← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

بَاب التَّوْقِيتِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ [٢٧٦] وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ، قَالَ: وَكَانَ سُفْيَانُ إِذَا ذَكَرَ عَمْرًا أَثْنَى عَلَيْهِ. وحَدَّثَنَا إِسْحَاق، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: ائْتِ عَلِيًّا، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّي، فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ. في هذا الحديث أرشدت عائشة ﵂ السائل إلى علي بن أبي طالب ﵁؛ لأن عليًّا يسافر مع النبي ﷺ فيعلم الأحكام في السفر، وهي تعلم الأحكام التي في البيوت، فأخبره أنه جعل للمسافر أن يمسح على خفيه ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يومًا وليلة.

стр. 492

بَاب جَوَازِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ [٢٧٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: ((عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ)). هذا الحديث يبين جواز أن تُصلى الصلوات الخمس كلها بوضوء واحد، وإن كان الغالب من فعل النبي ﷺ أنه كان يتوضأ لكل صلاة، والمقصود: أن النبي ﷺ فعل ذلك يوم الفتح؛ لبيان الجواز.

стр. 493

بَاب كَرَاهَةِ غَمْسِ الْمُتَوَضِّئِ وَغَيْرِهِ يَدَهُ الْمَشْكُوكَ فِي نَجَاسَتِهَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا [٢٧٨] وحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ؟ )). حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ، وَأَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ، قَالَ: يَرْفَعُهُ بِمِثْلِهِ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. ح وحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ. هذا الحديث فيه الأمر بغسل الكفين ثلاثًا إذا استيقظ من نوم الليل قبل أن يدخلهما في الإناء، ودل على خصوصية هذا بنوم الليل قوله: ((باتت يده)) والبتوتة تكون بالليل، وهذا الأمر عند الجمهور للاستحباب، وذهب آخرون أنه للوجوب وهذا هو الصواب؛ لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب، فيجب على الإنسان إذا استيقظ من نومه أن يغسل كفيه ثلاثًا قبل أن يغمسهما في الإناء، والعلة في ذلك ((فإنه لا يدري أين باتت يده)) فالإنسان حينما ينام ما يدري أين كانت يده؛ فقد يمس فرجه وقد يمس دبره وما أشبه ذلك، أما في

стр. 494

غير الاستيقاظ من نوم الليل فيستحب غسلها قبل الوضوء ثلاثًا ولا يجب، فغسل اليدين ثلاثًا قبل الوضوء من نوم النهار مستحب. ولو غمس يده في الإناء قبل أن يغسلهما ثلاثًا قال بعض أهل العلم: إن الماء إذا صار مستعملًا فلا يتوضأ به؛ لكونه طاهرًا غير طهور، والصواب أنه طاهر وطهور، لكنه خالف الأمر فيأثم إذا كان متعمدًا. وقال بعض أهل العلم كالنووي وغيره في مسألة ورود النجاسة على الماء: ((ومنها الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه، وأنها إذا وردت عليه نجسته، وإذا ورد عليها أزالها)) (١) وهذا ليس كذلك، بل الصواب أن الماء لا ينجس إلا إذا تغيرت أوصافه قليلًا كان أو كثيرًا، وأما حديث القلتين: ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)) (٢) فهذا مفهومه أنه إذا لم يبلغ قلتين فإنه يحمل الخبث، وهذا المفهوم ملغى بمنطوق حديث أبي سعيد: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) (٣)، وشرط العمل بالمفهوم ألَّا يعارضه منطوق صحيح.

стр. 495

وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْرِغْ عَلَى يَدِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي إِنَائِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِيمَ بَاتَتْ يَدُه؟)). وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ يَعْنِي الْحِزَامِيَّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ مَخْلَدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، وَابْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زِيَادٌ، أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ فِي رِوَايَتِهِمْ جَمِيعًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، كُلُّهُمْ يَقُولُ: حَتَّى يَغْسِلَهَا، وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: ثَلَاثًا، إِلَّا مَا قَدَّمْنَا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَأَبِي رَزِينٍ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِمْ ذِكْرَ: الثَّلَاثِ. قوله: ((فَلْيُفْرِغْ عَلَى يَدِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)) أي: يغسل يديه ثلاثًا، وهذا عند إرادة الوضوء وهو من المستحبات عند الجمهور، ويتأكد عند الاستيقاظ من نوم الليل، وحمله بعض أهل العلم على الوجوب، كما تقدم.

стр. 496

بَاب حُكْمِ وُلُوغِ الْكَلْبِ [٢٧٩] وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ وَأَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيُرِقْهُ، ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ)). وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: فَلْيُرِقْهُ. وقوله ﷺ : ((فليرقه)) دليل على أن الماء القليل الذي في الأواني الصغيرة يتنجس بالنجاسة ويراق، بخلاف الماء الكثير فإنه لا ينجس إلا إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة؛ لقوله ﷺ في حديث أبي سعيد: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) (١)، وهذا اختيار شيخنا ابن باز ﵀، وقيل: بشذوذها. وفيه دليل على أن نجاسة لعاب الكلب نجاسة مغلظة، وبوله وعذرته من باب أولى، وأن الإناء إذا ولغ فيه الكلب فإنه يغسل سبع مرات. وإذا كان الكلبُ كلبَ صيدٍ فإنه يعفى عن لعابه إذا أصاب الصيد، وأثر عضته للصيد تزيلها النار فتقتل الجراثيم. وأما نجاسة لعاب الخنزير فهي كنجاسة الكلب مغلظة- أيضًا- فتغسل سبع مرات إحداهن بالتراب، وهذا مذهب الحنابلة وجماعة، قياسًا على الكلب، والقول الثاني: أنه لا يقاس عليه.

стр. 497

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ)). وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ)). قوله: ((طهور إناء أحدكم)) أي: تطهيره أن يغسل سبع مرات، وفيه أن الإناء المتنجس يكون تطهيره بالتراب؛ ففي هذه الرواية: ((أولاهن بالتراب))، وفي الرواية السابقة: ((وعفروه الثامنة بالتراب)) وسماها ثامنة؛ لأنها غسلة مع الماء، وفي رواية أخرى: ((إحداهن بالتراب)) (١)، والأولى أن يكون التراب في الغسلة الأولى حتى يزيل الترابَ الغسلُ الذي يأتي بعده. وفيه الرد على مالك والبخاري رحمها الله فيما ذهبا إليه من طهارة الكلب (٢). مسألة: هل يجزئ غير التراب في التطهير، وما يقوم مقامه كالصابون والأشنان؟ والجواب: الراجح أنه لا بد من أن يغسل الإناء بالتراب، ولا يجزئه غير التراب؛ لأن لعاب الكلب فيه فيروسات وأمراض لا يزيلها إلا التراب، وهذا من معجزات النبي ﷺ ؛ لأنه أمرٌ لا يُعلم إلا بالوحي.

стр. 498

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ)). [٢٨٠] وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ سَمِعَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُهُمْ، وَبَالُ الْكِلَابِ))، ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ، وَقَالَ: ((إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ، فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ)). وحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: مِنَ الزِّيَادَةِ، وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الْغَنَمِ، وَالصَّيْدِ، وَالزَّرْعِ، وَلَيْسَ ذَكَرَ: الزَّرْعَ، فِي الرِّوَايَةِ غَيْرُ يَحْيَى. قوله: ((ما بالهم وما بال الكلاب)) دليل على أن الأمر بقتل الكلاب قد نُسخ؛ لأنه قد جاء في حديث عبد الله بن عمر ﵄: ((أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب (١)، ثم نهى عن ذلك، وقال: ((لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها الأسود البهيم)) (٢)))، والأسود البهيم يعني: الخالص السواد، وأمر النبي ﷺ بقتل الكلب الأسود البهيم ذي النقطتين؛ لأنه

стр. 499

شيطان (١)، أما المؤذي من الكلاب فإنه يقتل، ولو لم يكن أسودَ، كالكلب العقور، والذي يعدو على الناس، أو يؤذيهم، وكذلك القط إذا كان يؤذي الناس ويأكل الحمام ونحو ذلك فيقتل. ثم رخص في كلب الصيد والماشية والزرع (٢)، فهذه الأنواع الثلاثة من الكلاب مستثناة من تحريم الاقتناء، وإن اقتنى الإنسان غيرها ينقص من أجره كل يوم قيراطان، كما جاء في الحديث: ((من اقتنى كلبًا لا يغني عنه زرعًا، ولا ضرعًا نقص كل يوم من عمله قيراط)) (٣). ولا يباع الكلب؛ لأن ثمن الكلب خبيث، ولو كان كلبَ صيد أو ما شابه، فكلب الصيد يُهدى ولا يباع، قال النبي ﷺ : ((ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث)) (٤)، والخبيث معناه هنا: الحرام.

стр. 500

بَاب النَّهْيِ عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ [٢٨١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ. [٢٨٢] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ)). وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَبُلْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ تَغْتَسِلُ مِنْهُ)). هذا الباب يفيد تحريم البول في الماء الراكد الذي لا يجري، فيحرم على الإنسان أن يبول فيه؛ لنهيه ﷺ ، ولأن الأصل في النهي التحريم. والحديث الأول مطلق، وليس فيه ما يقيده؛ لأن التبول فيه يقذِّره على الآخرين، فإذا بال في الماء الراكد وهو دون القلتين، أي: خمس قرب، أي: ما يقارب مائتي لتر بمقاييس الأحجام المعروفة الآن. قال أهل العلم: ولا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه، لكنه نهى عن البول فيه؛ لأن كثرة البول تؤدي إلى التنجيس، وعند الكثير من الفقهاء أنه إذا كان دون القلتين فإنه ينجس بمجرد البول فيه، سواء تغير، أو لم يتغير، كما تقدم تفصيل الخلاف في ذلك. والمقصود: أنه يحرم على الإنسان أن يبول في الماء الراكد، أما الماء

стр. 501

الذي يجري فلا بأس بالبول فيه؛ لأنه يجري ويذهب ولا يبقى، وفي الحديث الثاني: ((لا تبل في الماء الراكد الذي لا يجري، ثُمَّ تغتسل منه)) أي: فالبول في الماء الراكد حرام؛ لأن بوله فيه قد يؤدي إلى تنجيسه على نفسه وعلى غيره، لكن كونه يبول فيه، ثُمَّ يغتسل منه فهو أشد حرمة.

стр. 502

بَاب النَّهْيِ عَنِ الِاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ [٢٨٣] وحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى جَمِيعًا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، أَنَّ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ))، فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا. هذا الحديث فيه النهى عن الاغتسال في الماء الراكد وهو جنب؛ لأنه إذا انغمس فيه وهو جنب فقد يكون فيه أثر احتلام فيقذِّره على نفسه، أو على غيره، أما إذا اغتسل ليوم الجمعة، أو للتبرد فلا محظور فيه.

стр. 503

بَاب وُجُوبِ غَسْلِ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ إِذَا حَصَلَتْ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَّ الأَرْضَ تَطْهُرُ بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى حَفْرِهَا [٢٨٤] وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا، بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((دَعُوهُ وَلَا تُزْرِمُوهُ))، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ، دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ. ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ جَمِيْعًا عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَذْكُرُ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا، قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَبَالَ فِيهَا فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((دَعُوهُ))، فَلَمَّا فَرَغَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَنُوبٍ فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ. هذا الحديث فيه دليل على أن بول الآدمي نجس؛ لأنه لو لم يكن نجسًا لما أمر النبي ﷺ بصب الماء عليه، وفيه دليل على أن النجاسة إذا وقعت على الأرض فإنها تُكاثَرُ بالماء، ولا يجب أن تُحجَّر ولا تحفر، خلافًا لأبي حنيفة الذي يقول: ((إذا أصابت النجاسة الأرض الصلبة فتحفر البقعة التي أصابتها النجاسة وتلقى، أو يُحجَّر عليها)) (١). وإذا كان للنجاسة جِرم فإنه ينقل الجِرم ويزال أثره، ثُمَّ يصب على مكانها الماء كالعذرة، وقِطَع الدم.

стр. 504

وفيه دليل على أن المساجد يجب أن تصان عن بول الآدمي، وعن سائر الأقذار، وفيه دليل- أيضًا- على حسن خلقه ﷺ ، وأن الجاهل يُعلَّم برفق، وفيه ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؛ فإن الأعرابي بال في المسجد وتنجست بقعة من المسجد فلو ترك النبي ﷺ الصحابة ليزجروه لقام، وإذا قام تنجست عدة مواضع من المسجد، وقد يلطخ ثيابه وفخذيه بالنجاسة، وقد يضر به صحيًّا عندما يقطع بوله، فالنبي ﷺ تلافى هذه المفاسدَ كلَّها، واحتمل المفسدة الصغرى لدفع المفسدة الكبرى. [٢٨٥] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ عَمُّ إِسْحَاق، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَهْ، مَهْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تُزْرِمُوهُ، دَعُوهُ))، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: ((إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ، لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ))، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ، فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَشَنَّهُ عَلَيْهِ. قوله: ((مَهْ، مَهْ)) هي كلمة زجر. ومن حسن خلقه ورحمته ﷺ : أن الصحابة لما أرادوا منعه، وفي رواية: ((ليقعوا به)) (١)، فقال النبي ﷺ : ((لا تزرموه)) أي: اتركوه، ولا تقطعوا عليه بوله، فلما قضى بوله علَّمه النبي ﷺ برفق قال: ((إن هذه المساجد لا تصلح

стр. 505

لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن)). ولما تكلم معاوية بن الحكم السلمي في الصلاة لما عطس رجل في الصلاة، وقال: الحمد لله، فقال له معاوية: يرحمك الله! فجعل الصحابة ينظرون إليه يسكتونه فقال: ((واثكلى أمياه))، يعني: ما الذي فعلته؟! فجعل الصحابة يضربون أفخاذهم يسكتونه، فلما انتهى النبي ﷺ علَّمه، فقال معاوية ﵁: ((فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله، ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني)) قال: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن)) (١). قوله: ((فَشَنَّهُ عَلَيْهِ)) يعني: صبَّه عليه. وفيه دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يبدأ بالرفق واللين أولًا؛ لأن الأمر بالعنف والشدة يؤدي إلى العناد؛ ولهذا قال في أهل الكتاب-: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم﴾. وفيه أن نجاسة البول لا تزول إلا بالماء المطلق، فلو غسلها بماء الورد، أو بماء عصير، أو بماء الشاي فلا تطهر، فكما أن الماء المطلق لا بد منه في الوضوء فكذلك لا تطهر الأرض التي أصابتها النجاسة إلا بالماء المطلق. وهذا الحديث من الأدلة التي ردت على الأحناف الذين ذهبوا إلى أن النجاسة تزول وتطهر بالشمس والريح (٢)؛ لأنها لو كانت تزول بالشمس والريح لما أمر النبي ﷺ بصب الماء عليه، ولتركها حتى تيبس وتزول بالريح، أو تجف بالشمس.

стр. 506

بَاب حُكْمِ بَوْلِ الطِّفْلِ الرَّضِيعِ وَكَيْفِيَّةِ غَسْلِهِ [٢٨٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ، فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ، وَيُحَنِّكُهُمْ، فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَبِيٍّ يَرْضَعُ، فَبَالَ فِي حَجْرِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ. وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ. [٢٨٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِابْنٍ لَهَا، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، فَوَضَعَتْهُ فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ، قَالَ: فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ. وحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: فَدَعَا بِمَاءٍ، فَرَشَّهُ. وحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ، اللَّاتِي بَايَعْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ أَحَدُ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي: أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِابْنٍ لَهَا، لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأْكُلَ

стр. 507

الطَّعَامَ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَتْنِي أَنَّ ابْنَهَا ذَاكَ، بَالَ فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا. ((التحنيك)): هو أن يمضغ التمر ويدلك في حنك الصبي، وظاهر الحديث أنه سنة، فقد كان النبي ﷺ يؤتى بالصبيان فيحنكهم، ويدعو لهم بالبركة، وهذا خاص بالنبي ﷺ ، أما الدعاء فهو عام فإذا دعي لولي الصبي، أو للمولود بالبركة فلا بأس فيه. وفيه دليل على أن بول الصبي الذي لم يأكل الطعام نجاسته مخففة يكفي فيها النضح بصب الماء عليه، ولا يجب غسله، فإذا أكل الصبي الطعام فلا بد من غسله ولا يكفي فيه النضح، وكذلك إذا كان يشرب من حليب صناعي يتغذى به. أما إذا كانت جارية فإنه لا بد من غسل بولها، كما قال في الحديث الآخر: ((إنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذكر)) (٢). قال بعض أهل العلم في حكمة التفريق بينهما: أن بول الصبي يكون في مكانه لا ينتشر بخلاف بول الصبية فإنه ينتشر، وقال آخرون: إن الحكمة أن الناس يحبون الصبي فيأخذونه ويحملونه، فالبلوى تعم ببوله فخفف من أجل ذلك، بخلاف الصبية وقيل لغير ذلك من الحكم، والله أعلم.

стр. 508

بَاب حُكْمِ الْمَنِيِّ [٢٨٨] وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالأَسْوَدِ، أَنَّ رَجُلًا، نَزَلَ بِعَائِشَةَ، فَأَصْبَحَ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّمَا كَانَ يُجْزِئُكَ إِنْ رَأَيْتَهُ أَنْ تَغْسِلَ مَكَانَهُ، فَإِنْ لَمْ تَرَ، نَضَحْتَ حَوْلَهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكًا، فَيُصَلِّي فِيهِ. وحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ، وَهَمَّامٍ عَنْ عَائِشَةَ، فِي الْمَنِيِّ، قَالَتْ: كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ. ح وحَدَّثَنِي ابْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مَنْصُورٍ وَمُغِيرَةَ، كل هؤلاء عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، فِي حَتِّ الْمَنِيِّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ عَائِشَةَ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. [٢٨٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنِ الْمَنِيِّ، يُصِيبُ ثَوْبَ الرَّجُلِ، أَيَغْسِلُهُ، أَمْ يَغْسِلُ الثَّوْبَ؟ فَقَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ الْمَنِيَّ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ

стр. 509

الْغَسْلِ فِيهِ. وحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ أَبِي زَائِدَةَ كلهم عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، أَمَّا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ فَحَدِيثُهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ بِشْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ الْمَنِيَّ، وَأَمَّا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ، فَفِي حَدِيثِهِمَا، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [٢٩٠] وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الْخَوْلَانِيِّ، قَالَ: كُنْتُ نَازِلًا عَلَى عَائِشَةَ، فَاحْتَلَمْتُ فِي ثَوْبَيَّ، فَغَمَسْتُهُمَا فِي الْمَاءِ، فَرَأَتْنِي جَارِيَةٌ لِعَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا، فَبَعَثَتْ إِلَيَّ عَائِشَةُ، فَقَالَتْ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ بِثَوْبَيْكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: رَأَيْتُ مَا يَرَى النَّائِمُ فِي مَنَامِهِ، قَالَتْ: هَلْ رَأَيْتَ فِيهِمَا شَيْئًا؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: فَلَوْ رَأَيْتَ شَيْئًا غَسَلْتَهُ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَأَحُكُّهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَابِسًا بِظُفُرِي. هذه الأحاديث تدل على طهارة المني؛ لأنه أصل الولد؛ ولهذا كانت عائشة تفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ فيصلي فيه، وفي حديث آخر قالت: ((كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي ﷺ ، فيخرج إلى الصلاة، وإن بقع الماء في ثوبه)) (١). قال العلماء: يستحب غسل المني الرطْب، وفرك اليابس من باب النظافة، وليس لكونه نجسًا، بل هو طاهر، بخلاف المذي فهو نجس، والمذي: ماء أصفر لزج يخرج عند اشتداد الشهوة، أو عند التفكر أو (النفكير) في الجماع، وأما الودْي فهو الذي يخرج بعد البول، وهو نجس- أيضًا.

стр. 510

بَاب نَجَاسَةِ الدَّمِ وَكَيْفِيَّةُ غَسْلِهِ [٢٩١] وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: ((تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ)). وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ كلهم عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيد. هذا الحديث في حكم دم الحيض، وفيه أرشد النبي ﷺ إلى طريقة غسله، وهو أنْ تَحُتَّهُ، ثُمَّ تقرصه، ثُمَّ تنضحه بالماء، ومعنى تحتُّه يعني تحكُّه وتنحته بظفرها، أو بشي آخر حتى يزول الجِرم، ثُمَّ تقرصه أي: بأناملها حتى يتحلل، ثُمَّ تنضحه يعني: تغسله، وهذا يدل دلالة واضحة على أن دم الحيض دم نجس. وفيه دليل على أن الثوب إذا أصابته نجاسة يغسل مكان النجاسة فقط، ولا يغسل الثوب كله كما يفعله بعض الموسوسين، إلا إذا غسله من باب النظافة فلا بأس بذلك، ولو بقي لون النجاسة ما يضره إذا عجز عن إزالته، أما الرائحة فلا بد أن تزول كما ذكر في بعض الروايات في غسل دم الحيض قال النبي صلي الله عليه وسلم: ((يكفيكِ الماءُ، ولا يضركِ أثره)) (١) فبقاء الأثر بعد الغسل لا يضر.

стр. 511

مسألة: من الدماء النجسة الدم المسفوح. كالذي يخرج من الذبيحة وقت الذبح، وكذا الذي يخرج من جسد الآدمي، إلا أن العلماء ذكروا أنه يعفى عن اليسير من الدم، كالذي يكون في العين أو اللثة أو بين الأسنان، أما الدم الذي يكون في اللحم، أو في العروق من الذبيحة فليس بنجس.

стр. 512

بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ وَوُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْهُ [٢٩٢] حَدَّثَنا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: ((أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، قَالَ: فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا)). حَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ، قَالَ: ((وَكَانَ الآخَرُ لَا يَسْتَنْزِهُ عَنِ الْبَوْلِ، أَوْ مِنَ الْبَوْلِ)). في الحديث دليل على أن بول الآدمي نجس، وأنه يجب التحرز منه، وفيه دليل على أن عدم التنزه من البول من أسباب عذاب القبر، وأن النميمة- أيضًا- من أسباب عذاب القبر، وأنه واقع على الروح والبدن جميعًا، وكذلك نعيم القبر يكون للروح والبدن جميعًا، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة القائلين بأن الروح هي التي تنعم وتعذب مفردة، وفيه الرد على منكري عذاب القبر، وفيه دليل على أن النميمة من الكبائر، قال ﷺ : ((لا يدخل الجنة قتات)) (١) أي: نمام. وقوله: ((لَا يَسْتَتِرُ من بوله)) معناه: أنه يكشف عورته فلا يستتر عَنْ أعين الناس، أو لا يجعل بينه وبين بوله سترة، ولا يتحفظ منه ولا يتباعد عنه،

стр. 513

وهذا يدل على أن القليل من النجاسة والكثير سواء. وفي الرواية السابقة عند مسلم: ((لَا يَسْتَنْزِهُ عَنِ البَولِ))، وفي لفظ: ((لا يستبرئ من بوله)) (١) فهذه ثلاثة ألفاظ متقاربات جاء بها الحديث. واستُدل بظاهر هذا الحديث على نجاسة جميع الأبوال، حيث جعل (ال) للجنس فشملت أبوال الإبل والبقر والغنم، وهذا ليس بصحيح، فإن (ال) هنا للعهد، يعني: بول الآدمي المعهود، أما أبوال ما يؤكل لحمه فهي طاهرة، والدليل على هذا حديث أنس: ((أن النبي ﷺ أمر العرنيين الذين اجتووا المدينة أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها ولم يأمرهم بغسل أفواههم)) (٢)، فدل على أنها طاهرة. أما إزالة النجاسة فإنها لا تحتاج إلى نية، فلو كانت النجاسة على الأرض ونزل المطر عليها وغَسَلها طَهُرت الأرض بدون نية، بخلاف الزكاة فإذا وجبت على الإنسان زكاة، وأداها عنه شخص فلا تصح؛ لأنها تحتاج إلى نية إلا إذا وكَّل إنسانًا في أدائها، فينوي الأداء عن الموكل. قوله: ((فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ)) هذا من خصائص النبي ﷺ ، وقال: ((لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)) ولا يقاس عليه غيره، أما ما روي عن بعض الصحابة أنه وضع جريدة فهذا من باب الاجتهاد. قوله: ((وما يعذبان في كبير)) قال بعض العلماء: أي: كبير في اعتقادهما، وإن كان كبيرًا عند الله، وقيل: ما يعذبان في كبير يشق عليهما الاحتراز منه، فليس التحرز عن هذا الأمر بالكبير الشاق عليهما.

стр. 514

كِتَاب الحَيْضِ

стр. 515

كِتَاب الحَيْضِ بَابُ مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ فَوْقَ الإِزَارِ [٢٩٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَأْتَزِرُ بِإِزَارٍ، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. [خ: ٣٠٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ. ح، وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَأْتَزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا، قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟ . [٢٩٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الإِزَارِ وَهُنَّ حُيَّضٌ. [خ: ٣٠٣] - في هذا الحديث: أنه لا بأس للرجل أن يستمتع بزوجته إذا كانت حائضًا، والأحوط أن يأمرها بالاتزار ما بين السرة إلى الركبة؛ حتى يأمن من الدم، ويأمن- أيضًا- من أن تغلبه الشهوة.

стр. 516

- واحتلف العلماء في جواز مباشرة الحائض تحت الإزار على قولين: القول الأول- وهو الصواب-: أنه يجوز له أن يباشرها بدون إزار، لكن يتقي الفرج، كما سيأتي في حديث أنس ﵁: ((اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ))، يعني: الجماع، ويكون الأمر بالاتزار محمولًا على الاستحباب. القول الثاني: أنه لا يجوز له أن يباشرها إلا بإزار، وهذا أحوط وأفضل، خاصة إذا خشى الإنسان أن لا يملك نفسه، فيجب عليه والحالة هذه ألا يباشرها إلا يإزار. - وفيه: أن بدن الحائض وعرقها ولعابها طاهر، وأن لها أن تطبخ وتعجن وتغسل وتصنع كل شيء، فالنجاسة إنما هي مخصوصة بالدم فقط، خلافًا لليهود الذين كانوا لا يأكلون مع المرأة الحائض، ولا يجالسونها، ولا يؤاكلوها ولا بشاربوها، فقال النبي ﷺ كما سيأتي-: ((اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ، إِلَّا النِّكَاحَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودَ، فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا، إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ)).

стр. 517

بَابُ الِاضْطِجَاعِ مَعَ الحَائِضِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ [٢٩٥] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْطَجِعُ مَعِي وَأَنَا حَائِضٌ، وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ. - في هذا الحديث: أنه لا بأس أن يضطجع الزوج مع امرأته الحائض، ويضع بينه وبين جسمها ثوبًا؛ حتى يأمن من الدم، وإن لم يضع فلا حرج عليه. [٢٩٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الخَمِيلَةِ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَنَفِسْتِ؟ ))، قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ، قَالَتْ: وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلَانِ فِي الإِنَاءِ الوَاحِدِ مِنَ الجَنَابَةِ. [خ: ٣٢٢] - في هذا الحديث: أن نساء النبي ﷺ كن يجعلن ثيابًا للحيض، وثيابًا للطهر، وهذا من باب الأفضل والأكمل، وإن كان يجوز لها أن تصلي في ثوب حيضها إن لم يكن فيه نجاسة، فإذا رأت في ثوبها نجاسة غسلته، ولها

стр. 518

أن تصلي فيه بعد الغَسل. - وفيه: جواز اغتسال الرجل وزوجته في الإناء الواحد، ومعلوم أنهما في حالة الاغتسال يكونان عاريين، فيجوز للإنسان أن يغتسل عاريًا إذا لم يكن عنده أحد، كما سيأتي في بابه.

стр. 519

بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، وَطَهَارَةِ سُؤْرِهَا، وَالِاتِّكَاءِ فِي حِجْرِهَا، وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ فِيهِ [٢٩٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ. [خ: ٢٠٣١] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أن عائشة- زوج النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: إِنْ كُنْتُ لَأَدْخُلُ البَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا. وَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ: إِذَا كَانُوا مُعْتَكِفِينَ. حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ مِنَ المَسْجِدِ وَهُوَ مُجَاوِرٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. [خ: ٢٠٣١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَأَنَا فِي حُجْرَتِي، فَأُرَجِّلُ رَأْسَهُ وَأَنَا حَائِضٌ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ. قولها: ((فَأُرَجِّلُه)) الترجيل: تسريح الشعر وغسله. وقولها: ((وهو مجاور))، يعني: وهو معتكف.

стр. 520

يستفاد من هذه الأحاديث: ١ - أن بدن الحائض طاهر؛ ولهذا كانت ﵂ تُرَجِّلُ شعره ﷺ وهي حائض. ٢ - أنه لا ينبغي للمعتكف أن ينشغل بأمور الدنيا؛ فينبغي للمعتكف أن يخلو بربه، ولا يجعل مكان الاعتكاف مكانًا للتحدث، إلا ما كان قليلا فيعفى عنه، فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يزوره بعض نسائه وهو معتكف، فيتحدث إليها، فعنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّ صَفِيَّةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزُورُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ، فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ (١). ٣ - أن الإنسان إذا أخرج رأسه من المسجد فلا يعتبر خارجًا عنه، ولا يخل هذا باعتكافه، وعليه: فإذا حلف الإنسان أن لا يخرج من المسجد هذه الساعة- مثلًا- ثم أخرج يده، أو رجله، أو رأسه، لا يحنث؛ لأنه لا يعتبر خروجًا. ٤ - أن المعتكف لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة، من بول، أو غائط، أو غسل إذا لزمه غسل، وكذا الأكل والشرب إذا لم يكن عنده في المسجد من يأتي له بالأكل والشرب. ٥ - أن المعتكِف لا يزور مريضًا، ولا يتبع جنازة إلا إذا اشترط. ٦ - أن المعتكِف إذا دخل بيته وسأل عَنِ المريض وهو مارٌّ فلا يضر سؤاله، كما كانت عائشة ﵂، تفعله-كما تقدم- قَالَتْ: فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ، إِلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ. ٧ - أن النبي ﵊ كان يكرم شعره، وما كان يحلق شعر رأسه إلا في حج، أو عمرة، وكان يترك شعره حتى يكون وفرة ويكون جمَّة، وسئل الإمام أحمد عن اتخاذ الشعر، فقَالَ: ((سنة حسنة، ولو أمكننا لا تخذناه))، وفي

стр. 521

رواية أخرى: ((لو كنا نقوى عليه لاتخذناه، ولكن له كلفة ومؤنة)) (١)، وفي الحديث: ((مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ)) (٢). وحلق الشعر جائز: فقد فعله عمر ﵁، وأمر بحلق شعور بعض الناس إذا كان فيه فتنة، أو كان فيه تشبهًا ببعض الكفرة (٣). ٨ - جواز استخدام الزوجة للغسل والطبخ والخبز وغيره برضاها، ولو كانت شريفة، وعلى هذا تظاهرت دلائل السنة وأئمة السلف وإجماع الأمة، وأما بغير رضاها فلا يجوز؛ لأن الواجب عليها تمكين الزوجة من نفسها فقط، وهذا هو المقصود من عقد النكاح، وما زال المسلمون يستخدمون زوجاتهم، وعلى هذا جرت الأعراف، وكانت بنت النبي ﷺ فاطمة ﵂ تخدم زوجها عليًّا ﵁، وكانت تطحن، فشَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ سَبْيٌ فَانْطَلَقَتْ، فَلَمْ تَجِدْهُ، فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا، وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ، فَقَالَ: ((عَلَى مَكَانِكُمَا))، فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي، وَقَالَ: ((أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ)) (٤). وكذلك زوجةُ الزبيرِ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ، وَمَا لَهُ فِي الأَرْضِ مِنْ مَالٍ، وَلَا مَمْلُوكٍ، وَلَا شَيْءٍ، غَيْرَ نَاضِحٍ، وَغَيْرَ فَرَسِهِ، فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ، وَأَسْتَقِي المَاءَ، وَأَخْرِزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ، وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ، وَكَانَ يَخْبِزُ جَارَاتٌ لِي مِنْ الأَنْصَارِ، وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، وَكُنْتُ أَنْقُلُ

стр. 522

النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَأْسِي، وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ، فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ الأَنْصَارِ، فَدَعَانِي، ثُمَّ قَالَ: ((إِخْ إِخْ))، لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ، وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ، وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ، فَمَضَى، فَجِئْتُ الزُّبَيْرَ، فَقُلْتُ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى رَأْسِي النَّوَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَنَاخَ لِأَرْكَبَ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ، قَالَتْ: حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ يَكْفِينِي سِيَاسَةَ الفَرَسِ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي (١).

стр. 523

[٢٩٨] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((نَاوِلِينِي الخُمْرَةَ مِنَ المَسْجِدِ))، قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: ((إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ)). حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ حَجَّاجٍ، وَابْنِ أَبِي غَنِيَّةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُنَاوِلَهُ الخُمْرَةَ مِنَ المَسْجِدِ، فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: ((تَنَاوَلِيهَا؛ فَإِنَّ الحَيْضَةَ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ)). [٢٩٩] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كَامِلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، نَاوِلِينِي الثَّوْبَ))، فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: ((إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ، فَنَاوَلَتْهُ)). قوله: ((نَاوِلِينِي الخُمْرَةَ مِنَ المَسْجِدِ)) الخُمرَةُ: المصلى الصغير من سعف النخل، تكون على قدر الوجه والكفين؛ سميت بذلك لأنها تخمِّر الوجه، أي: تستره، يضعها المصلي لتقيه الحر والبرد، فإذا كانت كبيرة تسمى حصيرًا. في هذه الأحاديث: دليل على أن بدن الحائض طاهر؛ فلا بأس بمرور الحائض في المسجد، قال تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾، لكن المكث في المسجد هو الممنوع. قوله: ((مِنَ المَسْجِدِ)) قال القاضي عياض: ((إن النبي ﷺ قال هذا وهو في المسجد؛ لتناوله إياها من خارج المسجد، لا أن النبي ﷺ أمرها أن تخرجها

стр. 524

له من المسجد؛ لأنه ﷺ كان في المسجد معتكفًا، وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض؛ لقول النبي ﷺ : ((إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ))، فإنما خافت من إدخال يدها المسجد، ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنًى، والله أعلم)) (١). قال النووي: ((وقد اختلف في متعلق الجار المجرور ((مِنَ المَسْجِدِ))؛ فعلقته طائفة بـ ((نَاوِلِينِي))، واستدلوا به على جواز دخول الحائض المسجد للحاجة تَعْرِض لها، إذا لم يكن على جسدها نجاسة، وأنها لا تُمنع من المسجد إلا مخافة ما يكون منها، وإلى هذا نحى محمد بن مسلمة من أصحابنا وبعض المتأخرين إذا استثفرت، ومتى خرج منها شيء لم تدخله. وعلقته طائفة أخرى على التقديم والتأخير، وعليه المشهور من مذاهب العلماء أنها لا تدخل المسجد لا مقيمة ولا عابرة؛ لقوله ﵊: ((فَإِنِّي لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍ، وَلَا جُنُبٍ)) (٢)، ولأنَّ حدثها أفحش من حدث الجنابة، وقد اتفق على أن الجنب لا يمكث فيه، وإنما اختلفوا في جواز عبوره فيه، والمشهور من مذاهب العلماء منعه، والحائض أولى بالمنع)) (٣). واستُدِلَّ بقوله تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾: على أن الصواب جواز عبور الحائض المسجد كالجنب، ولا بأس بذلك إذا أمنت تلويث المسجد، وكانت متحفظة، وظاهر الحديث يدل على أنه لا بأس بمرور الحائض في المسجد. وأما قول القرطبي: ((الوضوء لا يرفع حدث الجنابة، وكل موضع وضع للعبادة وأكرم عَنِ النجاسة الظاهرة ينبغي ألا يدخله من لا يُرضى لتلك

стр. 525

العبادة، ولا يصح له أن يتلبس بها)) (١)، فهو قول مخالف للنص. وما ذُكر عن عطاء بن يسار أنه قَالَ: ((كان رجال من أصحاب النبي ﷺ تصيبهم الجنابة، فيتوضؤون ويأتون المسجد فيتحدثون فيه)) (٢)؛ فهذا اجتهاد من بعض الصحابة رضوان الله عليهم، والأقرب المنع، كما قال الله تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾، فالمكث في المسجد ممنوع للجنب والحائض. وقوله: ((تَنَاوَلِيهَا)) فيه: دليل على أنها كانت في المسجد، وهي تأخذها من المسجد، فالروايات تفسر بعضها بعضًا، وهذا من فوائد الروايات المتعددة. [٣٠٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ، وَسُفْيَانَ عَنِ المِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ، فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ العَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ. وَلَمْ يَذْكُرْ زُهَيْرٌ: فَيَشْرَبُ. في هذا الحديث: حسن خلقه ﵊، وإيناسه لأهله، فكانت عائشة ﵂ وهي حائض- تشرب من الإناء، فتناوله النبيَّ ﷺ ، فيضع فمه مكان فمها، وكانت تتعرق العَرْقَ- وهو العظم الذي فيه بقية من لحم- ثم تناوله النبي ﷺ ، فيضع فمه مكان فمها. وفيه: أن بدن الحائض ولعابها وعَرَقها طاهر، كما سبق قريبًا.

стр. 526

[٣٠١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَكِّيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ القُرْآنَ. [٣٠٢] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ اليَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي البُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ ... ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ، إِلَّا النِّكَاحَ))، فَبَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودَ، فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا، إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اليَهُودَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، فَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا، فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا. قوله: ((يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ القُرْآنَ)) فيه: أنه لا بأس بقراءة القرآن للمتكئ في حجر الحائض؛ لأن بدنها طاهر. وقوله: ((فَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟ ))، يعني: أفَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟ على حذف حرف الاستفهام. وقوله: ((لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا))، يعني: لم يغضب عليهما. وقوله: ((إَنَّ اليَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ فِيهِمْ، لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي البُيُوتِ)) في هذا دليل على تشدد اليهود، فإنهم كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في البيوت، بل يجعلوها في غرفة خاصة مستقلة، ويعزلوها، فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عَنِ المحيض

стр. 527

قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، فقال النبي ﷺ : ((اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ)). وقوله: ((اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ)) فيه: أنه يجوز للإنسان أن يباشر زوجته الحائض، ولو بدون إزار، مع اجتناب الفرج. واختلف العلماء فيمن جامع زوجته الحائض هل عليه كفارة أو لا؟ على قولين: القول الأول: ليس عليه شيء عند الجمهور، ولكنه ارتكب إثمًا وذنبًا عظيما، عليه التوبة والندم والاستغفار منه، وعدم العودة إليه. القول الثاني: أن عليه كفارة مقدارها دينار، أو نصف دينار، واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَإِنْ كَانَ الدَّمُ عَبِيطًا فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَتْ صُفْرَةً فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ)) (١). ولا تحل المرأة الحائض إذا طهرت لزوجها إلا بشرطين: الشرط الأول: انقطاع الدم. الشرط الثاني: الاغتسال. قال تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، أي: حتى ينقطع الدم، ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، أي: فإذا تطهرن بالاغتسال.

стр. 528

بَابُ المَذْيِ [٣٠٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَهُشَيْمٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ يَعْلَى- وَيُكْنَى أَبَا يَعْلَى- عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ((يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ)). [خ: ١٧٨] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يعني: ابْنَ الحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ قَالَ: سَمِعْتُ مُنْذِرًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ المَذْيِ، مِنْ أَجْلِ فَاطِمَةَ، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ((مِنْهُ الوُضُوءُ)). وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَرْسَلْنَا المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنِ المَذْيِ يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ، كَيْفَ يَفْعَلُ بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((تَوَضَّأْ، وَانْضَحْ فَرْجَكَ)). المذي: ماء لزج يخرج على رأس الذكر عند الملاعبة، أو تذكُّر الجماع، أو عند اشتداد الشهوة، أما المني فهو: ماء غليظ أبيض، يخرج دفقًا بلذة في اليقظة، أو في النوم، وهذا يوجب غسل البدن كاملًا، وأما الودي فهو يخرج بعد البول، وفيه الوضوء. في هذه الأحاديث: بيان حكم المذي، وهو يوجب الوضوء، ولا يوجب الغسل؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((مِنْهُ الوُضُوءُ)). وقوله: ((تَوَضَّأْ، وَانْضَحْ فَرْجَكَ)): المراد بالنضح هنا: الغَسل؛ لأن النضح

стр. 529

يطلق على الغسل، ويطلق على الرش أيضا؛ فإذا أصاب الثوبَ بول الصبي الذي لم يأكل الطعام فإنه يُنضح بدون غسل. والمذي يوجب- أيضًا- غسل الذكر كاملًا، وغسل الأنثيين- يعني: الخصيتين- والدليل هنا قوله: ((يَغْسِلُ ذَكَرَهُ)) فهو دليل على أن الذكر يُغسل كله، وفي رواية: ((فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ)) (١).

стр. 530

بَابُ غَسْلِ الوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ النَّوْمِ [٣٠٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ. في هذا الحديث: أن العبد إذا قام فقضى حاجته، غسل وجهه ويديه، ولا يكمل الوضوء، بخلاف ما إذا كان عليه جنابة وأراد أن ينام، فإنه يشرع له أن يتوضأ وضوءًا كاملًا، يخفف الجنابة، كما سيأتي. قوله: ((فَقَضَى حَاجَتَهُ)) أي من بول ونحوه، ويحتمل أن المراد: الجماع؛ فيدل على أنه يكتفي بغسل يديه ووجهه أحيانًا ولا يتوضأ، ويتوضأ أحيانًا أخرى.
следующие страницы →