يصلي على الجنازة، ولا الجمعة، ولا الفريضة- عند وجود الماء- بالتيمم؛ لخوف خروج الوقت؛ لأن الوضوء شرط من شروط صحة الصلاة، ولا يصح التيمم إلا عند فقد الماء حقيقةً، أو حُكمًا.
وفيه: حجة لمن قال: إن التيمم يرفع الحدث كالماء سواء بسواء، ولا يبطل إلا بالحدث، أو وجود الماء، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١)، وعلى هذا فله أن يتيمم قبل دخول الوقت، وإذا تيمم فله أن يصلي به فريضة، أو فريضتين، أو أكثر، إلى أن يُحدِثَ، أو يجد الماء.
[٣٧٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا مَرَّ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ.
- في هذا الحديث دليل على أن الذي يبول لا يُسَلَّم عليه، وإذا سُلِّمَ عليه فلا يرد؛ لأنه في حالة يُكره فيها ذكر اسم الله.
стр. 597
بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ
[٣٧١] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يعني: ابْنَ سَعِيدٍ- قَالَ حُمَيْدٌ: حَدَّثَنَا. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ لَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ المَدِينَةِ، وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْسَلَّ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، فَتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ)).
[خ: ٢٨٥]
[٣٧٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَقِيَهُ وَهُوَ جُنُبٌ، فَحَادَ عَنْهُ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: كُنْتُ جُنُبًا! قَالَ: ((إِنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ)).
في هذا الحديث: بيان مشروعية التسبيح عند التعجب؛ خلافًا لما يفعله بعض الناس من التصفيق؛ لأن التصفيق من أخلاق المشركين، ومن أخلاق النساء، وفي الحديث: ((إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ)) (١)، والمشركون تعبدوا الله بالتصفيق، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وتَصْدِيَةً﴾، والمكاء: التصفير، والتصدية: التصفيق، وما يفعله البعض في الحفلات من التصفير والتصفيق لا يجوز، وينبغي للإنسان أن يسبح الله، ويكبر الله؛ ولهذا سبح النبي ﷺ ، فقَالَ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ)).
стр. 598
وفيه: دليل على أن المؤمن طاهر ولو كان عليه حدث أكبر، والكافر طاهر أيضًا، وأما نجاسته فمعنوية، فقد صار نجسًا بالشرك، أما عَرَقه ولعابه فهو طاهر.
стр. 599
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَالِ الجَنَابَةِ وَغَيْرِهَا
[٣٧٣] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنِ البَهِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ.
في هذا الحديث: أن الإنسان لو كان عليه جنابة، فله أن يذكر الله ويدعو الله، إلا قراءة القرآن؛ لما جاء في الحديث: ((فَأَمَّا الجُنُبُ فَلَا، وَلَا آيَةَ)) (١) وأما إذا قرأ آية ولم يُرد القراءة، بل أراد الدعاء، فلا بأس.
مسألة: اختلف العلماء في الحائض والنفساء هل تقرآن القرآن، أو لا؟
القول الأول: أنهما لا تقرآن القرآن، قياسًا على الجنب، واستدلوا بحديث: ((لا تَقْرَأِ الحَائِضُ وَلا النُّفَسَاءُ مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا)) (٢)، لكنه حديث ضعيف.
القول الثاني: تجوز قراءة الحائض والنفساء للقرآن لكن لا تمسَّان المصحف، وفرق بينهما وبين الجنب بأن الجنب مدته لا تطول، فيستطيع أن يغتسل إذا فرغ من حاجته ويقرأ القرآن، أما الحائض والنفساء فليس ذلك من اختيارهما، ومدتهما تطول، ولا سيما النفساء، وإذا كانت حافظة للقرآن، فإنها تُعرضه للنسيان لطول المدة (٣).
أو يذكر الله، أو ينام، ويتأكد الوضوء في حقه عند النوم؛ ولهذا لما سأل عمر ﵁ النبي ﷺ كما سبق، فقَالَ: أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ)) (١).
стр. 602
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا أَرَادَ دُخُولَ الخَلَاءِ
[٣٧٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَالَ يَحْيَى- أَيْضًا-: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ، فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ، وَفِي حَدِيثِ هُشَيْمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الكَنِيفَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ)).
[خ: ١٤٢]
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ)).
في هذا الحديث: أنه يستحب هذا الذكر لمن أراد دخول الخلاء: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ)) والخبث بسكون الباء وبضمها، وجهان، وهو بالضم جمع خبيث، وهم: ذكران الشياطين، والخبائث: إناث الشياطين، جمع خبيثة، والمعنى: أنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم، فيستحب قوله هذا إذا أراد دخول الخلاء، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، يعني: إذا أردت.
أما ما جاء في رواية ابن ماجه من قوله: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ، الخَبِيثِ المُخْبِثِ، الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)) (١) فهذا حديث ضعيف. (٢)
٢. أنه لا بأس بالكلام بعد إقامة الصلاة.
٣. أنه لا تعاد الإقامة، ولو طال الفصل بينها وبين الأذان.
والمراد بالنوم هنا: النعاس الذي لا يزول معه الإحساس، فهذا لا ينقض الوضوء، أما النوم المستغرِق الذي يزول معه الإحساس فهو الذي ينقض الوضوء، وهذا هو الصواب (١)، كما في حديث صفوان بن عسال ﵁: ((وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ)) (٢)، وفي مسألة الباب أقوال كثيرة.
* * *
стр. 605
كِتَابُ الصَّلَاةِ
стр. 606
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ
[٣٧٧] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ- مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ، فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَاتِ، وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ)).
[خ: ٦٠٤]
في هذا الحديث: أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتشاورون في التنبيه للصلاة: هل يتخذون ناقوسًا، أو قرنا مثل قرن اليهود، فيكون ذلك علامة لدخول الوقت، فقال عمر ﵄: تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة، ثُمَّ قال النبي ﷺ : ((يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ)).
وجاء في حديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاقُوسِ لِيُضْرَبَ بِهِ للنَّاسِ فِي الجَمْعِ للصَّلَاةِ، طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: مَا تَصْنَعُ
بَابُ الأَمْرِ بِشَفْعِ الأَذَانِ، وَإِيتَارِ الإِقَامَةِ
[٣٧٨] حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، جَمِيعًا عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ.
[خ: ٦٠٣]
زَادَ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، فَحَدَّثْتُ بِهِ أَيُّوبَ، فَقَالَ: إِلَّا الإِقَامَةَ.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ، بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُنَوِّرُوا نَارًا، أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ.
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ بِهَذَا الإِسْنَادِ: لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا، بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَنْ يُورُوا نَارًا.
وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ، أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ.
قوله: ((أُمِرَ بِلَالٌ))، أي: أمره رسول الله ﷺ ، فهذا له حكم الرفع، وهو الصواب الذي عليه جمهور العلماء.
وقوله: ((أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ)) معنى الشفع: تثنية الأذان: فيقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أربع مرات، ثُمَّ تثنية الشهادتين: أشهد أن لا اله إلا الله، أشهد أن لا اله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثُمَّ حي على الصلاة، مثناة، ثُمَّ
стр. 609
حي على الفلاح، مثناة، الله أكبر الله أكبر، مثنى، ويستثنى: لا إله إلا الله، فتقال مرة واحدة.
ومعنى الإيتار: إفراد الإقامة، فيُنادَى بألفاظ الإقامة مرة واحدة.
وقوله: ((إِلَّا الإِقَامَةَ))، أي: إلا قول: قد قامت الصلاةُ، فَتُشفع، أي: يُنادَى بها مرتين، وعلى هذا تكون الإقامة هكذا: يكون التكبير مرتين، والشهادتان مرةً واحدة، وحي على الصلاة، مرةً، وحي على الفلاح، مرةً، وقد قامت الصلاة، شفعًا، وكذلك الله أكبر الله أكبر، شفعًا.
قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، أَسَمِعْتَ؟ )) قال: وكَانَ أَبُو مَحْذُورَةَ لَا يَجُزُّ نَاصِيَتَهُ وَلَا يَفْرِقُهَا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَسَحَ عَلَيْهَا)) (١).
وهذا الأذان فيه الترجيع، وهو الإتيان بالشهادتين مرتين سرًّا، ثُمَّ يعود فيأتي بهما مرتين يرفع فيهما صوته.
فتكون جمل الأذان عند أبي محذورة تسع عشرة، وأذان بلال خمس عشرة جملة؛ لأن في أذان أبي محذورة زيادة الشهادتين مرتين سرًّا.
وهنا في صحيح مسلم لم يذكر التكبير في أذان أبي محذورة إلا مرتين: الله أكبر الله أكبر، لكن ذكر في غير صحيح مسلم في رواية أحمد (٢) وأصحاب السنن (٣) أن التكبير أربع في أوله، فالأذان جاء على أنواع، وكذلك الاستفتاح جاء على أنواع، وإذا اختار المسلم أيهما فله ذلك، لكن الأفضل أذان بلال؛ لأنه هو الذي كان يؤذن به عند النبي ﷺ ، وقد لزمه ﵁ حتى وفاته ﷺ .
بَابُ جَوَازِ أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ
[٣٨١] حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ مَخْلَدٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ أَعْمَى.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
في هذا الحديث: أنه لا بأس بأذان الأعمى، لكن ينبغي إذا كان المؤذن أعمى أن يكون معه آخر بصير، وكان النبي ﷺ يؤذن له بلال وابن أم مكتوم ﵄، وكان بلال ﵁ يؤذن قبل الفجر، وابن أم مكتوم ﵁ يؤذن الصبح؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِي ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ))، ثُمَّ قال: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحتَ (١).
والأذان جائز قبل الوقت في الفجر فقط؛ أما في غير الفجر فلا يجوز الأذان إلا بعد دخول الوقت؛ ولهذا جاء في الحديث الآخر: ((لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ- أَوْ قَالَ: نِدَاءُ بِلَالٍ- مِنْ سُحُورِهِ؛ فَإِنَّه يُؤَذِّنُ- أو قَالَ: يُنَادِي- بِلَيْلٍ؛ لِيُرْجِعَ قَائِمَكُمْ، ويُوقِظَ نَائِمَكُمْ)) (٢)؛ فالأذان الأول يخبر بأن الفجر قريب حتى يستعد القائم ويخفف الصلاة ويوتر، ويوقظ النائم فيستعد ويتوضأ للصلاة ويوتر؛ ولهذا لا يؤذن للأذان الأول قبل أذان الفجر بكثير؛ لأنه إذا كان كذلك لم يحصل المقصود، فإنه ﷺ قد بين العلة ((ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم))، فإنما تحصل الفائدة إذا أذن قريبًا من الفجر.
стр. 614
بَابُ الإِمْسَاكِ عَنِ الإِغَارَةِ عَلَى قَوْمٍ فِي دَارِ الْكُفْرِ إِذَا سُمِعَ فِيهِمُ الأَذَانُ
[٣٨٢] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمِعُ الأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِلَّا أَغَارَ، فَسَمِعَ رَجُلًا، يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((عَلَى الْفِطْرَةِ))، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ))، فَنَظَرُوا، فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزًى.
في هذا الحديث: أن الأذان دليل على الإسلام، وأنه لا بد منه في كل بلد، وأنه إذا تواطأ أهل بلد على تركه فإنهم يُقاتَلون.
وفيه: أن من أذَّن يُحكم بإسلامه؛ لأنه ينطق بالشهادتين، ثُمَّ بعد ذلك يُنظر، إن التزم فالحمد لله، وإن لم يلتزم كان مرتدًّا.
وفيه: إن إجابة المؤذن عن صدق وإخلاص من أسباب دخول الجنة.
وفيه: مشروعية الأذان للمسافر، ولمن كان في البرية؛ ولهذا أوصى أبو سعيد الخدري عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ﵄، فقال: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ والبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ باِلنِّدَاءِ؛ فَإِنَّهُ: ((لَا يَسْمَعُ مَدَىَ صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ، وَلَا إِنْسٌ، وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ))، قالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١).
وفيه: أن إجابة المؤذن ليست واجبة، وإنما هي مستحبة، وأن الحديث
стр. 615
الآتي: ((إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ)) على الاستحباب، وصُرف الأمر في هذا الحديث عن الوجوب بما ورد في حديث الباب ووجه ذلك: أن النبي ﷺ لم يقل مثل ما قال المؤذن.
نال الشفاعة، بشرط التوحيد والإخلاص واجتناب الشرك، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: يا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ قال: ((مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ)) (١)، وقال الله تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾؛ والنصوص يُضم بعضها إلى بعض، فالنصوص التي فيها: أن من أجاب المؤذن حلت له الشفاعة، والنصوص الأخرى التي دلت على أن المشرك لا شفاعة له، يجمع بينها: بأن من أجاب المؤذن وكان موحِّدًا ومات على التوحيد بعيدًا عن الشرك حلت له الشفاعة، وأن مَن أجاب المؤذن وهو مشرك وأصر على الشرك، فليس له شفاعة - نعوذ بالله من ذلك-.
стр. 618
[٣٨٥] حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسَافٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ)).
في هذا الحديث: أن الأفضل في كيفية الأذان فصل التكبيرات، فيكبر كل تكبيرة على حدة: الله أكبر، الله أكبر؛ مثل الوقوف على رؤوس الآيات في قراءة القرآن، قال عمر بن عبد العزيز ﵀ لمؤذنه: ((أذِّنْ أذانًا سمحًا، وإلا فاعتزلنا)) (١).
ويسن أن يكون المؤذن حسن الصوت، ولكن لا يشرع التكلف والتلحين مثل تلحين الغناء، أَوْ تكون جمل الأذان غير متناسبة، واحدة يطولها وواحدة يقصرها؛ ولهذا قيل: يكره الأذان الملحَّن.
ويسن إجابة المؤذن في الأذان والإقامة، فيقول السامع مثل ما يقول، إلا في الحيعلتين، فيقول: لا حول وَلَا قوة إلا بالله، ويقول في الفجر: الصلاة خير من النوم، كما يقول المؤذن.
стр. 619
[٣٨٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ الْحُكَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْقُرَشِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ الْحُكَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ)).
قَالَ ابْنُ رُمْحٍ فِي رِوَايَتِهِ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: وَأَنَا أَشْهَدُ))، وَلَمْ يَذْكُرْ قُتَيْبَةُ قَوْلَهُ: ((وَأَنَا)).
قوله: ((وَأَنَا أَشْهَدُ))، يعني: يقول حين يسمع الأذان: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، ويسن قول هذا الدعاء بعد الشهادتين، وقبل قول المؤذن: حي على الصلاة، وليس كما يظنه بعض الناس أنه يقال في آخر الأذان.
стр. 620
بَابُ فَضْلِ الأَذَانِ، وَهَرَبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِهِ
[٣٨٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يَدْعُوهُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ.
في هذا الحديث: فضل المؤذنين، وأن الله جعلهم أطولَ الناس أعناقًا يوم القيامة؛ لأنهم ينادون بالتكبير، ويرفعون بها أصواتهم، وينادون بالشهادتين، ويدعون إلى الصلاة.
وورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالحًا﴾: أنه المؤذن (١)، أي: أن المؤذن يدخل في هذه الآية.
стр. 621
[٣٨٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ، ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ))، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الرَّوْحَاءِ؟ فَقَالَ: هِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ، سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا.
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
في هذا الحديث: أن الشيطان حين الأذان يهرب إلى مكان بعيد؛ ليشوش على نفسه حتى لا يسمع صوت الأذان، ثُمَّ يرجع بعد الأذان ويشوِّش على الإنسان، حتى يخطر بينه وبين نفسه، وَلَا يمنعه من ذلك تشهد المصلي في الصلاة؛ لأنه لا يرفع بها صوته، بخلاف المؤذن الذي يجهر بالأذان.
وهذا الشيطان الذي يهرب المراد به: جنس الشيطان، أما القرين فإن النصوص دلت على أنه ملازم للإنسان لا يفارقه.
وقوله: ((سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا))، أي: قريب من خمسين كيلو مترًا، أَوْ ثمان وأربعين كيلو مترًا.
الموضع الثالث: عند الرفع من الركوع.
وثمت موضع رابع ورد فيه الرفع وهو عند القيام للركعة الثالثة ودليله ما ثبت عند البخاري ﵀ أن ابن عمر ﵄ كَانَ إِذَا دَخَلَ في الصَّلَاةِ كبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ اللهِ ﷺ (١).
ومشروعية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام محل إجماع من العلماء (٢)، وقيل: الحكمةُ في رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام رفعُ الحجاب بينه وبين ربه .
وفيه: أنه لا يرفع يديه عند السجود، وَلَا عند الرفع منه، وأما ما جاء عن مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي صَلَاتِهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَإِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ، فحديث ضعيف (٣).
[٣٩١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّهُ رَأَى مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ إِذَا صَلَّى كَبَّرَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَحَدَّثَ أَنَّ
стр. 626
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ هَكَذَا.
[خ: ٧٣]
حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))، فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ: أَنَّهُ رَأَى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ.
في هذا الحديث: صفة من صفات المحاذاة وقد اختلف العلماء في الجمع بين حديث مالك بن الحويرث ﵁ هذا: ((أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ أُذُنَيْهِ)) وبين حديث ابن عمر ﵄ السابق: ((أنه يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ)) فقيل: هذا يدل على التخيير، وأن الإنسان مخير بين أن يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه، كما في حديث ابن عمر ﵁، أَوْ يرفع يديه حتى يحاذي فروع أذنيه، كما في حديث مالك بن الحويرث ﵁، وهذا هو المعتمد، فيفعل هذه تارة، ويفعل هذه تارة أخرى.
وقال آخرون من أهل العلم: الجمع بينهما أن يحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه وإبهاماه شحمتي أذنيه وراحتاه منكبيه (١).
وقال آخرون: إن الإبهام يحاذي شحمة الأذنين، والكف يحاذي المنكب (٢).
عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا رَفَعَ وَوَضَعَ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا التَّكْبِيرُ؟ ! قَالَ: إِنَّهَا لَصَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
في هذا الحديث: أن السنة للمصلي التكبير في كل خفض ورفع، إلا في الرفع من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده، وكان بعض بني أمية أحدثوا في الصلاة شيئًا، وهو أنهم لا يكبرون إلا تكبيرة الإحرام، فعن عكرمة قال: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: صَلَّيْتُ الظُّهْرَ بِالبطْحَاءِ خَلْفَ شَيْخٍ أَحْمَقَ، فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً: يُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: تِلْكَ صَلَاةُ أَبِي القَاسِمِ ﵊ (١).
ولا خلاف بين العلماء في مشروعية التكبير في كل خفض ورفع، ولكن اختلفوا في وجوب التكبير وعدمه على قولين:
القول الأول: أن التكبير ليس بواجب، فلو تركه عمدًا فلا شيء عليه، ما عدا تكبيرة الإحرام، فهي ركن لا تنعقد الصلاة بدونها (٢).
والقول الثاني: إن التكبير واجب؛ فإذا تركه سهوًا سجد للسهو سجدتين، وإذا تركه عمدًا بطلت صلاته، وهذا قول أحمد وجماعة (٣)، وهذا أرجح؛ لأمرين:
أحدهما: أن النبي ﷺ كان يحافظ عليه، وقد قال ﷺ : ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)) (٤).
والآخر: أن النبي ﷺ أمر به في قوله: ((فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا)) (٥).
стр. 629
وهذا الخلاف يجري في تسبيحات الركوع والسجود، وقول: ((رب اغفر لي))، بين السجدتين، وقول: ((سمع الله لمن حمده))، فالجمهور يرونه سنة، وأحمد وجماعة يرونه واجبًا، وهذا أصح.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
[٣٩٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، جميعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانَ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ: أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوَ قَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
[خ: ٧٦٨]
في هذا الحديث: بيان أن التكبيرات تكون في كل خفض ورفع فتكون في الصلاة الرباعية اثنتان وعشرون تكبيرة، وفي الثلاثية سبع عشرة تكبيرة، وفي الثنائية إحدى عشرة تكبيرة.
وفيه: أنه لا يشرع رفع اليدين في الجلوس.
وهل يكبر ثم يرفع يديه، أَوْ يرفع يديه ثم يكبر، أَوْ يتلازمان؟
اختلف العلماء في هذه المسألة؛ ذلك أنه فقد جاء في بعض الأحاديث: أنه كبر ثم رفع يَدَيْهِ (١)، وورد: أنه رفع ثم كبر (٢)، والأقرب: أنه يبدأ الرفع مع التكبير، وينتهي معه، سواء في تكبيرة الإحرام أو في تكبيرات الانتقال.
стр. 630
بَابُ وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُحْسِنِ الْفَاتِحَةَ وَلَا أَمْكَنَهُ تَعَلُّمَهَا، قَرَأَ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا
[٣٩٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ- يَبْلُغُ بِهِا النَّبِيَّ ﷺ : ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)).
[خ: ٧٥٦]
حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْتَرِئْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ)).
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ- الَّذِي مَجّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرِهِمْ- أَخْبَرَهُ: أَنَّ عُبَادَةَ ابْنَ الصَّامِتِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ)).
وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَزَادَ: ((فَصَاعِدًا)).
في هذا الحديث: أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة في كل ركعة، وَلَا تصح الصلاة بدونها، وهذا مجمع عليه في حق الإمام والمنفرد (١)، واختلفوا في وجوبها على المأموم على أربعة أقوال:
أحدها: ذهب المالكية والحنابلة إلى أنه لا تجب القراءة على المأموم في
стр. 631
الصلاة الجهرية، ويتحملها الإمام عنه (١)، واستدلوا بحديث: ((مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَتُهُ لَهُ قِرَاءَةٌ)) (٢)، وهو حديث ضعيف.
وعند المالكية يستحب قراءتها للمأموم في الصلاة السرية، دون الجهرية، وعند الحنابلة تجب (٣).
الثاني: ذهب الأحناف إلى أن المأموم لا يقرأ الفاتحة خلف الإمام مطلقا حتى في الصلاة السرية، ويكره تحريما أن يقرأ خلف الإمام (٤).
الثالث: ذهب الشافعية إلى أنها تجب قراءتها في السرية والجهرية، وهو قول الشافعية (٥) وهذا أرجح الأقوال؛ لعموم هذا الحديث: ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ)).
وأما آية: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾، وحديث: ((وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا)) (٦)، فهما عامان يخصصهما هذا الحديث، وحديث: ((لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟ ))، قالوا: نعم، قال: ((لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ القُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا)) (٧)، أخرجه أحمد وبعض أهل السنن بسند جيد.
وقراءة الفاتحة في حق المأموم واجب مخفف، يسقط بالجهل والنسيان،
стр. 632
وكذا يسقط إذا أدرك الإمام راكعًا، وكذا إذا أدركه في آخر القيام ولم يتمكن من قراءتها؛ لحديث أبي بكرة حين أدرك النبي ﷺ راكعًا، وركع خلف الصف، فقال له النبي ﷺ : ((زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ)) (١)؛ فلم يأمره بقضاء الركعة.
الرابع: ذهب الإمام البخاري إلى أن الفاتحة لا تسقط عن المأموم، حتى ولو أدرك الإمام راكعًا، فإنه يقضي الركعة، وكذا لو تركها نسيانًا أو جهلًا فإنه يقضيها، وهذا اختيار الإمام البخاري في كتابه: جزء القراءة (٢).
وسكتات الصلاة: سكتة أولى عند تكبيرة الإحرام، والسكتة الثانية قبل الركوع، وهي سكتة خفيفة حتى يرتد إليه نَفَسُهُ، أما السكتة الثالثة بعد الفاتحة، فمحل خلاف بين أهل العلم، وليس هناك دليل واضح على السكوت بعد الفاتحة.
ويؤخذ من الحديث: أنه تجب قراءة الفاتحة في كل صلاة، حتى في صلاة الجنازة.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ أَبِي، وَمِنْ أَبِي السَّائِبِ- وَكَانَا جَلِيسَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ- قَالَا: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ)) - يَقُولُهَا ثَلَاثًا، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.
قوله: ((خِدَاجٌ))، أي: نقصان، أي: فهي ناقصة غير تامة، وقد دلت النصوص الأخرى على أنها باطلة؛ فهذا النقصان يبطلها.
وفي هذا الحديث: تسمية الفاتحة بأنها صلاة، يقول الرب : ((قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ)) وسميت الفاتحة صلاةً؛ لأنها أعظم أركان الصلاة؛ حيث تُقرأ في كل ركعة؛ ولأن الصلاة في اللغة: الدعاء، والفاتحة فيها الدعاء، وَلَا تصح الصلاة إلا بها، والفاتحة لها عدة أسماء، فهي تسمى: الفاتحة، وأم القرآن، والسبع المثاني.
وقوله: ((فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾)) دليل على أن أول آية من الفاتحة ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وأن البسملة ليست آية من الفاتحة، ولو كانت من الفاتحة لقال: فإذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم.
وقوله: ((حَمِدَنِي عَبْدِي)) الحمد: هو الثناء على المحمود بصفاته الجليلة مع حبه وتعظيمه وإجلاله.
وقوله: ((أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي))، أي: كرر الثناء، من التثنية للشيء، فهو ثناء بعد ثناء.
وقوله: ((مَجَّدَنِي عَبْدِي))، أي: توسَّع في الثناء، واستكثر منه، ومن أسماء الله الحسنى: المجيد، أي: العظيم، ذو الصفات العظيمة الجليلة.
وقوله: ((فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾)) هذا اعتراف بحق الله ، وأنه المستحق للعبادة وحده، وأنه مخصوص بها
стр. 635
دون سواه، وهو توكل عليه وتخصيص الاستعانة به سبحانه، والاعتماد عليه وحده في أداء العبادة، وفي الأمور كلها.
وقوله: ((فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾)) هذا أفضل وأجمع وأنفع دعاء، أن تسأل الله أن يوفقك وأن يرشدك ويثبتك على الصراط المستقيم، وهو صراط المنعَم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ﴿غير المغضوب عليهم﴾ وهم الغاوون الذين ضلوا، فعلموا ولم يعملوا بالعلم، ﴿ولا الضالين﴾ الذين يتعبدون على جهل وضلال، والصراط المستقيم: هو طريق الرشد والهداية، ولو كان هناك دعاء أفضل من هذا لأوجبه الله في الفاتحة؛ فدعاءٌ يجب على كل مسلم أن يقرأه في كل ركعة دعاءٌ عظيمٌ.
وفيه: إثبات الكلام لله، وهذا فيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: إن الكلام معنى قائم بالنفس، وأنه ليس بحرف وَلَا صوت، والنووي ﵀ وابن حجر قد يؤولونه أحياناً، ويقولون: هذه الصفات - ومنها الكلام- تنسب للعبد المخلوق وَلَا يليق ظاهرها بجلال الله (١).
فمذهب أهل السنة والجماعة أن كلام الله تعالى بحرف وصوت، وقد دلت على ذلك نصوص القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾، والنداء يكون بالصوت، فهو رفع الصوت بالكلام للبعيد، وقوله: ﴿وقربناه نجيًّا﴾: من المناجاة، وهو الكلام من قرب.
وجاء في الصحيحين أن الله تعالى ينادي آدم يوم القيامة، فيقول: ((يا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ))، فَيَقُولُ: ((أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، )) (٢)، وفي الحديث الآخر: