وقوله: ((فَعَاثَ يَمِينًا، وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَاثْبُتُوا)): عاث، يعني: أفسد، والعيث معناه: الإفساد، والإسراع فيه، والإكثار منه، أي: يفسد في الأرض، بأن يدعو إلى الكفر- والعياذ بالله- ويدعو إلى النار، والمراد بالفساد هنا: الفساد المعنوي، لا الحسي.
وقوله: ((يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَاثْبُتُوا)): هذا خطاب للمؤمنين الذين خرج الدجال في زمنهم بأن اثبتوا على دينكم، ولا تصدقوا الدجال، ولا تتبعوه، وهذه نصيحة من النبي ﷺ ، وأنصحُ الناسِ هم الأنبياء، وأعظمهم نصيحة نبينا محمد ﷺ .
وقوله: ((قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا؛ يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ)): فيه: بيان المدة التي يمكثها الدجال في الأرض، وهي أربعون يومًا؛ يومٌ كسنة، أي: تطلع الشمس، ولا تغرب إلا بعد ثلاثمائة وستة وخمسين يومًا، واليوم الثاني كشهر، أي: تطلع الشمس ولا تغرب إلا بعد ثلاثين يومًا، واليوم الثالث كجمعة، أي: تطلع الشمس ولا تغرب إلا بعد سبعة أيام، والباقي كأيامنا.
وقوله: ((قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ)): قال النووي ﵀: ((ومعنى: ((اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ)): أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر كل يوم فصلوا الظهر، ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر فصلوا العصر، وإذا مضى بعد هذا قدر ما يكون بينها وبين المغرب فصلوا المغرب، وكذا العشاء، والصبح، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، وهكذا حتى ينقضي ذلك اليوم)) (١).
وكذلك صيام رمضان يقدر بمقدار اليوم.
وأخذ العلماء من هذا الحديث فائدة عظيمة مهمة، وهي: أن البلاد التي
стр. 4447
تطلع الشمس فيها مدة طويلة، أو لا تطلع فيها مدة طويلة، كالبلاد التي تطلع الشمس عليها ستة أشهر ولا تغيب، أو البلاد التي عندهم الليل ستة أشهر- يقدر أهلها كل أربع وعشرين ساعة خمس صلوات، ولو كانت الشمس طالعة، وكذلك البلاد التي يكون فيها الليل طويلًا، يقدر أهلها لكل أربع وعشرين ساعة خمس صلوات، ولو كانت الصلاة في الليل.
أما الصيام فيصومون على صيام أقرب بلد يليهم فيه نهار، فإن كان النهار في البلد الذي يليهم بمقدار أربع وعشرين ساعة، فيصومون مثلهم، وهكذا.
وقوله: ((وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ، فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَجِيبُونَ)): فيه: دليل على سرعة سير الدجال، وأنه كالمطر، إذا استدبرته الريح فإنه يكون سريعًا، فكذلك الدجال، والله أعلم بوسائل النقل التي ستنقله، هل هي من المخترعات الحديثة، أو ستنتهي هذه المخترعات؟
وقوله: ((فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ)): سارحتهم، أي: الماشية التي تسرح في أول النهار، وتعود وقد امتلأت ضروعها لبنًا وتسمن، وذُرًا: جمع ذروة، وهي الأسنمة، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، يعني: ممتلئة ضروعها باللبن، وأمده خواصر: كناية عن الامتلاء.
وقوله: ((ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ، فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ)): فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، أي: يكفرون به.
وقوله: ((فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ))، أي: لا شيء عندهم، لا مطر، ولا نبات، وسارحتهم ليس فيها لبن ابتلاءً وفتنةً؛ لهذا جاء في الحديث: ((مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ))، كما سيأتي؛ ولهذا شُرع لنا أن نستعيذ بالله من فتنة المسيح الدجال في كل صلاة (١)؛ لأنها فتنة عظيمة.
стр. 4448
وقوله: ((وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ، فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ)): هذا- أيضًا- من الفتن، حيث يأتي الدجال إلى الخربة فيدعوها فتتبعه كنوزها، والخربة قد تكون تحت الأرض، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، وهي جماعة النحل، واليعسوب هو أميرهم، والمراد بالنحل: الحشرة المعروفة التي يخرج منها العسل.
وقوله: ((ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ، وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ))، أي: أنه يسلط على رجل، ولا يسلط على غيره، فيدعوه إلى الإيمان به، فيقول: أتؤمن بي؟ فيقول: أنت الدجال اللعين.
وقوله: ((فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ))، أي: قطعتين.
وقوله: ((رَمْيَةَ الْغَرَضِ))، أي: يجعل بين الجزلتين مقدار رمية السهم، ثم يمشي بينهما، ثم يقول له: ((قُمْ))، فيحييه الله ، فيقوم متهللًا يضحك، ثم يقول له- كما في الحديث الآخر-: ((هَلْ تُؤْمِنُ بِي؟ فيقول: مَا ازَدَدْتُ فِيكَ إِلَّا بَصِيرَةً))، أنت الدجال اللعين، فيأتي ليقتله بعد ذلك فلا يسلط عليه، وجاء في الحديث: ((فَيُجْعَلَ مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ نُحَاسًا، فَلَا يَسْتَطِيعُ إِلَيْهِ سَبِيلًا)).
وقوله: ((بَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤ)): هذه هي العلامة الثالثة، وهي نزول عيسى ابن مريم ﵊ من السماء؛ لأن الله رفعه حيًّا، كما قال تعالى: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعًا كفيه على جناحي الملكين.
وقوله: ((بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ))، يعني: ثوبين مصبوغين بالورس، ثم الزعفران، وهما نوعان من الصبغ.
وقوله: ((تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤ))، يعني: تنحدر منه حبات الفضة التي
стр. 4449
تشبه اللؤلؤ الكبار، وهذا تشبيه للماء الذي ينزل منه باللؤلؤ في صفائه.
وقوله: ((فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ))، يعني: لا يمكن أن يجد كافر ريح نَفَس عيسى ﵇ إلا مات.
وقوله: ((وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ))، يعني: أن أي كافر يراه مد البصر يموت، وأما الكفرة البعيدون فلا، وسيأتي أن يأجوج ومأجوج من الكفرة، وأن عيسى ومن معه من المؤمنين يتحرزون ويتحصنون بجبل الطور، فكيف لا يموتون إذا وجدوا ريح نفَسه؟ قيل: إما لكثرتهم؛ أو لأنهم مستثنون من هذا.
وقوله: ((فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ)): باب لد في بلدةٍ قرب بيت المقدس، وفي اللفظ الآخر: ((فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ)): ولو تركه لمات، ولكنه يقتله.
وقوله: ((ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ))، يعني: يمسح عن وجوههم بِرًّا بهم، وبشارةً لهم.
وقوله: ((فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ؛ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ)): وهم يأجوج ومأجوج، وهذه هي العلامة الرابعة.
مسألة: قوله: ((فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى)): معلوم أن الوحي انقطع بعد وفاة النبي ﷺ ، فكيف يقول: ((إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى))؟
والجواب: أن هذا خاص بعيسى ﵇، أو أن الوحي هنا بمعنى: الإلهام، أي: يلهمه الله: أني قد أخرجتُ عبادًا لي، وهم يأجوج ومأجوج.
وقوله: ((إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ))، أي: لا قدرة ولا طاقة لأحد بقتالهم.
فإن قيل: كيف يكونون عبادًا لله؟
قيل: المراد بالعبودية هنا: العبودية العامة، وليست العبودية الخاصة،
стр. 4450
قال تعالى: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾، يعني: هم معبَّدون مقهورون مذلَّلون مسخَّرون، المؤمن منهم والكافر.
وقوله: ((فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ))، يعني: اجعل الطور حصنًا لهم.
مسألة: إن قيل: لِمَ يُحرِّزهم في الطور؟ هل لأن يأجوج ومأجوج لا يصعدون إلى الطور؟
والجواب: الظاهر- والله أعلم-: أنه يكون كالحصن لهم، وأن يأجوج ومأجوج لا يستطيعون أن يصعدوا إليه، وأن الله لا يسلطهم على المؤمنين المتحصنين فيه.
ويبقون في هذا الجبل إلى هلاكهم، فإذا أهلكهم الله تعالى نزلوا بعد ذلك.
وقوله: ((وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ)): الحَدَب: ما ارتفع وغلظ من الأرض، وينسلون: يمشون مسرعين، أي: ينزلون من هذا الجبل، ومن هذا الجبل مثل السيول.
وقوله: ((فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ)): وهذا يدل على كثرتهم الكاثرة، يمرون ببحيرة طبرية فيشربونها، ولا يبقى إلا التراب، ثم يمر آخرهم لا يعلمون عن أوائلهم، فيقولون: كان بهذه مرةً ماء.
ومن الأدلة على كثرتهم: ما ثبت في الحديث: ((يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الوَاحِدُ؟ قَالَ: أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا)) (١).
стр. 4451
وقوله: ((وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى، وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ)): الحصر: المنع والحبس.
قال الأبي ﵀: ((قال القاضي عياض: لعله لما ينالهم من الحاجة إلى ما يأكلون وما يحرثون؛ لشدة حرصهم. قلت: وإنما ذكر الرأس ليقاس البقية عليه في القيمة)) (١).
وقوله: ((فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ)): النغف: دود في أنوف الإبل والغنم واحدتها نَغَفَةٌ (٢).
وقوله: ((فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)): وفَرْسَى، أي: قتلى.
والمعنى: إذا حصر يأجوج ومأجوج المسلمين مدة يرغب نبي الله عيسى ﵇ والمسلمون إلى الله، ويدعون على يأجوج ومأجوج، فيرسل الله النغف في رقابهم، فيهلكهم الله في ليلة واحدة، فيصبحون موتى كموت نفس واحدة.
وقوله: ((ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ))، أي: يهبطون من الطور؛ لأنهم كانوا عليه.
وقوله: ((فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ))، يعني: لا يجدون موضع شبر إلا ملأته رائحتهم الكريهة، لكن من فضل الله عليهم أنه يسخر لهم نوعًا من الطير كأعناق الإبل التي لها سنامان، تأخذهم وتلقيهم في البحر، ثم ينزل الله مطرًا يغسل الأرض حتى تزول هذه الرائحة، وإلا لو بقيت لمات الناس بهذه الرائحة الكريهة، قال: ((ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ، وَلَا وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ)).
وقوله: ((كَأَعْنَاقِ البُخْتِ)): أو البَخْت، أي: كأعناق الإبل التي لها
стр. 4452
سنامان، فتأخذ يأجوج ومأجوج، وتلقيهم في البحر، ثم يرسل الله مطرًا يغسل الأرض.
وقوله: ((لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ، وَلَا وَبَرٍ فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ))، أي: لا يمنع من نزول الماء بيت المدر، وهو: بيت الطين، والوبر: بيت الشعر.
وقوله: ((حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ)): قال النووي ﵀: ((روي بفتح الزاي، واللام، والقاف، وروي الزُّلْفة بضم الزاي وإسكان اللام وبالفاء، وروي الزَّلَفَة بفتح الزاي واللام وبالفاء، وقال القاضي: روي بالفاء والقاف، وبفتح اللام وبإسكانها، وكلها صحيحة، قال في المشارق: والزاي مفتوحة، واختلفوا في معناه، قال ثعلب وأبو زيد وآخرون: معناه كالمرآة)) (١).
وقوله: ((ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا))، يعني: أن الله ﵎ بعد إهلاك يأجوج ومأجوج يصب البركة في الأرض فـ ((تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ))، أي: حتى تأكل الجماعة من الناس من الرمانة، ((وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا)): قحفها، أي: مُقَعَّر قشرها، فالرمانة الآن صغيرة تؤخذ باليد، أما في زمن عيسى ﵇ فتكون الرمانة كأنها شجرة يستظل بها الجماعة من الناس.
وقوله: ((وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ)): الرِّسْل بكسر الراء وإسكان السين هو اللبن، واللِّقحة: بالكسر، والفتح: اللِّقحة واللَّقحة هي: قريبة الولادة، والفئام: الجماعات، والمراد: أن اللقحة من الإبل تكفي الجماعات الكثيرة، واللقحة من البقر تكفي القبيلة، واللقحة من الغنم تكفي الفخذ من الناس، وهذا كله من البركة التي يُنزلها الله .
стр. 4453
وقوله: ((فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَكُلِّ مُسْلِمٍ)): وجاء في الحديث الآخر: أنها من جهة اليمن، وأنها لا تترك أحدًا، ((فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، أَوْ إِيمَانٍ، إِلَّا قَبَضَتْهُ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ))، ثم بعد ذلك لا يبقى إلا الكفرة، فعليهم تقوم الساعة.
وقوله: ((وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ)): يتهارجون، يعني: يجامع الرجال النساء بحضرة الناس كما يفعل الحمير، والهَرْج: الجماع، يقال: هرج زوجته، أي: جامعها، وهم مع ذلك يعبدون الأصنام، والأوثان فعليهم تقوم الساعة- نعوذ بالله.
وقوله: ((حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى جَبَلِ الْخَمَرِ)): قال النووي ﵀: ((هو بخاء معجمة وميم مفتوحتين، والخَمَر: الشجر الملتف الذي يستر مَن فيه، وقد فسره في الحديث بأنه جبل بيت المقدس)) (١)، يعني: أن يأجوج ومأجوج إذا شربوا الماء انتهوا إلى جبل الخَمَر، وهو جبل بيت المقدس.
فإذا وصلوا إلى جبل بيت المقدس قالوا: ((لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الْأَرْضِ، هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نُشَّابَهُمْ مَخْضُوبَةً دَمًا))، أي: يرسلون نشابهم ويرمونها في السماء، فترجع عليهم مخضوبة بالدماء ابتلاءً، وامتحانًا لهم، فيقولون: قتلنا أهل السماء، ثم يهلكهم الله بعد ذلك.
﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل﴾ يعني: أن موسى ﵇ حرم الله عليه المراضع غير ثدي أمه تحريمًا قدريًّا، وكقوله سبحانه: ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾.
ومثال التحريم الشرعي: قوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما﴾، وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك﴾.
فتحريم دخول مكة والمدينة على الدجال من التحريم القدري، لكن الدجال يأتي إلى السباخ، فيخرج إليه كل منافق، كما في الحديث: ((فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ مُنَافِقٍ وَمُنَافِقَةٍ))، وحينئذٍ تنفي المدينة خبثها، ولا يبقى فيها إلا الخالص.
وفيه: أنه يخرج إليه رجل من أفضل الناس، فيعلن أمام الناس بأنه كافر، ويكذبه، ويقول له: ((أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ))، فيسلَّط عليه في المرة الأولى، فيقتله الدجال، ويقطعه قطعتين ويمشي بينهما، ((فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا، ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، أَتَشُكُّونَ فِي الْأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، قَالَ: فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ- حِينَ يُحْيِيهِ-: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْآنَ))، أنت الدجال اللعين، فيريد أن يقتله مرة أخرى، ((فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ))، وفي اللفظ الآخر: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَا يَفْعَلُ الَّذِي فَعَلَ بِي بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ)) (١)، وقال النبي ﷺ : ((هَذَا أَعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ))، وهذا قد يحمل على أفضل الناس في زمانه، وإلا فالأنبياء أفضل، والصحابة أفضل الشهداء عند رب العالمين.
وقوله: ((قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ)): أبو إسحاق هذا هو إبراهيم بن سفيان راوي الصحيح عن مسلم، يقول: ((يُقَالُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الْخَضِرُ ﵇)، وقال هذا- أيضًا-: معمر بن راشد في جامعه (٢)، وعلى ذلك يكون الخضر معمرًا
стр. 4456
إلى آخر الزمان.
وقال النووي- في شرحه-: ((وهذا تصريح منه بحياة الخضر ﵇، وهو الصحيح)) (١).
قلت: والصواب: أن الخضر مات منذ دهر طويل، ولا يمكن أن يكون الخضر؛ لأنه نبي على الصحيح، والجمهور على أنه عبد صالح.
وقال الجمهور: إنه لو كان حيًّا لجاء للنبي ﷺ ، وفرح به واستبشر به، وآمن به، فكيف يكون نبيًّا، أو عبدًا صالحًا ويكون حيًّا ولا يأتي للنبي ﷺ ويؤمن به؟ فهذا لا يمكن.
ثم لو قُدِّر أنه موجود لمات؛ لأن النبي ﷺ أخبر في آخر حياته، قال: ((أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ)) (٢)، فلو كان حيًّا لشمله هذا الحديث، ومات بعد مائة سنة.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قولان في الخضر (٣):
الأول: أنه مات.
والثاني: أنه حي.
وقوله: ((فَيَقُولُونَ: اقْتُلُوهُ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَحَدًا دُونَهُ؟ )): هذا يدل على ضعف عقولهم، كيف يكون ربًّا، والناس يتصرفون من دون أمره ودون إرادته؟ ! والمراد: أنهم أرادوا أن يقتلوه قبل أن يصل إلى الدجال، ((فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَحَدًا دُونَهُ؟ ! )).
وقوله: ((فَيَأْمُرُ الدَّجَّالُ بِهِ فَيُشَبَّحُ))، أي: يمد على ظهره، ثم يضرب ضربًا شديدًا.
وفي هذا الحديث: تفسير كيفية القطع، وأنه بالمنشار، يقطعه نصفين من مفرق رأسه، والله تعالى يسهل عليه هذا، فلا يضره شيء.
أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ، فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، قَالَ: فَذَاكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا، وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)).
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: إِنَّكَ تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أُحَدِّثَكُمْ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ تَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْرًا عَظِيمًا- فَكَانَ حَرِيقَ الْبَيْتِ، قَالَ شُعْبَةُ: هَذَا، أَوْ نَحْوَهُ- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: ((فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ))، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَرَّاتٍ، وَعَرَضْتُهُ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يتثبت في الحديث، ولا ينقل شيئًا حتى يتأكد منه، كما أنه ينبغي للمحدِّث أن يكرر الحديث حتى يُفهم عنه.
وقوله: ((ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ)): يحتمل أن الناس يمكثون سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ويحتمل أن المراد: أن عيسى ﵇ يمكث سبع سنين بعد نزوله، وجاء في الحديث الآخر: ((فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ)) (١)؛ وذلك أنه لما رُفع كان ابن ثلاث وثلاثين، ولما ينزل يمكث سبع سنين، فتتم له أربعون سنة، ثم يتوفاه
стр. 4463
الله ، ثم تأتي ريح باردة من قبل الشام فتقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات، حتى لو كان أحدهم في كبد جبل لدخلته عليه، وفي اللفظ الآخر: ((إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ رِيحًا مِنَ الْيَمَنِ)) (١)، فيحتمل أنهما ريحان تجتمعان، أو أنها ريح واحدة تأتي من قبل الشام، ثم تعتدل.
وهذه الريح تكون بعد أشراط الساعة لدلالة الأحاديث على أنها متأخرة.
وقوله: ((فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ))، أي: في سرعتهم إلى الشر، والفساد، ((وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ))، أي: في أخلاقهم، وطباعهم من الظلم، والبغي، والعدوان.
وقوله: ((دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ)): فيه: سعة حِلم الله وإمهاله لهم، وأنه سبحانه يمهل ولا يهمل.
وفيه: أنه لا أحد أصبر من الله تعالى، كما في الحديث: ((لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللهِ ، إِنَّهُ يُشْرَكُ بِهِ، وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ، ثُمَّ هُوَ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ)) (٢)؛ لذلك فإنه سبحانه يمهل الكفرة مع كفرهم وعنادهم.
ثم يتمثل لهم الشيطان- وهم على هذه الحالة-، ((فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ))، فيعبدونها استجابة له- نعوذ بالله من ذلك.
وقوله: ((ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا، وَرَفَعَ لِيتًا)): هذا عند قيام الساعة، يأمر الله تعالى إسرافيل ﵇ فينفخ في الصور نفخة الفزع، حتى يموت الناس، ثم ينفخ فيه النفخة الأخرى، كما قال الله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون﴾، وفي النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، فيصغى بصفحة العنق.
стр. 4464
والنفخ- على الصحيح- نفختان:
الأولى: فزع.
والثانية: صعق وموت.
وأما حديث الصور فذكر فيه ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام، لكنه حديث ضعيف في سنده إسماعيل بن رافع المني، وهو ضعيف عند أهل العلم (١).
والصواب: أنهما نفختان:
الأُولى: أَوَّلها فزع وآخرها صعق.
والثانية: وهي نفخة البعث.
وقوله: ((كَأَنَّهُ الطَّلُّ))، يعني: يُنزل الله مطرًا كأنه الطل، أي: ينزل كمنيِّ الرجال، وذلك بعد ما يموت الناس ويمكثون أربعين، وجاء في حديث أبي هريرة ﵁: ((أَنَّهُ سُئِلَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قيلَ: أَرْبَعِينَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ))، يعني: ما عندي علم كم المدة التي يمكث الناس بعد موتهم، هل هي أربعون يومًا؟ أو أربعون شهرًا؟ أو أربعون سنة؟ وجاء في حديث ضعيف: أنها أربعون سنة (٢).
وقوله: ((فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ))، أي: تنشأ أجسادهم نشأة قوية، وتتبدل صفاتها، لكن الذوات لا تتبدل، قال تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾، وتبدل صفات الأرض بأن تمد كما يمد الأديم، ويُزال ما عليها
стр. 4465
من جبال، وأشجار.
ومن أنكر بعث الأجساد فهو كافر بنص القرآن، وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾
وقوله: ((ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ، فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، قَالَ: فَذَاكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا، وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)): في اللفظ الآخر: ((أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا)) (١).
وقوله: ((وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)): هذا كقوله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود﴾، وكشف الساق فسره كثير من العلماء بشدة الأمر، ولكن جاء في الحديث الآخر: ((يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ)) (٢)، بعود الضمير على الله تعالى، فأخذ العلماء من هذا: إثبات الساق لله ، وحُملت الآية عليه.
وفيه: أن الله تعالى جعل بينه وبين المؤمنين علامة، وهي كشف الساق، فيعرفونه فيسجدون له.
стр. 4466
[٢٩٤١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا، فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا)).
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: جَلَسَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بِالْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَمِعُوهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنِ الآيَاتِ أَنَّ أَوَّلَهَا خُرُوجًا: الدَّجَّالُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: لَمْ يَقُلْ مَرْوَانُ شيئًا قَدْ حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: تَذَاكَرُوا السَّاعَةَ عِنْدَ مَرْوَانَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ: ضُحًى.
هذا الحديث ظاهره يعارض الأحاديث السابقة؛ لأن أول الآيات: الدجال، وقبله المهدي، ثم نزول عيسى ﵇، ثم يأجوج ومأجوج، وهنا يقول: ((إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا))، وللجمع بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى نقول:
إن المراد بها: أول الآيات القريبة من قيام الساعة: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحًى.
أو إن المراد بها: أول الآيات غير المألوفة؛ لأن علامات الساعة منها: ما هو مألوف، ومنها: ما هو غير مألوف، فطلوع الدجال، ويأجوج
стр. 4467
ومأجوج، والمهدي، ونزول عيسى ﵇ من المألوف؛ لأن غالبهم من البشر، ومشاهدة البشر مألوفة، بخلاف طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة فإنها غير مألوفة، فأول الآيات السماوية غير المألوفة: طلوع الشمس من مغربها.
وقوله: ((إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا)): فإذا طلعت الشمس من مغربها انقطعت التوبة، قال ﷺ : ((لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، ولَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبَها)) (١)، وقال تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾، وقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أو يأتي بعض آيات ربك﴾: أنها طلوع الشمس من مغربها.
وقوله: ((وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى)): هذه الدابة قيل: هي الجساسة، وقيل: هي دابة الأرض المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾، وجاء في الحديث الآخر: ((تَخْرُجُ الدَّابَّةُ فَتَسِمُ النَّاسَ عَلَى خَرَاطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَغْمُرُونَ فِيكُمْ حَتَّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْبَعِيرَ، فَيَقُولُ: مِمَّنْ اشْتَرَيْتَهُ؟ فَيَقُولُ: اشْتَرَيْتُهُ مِنْ أَحَدِ الْمُخَطَّمِينَ)) (٢).
عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَيَأْتِي سِبْخَةَ الْجُرُفِ فَيَضْرِبُ رِوَاقَهُ))، وَقَالَ: ((فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ مُنَافِقٍ وَمُنَافِقَةٍ)).
قوله: ((فَانْتَقَلْتُ إِلَيْهِ)): فيه: أن الأعمى لا يجب احتجاب المرأة منه، ويدل له- أيضًا- الحديث الصحيح: ((إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ)) (١)، وأما حديث: ((أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؟ أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ؟ )) (٢)، فهو حديث ضعيف؛ لأنه من رواية نبهان- مولى أم سلمة- وهو مقبول حيث يتابَع، وإلا فهو لين الحديث (٣).
وهذه الأحديث فيها: بيان فتنة الدجال، وخطره على الدين، وأنه ما من بلد إلا سيدخله الدجال إلا مكة والمدينة.
وقوله: ((فَيَنْزِلُ بِالسِّبْخَةِ)): وهي أرض مالحة، فيأتي سبخة الجرف قرب المدينة.
وقوله: ((فَيَضْرِبُ رِوَاقَهُ))، أي: ينزل هناك بثقله، ويحتمل أنه تُبنى له الخيمة هناك، ويجلس مدة، وجاء في الحديث الآخر: ((فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ مُنَافِقٍ وَمُنَافِقَةٍ)).
وقوله: ((وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ )): سميت جساسة؛ لأنها تجسُّ الأخبار للدجال.
واستشكل في حديث الجساسة أن الدجال موجود في زمن النبي ﷺ ، وفي حديث ابن صياد أنه قال: ((إِنِّي لَأَعْلَمُ مَوْلِدَهُ وَمَكَانَهُ وَأَيْنَ هُوَ)) (٤)، وقال في الحديث الآخر: ((أَمَا- واللهِ- إِنِّي لَأَعْلَمُ الآنَ حَيْثُ هُوَ، وَأَعْرِفُ أَبَاهُ
стр. 4473
وَأُمَّهُ)) (١)، والنبي ﷺ أخبر في آخر حياته، فقال: ((أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ)) (٢).
قلت: والجواب عن هذا الإشكال: أن الدجال مستثنى من هذا الحديث، وعليه فحديث الدجال مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ هذا الحديث.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وأقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال: أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًا، وأن ابن صياد شيطان تبدَّى في صورة الدجال في تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان، فاستتر مع قرينه إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها)) (٣).
стр. 4474
بَابٌ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ أَحَادِيثِ الدَّجَّالِ
[٢٩٤٤] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ)).
[٢٩٤٥] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ شَرِيكٍ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((لَيَفِرَّنَّ النَّاسُ مِنَ الدَّجَّالِ فِي الْجِبَالِ))، قَالَتْ أُمُّ شَرِيكٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ((هُمْ قَلِيلٌ)).
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
قوله: ((يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ)): أصفهان مدينة في شرق إيران، وهي مقر الرافضة.
واليهود والرافضة بينهم علاقة حميمة، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ذكر في منهاج السنة أن الرافضة يوافقون اليهود في كثير من الخصال، منها: أن ((اليهود لا يصلون المغرب حتى تشتبك النجوم، وقد جاء عن النبي ﷺ : ((لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ- أَوْ: عَلَى الْفِطْرَةِ- مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ)) (١)، وكذلك الرافضة، واليهود إذا صلوا زالوا عن القبلة شيئًا، وكذلك الرافضة)) (٢).
стр. 4475
ومنها: ((أن اليهود حرموا الأرنب، والطحال، وكذلك الرافضة)) (١).
وقوله: ((عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ)): مفرده طيلسان، وهو: كساء لا تفصيل له ولا خياطة، يلبسه خواص العلماء والمشايخ، وجمعه: طيالس وطيالسة (٢).
وقوله: ((لَيَفِرَّنَّ النَّاسُ مِنَ الدَّجَّالِ فِي الْجِبَالِ، قَالَتْ أُمُّ شَرِيكٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: هُمْ قَلِيلٌ))، يعني: لِمَ يفرون عنه في الجبال، ولا يقاتلونه؟ وخصت العرب؛ لأن العرب هم الذين نشروا الإسلام وأظهروه، وقام على أكتافهم.
[٢٩٤٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُخْتَارِ- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ رَهْطٍ، مِنْهُمْ: أَبُو الدَّهْمَاءِ، وَأَبُو قَتَادَةَ، قَالُوا: كُنَّا نَمُرُّ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ نَأْتِي عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: إِنَّكُمْ لَتُجَاوِزُونِي إِلَى رِجَالٍ مَا كَانُوا بِأَحْضَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمَ بِحَدِيثِهِ مِنِّي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ)).
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ ثَلَاثَةِ رَهْطٍ مِنْ قَوْمِهِ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ قَالُوا: كُنَّا نَمُرُّ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ إِلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُخْتَارٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَمْرٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ.
قوله: ((مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ)): المعنى: أن ما بين آدم وقيام الساعة حدث أكبر فتنة وأعظم شوكة وقوة من الدجال؛ لهذا شرع لنا أن نستعيذ بالله من فتنة المسيح الدجال في آخر كل صلاة، وفي
стр. 4476
الحديث الآخر: ((مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ)) (١)، أي: فليبتعد عنه حتى لا يفتتن به.
[٢٩٤٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونُ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ العَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ)).
حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ زِيَادِ بْنِ رِيَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: الدَّجَّالَ، وَالدُّخَانَ، وَدَابَّةَ الْأَرْضِ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ، وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ)).
وَحَدَّثَنَاهُ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
قوله: ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا))، يعني: سابقوا بالأعمال الصالحة قبل وقوع واحدة من هذه الست.
وقوله: ((وَأَمْرَ الْعَامَّةِ))، أي: القيامة.
وقوله: ((وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ)): تصغير خاصة، والمراد بها: الموت.
وهذه نصيحة من النبي ﷺ لأمته، حيث أمرهم أن يسابقوا ويبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تَعرِض لهم العوارض، وتمنعهم الموانع، إما فتن فيفتتن الرجل فلا يتمكن من العبادة، كالدجال، أو الدخان، أو الدابة، أو خاصة أحدهم، وهي: الموت، أو أمر العامة، وهو: قيام الساعة.
стр. 4477
بَابُ فَضْلِ الْعِبَادَةِ فِي الْهَرْجِ
[٢٩٤٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . ح، وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنِ المُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ، رَدَّهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، رَدَّهُ إِلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، رَدَّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ)).
وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
قوله: ((رَدَّهُ))، أي: أسنده ورفعه.
وقوله: ((الْهَرْجِ))، أي: الفتن واختلاط الأمور.
وفي هذا الحديث: فضل العبادة في وقت الفتن، والعبادة في الهرج كهجرة إلى النبي ﷺ في المدينة؛ وذلك لأن الناس يكونون مشغولين عن العبادة في وقت الفتن، كما أن القابض على دينه، والصابر عليه في آخر الزمان في وقت الفتن له أجر خمسين، كما جاء في الحديث: ((فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ))، وَزَادَنِي غَيْرُهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ((أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)) (١).
والصحابة لهم فضائل كثيرة: كفضل الصحبة فلا يلحقهم من بعدهم، ولهم السبق إلى الإسلام، والجهاد مع النبي ﷺ ، ونشر دين الإسلام.
стр. 4478
بَابُ قُرْبِ السَّاعَةِ
[٢٩٤٩] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ)).
[خ: ٧٠٦٧]
قوله: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ))، أي: الكفرة، وذلك بعد قبض أرواح المؤمنين والمؤمنات، وأرواحهم إنما تُقبض بعد أشراط الساعة المتأخرة مطلوع الشمس من مغربها والدابة، فتأتي ريح طيبة فتقبض أرواح المؤمنين. وجاء في الحديث: ((مِنْ شِرَارِ النَّاسِ: مَنْ تُدْرِكْهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ)) (١).
[٢٩٥٠] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ: أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى- وَهُوَ يَقُولُ: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ هَكَذَا)).
[خ: ٤٩٣٦]
قوله: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ هَكَذَا)): إشارته بإصبعه التي تلي الإبهام والوسطى إشارة إلى أنه ليس بينهما مسافة، والمراد: أنه ليس بين النبي ﷺ وقيام الساعة فاصل كبير، فالمقصود من الحديث: أن النبي ﷺ هو نبي الساعة،
стр. 4479
وأنه ليس بعده نبي، وأن المدة الباقية لقيام الساعة قليلة بالنسبة إلى ما مضى من عمر الدنيا.
[٢٩٥١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ)).
قَالَ شُعْبَةُ: وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ- فِي قَصَصِهِ-: كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَهُ عَنْ أَنَسٍ، أَوْ قَالَهُ قَتَادَةُ.
[خ: ٦٥٠٤]
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ وَأَبَا التَّيَّاحِ يُحَدِّثَانِ: أَنَّهُمَا سَمِعَا أَنَسًا يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ هَكَذَا))، وَقَرَنَ شُعْبَةُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ الْمُسَبِّحَةِ وَالْوُسْطَى يَحْكِيهِ.
قوله: ((المُسَبِّحَة)): هي السَّبَّابَة، وسميت المسبحة؛ لأنه يسبَّح بها، وسميت السبابة؛ لأنه يشار بها في السَّبِّ.
في هذا الحديث: أن النبي ﷺ قال- لما سئل عن الساعة-: ((إِنْ يَعِشْ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ))، وقوله: ((قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ)): له تأويلان عند أهل العلم:
الأول: أن المراد بـ ((قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ)) يعني: يموت هؤلاء المخاطبين، أو يموت ذلك القرن، ومن مات فقد قامت قيامته.
الثاني: أن المراد بـ ((قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ)): أن النبي ﷺ في أول الأمر ظن أن الساعة تقوم في زمانه، ثم بين له الله أنها لا تقوم إلا بعد زمانه بدهر طويل، وبعد أشراط الساعة الكبار، والأقرب: التأويل الأول.
[٢٩٥٤] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَحْلُبُ اللِّقْحَةَ، فَمَا يَصِلُ الْإِنَاءُ إِلَى فِيهِ حَتَّى تَقُومَ، وَالرَّجُلَانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْبَ، فَمَا يَتَبَايَعَانِهِ حَتَّى تَقُومَ، وَالرَّجُلُ يَلِطُ فِي حَوْضِهِ، فَمَا يَصْدُرُ حَتَّى تَقُومَ)).
قوله: ((تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَحْلُبُ اللِّقْحَةَ)): اللِّقحة هي: ذات اللبن من الإبل، والمعنى: أن الرجل يحلب اللبن، وقبل أن ((يَصِلُ الْإِنَاءُ إِلَى فِيهِ)) تقوم عليه الساعة.
وقوله: ((وَالرَّجُلَانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْبَ))، أي: القماش، فلا يتبايعانه حتى تقوم عليهما الساعة.
وقوله: ((حَتَّى تَقُومَ وَالرَّجُلُ يَلِطُ فِي حَوْضِهِ))، يعني: يُطَيِّنه، فتقوم الساعة وهو على هذه الحالة، والمراد بالساعة: القيامة، وهي صيحة إسرافيل ﵇، حين يأمره الله فينفخ في الصور نفخة يطوِّلها، فيفزع الناس، ثم لا يزال الصوت يقوى حتى يصعق الناس ويموتوا، فهي نفخة طويلة؛ أولها: فزع، وآخرها: صعق وموت.
وفي هذا الحديث: أنه قال: ((ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ))، فإذا تم خلقها واكتمل أذن الله لإسرافيل ﵇ فينفخ في الصور نفخة البعث، فتتطاير الأرواح إلى الأجساد، والأرواح لا تموت، فأرواح المؤمنين في الجنة، ولها صلة بالجسد، وأرواح الكفار في النار ولها صلة بأجسادها، وقد جاء في الحديث: ((إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ ﵎ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ)) (١).
فتدخل كل روح في جسدها، ثم يقوم الناس من قبورهم ينفضون التراب عن رؤوسهم، حفاة لا نعال لهم، عراة لا ثياب عليهم، غرلًا غير مختونين، فيقفون بين يدي ربِّ العالمين للحساب، قال تعالى: ﴿يوم يخرجون من الأجداث سراعًا كأنهم إلى نصب يفيضون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون﴾ [؟ ؟ : ؟ ؟ ].
ويجب على المسلم أن يؤمن بيوم البعث، ومن لم يؤمن به فهو كافر بنص القرآن وإجماع المسلمين، قال تعالى: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبئن بما عملتم وذلك على الله يسير﴾.
وقوله: ((كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ)): العَجْب بفتح العين وإسكان الباء، وعَجْبُ الذَّنَبِ هو: عظم صغير في آخر العمود الفقري، ويقال له: العُصْعُصْ، فهو الذي يبقى، وما عدا ذلك فإنه يبلى، وفي الحديث هنا: ((مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ)).
وفيه: الرد على أهل الكلام من الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة الذين يقولون بالجوهر الفرد، وبنوا دينهم في إثبات الخالق، وإثبات المعاد على الجوهر الفرد، ويقولون: إن الأجسام مركبة من الجواهر الفردة، والجواهر الفردة هي ذرات صغيرة لا تفنى، مهما قطعتها لا بد أن تبقى ذرات
стр. 4484
أخرى (١)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وأكثر العقلاء من طوائف المسلمين وغيرهم ينكرون الجوهر الفرد)) (٢).
وفيه: رد على علماء الكيمياء الذين يقولون: إن المادة لا تفنى، ولا تُستحدث، وهذه نظرية موجودة وكانت تدرس في المدارس الثانوية، وهذه النظرية معناها: إنكار أن يكون الله تعالى قد خلق المادة، يعني: هي قديمة عندهم، وهذا يوافق مذهب الفلاسفة الذين يقولون: إن العالم قديم ولا يفنى.
* * *