُ ذَمَامَةٌ-: هَذَا عَذَرْتُ النَّاسَ، مَا لِي وَلَكُمْ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، أَلَمْ يَقُلْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهُ يَهُودِيٌّ، وَقَدْ أَسْلَمْتُ، قَالَ: وَلَا يُولَدُ لَهُ، وَقَدْ وُلِدَ لِي، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ مَكَّةَ، وَقَدْ حَجَجْتُ، قَالَ: فَمَا زَالَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَأْخُذَ فِيَّ قَوْلُهُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أَمَا- وَاللَّهِ- إِنِّي لَأَعْلَمُ الْآنَ حَيْثُ هُوَ، وَأَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: وَقِيلَ لَهُ: أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ ذَاكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: فَقَالَ: لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ مَا كَرِهْتُ.
قوله: ((وَأَخَذَتْنِي مِنْهُ ذَمَامَةٌ))، أي: حياء، وإشفاق.
وقوله: ((هَذَا عَذَرْتُ النَّاسَ، مَا لِي وَلَكُمْ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ))، يعني: إذا عذرت الناس فلا أعذركم يا أصحاب محمد ﷺ ؛ لأنكم تعلمون الأحاديث، وتعلمون أوصاف الدجال، وأنها لا تنطبق عليَّ.
وقوله: ((فَمَا زَالَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَأْخُذَ فِيَّ قَوْلُهُ))،
يعني: حتى كاد يؤثر عليَّ، وأُصَدِّقه في دعواه.
وفي هذا الحديث: دليل على أن الدجال لا يدخل مكة، والمدينة في وقته، وأن الله حرمهما عليه، وجاء هذا صريحًا في حديث: ((فَلَا أَدَعَ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ؛ فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً- أَوْ: وَاحِدًا مِنْهُمَا- اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا)).
стр. 4430
وفيه: دليل على أن ابن صياد كافر؛ لأنه يقول: ((لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ مَا كَرِهْتُ))، يعني: أنه لا يكره أنه هو الدجال لو عُرض عليه، أي: لا يكره أن يكون كافرًا، والذي لا يكره الكفر كافر؛ لأنه يكون قد نقض كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، أَخْبَرَنِي الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا، وَمَعَنَا ابْنُ صَائِدٍ قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَبَقِيتُ أَنَا وَهُوَ، فَاسْتَوْحَشْتُ مِنْهُ وَحْشَةً شَدِيدَةً؛ مِمَّا يُقَالُ عَلَيْهِ، قَالَ: وَجَاءَ بِمَتَاعِهِ فَوَضَعَهُ مَعَ مَتَاعِي، فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ، فَلَوْ وَضَعْتَهُ تَحْتَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَرُفِعَتْ لَنَا غَنَمٌ، فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِعُسٍّ، فَقَالَ: اشْرَبْ أَبَا سَعِيدٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ، وَاللَّبَنُ حَارٌّ- مَا بِي إِلَّا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ عَنْ يَدِهِ، أَوَ قَالَ: آخُذَ عَنْ يَدِهِ- فَقَالَ: أَبَا سَعِيدٍ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آخُذَ حَبْلًا، فَأُعَلِّقَهُ بِشَجَرَةٍ، ثُمَّ أَخْتَنِقَ مِمَّا يَقُولُ لِي النَّاسُ، يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَسْتَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((هُوَ كَافِرٌ))؟ وَأَنَا مُسْلِمٌ، أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((هُوَ عَقِيمٌ لَا يُولَدُ لَهُ))؟ وَقَدْ تَرَكْتُ وَلَدِي بِالْمَدِينَةِ، أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ))؟ وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَأَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: حَتَّى كِدْتُ أَنْ أَعْذِرَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا- وَاللَّهِ- إِنِّي لَأَعْرِفُهُ، وَأَعْرِفُ
مَوْلِدَهُ وَأَيْنَ هُوَ الْآنَ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ.
قوله: ((فَرُفِعَتْ لَنَا غَنَمٌ، فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِعُسٍّ)): العُسُّ: قدح كبير فيه لبن، والمعنى: أنه حلب الغنم، وجاء بلبنها لأبي سعيد ﵁، وقال: ((اشْرَبْ))،
стр. 4431
ولكنه اعتذر منه، وقال: ((إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ وَاللَّبَنُ حَارٌّ)): فلم يأخذ منه، والسبب في عدم أخذه اللبن هو: أنه يكره أن يأخذ من يده شيء، لا من أجل أن اللبن حار.
[٢٩٢٨] حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ- عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِابْنِ صَائِدٍ-: ((مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ )) قَالَ: دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَالَ: ((صَدَقْتَ)).
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: ((دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ خَالِصٌ)).
قوله: ((دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ)): معناه: أنها في البياض درمكة، وفي الطيب مسك، والدرمك: هو الدقيق الحوَّارَى خالص البياض.
وفي هذا الحديث: دليل على تصديق الكاذب إذا قال صدقًا، ولو كان هو في نفسه كاذبًا؛ لأن النبي ﷺ صدَّقه.
وفيه: دليل أن الحق يُقبل ممن جاء به، ولو كان كافرًا، أو كاذبًا، فهذا حق جاء به ابن صياد، ومع ذلك صدَّقه النبي ﷺ في أن الجنة ((دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ))، كما ثبت هذا من قوله ﷺ .
ومن الأدلة- أيضًا- على قبول الحق ممن جاء به ولو كان كاذبًا أو كافرًا: قبول النبي ﷺ قول اليهودي لما قال: ((يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ: أَنَا المَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١])) (١)؛ تصديقًا لقول الحق، وكذلك
стр. 4432
صدَّق الشيطان لما أخبر أبا هريرة ﵁ قال: ((إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ)) (١).
وفيه: إثباتُ أن الجنة مخلوقة الآن، والردُّ على المعتزلة الذين أنكروا خلقها، وقالوا: إنها لا تُخلق إلا يوم القيامة.
قوله: ((عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ))، يعني: عند حصن بني مغالة.
وقوله: ((فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ))، يعني: أشهد أنك مرسل إلى العرب، لا إلى العجم.
وقوله: ((فَرَفَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ )، يعني: رفسه برجله.
وقوله: ((فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا زَمْزَمَةٌ)): الزمزمة: صوت النار، يعني: هو جالس على قطيفة، وله صوت غير معروف.
وقوله: ((فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ))، أي: يختفي ليسمع من كلامه، حتى يستدل به على أمره، وهذا يدل على أن النبي ﷺ في ذلك الوقت ما بُيِّن له الدجال بشخصه وعينه، وإن كان قد بينت له الأوصاف.
وقوله: ((لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ))، يعني: تبين أمره مما نسمع من كلامه.
وقوله: ((تَعَلَّمُوا أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللَّهَ ﵎ لَيْسَ بِأَعْوَرَ)): تعلَّموا بمعنى: اعلموا، أي: اعلموا أن ربكم ليس بأعور.
وقد استدل العلماء بهذا الحديث على إثبات العينين لله ، وأن الله له الكمال في ذاته، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وأن له عينين سليمتين، وأن الدجال أعور، والله ليس بأعور.
ومن هنا قالوا: إن المراد بقوله تعالى: ﴿تجري بأعيننا﴾ المراد به: عينَا الله ، كما دل عليه الحديث، كما أن لله تعالى يدين، بدليل قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، وقوله: ﴿لما خلقت بيدي﴾، وأن المراد بقوله تعالى: ﴿مما عملت أيدينا﴾ يَدَا الله تعالى.
وهناك علامتان في الحديث تدلان على كذب ابن صياد في دعواه، وكذب الدجال في دعواه الربوبية:
الأولى: أن الدجال أعور، والله تعالى ليس بأعور.
الثانية: أن الدجال رؤي في الدنيا، والله تعالى لا يُرى في الدنيا، لكن
стр. 4436
يُرى بعد الموت في الآخرة، كما ثبت أنه ﷺ قال: ((فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَأَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا)) (١).
[٢٩٣٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ ابْنَ صَائِدٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ قَوْلًا أَغْضَبَهُ، فَانْتَفَخَ حَتَّى مَلَأَ السِّكَّةَ، فَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حَفْصَةَ وَقَدْ بَلَغَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ! مَا أَرَدْتَ مِنْ ابْنِ صَائِدٍ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا)).
قوله: ((فَانْتَفَخَ حَتَّى مَلَأَ السِّكَّةَ)): السكة جمعها سكك وهي الطريق، وهذا يدل على أنه من الدجالين والمشعوذين؛ لأنه لما أغضبه ابن عمر ﵄ انتفخ حتى ملأ الطريق.
وقوله: ((إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا)): فيه: أن حفصة ﵂ أيضًا- تظن أن ابن صائد هو الدجال الأكبر، كما كان عمر ﵁ يحلف، وجابر وجماعة من الصحابة ﵃ يحلفون على ذلك.
стр. 4437
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ- يَعْنِي: ابْنَ حَسَنِ بْنِ يَسَارٍ- حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ نَافِعٌ يَقُولُ: ابْنُ صَيَّادٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقِيتُهُ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: فَلَقِيتُهُ، فَقُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَلْ تَحَدَّثُونَ أَنَّهُ هُوَ؟ قَالَ: لَا، وَاللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ: كَذَبْتَنِي، وَاللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُكُمْ: أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَكُمْ مَالًا وَوَلَدًا، فَكَذَلِكَ هُوَ زَعَمُوا الْيَوْمَ، قَالَ: فَتَحَدَّثْنَا، ثُمَّ فَارَقْتُهُ، قَالَ: فَلَقِيتُهُ لَقْيَةً أُخْرَى، وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ: قُلْتُ: لَا تَدْرِي، وَهِيَ فِي رَأْسِكَ؟ ! قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ خَلَقَهَا فِي عَصَاكَ هَذِهِ، قَالَ: فَنَخَرَ كَأَشَدِّ نَخِيرِ حِمَارٍ، سَمِعْتُ قَالَ: فَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِي أَنِّي ضَرَبْتُهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعِيَ حَتَّى تَكَسَّرَتْ، وَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ، قَالَ: وَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَحَدَّثَهَا، فَقَالَتْ: مَا تُرِيدُ إِلَيْهِ؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبْعَثُهُ عَلَى النَّاسِ غَضَبٌ يَغْضَبُهُ.
في هذا الحديث: أن ابن عمر ﵄ بينه وبين ابن صياد ملابسات وأشياء، حيث جاء إليه ((وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ))، يعني: برزت، فسأله: متى برزت؟ قال: ((مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ: قُلْتُ: لَا تَدْرِي، وَهِيَ فِي رَأْسِكَ؟ ! قال: إِنْ شَاءَ اللَّهُ خَلَقَهَا فِي عَصَاكَ هَذِهِ، قَالَ: فَنَخَرَ كَأَشَدِّ نَخِيرِ حِمَارٍ)): فضربه ابن عمر ﵄ بعصاه، وكان لا يشعر، وقال أصحابه: إنك ضربته حتى تكسرت، وأما ابن عمر ﵄ فلم يشعر، كأنه حصل له إغماء، أو غفلة، أو أن ابن صياد حصل منه تأثير عليه من شعوذته، فلما جاء ابن عمر ﵄ إلى حفصة ﵂ نهته، وقالت له: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبْعَثُهُ عَلَى النَّاسِ غَضَبٌ يَغْضَبُهُ)): فلا تُغضبه، واتركه حتى لا يخرج؛ لأن خروجه يضر بالناس.
حديث النواس بن سمعان هذا فيه معانٍ عظيمةٌ، وفوائدُ وأحكامٌ:
ففيه: ذكر ثلاثة أشراط من أشراط الساعة: الدجال، ونزول عيسى ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، وهذه العلامات متوالية ومرتبة، ولم يذكر العلامة الأولى وهي المهدي، وهي ثابتة في غير الصحيحين.
وأحاديث المهدي ليست على شرط مسلم؛ لهذا لم يخرجها، وهي أحاديث كثيرة، منها: ما هو ثابت، ومنها: ما هو غير ثابت.
وقد ذُكِرَ في هذا الحديث الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين، وهي متأخرة؛ لأنه ثبت أن البيت يُحَجُّ بعد يأجوج ومأجوج، فالريح الطيبة هذه متأخرة تكون بعد ذلك، ولا يلزم أن تكون بعد يأجوج ومأجوج مباشرة؛ لأن عيسى ﵇ يعيش، ويمر زمن بعد إهلاك الله ليأجوج ومأجوج.
وقوله: ((فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ)): اختلف في معناها، فقيل: خفَّض، يعني: حقَّره، ورفَّع، يعني: فخَّمه وعظَّمه.
فمن تحقيره: قوله: ((إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ))، وقوله: ((أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى))، وأنه لا يستطيع قتل أحد بعد ذلك الرجل، وأنه يقتله عيسى ﵇، وأنه ينتهي أمره.
ومن تفخيمه، وتعظيمه: قوله: إن معه فتنًا عظيمة، ومعه خوارق العادات، حيث يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، ويُفتن به كثير من الناس.
وقيل: ((فَخَفَّضَ))، أي: خفَّض صوته بعد كلام طويل، ((وَرَفَّعَ))، أي: رفَّع صوته لِيُسمع منه.
وقوله: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً، فَخَفَّضْتَ فِيهِ، وَرَفَّعْتَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ))، يعني: حتى ظنوا أنه قريبٌ منهم، وأنه موجود بسبب تحذيرهم منه وذكره لأوصافه، وتحقيره وتفخيمه.
وقوله: ((إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ
стр. 4445
فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)): هذا دليل على أن النبي ﷺ لم يُبيَّن له متى يخرج؛ لأنه يحتمل أن يخرج في زمن النبي ﷺ ، أو بعد زمانه، ثم بعد ذلك بيَّن الله له أنه لا يخرج في زمانه؛ وإنما يخرج في آخر الزمان بعد دهر طويل من بعثته ﷺ .
وقوله: ((إِنْ يَخْرُجْ، وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ))، يعني: أحاجِجُه، وأجادله، وأكفيكم إياه.
وقوله: ((وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ))، أي: أن الله تعالى يتولى كل مسلم، ويثبته على إيمانه بعد وفاته.
وقوله: ((إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ طَافِئَةٌ))، أي: أنه شاب وليس شيخًا، وهو قطط، أي: شديد جعودة الشعر، وعينه طافئة، أي: عينه اليمنى عوراء ليس فيها نور.
وقوله: ((كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ)): وجاء في الحديث الآخر: ((يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ يَضُرُّنِي شَبَهُهُ؟ قَالَ: لَا، أَنْتَ امْرُؤٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ امْرُؤٌ كَافِرٌ)) (١)، وهذا فيه دليل على أن الإنسان إذا كان يشبه شخصًا كافرًا لم يضره ذلك؛ لأن العبرة بالإيمان والأعمال، وليست بتشابه الصور.
وقوله: ((فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ)): فيه: مشروعية قراءة فواتح سورة الكهف لمن أدرك الدجال، وأن هذا من أسباب الوقاية من فتنته، وجاء في الحديث الآخر: ((مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ)) (٢)، وفي رواية أخرى: ((مِنْ آخِرِ الْكَهْفِ)) (٣).
وقوله: ((إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ)): الخلة: ما بين الشيئين، والمراد بها هنا: ما بين البلدين.
стр. 4446
وقوله: ((فَعَاثَ يَمِينًا، وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَاثْبُتُوا)): عاث، يعني: أفسد، والعيث معناه: الإفساد، والإسراع فيه، والإكثار منه، أي: يفسد في الأرض، بأن يدعو إلى الكفر- والعياذ بالله- ويدعو إلى النار، والمراد بالفساد هنا: الفساد المعنوي، لا الحسي.
وقوله: ((يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَاثْبُتُوا)): هذا خطاب للمؤمنين الذين خرج الدجال في زمنهم بأن اثبتوا على دينكم، ولا تصدقوا الدجال، ولا تتبعوه، وهذه نصيحة من النبي ﷺ ، وأنصحُ الناسِ هم الأنبياء، وأعظمهم نصيحة نبينا محمد ﷺ .
وقوله: ((قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا؛ يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ)): فيه: بيان المدة التي يمكثها الدجال في الأرض، وهي أربعون يومًا؛ يومٌ كسنة، أي: تطلع الشمس، ولا تغرب إلا بعد ثلاثمائة وستة وخمسين يومًا، واليوم الثاني كشهر، أي: تطلع الشمس ولا تغرب إلا بعد ثلاثين يومًا، واليوم الثالث كجمعة، أي: تطلع الشمس ولا تغرب إلا بعد سبعة أيام، والباقي كأيامنا.
وقوله: ((قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ)): قال النووي ﵀: ((ومعنى: ((اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ)): أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر كل يوم فصلوا الظهر، ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر فصلوا العصر، وإذا مضى بعد هذا قدر ما يكون بينها وبين المغرب فصلوا المغرب، وكذا العشاء، والصبح، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، وهكذا حتى ينقضي ذلك اليوم)) (١).
وكذلك صيام رمضان يقدر بمقدار اليوم.
وأخذ العلماء من هذا الحديث فائدة عظيمة مهمة، وهي: أن البلاد التي
стр. 4447
تطلع الشمس فيها مدة طويلة، أو لا تطلع فيها مدة طويلة، كالبلاد التي تطلع الشمس عليها ستة أشهر ولا تغيب، أو البلاد التي عندهم الليل ستة أشهر- يقدر أهلها كل أربع وعشرين ساعة خمس صلوات، ولو كانت الشمس طالعة، وكذلك البلاد التي يكون فيها الليل طويلًا، يقدر أهلها لكل أربع وعشرين ساعة خمس صلوات، ولو كانت الصلاة في الليل.
أما الصيام فيصومون على صيام أقرب بلد يليهم فيه نهار، فإن كان النهار في البلد الذي يليهم بمقدار أربع وعشرين ساعة، فيصومون مثلهم، وهكذا.
وقوله: ((وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ، فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَجِيبُونَ)): فيه: دليل على سرعة سير الدجال، وأنه كالمطر، إذا استدبرته الريح فإنه يكون سريعًا، فكذلك الدجال، والله أعلم بوسائل النقل التي ستنقله، هل هي من المخترعات الحديثة، أو ستنتهي هذه المخترعات؟
وقوله: ((فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ)): سارحتهم، أي: الماشية التي تسرح في أول النهار، وتعود وقد امتلأت ضروعها لبنًا وتسمن، وذُرًا: جمع ذروة، وهي الأسنمة، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، يعني: ممتلئة ضروعها باللبن، وأمده خواصر: كناية عن الامتلاء.
وقوله: ((ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ، فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ)): فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، أي: يكفرون به.
وقوله: ((فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ))، أي: لا شيء عندهم، لا مطر، ولا نبات، وسارحتهم ليس فيها لبن ابتلاءً وفتنةً؛ لهذا جاء في الحديث: ((مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ))، كما سيأتي؛ ولهذا شُرع لنا أن نستعيذ بالله من فتنة المسيح الدجال في كل صلاة (١)؛ لأنها فتنة عظيمة.
стр. 4448
وقوله: ((وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ، فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ)): هذا- أيضًا- من الفتن، حيث يأتي الدجال إلى الخربة فيدعوها فتتبعه كنوزها، والخربة قد تكون تحت الأرض، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، وهي جماعة النحل، واليعسوب هو أميرهم، والمراد بالنحل: الحشرة المعروفة التي يخرج منها العسل.
وقوله: ((ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ، وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ))، أي: أنه يسلط على رجل، ولا يسلط على غيره، فيدعوه إلى الإيمان به، فيقول: أتؤمن بي؟ فيقول: أنت الدجال اللعين.
وقوله: ((فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ))، أي: قطعتين.
وقوله: ((رَمْيَةَ الْغَرَضِ))، أي: يجعل بين الجزلتين مقدار رمية السهم، ثم يمشي بينهما، ثم يقول له: ((قُمْ))، فيحييه الله ، فيقوم متهللًا يضحك، ثم يقول له- كما في الحديث الآخر-: ((هَلْ تُؤْمِنُ بِي؟ فيقول: مَا ازَدَدْتُ فِيكَ إِلَّا بَصِيرَةً))، أنت الدجال اللعين، فيأتي ليقتله بعد ذلك فلا يسلط عليه، وجاء في الحديث: ((فَيُجْعَلَ مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ نُحَاسًا، فَلَا يَسْتَطِيعُ إِلَيْهِ سَبِيلًا)).
وقوله: ((بَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤ)): هذه هي العلامة الثالثة، وهي نزول عيسى ابن مريم ﵊ من السماء؛ لأن الله رفعه حيًّا، كما قال تعالى: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعًا كفيه على جناحي الملكين.
وقوله: ((بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ))، يعني: ثوبين مصبوغين بالورس، ثم الزعفران، وهما نوعان من الصبغ.
وقوله: ((تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤ))، يعني: تنحدر منه حبات الفضة التي
стр. 4449
تشبه اللؤلؤ الكبار، وهذا تشبيه للماء الذي ينزل منه باللؤلؤ في صفائه.
وقوله: ((فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ))، يعني: لا يمكن أن يجد كافر ريح نَفَس عيسى ﵇ إلا مات.
وقوله: ((وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ))، يعني: أن أي كافر يراه مد البصر يموت، وأما الكفرة البعيدون فلا، وسيأتي أن يأجوج ومأجوج من الكفرة، وأن عيسى ومن معه من المؤمنين يتحرزون ويتحصنون بجبل الطور، فكيف لا يموتون إذا وجدوا ريح نفَسه؟ قيل: إما لكثرتهم؛ أو لأنهم مستثنون من هذا.
وقوله: ((فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ)): باب لد في بلدةٍ قرب بيت المقدس، وفي اللفظ الآخر: ((فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ)): ولو تركه لمات، ولكنه يقتله.
وقوله: ((ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ))، يعني: يمسح عن وجوههم بِرًّا بهم، وبشارةً لهم.
وقوله: ((فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ؛ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ)): وهم يأجوج ومأجوج، وهذه هي العلامة الرابعة.
مسألة: قوله: ((فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى)): معلوم أن الوحي انقطع بعد وفاة النبي ﷺ ، فكيف يقول: ((إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى))؟
والجواب: أن هذا خاص بعيسى ﵇، أو أن الوحي هنا بمعنى: الإلهام، أي: يلهمه الله: أني قد أخرجتُ عبادًا لي، وهم يأجوج ومأجوج.
وقوله: ((إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ))، أي: لا قدرة ولا طاقة لأحد بقتالهم.
فإن قيل: كيف يكونون عبادًا لله؟
قيل: المراد بالعبودية هنا: العبودية العامة، وليست العبودية الخاصة،
стр. 4450
قال تعالى: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾، يعني: هم معبَّدون مقهورون مذلَّلون مسخَّرون، المؤمن منهم والكافر.
وقوله: ((فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ))، يعني: اجعل الطور حصنًا لهم.
مسألة: إن قيل: لِمَ يُحرِّزهم في الطور؟ هل لأن يأجوج ومأجوج لا يصعدون إلى الطور؟
والجواب: الظاهر- والله أعلم-: أنه يكون كالحصن لهم، وأن يأجوج ومأجوج لا يستطيعون أن يصعدوا إليه، وأن الله لا يسلطهم على المؤمنين المتحصنين فيه.
ويبقون في هذا الجبل إلى هلاكهم، فإذا أهلكهم الله تعالى نزلوا بعد ذلك.
وقوله: ((وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ)): الحَدَب: ما ارتفع وغلظ من الأرض، وينسلون: يمشون مسرعين، أي: ينزلون من هذا الجبل، ومن هذا الجبل مثل السيول.
وقوله: ((فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ)): وهذا يدل على كثرتهم الكاثرة، يمرون ببحيرة طبرية فيشربونها، ولا يبقى إلا التراب، ثم يمر آخرهم لا يعلمون عن أوائلهم، فيقولون: كان بهذه مرةً ماء.
ومن الأدلة على كثرتهم: ما ثبت في الحديث: ((يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الوَاحِدُ؟ قَالَ: أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا)) (١).