وقوله: ((فَإِنَّ لِي خَادِمًا، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ))، يعني: شاركتَ الملوك في الخدم.
وقوله: ((إِنْ شِئْتُمْ رَجَعْتُمْ إِلَيْنَا، فَأَعْطَيْنَاكُمْ مَا يَسَّرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ ذَكَرْنَا أَمْرَكُمْ لِلسُّلْطَانِ، وَإِنْ شِئْتُمْ صَبَرْتُمْ)): هكذا ينبغي للإنسان أن يتعامل مع من جاءه يشتكي الحاجة، بأن يخيره بين واحدة من أمور ثلاثة:
إما يعده أن يأتي مرة أخرى فيعطيه ما يسره الله.
وإما أن يذكر أمره لأحد الأغنياء، أو السلطان؛ حتى يعطى ما يسد حاجته.
وإما أن يأمره بالصبر والتحمل، وبذل الأسباب في طلب الرزق.
وقوله: ((إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الْأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا))، أي: أربعين سنة، وفي الحديث الآخر قوله ﷺ : ((يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، نِصْفِ يَوْمٍ)) (١)، وهو نصف يوم من أيام الآخرة، وفي هذا الحديث: أنهم يسبقونهم بأربعين خريفًا، قال الأُبِّي ﵀: ((قال القرطبي صاحب المفهم: اختلفت الأحاديث في المراد بهؤلاء الفقراء، وفي قدر التفاوت، وفي حديث عبد الله هذا أنهم فقراء المهاجرين، وأن القدر أربعون خريفًا، وفي الترمذي: أنهم فقراء المهاجرين، إلا أن القدر خمسمائة عام، وقال فيه: حديث حسن غريب، وفيه- أيضًا-: ((يَدْخُلُ الفُقَرَاءُ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَهُوَ نِصْفُ يَوْمٍ))، وقال فيه: حديث حسن صحيح، وفيه حديث: ((يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ)) (٢)،
وقال فيه- أيضًا-: حديث حسن صحيح، فاختلفت هذه الأحاديث في موضعين من الفقراء الذين يسبقون، وفي قدر السبقية، ويرتفع الخلاف على الأول بأن يُرَدَّ حديث: ((يَدْخُلُ الفُقَرَاءُ)) إلى حديث:
стр. 4521
((فُقَرَاء المُسْلِمِينَ))؛ لقاعدة: رد المطلق إلى المقيد، ويبقى حديث فقراء المهاجرين على ما هو عليه، ويخرج من ذلك: أن فقراء كل قرن يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، وأما الموضع الثاني وهو الاختلاف في القدر؛ فالمراد بالخريف: السنة، ويمكن الجمع بين الأربعين وحديث خمسمائة بأن سُبَّاق الفقراء يسبقون سُبَّاق الأغنياء بأربعين عامًا، وفي غير سباق الأغنياء بخمسمائة عام؛ إذ في كل صنف من الفريقين سباق)) (١).
وقد اختلف العلماء في أيهما أفضل: الفقير الصابر، أم الغني الشاكر؟ على ثلاثة أقوال:
قيل: الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر.
وقيل: الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر.
وقيل: هما سواء.
والراجح: أن الغني الشاكر أفضل؛ لأن نفعه متعدٍّ، بخلاف الفقير الصابر فإن نفعه خاص بنفسه.
وفي هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يشكر نعمة الله عليه، وأن ينظر إلى من هو دونه في الدنيا في المال، والخَلق، كما سبق في الحديث: ((انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ)) (٢).
قوله: ((مِنْ بِئَارِهَا)): هذا هو أصل الكلمة قبل القلب المكاني، أي: بتقديم الهمزة على الباء، ويجوز: ((مِنْ آبَارِهَا)): على القلب، كما في الرواية الأخرى.
وفي هذه الأحاديث: دليل على تحريم دخول مساكن ثمود المعذَّبين إلا أن يكون الداخل باكيًا؛ لئلا يصيبه ما أصابهم، وكذلك جميع ديار المعذَّبين؛ ولذلك لما دفع النبي ﷺ في حجة الوداع من مزدلفة إلى مِنًى، وأتى قرب مِنًى أسرع في رمية حجر، فقيل: كان سبب إسراعه أن هذا المكان هو الذي عُذِّب فيه أصحاب الفيل، وقيل: ليس هذا المكان، وإنما مكان آخر.
وفيها: أنهم لما استقوا من آبار ديار ثمود وعجنوا من مائها الدقيق أمرهم النبي ﷺ أن يريقوا الماء، وأن يعلفوا العجين للإبل، وهذا يدل على أنه لا يجوز الاستقاء من مائها ولا الطبخ، ولا العجن به.
مسألة: إذا توضأ من ماء آبار ديار ثمود وصلى في أرضها، فما حكم الوضوء، والصلاة؟
اختلف العلماء في حكمهما على قولين:
الأول: للجمهور، وهو أنه إذا توضأ من ماء ديار ثمود وصلى في أرضها صح الوضوء والصلاة مع الإثم (١)؛ لأن الوضوء اجتمع فيه مُوجِب الثواب ومُوجِب العقاب، فهو مثاب على الوضوء، وآثم لكونه توضأ من ماء منهي عن الوضوء به، وكذلك إذا صلى فيها فهو مثاب على الصلاة، وآثم؛ لكونه صلى في أرض منهي عن الصلاة فيها، وهذا كما لو صلى في أرض مغصوبة، أو توضأ بماء مغصوب، فالنهي ليس لذات المنهي عنه، وإنما هو لمعنى خارج عن المنهي عنه.
الثاني: أن الصلاة باطلة، والوضوء لا يصح، وهذا هو مشهور مذهب
стр. 4524
الحنابلة (١).
والراجح: الأول، وهو أن الصلاة صحيحة مع الإثم، والوضوء صحيح مع الإثم؛ لِما سبق بيانه.
стр. 4525
بَابُ الْإِحْسَانِ إِلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ وَالْيَتِيمِ .
[٢٩٨٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، وَأَحْسِبُهُ قَالَ: ((وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ)).
[خ: ٥٣٥٣]
قوله: ((السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ)): هو الذي يعمل ويكتسب، وينفق عليهما، ويعتني بهما، ويقوم على شؤونهما.
وقوله: ((الْأَرْمَلَةِ)): هي: التي لا زوج لها، أو من فقدت زوجها، ((وَالْمِسْكِينِ)): هو: الفقير الذين أسكنته الحاجة والفقر.
وفي هذا الحديث: بيانُ فضل الساعي على الأرملة، والمسكين، وأنه كالمجاهد في سبيل الله، والقائم والصائم في الفضل والأجر.
[٢٩٨٣] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْغَيْثِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كَافِلُ الْيَتِيمِ- لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ- أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ))، وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.
قوله: ((كَافِلُ الْيَتِيمِ)): هو الذي يقوم بالنفقة على اليتيم، وكسوته، وتربيته، وتأديبه وتعليمه عنده في البيت، وغير ذلك، أما ما يسمى الآن بالمؤسسات الخيرية بكفالة اليتيم، فهذه نفقةٌ فيها الأجرُ والفضل، لكنها ليست كفالة؛ لأن الكفالة لا بد لها من أمرين:
стр. 4526
الأول: النفقة.
والثاني: التربية.
وقوله: ((كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ))، يعني: من أقاربه كجده، أو أخيه، أو ابن عمه، وقوله: ((أَوْ لِغَيْرِهِ))، أي: ولو كان بعيدًا، فله هذا الفضل.
وقوله ﷺ : ((أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ))، يعني: يكون مجاورًا للنبي ﷺ في الجنة، وهذا فضل عظيم، ((وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى)).
стр. 4527
بَابُ فَضْلِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ
[٥٣٣] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلَانِيَّ، يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ ﷺ : إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى مَسْجِدًا))، قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: ((يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ))، وَفِي رِوَايَةِ هَارُونَ: ((بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)).
[خ: ٤٥٠]
حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعَهُ عَلَى هَيْئَتِهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ)).
وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ، كلاهما عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا: ((بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)).
في هذه الأحاديث: فضل من بنى لله مسجدًا، وأن الله تعالى يبني له مثله في الجنة، بشرطين:
الأول: أن يكون مؤمنًا بالله ورسوله.
الثاني: أن يبتغي بذلك وجه الله .
فإذا لم يكن الباني مؤمنا، أو بنى رياء وسمعة، فلا ثواب له في الآخرة،
стр. 4528
وإنما يأخذ جزاءه في الدنيا.
وفيها: دليل على أن هذا الفضل يحصل لمن بناه، وأسسه، ولمن جدده، بأن وسَّع ورمَّم- أيضًا- كما فَهم ذلك أمير المؤمنين عثمان ﵁، أما دهن جدران المسجد وزخرفته فلا يسمى بناءً.
ومعنى هذه الأحاديث: أن أمير المؤمنين عثمان ﵁ لما أراد أن يجدد مسجد النبي ﷺ كأن الناس كرهوا ذلك، فقالوا له: لو تركته على ما كان عليه في عهد النبي ﷺ ، وعهد أبي بكر ﵁، وعمر ﵁، فقال: ((إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى مَسْجِدًا))، قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: ((يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ))، فكأن عثمان ﵁ بذكره لهذا الحديث يريد أن يقول: وأنا أريد هذا الفضل.
وعمارة المسجد نوعان:
الأول: عمارة حسية، وذلك بالبناء.
الثاني: عمارة معنوية، وذلك بالعمل الصالح.
قوله: ((فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ))، أي: قصد (١).
وفي هذا الحديث: فضل هذا العمل، بأن يقسَّم المال إلى ثلاثة أقسام:
الأول: يأكله هو وأولاده.
الثاني: يتصدق به وينفقه في المشاريع الخيرية.
الثالث: يرده في مزرعته إن كانت له مزرعة، أو يجعله رأس مال في مهنة، أو في صناعة، أو غير ذلك.
стр. 4531
بَابُ مَنْ أَشْرَكَ فِي عَمَلِهِ غَيْرَ اللَّهِ
[٢٩٨٥] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((قَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)).
في هذا الحديث: وعيد شديد على الرياء.
وفيه: دليل على أن الشرك الأكبر يُحبط الأعمال كلها، ويُخرج من الملة، ولا يغفره الله، ويوجب الخلود في النار، وأما الشرك الأصغر كالرياء فإنه يحبط العمل الذي خالطه فقط، لكن الأعمال الأخرى لا تَبطل، ولا يخرج صاحبه من الملة، ولا يخلد في النار، وقد اختُلف قولين:
الأول: أنه يدخل تحت الموازنة بين السيئات والحسنات، فإن رجحت السيئات عُذِّب به، ثم يخرج، وإن رجحت الحسنات أسقط من الحسنات ما يقابل هذا الرياء.
والثاني: أن حكمه حكم الكبائر، فهو تحت مشيئة الله.
ولكن ظاهر الآية: أنه لا يُغفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فالاية تشمل الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، لكن الشرك الأكبر يخلد صاحبه في النار، والشرك الأصغر لا يخلد صاحبه في النار.
стр. 4532
[٢٩٨٦] حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ)).
[٢٩٨٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبًا الْعَلَقِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَاءِ يُرَاءِ اللَّهُ بِهِ)).
[خ: ٦٤٩٩]
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْمُلَائِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا غَيْرَهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ سَعِيدٌ: أَظُنُّهُ قَالَ: ابْنُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبًا، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرَهُ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الصَّدُوقُ الْأَمِينُ الْوَلِيدُ بْنُ حَرْبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
قوله: ((مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَاءِ يُرَاءِ اللَّهُ بِهِ)): التسميع يكون في الأقوال كالقراءة، والوعظ، والمراءاة تكون في الأعمال كالصلاة، والصدقة.
وفي هذا الحديث: وعيد شديد على الرياء، والتسميع، وأن الله تعالى يفضح صاحبه يوم القيامة، فمن يراءِ يراءِ الله به يوم القيامة، ومن يُسمِّعْ يُسمِّعِ الله به يوم القيامة؛ لأن الجزاء من جنس العمل.
стр. 4533
بَابُ التَّكَلُّمِ بِالْكَلِمَةِ يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ
[٢٩٨٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُضَرَ- عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ يَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)).
[خ: ٦٤٧٧]
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)).
قوله: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)): وذلك لأن هذه الكلمة قد تكون سخرية بالله تعالى، أو بكتابه، أو برسوله ﷺ ، أو بدينه، أو ردة عن الإسلام، أو غيبة، أو نميمة، أو مداهنة يتكلم بها عند سلطان، أو أمير، أو وزير، أو يتسبب في إيذاء أخيه المسلم، فالواجب على الإنسان الحذر؛ لأن خطر اللسان عظيم.
وفي المقابل جاء في الحديث: ((إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ)) (١) وذلك كأن يتكلم بكلمة التوحيد عن إخلاص وصدق، أو يتكلم بكلمة يذب بها عن أخيه المسلم، أو غير ذلك.
وفي هذا الحديث: بيان خطر اللسان، وأنه ينبغي للإنسان أن يحفظ لسانه إلا عن الخير والأمور المباحة، كما قال النبي ﷺ : ((ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ
стр. 4534
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ)) (١).
وفيه: الوعيد الشديد على من تكلم بالكلمة من كلام السوء لا يلقي لها بالًا.
لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ))، أي: لقد نصحته بيني وبينه، ولا أريد أن أكون أول من يفتح باب شر على المسلمين.
وفيه: دليل على أنه لا يخرج على ولاة الأمور بالمعاصي، وإنما الواجب الصبر على جورهم وظلمهم، كما جاء في قوله ﷺ : ((مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً)) (١)، والخروج على الولاة بالمعاصي هو مذهب الخوارج، والمعتزلة، والرافضة.
وفيه: دليل على أن الأمير قد يقول شيئًا، ويفعل خلافه؛ ولهذا قال: ((وَلَا أَقُولُ لِأَحَدٍ- يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيرًا-: إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ، بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ))، أي: أمعاؤه- والعياذ بالله- ((فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، مَا لَكَ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؟ ! فَيَقُولُ: بَلَى، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ! )).
وفيه: دليل على أن أهل النار يسأل بعضهم بعضًا مع ما هم فيه من الشر والبلاء والعذاب.
وفيه: دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله، بل يجب عليه إذا أمر بالمعروف أن يكون أولَ من يفعله، وإذا نهى عن المنكر أن يكون أولَ من ينتهي عنه.
وفيه: أن كون الإنسان يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه من أسباب دخول النار، وقد نعى الله على اليهود كونَهم يأمرون بالخير ولا يفعلونه بأنفسهم، فقال تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون
стр. 4537
الكتاب أفلا تعقلون﴾، وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾، والمقت: أشد البغض، فمن يقول شيئًا ولا يفعله فهو ممقوت، وقال الله تعالى- عن نبيه شعيب ﵇: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت﴾، وقال الشاعر الحكيم:
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِي مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ (١)
ومع ذلك فإن الإنسان عليه واجبان: واجب الأمر بالمعروف، وواجب العمل به، وواجب النهي عن المنكر، وواجب تركه، ولا يسقط أحدهما بسقوط الآخر، فإذا كان الإنسان لا يفعل المعروف، فلا يسقط عنه الأمر به، وإذا فعل المنكر فلا يسقط عنه النهي عنه.
وقوله: ((مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ فِيمَا يَصْنَعُ؟ ))؛ وذلك لأن عثمان ﵁ فعل أشياء في آخر خلافته اجتهادًا منه بما رأى أن فيه مصلحة، وخالفه فيها بعضُ الصحابة ﵃.
стр. 4538
بَابُ النَّهْيِ عَنْ هَتْكِ الْإِنْسَانِ سِتْرَ نَفْسِهِ
[٢٩٩٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ: حَدَّثَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: قَالَ سَالِمٌ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَاةٌ إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْإِجْهَارِ: أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحُ قَدْ سَتَرَهُ رَبُّهُ، فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ، قَدْ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، فَيَبِيتُ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ)).
قَالَ زُهَيْرٌ: ((وَإِنَّ مِنَ الْهِجَارِ)).
[خ: ٦٠٦٩]
قوله: ((كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَاةٌ)): مراعاة لمعنى ((كُلُّ))، وفي اللفظ الآخر: ((كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى)) (١): مراعاة للفظها.
والمعنى: أن المتستر بالمعصية في عافية؛ لأنه يستحيي ولا ينشر المعصية بين الناس، فلا يقتدي به أحد، وأما الذي يجاهر بالمعصية فهذا ليس من أهل العافية، بل هو من أهل الفضيحة، ويجب أن يعاقَب عقوبة وشيكة؛ حيث إنه أعلن فسقه ومعصيته، واقتدى به السفهاء، ونشر الباطل.
وقوله: ((وَإِنَّ مِنَ الْهِجَارِ)): الهجار: يطلق على الفحش والخنا، قال النووي ﵀: ((قوله: ((وَإِنَّ مِنَ الْإِجْهَارِ)): كذا هو فى جميع النسخ إلا نسخة ابن ماهان ففيها: ((وَإِنَّ مِنَ الْجِهَارِ))، وهما صحيحان، الأول: من أجهر، والثاني: من جهر، وأما قول مسلم: قَالَ زُهَيْرٌ: ((وَإِنَّ مِنَ الْهِجَارِ)): بتقديم
стр. 4539
الهاء فقيل: إنه خلاف الصواب، وليس كذلك، بل هو صحيح ويكون الهجار لغة في الإهجار الذي هو الفحش والخنا والكلام الذي لا ينبغي، ويقال في هذا: أهجر إذا أتى به، كذا ذكره الجوهري وغيره)) (١).
وفي هذا الحديث: دليل على أن المعلن بالمعاصي والفسق ليس من أهل العافية؛ لأن أهل العافية هم الذين يستترون.
في هذه الأحاديث: دليل على مشروعية تشميت العاطس إذا حمد الله، وأنه إذا لم يحمد الله فلا يشمَّت؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَإِنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ)).
وفيها: دليل على أن من لم يحمد الله إذا عطس فلا يشمَّت؛ تعزيرًا له، ولعله يسأل فيستفيد بسبب ذلك.
وقد اختلف العلماء فى حكم تشميت العاطس- بعد إجماعهم على أن تشميته إذا حمد الله مشروع (١) - على ثلاثة أقوال:
الأول: ذهبت بعض الظاهرية إلى أن تشميت العاطس فرض-كما نقل ذلك ابن عابدين- على كل من يسمع حمده (٢)، وذكره ابن الْمُزَيِّن من المالكية (٣)، ويقال: إن أبا داود صاحب السنن يرى هذا القول؛ ولهذا لما سمع رجلًا عطس، وهو في الساحل قُرب البحر، وحمد الله، ذهب واستأجر قاربًا، وركب حتى وصل إليه وشمَّته (٤)، فدل على أنه يرى أن تشميت العاطس واجب.
الثاني: أنه مستحب (٥).
الثالث: أن تشميت العاطس فرض كفاية، كردِّ السلام، فإذا شمته البعض كفى (٦) وسقط عن الباقين، وإلى هذا ذهب الإمام مالك ﵀ في المشهور عنه (٧)، وهو الراجح، كرد السلام.
стр. 4542
وقد اختُلف في صيغة الحمد، وصيغة التشميت، وصيغة رد العاطس على الْمُشمِّت، قال النووي ﵀: ((قال القاضي: واختلف العلماء في كيفية الحمد والرد، واختلفت فيه الآثار، فقيل: يقول: الحمد لله، وقيل: الحمد لله ربِّ العالمين، وقيل: الحمد لله على كل حال، وقال ابن جرير: هو مخير بين هذا كله، وهذا هو الصحيح، وأجمعوا على أنه مأمور بالحمد لله، وأما لفظ التشميت، فقيل: يقول: يرحمك الله، وقيل: يقول: الحمد لله، يرحمك الله، وقيل: يقول: يرحمنا الله وإياكم، قال: واختلفوا في رد العاطس على المشمت، فقيل: يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، وقيل: يقول: يغفر الله لنا ولكم، وقال مالك والشافعي: يخير بين هذين، وهذا هو الصواب، وقد صحت الأحاديث بهما، قال: ولو تكرر العطاس، قال مالك: يشمته ثلاثًا، ثم يسكت)) (١).
وظاهر الأحاديث: أنه لو تكرر العطاس ثلاثًا، وحمد الله- يشمته، وقال بعض العلماء: إنه يقتصر على ثلاث؛ لأن العاطس يكون مزكومًا، ويدعو له بالعافية، وجاء هذا في أحاديث ضعيفة، وفيها حديث لا بأس به، ذكره أبو داود في سننه، ولفظه: ((تُشَمِّتُ الْعَاطِسَ ثَلَاثًا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُشَمِّتَهُ فَشَمِّتْهُ، وَإِنْ شِئْتَ فَكُفَّ)) (٢).
قال الأُبِّي ﵀: ((قوله: ((ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الرَّجُلُ مَزْكُومٌ)) قال النووي: يعني: أنك لست ممن يشمَّت بعد هذا؛ لأن هذا الذي بك مرض، فإن قيل: إذا كان مريضًا فكان الأولى أن يُدعى له؛ لأنه أحق بالدعاء من غيره، فالجواب: أنه يستحب أن يدعى له بالعافية، لا بدعاء العاطس. قلت: مذهب مالك: مَن تكرر منه العطاس أن يشمته ثلاثًا، ثم يمسك؛ لحديث أبي داود: ((شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلَاثًا، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ مَزْكُومٌ))، ووقع في
стр. 4543
الموطأ على الشك، قال: لا أدري أفي الثانية، أو في الثالثة؟ وحديث أبي داود هذا يرفع الشك، وأما حديث مسلم هذا فلم يذكر فيه أنه تكرر، وظاهره: أنه متى عرف أن العاطس مزكوم، أو تكرر فلا يشمته، ولعل الراوي لم يحضر إلا بعد الثالثة، أو لم يجعل باله إلا حينئذٍ)) (١).
[٢٩٩٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ العَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ)).
[خ: ٣٢٨٩]
[٢٩٩٥] حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنًا لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يُحَدِّثُ أَبِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ)).
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ)).
حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ)).
وَحَدَّثَنَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ بِشْرٍ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ.
стр. 4544
في هذا الحديث: أن التثاؤب من الشيطان، ومجموع ما ورد من النصوص حول التثاؤب: أنه يشرع للإنسان إذا تثاءب ثلاثة أمور:
الأول: أن يكتم ما استطاع.
الثاني: أن يجعل يده على فمه، سواء يده اليسرى، أو اليمنى؛ لأن النبي ﷺ لم يحدد ذلك.
الثالث: ألا يقول شيئًا، فلا يقول: ((ها)) ولا يتكلم بقراءة ولا غيرها، وثبت في الحديث: ((التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ الشَّيْطَانُ)) (١).
قال القاضي عياض ﵀: ((وقوله: ((فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ))، قال الإمام المازري: قال ابن عرفة- فى قوله: ﴿والكاظمين الغيظ﴾ -: الكاظم: الممسك على ما في قلبه، وأصله: في الكظم للبعير، وهو أن يردد فى حلقه، وكظم فلان غيظه: إذا تجرعه، وكظم خصمه: إذا أجابه بالمسكت فأفحمه، وكظَّه كذلك- أيضًا.
قال القاضى: أمر النبى ﷺ بكظم التثاؤب ورده، ووضع اليد على الفم؛ لئلَّا يبلِّغَ الشيطانَ العدوَّ أملَه فى المسلم بكل ما يسوءه، ويكره منه، من تشويه صورته، ودخوله فى فمه، وضحكه منه، وتفله فيه؛ ولهذا- والله أعلم- أمر المتثائب بالتفل؛ لطرح ما عسى أن يكون ألقاه الشيطان فى فيه، أو لما مسه من ريقه إن كان دخل)) (٢).
стр. 4545
بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ
[٢٩٩٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ)).
قوله: ((خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ)): المارج: اللهب المختلط بسواد النار.
وقوله: ((وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ))، يعني: من طين؛ ولهذا فإن إبليس لما أمره الله بالسجود مع الملائكة قال: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾، والنار- في زعمه- خير من الطين وأفضل، فكيف يسجد الفاضل للمفضول؟ ! وهذا اعتراض على أمر الله تعالى بقياس فاسد، وأول من قاس قياسًا فاسدًا هو إبليس.
стр. 4546
بَابٌ فِي الْفَأْرِ، وَأَنَّهُ مَسْخٌ
[٢٩٩٧] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرزِّيُّ، جميعًا عَنِ الثَّقَفِيِّ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ، وَلَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَأْرَ، أَلَا تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الْإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْهُ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْهُ))، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ كَعْبًا، فَقَالَ: آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ- قَالَ ذَلِكَ مِرَارًا- قُلْتُ: أَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟ ! وقَالَ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ: ((لَا نَدْرِي مَا فَعَلَتْ)).
[خ: ٣٣٠٥]
وَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: الْفَأْرَةُ مَسْخٌ، وَآيَةُ ذَلِكَ: أَنَّهُ يُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الْغَنَمِ فَتَشْرَبُهُ، وَيُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الْإِبِلِ فَلَا تَذُوقُهُ، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَفَأُنْزِلَتْ عَلَيَّ التَّوْرَاةُ؟ ! .
في هذا الحديث: أن أبا هريرة ﵁ لما حدث بهذا الحديث كعبًا ﵀، قال له كعب: ((آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ ))، فقال له أبو هريرة ﵁: ((نَعَمْ))، فكرر عليه كعبٌ ﵀ السؤال، فقال له أبو هريرة ﵁: ((أَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟ ! ))، أي: أنا لا أقرأ في التوراة؛ وإنما أحدث عن رسول الله ﷺ .
وقوله: ((فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ، وَلَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَأْرَ))، يعني: فقد الناس أمة من أمم بني إسرائيل، فقال النبي ﷺ : ((وَلَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَأْرَ))، أي: لا أظنها إلا الفأر، واستدل ﵇ على ذلك بأنها ((إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الْإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْهُ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْهُ))؛ وذلك لأن بني إسرائيل
стр. 4547
حرم الله عليهم ألبان الإبل، ولحومها، فهي تلتزم ما حرم عليها، فدل هذا على أنها هي الأمة الممسوخة؛ ولهذا قال- في الرواية الثانية-: ((الْفَأْرَةُ مَسْخٌ، وَآيَةُ ذَلِكَ))، يعني: علامته ودليله: ((أَنَّهُ يُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الْغَنَمِ فَتَشْرَبُهُ، وَيُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الْإِبِلِ فَلَا تَذُوقُهُ))، وهذا قاله النبي ﷺ بظنه واجتهاده، قبل أن يُعْلِمَه الله أن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام، ثم أعلمه الله بعد ذلك أن الفأر ليس مسخًا؛ وإنما هي أمة من الأمم، كالكلاب، والخنازير، والطيور.
وأما الذين مُسخوا من بني إسرائيل، فقد مُسخوا قردةً، وخنازيرَ- والعياذ بالله- ثم ماتوا بعد ثلاثة أيام؛ لأن الممسوخ لا يعيش ولا ينسل، أما هذه القردة والخنازير الموجودة فهي أمة من الأمم.
стр. 4548
بَابُ لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ
[٢٩٩٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ)).
وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
قوله: ((لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ))، يعني: أن المؤمن الكيس الحازم لا يُخدع مرتين من جهة واحدة.
وفي هذا الحديث: دليل على أن الإنسان إذا أصيب من جهةٍ ما فإن عليه أن يأخذ الحذر حتى لا يصاب منها مرة أخرى.
قال النووي ﵀: ((قوله ﷺ ((لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ)) الرواية المشهورة: ((لَا يُلْدَغُ)) برفع الغين، وقال القاضي: يُروى على وجهين: أحدهما: بضم الغين على الخبر، ومعناه: المؤمن الممدوح، وهو الكيس الحازم الذى لا يُستغفَل، فيُخدع مرة بعد أخرى، ولا يفطن لذلك، وقيل: إن المراد الخداع في أمور الآخرة دون الدنيا، والوجه الثاني: بكسر الغين على النهي أن يؤتى من جهة الغفلة. قال: وسبب الحديث معروف، وهو أن النبي ﷺ أَسَر أبا غرة الشاعر يوم بدر، فمَنَّ عليه، وعاهده أن لا يُحَرِّض عليه، ولايهجوه، وأطلقه، فلحق بقومه،
стр. 4549
ثم رجع إلى التحريض والهجاء، ثم أسره يوم أُحُد، فسأله المنَّ، فقال النبي ﷺ : ((الْمُؤْمِنُ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ))، وهذا السبب يضعف الوجه الثاني)) (١).
стр. 4550
بَابٌ الْمُؤْمِنُ أَمْرُهُ كُلُّهُ خَيْرٌ
[٢٩٩٩] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ- وَاللَّفْظُ لِشَيْبَانَ- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)).
قوله: ((إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ))، أي: يُسر ونعمة فـ ((شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ))، فيكتب الله له أجر الشاكرين، ((وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ)) الصبرُ ((خَيْرًا لَهُ))، وكُتبت له حسنات، فكل أحوال المؤمن على خير، وليس هذا إلا للمؤمن.
بخلاف الكافر فإنه لا حظ له من ذلك، كما جاء في الحديث: ((إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَصَابَهُ سَقَمٌ، ثُمَّ عَافَاهُ اللهُ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَهُوَ عِظَةٌ لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ عُمْرِهِ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ وَعُوفِيَ كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُ، لَا يَدْرِي فِيمَا عَقَلُوهُ، وَلَا فِيمَا أَطْلَقُوهُ)) (١)، وإذا عمل الكافر حسنة في الدنيا أُثيب بها في الدنيا بأن يعطي صحة في بدنه، أو مالًا، أو ما إلى ذلك، فإذا أفضى إلى الآخرة فلا يجد حسنة له- نعوذ بالله من ذلك!
صلى الله عليه وسلم رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ، وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ، فَقَالَ: ((لَقَدْ أَهْلَكْتُمْ- أَوْ: قَطَعْتُمْ- ظَهْرَ الرَّجُلِ)).
[خ: ٢٦٦٣]
[٣٠٠٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ يُثْنِي عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَقَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَحْثِيَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ، فَعَمِدَ الْمِقْدَادُ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ- وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا- فَجَعَلَ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ ! فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ)).
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنِ الأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ عَنِ المِقْدَادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
في هذه الأحاديث: النهي عن المدح؛ لِمَا يفضي إليه من العُجب، والكبر، والتعاظم، والخيلاء، فإنه إذا مدح إنسان إنسانًا وأكثر من مدحه، فإنه قد يسبب له ضررًا كبيرًا؛ لهذا نهى النبي ﷺ عن المدح، وقال للمادح: ((وَيْحَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ))، وفي رواية ثانية: ((لَقَدْ أَهْلَكْتُمْ- أَوْ: قَطَعْتُمْ- ظَهْرَ الرَّجُل))، يعني: تسببتم في هلاكه في دينه؛ لأن المدح الكثير يفضي إلى العجب، والكبر.
стр. 4553
ويُستثنى من هذا الشيءُ القليل الذي لا يؤثر، كما مدح النبيُّ ﷺ الصديقَ ﵁، ففي الحديث: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)) (١)، وكما قال- في استرخاء إزاره ﵁: ((لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلاءَ)) (٢)، وكما مدح عمرَ ﵁، فقال: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ)) (٣)، وكما مدح عثمان ﵁، قال: ((أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟ ! )) (٤).
وذكر النووي ﵀ وجه الجمع بين هذه الأحاديث، فقال: ((قال العلماء: وطريق الجمع بينها: أن النهي محمول على المجازفة في المدح، والزيادة في الأوصاف، أو على من يُخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح، وأما من لا يُخاف عليه ذلك؛ لكمال تقواه، ورسوخ عقله ومعرفته فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير، والازدياد منه، أو الدوام عليه، أو الاقتداء به كان مستحبًّا، والله أعلم)) (٥).
قلت: والذي يظهر لي: أن الشيء القليل هو الذي يستثنى، أما الكثير فلا ينبغي.
стр. 4554
وقوله: ((فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ)): هذا الأمر ليس للوجوب، بل هو للاستحباب، بدليل أن النبي ﷺ لما مدح أبا بكر ﵁، وعمر ﵁، وعثمان ﵁ لم يقل لواحد منهم: أحسبه والله حسيبه؛ فدل على أن هذا الأمر للاستحباب.
وقوله: ((قَامَ رَجُلٌ يُثْنِي عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَقَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَحْثِيَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ)): هذا الحديث حمله بعضهم على ظاهره، وأنه يُحثَى على وجه المادح التراب.
وبعضهم: تأوله، بأن المعنى: خيِّبوهم، فلا تعطوهم شيئًا لمدحهم.
وقال بعضهم: إذا مُدحتم فاذكروا أنكم من تراب، فتواضعوا، ولا تعجبوا بأنفسكم، وهذا ضعيف.
والصواب: القول الأول؛ أنه على ظاهره، وأنه يُحثى في وجه المادح التراب، ولكن هذا الحَثْيَ ليس للوجوب، بل للاستحباب، والدليل على أنه للاستحباب: قوله ﷺ : ((وَيْحَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ- مِرَارًا))، فقال: قطعت عنق الرجل، ولم يَحْث في وجهه الترابَ، فدل على أن حَثْيَ التراب في وجه المادح للاستحباب؛ لأن فيه اللوم والتوبيخ، ولكن هذا إذا لم يترتب عليه مفسدة، وهذا الأخير مأخوذ من نصوص أخرى، ومن قواعد الشريعة، أما إذا كان يترتب على هذا الفعل شر فلا يُحثَى على وجهه التراب، بل يُكتفَى بنصحه ووعظه.
стр. 4555
بَابُ مُنَاوَلَةِ الْأَكْبَرِ
[٣٠٠٣] حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا صَخْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ جُوَيْرِيَةَ- عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ)).
[خ: ٢٤٦]
في هذا الحديث: أن رؤيا الأنبياء نوع من أنواع الوحي، وهي حق يؤخذ منها الأحكام، قال الله تعالى- عن إبراهيم الخليل ﵇: ﴿قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾، ثم قال الله بعد ذلك: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾.
وفيه: أن النبي ﷺ رأى في المنام أنه يتسوك، فجذبه رجلان، فدفع السواك إلى الأصغر منهما، فقيل له: ((كَبِّرْ))، أي: ادفعه إلى الأكبر منهما، فدفعه إلى الأكبر.
وجاء في قصة عبد الله بن سهل ﵁: أنه لما قُتل في خيبر، وجاء أخوه عبد الرحمن، وابنا عمه حويصة ومحيصة، فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه وهو أصغر منهم، فقال له النبي ﷺ : ((كَبِّرْ كَبِّرْ)) (١)، أي: ليتكلم الأكبر منكما.
وفيه: دليل على أن استعمال سواك الغير لا بأس به.