في هذا الحديث: أن النبي ﷺ قال- لما سئل عن الساعة-: ((إِنْ يَعِشْ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ))، وقوله: ((قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ)): له تأويلان عند أهل العلم:
الأول: أن المراد بـ ((قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ)) يعني: يموت هؤلاء المخاطبين، أو يموت ذلك القرن، ومن مات فقد قامت قيامته.
الثاني: أن المراد بـ ((قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ)): أن النبي ﷺ في أول الأمر ظن أن الساعة تقوم في زمانه، ثم بين له الله أنها لا تقوم إلا بعد زمانه بدهر طويل، وبعد أشراط الساعة الكبار، والأقرب: التأويل الأول.
[٢٩٥٤] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَحْلُبُ اللِّقْحَةَ، فَمَا يَصِلُ الْإِنَاءُ إِلَى فِيهِ حَتَّى تَقُومَ، وَالرَّجُلَانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْبَ، فَمَا يَتَبَايَعَانِهِ حَتَّى تَقُومَ، وَالرَّجُلُ يَلِطُ فِي حَوْضِهِ، فَمَا يَصْدُرُ حَتَّى تَقُومَ)).
قوله: ((تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَحْلُبُ اللِّقْحَةَ)): اللِّقحة هي: ذات اللبن من الإبل، والمعنى: أن الرجل يحلب اللبن، وقبل أن ((يَصِلُ الْإِنَاءُ إِلَى فِيهِ)) تقوم عليه الساعة.
وقوله: ((وَالرَّجُلَانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْبَ))، أي: القماش، فلا يتبايعانه حتى تقوم عليهما الساعة.
وقوله: ((حَتَّى تَقُومَ وَالرَّجُلُ يَلِطُ فِي حَوْضِهِ))، يعني: يُطَيِّنه، فتقوم الساعة وهو على هذه الحالة، والمراد بالساعة: القيامة، وهي صيحة إسرافيل ﵇، حين يأمره الله فينفخ في الصور نفخة يطوِّلها، فيفزع الناس، ثم لا يزال الصوت يقوى حتى يصعق الناس ويموتوا، فهي نفخة طويلة؛ أولها: فزع، وآخرها: صعق وموت.
وفي هذا الحديث: أنه قال: ((ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ))، فإذا تم خلقها واكتمل أذن الله لإسرافيل ﵇ فينفخ في الصور نفخة البعث، فتتطاير الأرواح إلى الأجساد، والأرواح لا تموت، فأرواح المؤمنين في الجنة، ولها صلة بالجسد، وأرواح الكفار في النار ولها صلة بأجسادها، وقد جاء في الحديث: ((إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ ﵎ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ)) (١).
فتدخل كل روح في جسدها، ثم يقوم الناس من قبورهم ينفضون التراب عن رؤوسهم، حفاة لا نعال لهم، عراة لا ثياب عليهم، غرلًا غير مختونين، فيقفون بين يدي ربِّ العالمين للحساب، قال تعالى: ﴿يوم يخرجون من الأجداث سراعًا كأنهم إلى نصب يفيضون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون﴾ [؟ ؟ : ؟ ؟ ].
ويجب على المسلم أن يؤمن بيوم البعث، ومن لم يؤمن به فهو كافر بنص القرآن وإجماع المسلمين، قال تعالى: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبئن بما عملتم وذلك على الله يسير﴾.
وقوله: ((كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ)): العَجْب بفتح العين وإسكان الباء، وعَجْبُ الذَّنَبِ هو: عظم صغير في آخر العمود الفقري، ويقال له: العُصْعُصْ، فهو الذي يبقى، وما عدا ذلك فإنه يبلى، وفي الحديث هنا: ((مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ)).
وفيه: الرد على أهل الكلام من الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة الذين يقولون بالجوهر الفرد، وبنوا دينهم في إثبات الخالق، وإثبات المعاد على الجوهر الفرد، ويقولون: إن الأجسام مركبة من الجواهر الفردة، والجواهر الفردة هي ذرات صغيرة لا تفنى، مهما قطعتها لا بد أن تبقى ذرات
стр. 4484
أخرى (١)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وأكثر العقلاء من طوائف المسلمين وغيرهم ينكرون الجوهر الفرد)) (٢).
وفيه: رد على علماء الكيمياء الذين يقولون: إن المادة لا تفنى، ولا تُستحدث، وهذه نظرية موجودة وكانت تدرس في المدارس الثانوية، وهذه النظرية معناها: إنكار أن يكون الله تعالى قد خلق المادة، يعني: هي قديمة عندهم، وهذا يوافق مذهب الفلاسفة الذين يقولون: إن العالم قديم ولا يفنى.
* * *
стр. 4485
كِتَابُ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ
стр. 4486
كِتَابُ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ
[٢٩٥٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنِ العَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ)).
قال النووي ﵀: ((معناه: أن كل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة، مكلَّف بفعل الطاعات الشاقة، فإذا مات استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعدَّ الله تعالى له من النعيم الدائم، والراحة الخالصة من النقصان، وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصَّلَ في الدنيا مع قلته وتكديره بالمنغصات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم وشقاء الأبد)) (١).
قلت: هذا المعنى الذي ذكره النووي ﵀ قاصر؛ لأن معنى: ((الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ)): أن المؤمن ممنوع من التنعم بنعيم الآخرة، ومحجوب عنها، وإن كان في الدنيا في راحة بال، وطمأنينة؛ لِما فيه من التنعم بالإيمان ولذة المناجاة والأنس بالله ، والشوق إليه سبحانه، قال ابن القيم ﵀: ((سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة)) (٢).
وأما الكافر فهو يتمتع في الدنيا كما تتمتع البهائم، فليس له هم سوى
стр. 4487
بطنه، وفرجه، ثم بعد ذلك إذا مات انقلب إلى شقاء وعذاب أبدي، قال تعالى: ﴿والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم﴾ - نسال الله العافية والسلامة.
ويُذكر عن الحافظ ابن حجر ﵀ أنه: ((مر يومًا بالسوق في موكب عظيم وهيئة جميلة فهجم عليه يهودي يبيع الزيت الحار وأثوابه ملطخة بالزيت وهو في غاية الرثاثة والشناعة، فقبض على لجام بغلته وقال: يا شيخ الإسلام، تزعم أن نبيكم قال: ((الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ)): فأيُّ سجن أنت فيه، وأيُّ جنة أنا فيها؟ ! فقال: أنا بالنسبة لما أعد الله لي في الآخرة من النعيم كأني الآن في السجن، وأنت بالنسبة لما أعد لك في الآخرة من العذاب الأليم كأنك في جنة، فأسلم اليهودي)) (١).
[٢٩٥٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ، وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟ ))، فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: ((أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟ )) قَالُوا: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ؟ ! فَقَالَ: ((فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ! )).
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِيَانِ: الثَّقَفِيَّ- عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ: ((فَلَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ هَذَا السَّكَكُ بِهِ عَيْبًا)).
стр. 4488
قوله: ((كَنَفَتَهُ)): قال النووي ﵀: ((وفي بعض النسخ: ((كَنَفَتَيْهِ))، ومعنى الأول: جانبه، والثاني: جانبيه)) (١).
وقوله: ((بِجَدْيٍ أَسَكَّ)): الجدي هو: التيس الصغير، والأسك: يطلق على ملتصق الأذنين، وعلى فاقدهما، وعلى مقطوعهما، وعلى الأصم الذي لا يسمع، والمراد ههنا: صغير الأذنين (٢).
وفي هذا الحديث: بيان هوان الدنيا على الله ، وأنها لا تساوي شيئًا عنده.
وفيه: أن النبي ﷺ أراهم أمرًا عمليًّا؛ ليبين لهم هوان الدنيا على الله تعالى، فلما مر ((بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ)) أخذ بأذن الجدي، وقال: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ هَذَا بِدِرْهَمٍ؟ ))، أي: أيكم يحب أن يشتريه بدرهم وهو صغير الأذنين وميت؟ قالوا: ((وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ؟ ! فَقَالَ: فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ! ))، أي: إذا كان هذا الجدي هينًا على الناس حيًّا، وميتًا؛ لصغر أذنه، فالدنيا أهون على الله من هذا عليكم، وجاء في الحديث الآخر: ((لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ)) (٣).
لآخرته، وعند ابن ماهان: ((فَأَقْنَى)): بحذف التاء، قال القاضي عياض: وهو المعروف في الحديث، أي: أرضى، يقال: أعطاه قنية من المال يقتنى (١).
[٢٩٦٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ)).
[خ: ٥٦١٤]
قوله: ((يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ)): هذا الحديث خرج مخرج الغالب، أي: أن الميت في الغالب يتبعه أهله وماله وعمله، وإلا فإنه قد يموت الإنسان في مكان لا أهل له فيه ولا مال، فلا يتبعه شيء من ذلك.
وقوله: ((فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ)): معناه: أن الميت يتبعه أهله من أقاربه إلى القبر، فيدفنونه، ثم ينصرفون، وكذلك يتبعه المال، كآلة الحفر، والإناء الذي يوضع فيه الماء، ثم بعد دفنه يرجع المال، ويبقى عمله.
وقوله: ((فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ))، أي: أتى ﵁ من البحرين ومعه شيء من المال، والصحابة ﵃ في أول الهجرة كانوا في شدة وفاقة، وقلة ذات اليد، فسمعوا بأن أبا عبيدة رضي الله عليه قدم بمال من البحرين ((فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي لفظ عند البخاري: ((فوافته صلاة الصبح مع رسول الله ﷺ ) (١)، أي: أبا عبيدة ﵁.
قوله: ((فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ)): يريدون من النبي ﷺ أن يعطيهم شيئًا من المال، ويقسمه بينهم؛ لينتفعوا به لقلة ذات اليد؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: ((لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قُلْنَا: الآنَ نَشْبَعُ مِنَ التَّمْرِ)) (٢).
فلما رآهم النبي ﷺ عرف ذلك منهم ((فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَأَىهُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ؟ ))، أي: وأنتم تريدون أن أقسمه بينكم، قالوا: ((أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ))، فقال ﵊: ((فَأَبْشِرُوا، وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ))، وهذا تبشير من النبي ﷺ لأصحابه، وأمرٌ لهم بتأميل الخير، وفيه: حسن خلقه ﵊.
وقوله: ((فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ)): فيه: دليل على أن الغنى أشد خطرًا من الفقر، قال الله تعالى: ﴿كلَّا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾، فالفقر قد يصبر عليه الإنسان ويتحمله، لكن الغنى قد يفتح عليه أبوابَ شرور كثيرة؛ لهذا قال بعض الصحابة: ((ابْتُلِينَا بِالضَّرَّاءِ فَصَبَرْنَا، وَابْتُلِينَا بِالسَّرَّاءِ فَلَمْ نَصْبِرْ)) (٣)، وقال تعالى: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون﴾، فالناس مع الفقر أقرب إلى الاستقامة منهم مع الغنى.
وقوله: ((وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ
стр. 4493
قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ)): هذا هو الواقع قديمًا وحديثًا، والتنافس الآن في كل شيء، تنافس في المساكن، والأموال، والسيارات، والفُرُش وغير ذلك.
[٢٩٦٢] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ رَبَاحٍ- هُوَ أَبُو فِرَاسٍ- مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ- حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ أَيُّ قَوْمٍ أَنْتُمْ؟ ))، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ تَتَنَافَسُونَ، ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ، ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ))، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ((ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِينِ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ عَلَى رِقَابِ بَعْضٍ)).
قوله: ((نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ))، يعني: نحمده ونشكره على نعمه، ونسأله المزيد من فضله.
وقوله: ((تَتَنَافَسُونَ، ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ، ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ)): التنافس إلى الشيء المسابقة إليه وكراهة أخذ غيرك إياه، وهو أول درجات الحسد، وأما الحسد فهو تمني زوال النعمة عن صاحبها والتدابر التقاطع، وأما التباغض فهو بعد هذا؛ ولهذا رتبت في الحديث، فكأن المدابرة أدنى من المباغضة، وقد تكون المدابرة والإعراض مع بقاء مودة، وتكون المباغضة بعد هذا (١).
وقوله: ((ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِينِ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ عَلَى رِقَابِ بَعْضٍ))، أي: تجعلون بعضهم أمراء على بعض.
стр. 4494
قال القاضي عياض: ((وعند السمرقندي: ((فتحملون بعضهم على بعض)) ... أشبه أن يكون الكلام على وجهه، وأراد أن مساكين المهاجرين وضعفتهم ستفتح عليهم آنذاك من الدنيا حتى يكونوا أمراء بعضهم على رقاب بعض)) (١)، وقال السنوسي ﵀: ((ولعل صواب الكلام: ثم تنطلقون في فيء مساكين المهاجرين)) (٢).
[٢٩٦٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا، وقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ)).
[خ: ٦٤٩٠]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ سَوَاءً.
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ))، قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: عَلَيْكُمْ.
قوله: ((أَجْدَرُ))، يعني: أحق.
وقوله: ((أَلَّا تَزْدَرُوا))، أي: ألَّا تحتقروا نعمة الله عليكم.
وفي الحديثين: أنه ينبغي على الإنسان العاقل أن ينظر إلى من هو أسفل منه في المال، والخَلْق، فإذا كان الإنسان فقيرًا فلينظر إلى من هو أشدُّ منه
стр. 4495
فقرًا، وإذا كان مريضًا فلينظر إلى من هو أشدُّ منه مرضًا، وهكذا؛ لئلَّا يزدري نعمة الله عليه.
وأما في أمور الطاعة وعمل الآخرة فلا، بل ينبغي للمسلم العاقل أن ينظر لمن هو فوقه ممن سبقه إلى فعل الخير، فينظر إلى من يتصدق، وإلى من يحج ويعتمر كل سنة؛ لأن هذا من المنافسة والمسابقة في الخير، قال تعالى: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾.
كُنْتَ، قَالَ: وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ؛ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ، وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ)).
[خ: ٣٤٦٤]
قوله: ((فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا)): أُنْتِجَ: هذه لغة قليلة، ونُتِجَ لغة أكثر منها، والمعنى: تولى ولادتها، فالأبرص تولى ولادة الإبل، والأقرع تولى ولادة البقر، والأعمى تولى ولادة الغنم، فصار للأول وادٍ من الإبل، وللثاني وادٍ من البقر، وللثالث وادٍ من الغنم.
وقوله: ((ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ))، أي: أن الْمَلَك أتى للأبرص في صورته السابقة؛ وكذلك أتى الأقرع؛ وذلك ليذكرهما بحالتهما الأولى؛ ابتلاءً وامتحانًا لهم.
تنبيه: استدل بعض الناس بمجيء الملَك إلى الأبرص والأقرع في صورتهما وهيئتهما على جواز التمثيل، وهذا خطأ، فالملَك لم يمثِّل، وإنما أرسله الله تعالى في صورتهما ليذكرهما بحالتهما الأولى؛ لعلهما يتعظان ويتذكران.
وقوله: ((رَجُلٌ مِسْكِينٌ، قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي)): الحبال هي: الأسباب، وقيل: المراد: الطرق، وروي ((انْقَطَعَتْ بِيَ الجِبَالُ))، وروي: ((انْقَطَعَتْ بِيَ الحِيَلُ)) (١)، وكلها صحيحة، والمعنى: أن الملَك أتى الأبرصَ في صورة الأبرص، وقال له: أنا رجل فقير، وابن سبيل، ولا نفقة معي
стр. 4498
توصلني إلى بلدي، أعطني بعيرًا يوصلني إلى بلدي، وسأله بالله وذكَّره بحالته، فقال له: ((أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ، وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي)).
وقوله: ((أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ)): فيه: جواز السؤال بالله تعالى، وقد جاء في الحديث: ((وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ)) (١).
وقوله: ((فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ)): فيه: أن عطْف المخلوق على الخالق يكون بـ ((ثُمَّ)) لا بالواو، فلا يقال: لا بلاغ لي اليوم إلا بالله وبك؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ، وَشَاءَ فُلَانٌ، قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ)) (٢)؛ لأن الواو تقتضي التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، وأما ((ثم)) فإنها للترتيب على التراخي، فلا يأتي المعطوف إلا بعد المعطوف عليه بمهلة وتراخٍ.
وفي هذا الحديث: أن الله تعالى يبتلي بالسراء والضراء، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، أي: أن الله يبتلي الإنسان بالخير ليختبره هل يشكر، أم يكفر؟ ويبتليه بالفقر ليختبره هل يصبر، أم يجزع؟
وفيه: أن ابتلاء الله تعالى لهم كان بإرسال الملَك إليهم، فسأل الأبرصَ: ماذا يحب؟ فـ ((قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ))، فصار جلده سليمًا، فسأله فـ ((قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ- أَوَ قَالَ: الْبَقَرُ))، ((فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا)): والعُشَرَاء: هي الحامل القريبة الولادة.
والثاني: أتاه الملَك فقال له: ((أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ))، أي: تذهب عني هذه العاهة، ((قَالَ:
стр. 4499
فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ))، أي: قَذَرُهُ ((وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا))، أي: أنبت الله له شعرًا حسنًا، ثم سأله الملَك، فقال له: ((فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا)).
والثالث: الأعمى جاءه الملَك ((فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا)).
فاستجاب الله دعاء الملَك، ومضت سنين، فنمت هذه الأموال، وكثرت، وصار للأول وادٍ من الإبل، وللثاني وادٍ من البقر، وللثالث وادٍ من الغنم، فابتلاهم الله مرة أخرى بالمال.
فجاء الملَك للأول في صورة الأبرص؛ ليذكره بحالته السابقة، وقال له: إني رجل مسكين وابن سبيل ((فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ، وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ))، فإذا أعطيتك أنت، وأعطيت الثاني انتهى هذا المال، ((فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيرًا، فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ))، أي: ورثته جدًّا عن جدٍّ، وهذا جحْدٌ لنعمة الله عليه- والعياذ بالله- فلم يعترف لله بما به من النعمة، ولم يؤدِّ الحق الذي عليه.
وجاء للثاني: في صورة الأقرع كذلك؛ ليذكره بحالته السابقة، ((فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ))، ففي المرة الأول دعا لهما بالبركة في المال، وفي المرة الثانية دعا عليهما، فقال لكل منهما: ((إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ)).
وأتى الأعمى في صورته وذكَّره بحالته السابقة، فقال: ((رَجُلٌ مِسْكِينٌ، وَابْنُ سَبِيلٍ، انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي؟ ))، فاعترف الأعمى، فقال: ((قَدْ
стр. 4500
كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ))، ولم يقل له: خذ شاة، بل قال له: ((فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ، وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ)).
وفيه: شاهد لقوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾، وقوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾.
وفيه: أن شكر النعمة يكون بالاعتراف لله بالنعمة بالقلب، والثناء عليه باللسان، وصرفها في مرضاة الله ، وهذه أركان الشكر.
[٢٩٦٥] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ- وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ- قَالَ عَبَّاسٌ: حَدَّثَنَا، وقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ مِسْمَارٍ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِبِلِهِ، فَجَاءَهُ ابْنُهُ عُمَرُ، فَلَمَّا رَأَىهُ سَعْدٌ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ، فَنَزَلَ، فَقَالَ لَهُ: أَنَزَلْتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ، وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ؟ فَضَرَبَ سَعْدٌ فِي صَدْرِهِ، فَقَالَ: اسْكُتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ)).
قوله: ((التَّقِيَّ))، أي: المتصف بالتقوى، وهي طاعة الله باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، وإخلاص العبادة له.
وقوله: ((الْغَنِيَّ)): قيل: المراد: غنى النفس، وقيل: المراد: غنى المال.
وقوله: ((الْخَفِيَّ)): هو الذي لا يحب الشهرة ولا يريدها.
قال النووي ﵀: ((قوله ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ)): المراد بالغنى: غنى النفس، هذا هو الغنى المحبوب؛ لقوله ﷺ : ((وَلَكِنَّ الغِنَى غَنى النَّفْسِ))، وأشار القاضي إلى أن المراد: الغنى بالمال، وأما الخفي فبالخاء المعجمة هذا هو الموجود في النسخ والمعروف في الروايات،
стр. 4501
وذكر القاضي أن بعض رواة مسلم رواه بالمهملة، فمعناه بالمعجمة: الخامل المنقطع إلى العبادة والاشتغال بأمور نفسه، ومعناه بالمهملة: الوَصول للرحم، اللطيف بهم، وبغيرهم من الضعفاء، والصحيح: بالمعجمة، وفي هذا الحديث حجة لمن يقول: الاعتزال أفضل من الاختلاط، وفي المسألة خلاف ... ومن قال بالتفضيل للاختلاط قد يتأول هذا على الاعتزال وقت الفتنة ونحوها)) (١).
والصواب: أن الاختلاط أفضل إلا وقت الفتن.
[٢٩٦٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَابْنُ بِشْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَنَا طَعَامٌ نَأْكُلُهُ إِلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ، وَهَذَا السَّمُرُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الدِّينِ! لَقَدْ خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي، وَلَمْ يَقُلْ ابْنُ نُمَيْرٍ: إِذًا.
[خ: ٦٤٥٣]
وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الْعَنْزُ، مَا يَخْلِطُهُ بِشَيْءٍ.
قوله: ((إِلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ، وَهَذَا السَّمُرُ)): هما نوعان من شجر البادية.
وفي هذا الحديث: بيان ما أصاب الصحابة من الشدة أول الهجرة.
стр. 4502
وفيه: أن سعد بن أبي وقاص ﵁ تقدم إسلامه، وأنه فقه كثيرًا من الأحكام وصبر على الشدة، واللأواء.
وقوله: ((حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ))، يعني: كان البُرَازُ الذي يخرج منهم مثل ما تضع الغنم، وحصل لهم هذا من قلة الأكل.
قال المباركفوري ﵀: ((((ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ))، أي: ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وكانوا متأخرين في الإسلام، ثم ارتدوا بعد النبي ﷺ ، وتبعوا طليحة بن خويلد الأسدي لما ادعى النبوة، ثم قاتلهم خالد بن الوليد في عهد أبي بكر الصديق ﵁ بعد ذلك، وكانوا ممن شكا سعد بن أبي وقاص- وهو أمير الكوفة- إلى عمر حتى عزله، وكان في جملة ما شكوه: أنه لا يحسن الصلاة، وهذا الذي أشار إليه سعد ﵁ بقوله: ((تُعَزِّرُنِي عَلَى الدِّينِ! )) من التعزير، أي: تؤدبني وتلومني، أو توبخني على التقصير فيه بقولهم: إني لا أحسن أصلي، ومعناه: أن سعدًا أنكر أهلية بني أسد لتعزيرهم إياه على أمر من أمور الدين؛ وذلك لسابقته، وقِدَم صحبته، وحسن بلائه في الإسلام، ((خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي))، أي: لئن كان كذلك فإني خائب، وعملي ضائع)) (١).
والمعنى: أنا من المتقدمين في الإسلام والسابقين إليه، وصاحبتُ النبيَّ ﷺ ، وصبرت على اللأواء، وعرفت الأحكام، والآن تأتي قبيلة من الجفاة يعلمونني الأحكام ويؤدبونني؟ ! لقد خبتُ إذًا، وضل سعيي إذا لم أكن قد عرفت الإسلام والدين في هذه المدة الطويلة، وهذا إنكار منه ﵁ عليهم! .
وقوله: ((وَوَلَّتْ حَذَّاءَ))، أي: مسرعة الانقطاع.
وقوله: ((وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ))، يعني: لم يبق منها إلا الشيء اليسير، والصبابة هي: البقية اليسيرة من الشراب تبقى في أسفل الإناء.
وقوله: ((وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لَا زَوَالَ لَهَا، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ))، يعني: أنتم في دار ستزول، وستنتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فاستعدوا بالعمل الصالح؛ ليكون زادًا لكم، حتى تنتقلوا بخير ما بحضرتكم.
وقوله: ((فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفَةِ جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا لَا يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا)): هذا يدل على بُعد قعر جهنم- ولا حول ولا قوة إلا بالله- ومع ذلك قال: ((وَوَاللَّهِ لَتُمْلَأَنَّ، أَفَعَجِبْتُمْ وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً)).
وقوله: ((وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ))، يعني: تمتلئ من كثرة من يدخلها.
وقوله: ((وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا))، يعني: أصابها جروح، وقروح بسبب الحرارة، فعتبةُ بنُ غزوانَ ﵁ يتذكر حالته السابقة في أول الإسلام مع رسول الله ﷺ ، وما أصابه من الشدة وقلة ذات اليد.
وقوله: ((فَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا، وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا، فَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا أَصْبَحَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ))، أي: قطعت الإزار نصفين بيني وبين سعد بن مالك ﵁، وهو ابن أبي وقاص، وهذا يدل على شدة الفقر والحاجة التي كانوا عليها، ثم بعد ذلك تغيرت الأحوال وفُتِحَت الفتوح، ومُصِّرت الأمصار، وصار كل واحد منا أميرًا على مصرٍ من الأمصار، ولكنهم ﵃ كانوا في جميع أحوالهم على خير عظيم، ولن يكون أحد بعدهم مثلهم؛ ولهذا قال: ((فَسَتَخْبُرُونَ، وَتُجَرِّبُونَ الْأُمَرَاءَ بَعْدَنَا)): ستخبرون: من الخبرة وهو العلم،
стр. 4505
وتجربون: من التجربة وهي الممارسة، يعني: سوف تعلمون حال الأمراء بعدنا، وترون الفرق بين أصحاب رسول الله ﷺ ، وبين غيرهم، ففرق كبير بين من يقبل الإمارة لينشر دين الله، ويُلزم الناسَ بشرعه، وبين من يحرص على الإمارة من أجل الدنيا، والهوى والشهوات.
وقوله: ((وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيمًا وَعِنْدَ اللَّهِ صَغِيرًا))، يعني: أعوذ بالله من أن أكون عند الله حقيرًا بسبب سوء عملي، وأكون في نفسي عظيمًا؛ لأن هذا من العُجب، وهو من أعمال القلوب الخبيثة، ومن كبائر الذنوب؛ لهذا استعاذ منه ﵁.
وقوله: ((وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلَّا تَنَاسَخَتْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَاقِبَتِهَا مُلْكًا)): تناسخت، يعني: ذهبت وانتهت، كما تنسخ الشمسُ الظلَّ، فإنه لما انتهت النبوة أعقبتها خلافة راشدة على منهاج النبوة، قال ﵊: ((خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ أَوْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ)) (١)، فكان أول ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان الصحابي الجليل ﵁، ثم ستكون- أيضًا- في آخر الزمان خلافة المهدي، وهو رجل صالح من آل بيت النبي ﷺ يملأ الأرض عدلًا، كما مُلئت جورًا وظلمًا.
وفي هذا الحديث: مشروعية حمد الله، والثناء عليه قبل الخطبة، والشهادة لله تعالى بالوحدانية، وللنبي عليه أفضل الصلاة والسلام بالرسالة، ثم بعد ذلك تكون الخطبة.
شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ)).
في هذه الأحاديث: إثبات رؤية الله ، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم.
وفيها: التصريح بأن الرؤية بالأبصار؛ ولهذا ((قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا)).
وفيها: الرد على الجهمية، والمعتزلة الذين أنكروا رؤية الله .
والمعتزلة: فسروا الرؤية بالعلم (١)، فقالوا: إن الرؤية في الحديث مثل الرؤية في قوله تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾، أي: ألم تعلم، وهذا تأويل فاسد؛ لأن الرؤية تأتي بمعنى العلم، وتأتي بمعنى الرؤية بالبصر، لكن لا بد من قرينة توضح ذلك.
أما الأشاعرة: فأثبتوا الرؤية، لكن أنكروا الجهة، وقالوا بأن الله يرى لا في جهة (٢)، أرادوا بهذا أن يكونوا مع أهل السنة من جهة كونه يُرى، لكنهم نفوا الجهة حتى يكونوا مع المعتزلة، فصاروا مذبذبين، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، فعجزوا عن ذلك، فلجؤوا إلى حجج السفسطائية.
وقولهم: يُرى لا في جهة، لا فوق ولا تحت، ولا أمام ولا خلف، ولا يمين ولا شمال، هذا غير معقول وغير متصوَّر؛ ولهذا أنكر عليهم جماهير
стр. 4508
العقلاء، وسخروا من قولهم، وقالوا: إن إثبات الرؤية من دون مقابلة لا معنى له، بل هو باطل عند جميع العقلاء.
وقوله: ((فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا)): لا تضارون، أي: لا يصيبكم ضرر، وفي اللفظ الآخر: ((لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ)) (١)، أي: لا يصيبكم ضَيْم، وهو: الظُّلم أَو الإِذلال.
وقوله: ((أَيْ فُلْ)): نداء، أي: يا فلان، وهو ترخيم على غير قياس، والترخيم: حذف أواخر الأسماء المفردة تخفيفًا، ولا يكون إلا في النداء (٢)، مثل قول امرئ القيس:
أَفَاطِمُ مَهْلًا بَعْض هَذَا التَّدَلُّلِ ... وإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي (٣)
ومثل قول النبي ﷺ : ((يَا عَائِشُ)) (٤)، يعني: يا عائشة.
وقال بعضهم: إنها لغة في ((فلان)).
وفيها: دليل على أن الله تعالى يخاطب الإنسان بدون واسطة، ويدل على هذا قوله ﷺ في الحديث الآخر-: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، وَلا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ)) (٥).
وقوله: ((أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ؟ ))، أي: أجعلك سيدًا على غيرك.
وقوله: ((وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ )): ترأس، أي: تصير رئيسَ القوم وكبيرَهم، وتربع معناه: تأخذ المرباع، وهو ربع المال الذي كانت تأخذه ملوك الجاهلية من الغنيمة، وروي: ((تَرْتَع)) (٦)، أي: تتنعم.
стр. 4509
وقوله: ((أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ )): هذا تَعداد لنعم الله العظيمة.
وقوله: ((فَيَقُولُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي))، أي: هل عندك يقين وايمان بالبعث، والجزاء، والحساب؟ فيقول: لا، فيقول الله له: اليوم أتركك في العذاب، وأعاملك معاملة المنسيِّ جزاءً وفاقًا، قال الله تعالى: ﴿فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون﴾.
والظن هنا بمعنى: اليقين، كما قال الله تعالى- في حق المؤمنين-: ﴿الذي يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون﴾ أي: يتيقنون.
وفيمن يرى الله في الموقف ثلاثة أقوال:
الأول: إن أهل الموقف يرون الله تعالى، مؤمنهم، وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفرة.
الثاني: لا يراه إلا المؤمنون، والمنافقون.
الثالث: لا يراه إلا المؤمنون خاصة (١).
وهذا الحديث قد يُحْتَجُّ به على أن الكفار يرون الله تعالى، وتكون رؤيتهم له عذابًا، قالوا: مثل رؤية السارق للقاضي، أو الأمير، ما تزيده إلا وبالًا.
وقوله: ((فَيَقُولُ: هَا هُنَا إِذًا، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ))، يعني: قف هنا حتى تشهد عليك جوارحك؛ لأنك صرت منكِرًا، فيختم الله على لسانه فتتكلم الجوارح، ثم يخلى بينه وبينها.
وقوله: ((وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ
стр. 4510
نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِ))، يعني: أن الله تعالى يأذن لجوارح الإنسان أن تشهد عليه؛ حتى لا يكون له عذر، فيختم الله على فِيه، ويقول لجوارحه: انطقي، فيتكلم الفخذ، واللحم، والعظام، والله تعالى على كل شيء قدير، قال تعالى: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾، وكذلك الجلود تشهد عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾، فيقُلْنَ له: ﴿أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾، فيقول: ((بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ))، أي: عنكن كنت أجادل، ثم تشهدون عليَّ! وهذا كله لينقطع عذره أمام الله ، وفي الحديث الآخر: ((لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ)) (١).
стр. 4511
[١٠٥٥] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا)).
[خ: ٦٤٦٠]
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا)).
وَفِي رِوَايَةِ عَمْرٍو: ((اللَّهُمَّ ارْزُقْ))، وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ ذَكَرَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((كَفَافًا)).
في هذا الحديث: بيان ما كان عليه النبي ﷺ من الزهد والرغبة في الآخرة.
قوله: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا))، يعني: كفافًا وكفايةً، وقيل: المراد بالقوت: سد الرمق، لكن اللفظ الثاني: ((كَفَافًا)) فسر الأول، فهو أرجح. فالمراد: الكفاية والكفاف، وهو ما يقوت البدن ويكف عن الحاجة، ودعاء النبي ﷺ هذا فيه السلامة من آفات الغنى والفقر جميعًا، فالذي قوته كفافًا ليس فقيًرا؛ لأنه عنده ما يكفيه، وليس غنيًّا؛ لأنه ليس عنده زيادة عن الحاجة.
وفي الحديث: دليل على فضل الكفاف، وأخذ البُلْغة من الدنيا، والرغبة في الآخرة.
الأجر والثواب في الآخرة؛ لأنه أشرف الخلق، وأفضلهم ﵊؛ ولأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، وثبت في الحديث: ((لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ)) (١).
وقولها: ((مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ، إِلَّا وَأَحَدُهُمَا تَمْرٌ)) وفي لفظ عند البخاري: ((مَا أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ إِلَّا إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ)) (٢)، فلا يأكلون مرتين في اليوم إلا كانت إحداهما تمرًا، وحتى التمر كان فيه قلة، كما سيأتي.
[٢٩٧٢] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: وَيَحْيَى بْنُ يَمَانٍ حَدَّثَنَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كُنَّا آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَنَمْكُثُ شَهْرًا مَا نَسْتَوْقِدُ بِنَارٍ، إِنْ هُوَ إِلَّا التَّمْرُ وَالْمَاءُ.
[خ: ٢٥٦٧]
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، إِنْ كُنَّا لَنَمْكُثُ- وَلَمْ يَذْكُرْ آلَ مُحَمَّدٍ- وَزَادَ أَبُو كُرَيْبٍ فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ: إِلَّا أَنْ يَأْتِيَنَا اللُّحَيْمُ.
في هذا الحديث: بيان حال النبي ﷺ وما لاقاه من شظف العيش، فقد كان يأتي عليه الشهر ما يوقد في بيته نار، وإنما يعيشون على التمر والماء.
قوله: ((إِلَّا أَنْ يَأْتِيَنَا اللُّحَيْمُ)): اللحيم: تصغير لحم، يعني: أحيانًا كان يأتيه ﷺ شيء من اللحم، إما هدية، أو ما أشبه ذلك، وفي الرواية الأخرى الآتية: ((وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَلْبَانِهَا، فَيَسْقِينَاهُ)) (٣)، أي: شيء من اللبن يهدونه إلى النبي ﷺ .
стр. 4514
[٢٩٧٥] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ.
[خ: ٥٣٨٣]
في هذا الحديث: أن عائشة ﵂ كانت تأكل من شطر الشعير الذي تركه لها النبي ﷺ ، ولم تعلم أن الله قد أنزل فيه البركة، فلما طال بها الأمد ولم ينفذ كالته لتعرف كم بقي، فلما كالته فني، وهذا- والله أعلم- كأنها لما تركته واثقة بالله متوكلة عليه أنزل الله فيه البركة، فلما كالته وصارت تنظر هل بقي ما يكفينا رُفعت البركة ففني سريعًا.
قال القاضي عياض ﵀: ((وفي هذا: أنَّ البركة أكثر ما توجد في المجهولات والمبهمات، وأما ما حُصر بالعدد أو بالكيل فمعروف قدره، ولا يعارض هذا الكيل في إخراج النفقة؛ لما جاء: ((كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ)) (١)، إذا بقي الأصل مجهولًا، بل في كيل ما يخرج البركة فى الباقي وحسن النظر، والإخراج عن الحزر والجزاف بسبب التبذير، وإخراج أكثر من الحاجة، وليس ذلك من تدبير المعيشة التي هي أحد اليسارين، وهذا معنى الحديث الآخر، ولا تعارض بينهما)) (٢).
стр. 4515
[٢٩٧٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: وَاللَّهِ- يَا ابْنَ أُخْتِي- إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَارٌ، قَالَ: قُلْتُ: يَا خَالَةُ، فَمَا كَانَ يُعَيِّشُكُمْ؟ قَالَتِ الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَلْبَانِهَا فَيَسْقِينَاهُ.
في هذا الحديث: بيان ما كان عليه المصطفى ﷺ من الشدة والضيق في المعيشة، وهو أشرف الخلق على الإطلاق، فتمر ثلاثة أهلة وما يوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار، فمن أصابته شدة وضيق فليتذكر حالة النبي ﷺ ؛ ففي ذلك تسلية له.
وقولها ﵂: ((الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ)): هذا من باب التغليب، وإلا فالماء ليس أسودَ، وهذا مثل قولهم: القمران، بتغليب القمر على الشمس، والأبوان، بتغليب الأب على الأم.
وفي هذا الحديث: أن طعامهم كان التمر، والماء، إلا أنهم في بعض الأحيان كان يأتيهم شيء من اللبن هديةً من بعض جيرانهم الأنصار.
وقوله: ((فَإِنَّ لِي خَادِمًا، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ))، يعني: شاركتَ الملوك في الخدم.
وقوله: ((إِنْ شِئْتُمْ رَجَعْتُمْ إِلَيْنَا، فَأَعْطَيْنَاكُمْ مَا يَسَّرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ ذَكَرْنَا أَمْرَكُمْ لِلسُّلْطَانِ، وَإِنْ شِئْتُمْ صَبَرْتُمْ)): هكذا ينبغي للإنسان أن يتعامل مع من جاءه يشتكي الحاجة، بأن يخيره بين واحدة من أمور ثلاثة:
إما يعده أن يأتي مرة أخرى فيعطيه ما يسره الله.
وإما أن يذكر أمره لأحد الأغنياء، أو السلطان؛ حتى يعطى ما يسد حاجته.
وإما أن يأمره بالصبر والتحمل، وبذل الأسباب في طلب الرزق.
وقوله: ((إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الْأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا))، أي: أربعين سنة، وفي الحديث الآخر قوله ﷺ : ((يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، نِصْفِ يَوْمٍ)) (١)، وهو نصف يوم من أيام الآخرة، وفي هذا الحديث: أنهم يسبقونهم بأربعين خريفًا، قال الأُبِّي ﵀: ((قال القرطبي صاحب المفهم: اختلفت الأحاديث في المراد بهؤلاء الفقراء، وفي قدر التفاوت، وفي حديث عبد الله هذا أنهم فقراء المهاجرين، وأن القدر أربعون خريفًا، وفي الترمذي: أنهم فقراء المهاجرين، إلا أن القدر خمسمائة عام، وقال فيه: حديث حسن غريب، وفيه- أيضًا-: ((يَدْخُلُ الفُقَرَاءُ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَهُوَ نِصْفُ يَوْمٍ))، وقال فيه: حديث حسن صحيح، وفيه حديث: ((يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ)) (٢)،
وقال فيه- أيضًا-: حديث حسن صحيح، فاختلفت هذه الأحاديث في موضعين من الفقراء الذين يسبقون، وفي قدر السبقية، ويرتفع الخلاف على الأول بأن يُرَدَّ حديث: ((يَدْخُلُ الفُقَرَاءُ)) إلى حديث: