حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.
قوله: ((فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا)) هذا الالتفات للحاجة، ولعل هذا قبل أن يمكنه الله من رؤيتهم من وراء ظهره، كما في حديث: ((إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي)) (١)، أَوْ أن الالتفات للتأكُّد.
وفي هذا الحديث: أن أبا بكر ﵁ كان يُبَلِّغ تكبير النبي ﷺ ، وهذا هو الأصل في التبليغ، فإذا كان الإمام صوته لا يبلغ فيرفع أحد المأمومين الصوت؛ ليبلغ الناس صوته.
وفيه: أن النبي ﷺ نهاهم أن يقوموا وهو قاعد، فعن جابر ﵁ قال: ((اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ، وأبو بكر يُسمِع الناسَ تكبيرَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا، فرآنا قِيَامًا، فَأَشارَ إِلَيْنَا فَقَعَدْنَا، فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا، فَلَمَّا سَلَّمَ قال: ((إِنْ كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِس والرُّومِ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ، وَهُمْ قُعُودٌ، فَلَا تَفْعَلُوا، ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ، إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا)).
فنهى النبي ﷺ الصحابة أن يصلوا قيامًا وهو قاعد؛ لئلا يتشبهوا بالأعاجم، فلا ينبغي للإنسان أن يكون جالسًا ومن خلفه واقف على رأسه، كما يفعل بعض الناس، يصب القهوة واقفًا، ثُمَّ يبقى واقفًا، وينبغي له أن يجلس إلا عند الحاجة، كما وقف المغيرة بن شعبة ﵁ فوق رأس النبي ﷺ في صلح الحديبية للحراسة (٢).
ويحتمل أن النبي ﷺ كان قاعدًا في بيته مجاورًا للمسجد في غرفة، وهم خارج الغرفة في المسجد؛ لأن بيوت النبي ﷺ كان لها أبواب للمسجد.
стр. 667
بَابُ النَّهْيِ عَنْ مُبَادَرَةِ الإِمَامِ بِالتَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ
[٤١٥] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا، يَقُولُ: ((لَا تُبَادِرُوا الإِمَامَ، إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ)).
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، إِلَّا قَوْلَهُ: ((﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ))، وَزَادَ: ((وَلَا تَرْفَعُوا قَبْلَهُ)).
قوله: ((لَا تُبَادِرُوا))، يعني: لا تسابقوا الإمام.
وفي هذا الحديث: دلالة على وجوب المتابعة، فينبغي للإنسان أن ينتظر ويتمهل حتى ينقطع صوت الإمام.
وفيه: أنه يقول: ((آمين)) بعد قول: ﴿ولا الضالين﴾، وَلَا ينتظر قول الإمام، وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غير المغضوب عليهم وَلَا الضالين﴾ فَقُولُوا: آمِينَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) (١)؛ فيقول: ((آمين))، سواء قالها الإمام، أم لم يقلها.
وفيه: الرد على من أنكر قول: ((آمين))، وقد جاء في الحديث عن عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ، مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى
стр. 668
السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ)) (١).
والشيعة لا يجهرون ب ((آمين))، بل وَلَا يقولونها، وينكرون على من قالها بعد الإمام، وهذا من موافقتهم لليهود.
[٤١٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَعْلَى- وَهُوَ ابْنُ عَطَاءٍ- سَمِعَ أَبَا عَلْقَمَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِذَا وَافَقَ قَوْلُ أَهْلِ الأَرْضِ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
[٤١٧] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ أَنَّ أَبَا يُونُسَ- مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ- حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلَّوْا قُعُودًا أَجْمَعُونَ)).
قوله: ((إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ))، أي: هو سترة للمأموم.
وهذا يفيد أمرين:
الأول: إذا مر أحد بين الإمام وبين المأموم فلا يضره هذا المرور.
والثاني: أنه إذا حصل للمأموم خلل أو سهو، أَوْ تَرَك واجبًا سهوًا، أَوْ ترك التسبيح، فيتحمله عنه الإمام.
وقوله: ((وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ)) جاء في
стр. 669
فضل التحميد حديثُ عن رفاعة بن رافع الزرقي ﵁ قال: ((كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قال رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((مَنِ المُتَكَلِّمُ؟ )) قال: أَنَا، قال: ((رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبتَدِرُونها أيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ)) (١).
إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، وَقَالَ لَهُمَا: ((أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ))، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَاعِدٌ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: هَاتِ، فَعَرَضْتُ حَدِيثَهَا عَلَيْهِ، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ؟ قُلْتُ: لَا قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ.
[خ: ٦٨٧]
في هذا الحديث: بيان ما أصابه ﵊ من المرض، فقد أغمي عليه ﷺ ثلاث مرات، وهو أشرف الخلق، وليس ذلك لهوان به على ربه، ولكن ليعظم الله له الأجر، وليرفع درجته، ولتقتدي به أمته.
وقوله: ((المِخْضَب)) هو مثل الطست الذي تُغسل فيه الثياب.
والنبي ﷺ اغتسل حتى يخف المرض والحمى التي أصابته، لكن ذلك لم يخفف عنه، وما استطاع الصلاة.
وفيه: مزيد عنايته ﵊ بالجماعة وهو مريض، فثلاث مرات يغمى عليه، وهو يريد الصلاة.
وكثير من الناس الآن- والعياذ بالله- لا يبالي بالجماعة، فتراه قويًّا نشيطًا، وليس به علة، ويصلي في البيت! !
وفيه: أنه إذا كان الإمام به علة فإنه يُنيب من يصلي عنه؛ ولهذا أوصى النبي ﷺ أبا بكر ﵁ أن يصلي بالناس.
وفيه: أن الإغماء مثل النوم في نقض الوضوء، فمن غاب شعوره فالأقرب أنه يتوضأ.
وفيه: أن المريض إذا تجشم وصلى مع الجماعة فهذا هو الأفضل.
وفيه: أن أبا بكر ﵁ كان يقتدي بصلاة النبي ﷺ ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 672
وجلس عن يسار أبي بكر.
وفيه: أن الإمام إذا جاء وخليفته يصلي فله أن يدخل، وله أن يصلي معه؛ بدليل أن الرسول ﷺ جاء وأبو بكر ﵁ يصلي بهم قائمًا، ثُمَّ جلس عن يسار أبي بكر، فالنبي قاعد وأبو بكر قائم والناس قيام، وأبو بكر يقتدي بصلاة النبي ويبلغ الناس، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر.
وفيه: أن النبي ﷺ أقرهم على صلاتهم خلفه قيامًا، وهو قاعد.
وللعلماء ثلاثة أقوال في الجمع بين الأحاديث التي فيها صلاته قاعدًا وهم قيام، وبين الأحاديث السابقة التي صلى فيها وهو قاعد، وأمرهم بالقعود:
أحدها: القول بالنسخ، وأن أمره لهم بالقعود كان أولًا، ثُمَّ نُسخ، فوجب القيام خلف الإمام الراتب إذا صلى قاعدًا؛ لأن هذا هو الآخِر من فعله ﷺ ، وإنما يؤخذ بالآخِر فالآخِر، وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، وأبو ثور، والحميدي (١).
والثاني: الجمع بين الأحاديث، بحمل الأمر بالقعود على الاستحباب، والأمر بالقيام على الجواز، وهذا هو الأرجح؛ لأن الجمع بين النصوص مقدم على القول بالنسخ؛ لأن فيه عملًا بها كلها (٢).
والثالث: أنه إذا ابتدأ الصلاة قاعدًا وجب عليهم القعود، وإذا ابتدأ الصلاة قائمًا، ثُمَّ اعتلَّ فجلس وجب عليهم القيام؛ جمعًا بين الأحاديث؛ لأنه ﵊ في مرضه الأول ابتدأ الصلاة قاعدًا، وفي مرضه الأخير ابتدأ أبو بكر ﵁ بالناس الصلاة قائمًا، ثُمَّ جاء النبي ﷺ فصلى بهم جالسًا وهذا نقل عن الإمام أحمد وغيره (٣).
وأرجح هذه الأقوال الثاني ثم الثالث.
стр. 673
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِهَا، وَأَذِنَّ لَهُ قَالَتْ: فَخَرَجَ، وَيَدٌ لَهُ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَيَدٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ، وَهُوَ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ فِي الأَرْضِ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَنَ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ هُوَ عَلِيٌّ.
في هذا الحديث: أن النبي ﷺ أخذ بيد الفضل وعلي ﵄، وفي الحديث الأول أنه ﷺ أخذ بيد العباس ﵁، وهذا دليل على أنهم كانوا يتناوبون ﵃، فمرة الفضل، ومرة العباس، ومرة أسامة ﵃.
وفيه: أن الرجل إذا كان له عدة زوجات ثم مرض، واستأذن أن يُمَرَّضَ في بيت واحدة فأذِنَّ له، فلا بأس، أَوِ استأذن أن يسافر بواحدة، أَوْ يبيت عند واحدة ليلة أخرى، فأذِنَّ له- عن رضًا وقناعة- فلا بأس؛ لأن الحق لهن؛ ولهذا لما مرض النبي ﷺ واستأذن أزواجه أن يُمَرَّضَ في بيت عائشة ﵂ فأذِنَّ له، وبقي في بيت عائشة ﵂ حتى توفي.
نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِالْحِجَابِ فَرَفَعَهُ، فَلَمَّا وَضَحَ لَنَا وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، مَا نَظَرْنَا مَنْظَرًا قَطُّ كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وَضَحَ لَنَا، قَالَ: فَأَوْمَأَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَأَرْخَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْحِجَابَ، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ.
[٤٢٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ: ((مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ؛ فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ))، قَالَ: فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
[خ: ٦٧٨]
في هذه الأحاديث: استدلال الصحابة ﵃ على أن أبا بكر ﵁ هو الخليفة بعد النبي ﷺ ؛ وذلك أن أبا بكر ﵁ كان أولى الناس بالإمامة بعد النبي ﷺ في الصلاة؛ ولهذا قدموه في الخلافة، فعن الحسن ﵁ قال: ((قَالَ عَلِيٌّ ﵁: قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ ﵁ يُصَلِّي بالنَّاسِ، وَقَدْ رَأَى مَكَانِي، ومَا كُنْتُ غَائِبًا وَلَا مَرِيضًا، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُقَدِّمَنِي لَقَدَّمَنِي، فَرَضِينَا لِدُنْيَانَا مَنْ رَضِيَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِدِينِنَا)) (١).
وفيها: أنه ينبغي للإنسان أن يتأمل في مشورة المرأة، فإذا تبين أنها رشدٌ أخذ به، وإلا فلا، سواء كانت زوجة أو غيرها، ومشورة أم سلمة ﵂ في صلح الحديبية كانت على الهدى والصواب، فإنه ورد أنه: لَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: ((قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا))،
стр. 678
قَالَ: فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَتُحِبُّ ذَلكِ؟ اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أحدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ؛ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا (١)، فهذه مشورة من أم سلمة ﵂ ورشدها.
وفيها: خوف عائشة ﵂ أن يتشاءم الناس بأبي بكر ﵁، إذا صلى بالناس في مرضه ﷺ ، والنبي ﷺ لم يقبل مشورتها، قال: ((فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ))، يعني: في الكيد، وذلك بانهن يتوهمن أمرًا ويُردن غيره.
قوله: ((لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ)) فيه: أن ما رأته عائشة ﵂ ليس بمحله.
وفيه: فضل أبي بكر ﵁ ومحله ومكانته عند الناس، وأنه الخليفة بعد رسول الله ﷺ .
وفيها: أن الحركة اليسيرة في الصلاة لا بأس بها عند الحاجة.
وفيها: جواز خرق الصفوف للحاجة.
وفيها: جواز رفع اليدين، وحمد الله في الصلاة عند تجدد نعمة، كما فعل أبو بكر ﵁ لما علم أن النبي ﷺ يصلي خلفه.
وفيها: أن الإمام إذا جاء وقد أقيمت الصلاة فله أن يصلي مع الناس مأمومًا، وله أن يتقدم ويصلي بالناس إمامًا؛ ولهذا لما جاء النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ يصلي بالناس تخلف في الصف، فأراد أبو بكر أن يتأخر، فأشار إليه النبي ﷺ أن امكث مكانك، ففهم أبو بكر ﵁ أن هذا ليس حتمًا وإلزامًا، فتأخر، وتقدم النبي ﷺ ، وصلى بالناس.
стр. 679
وفيها: أن الإمام يبني على صلاة نائبه، لكن إن كان في أول الصلاة، فهذا لا إشكال فيه، وإن كان فاته شيء من الصلاة فإنه يأتي بما فاته وينتظره المأمومون، ثُمَّ يسلم ويسلمون بعده، لكن الأولى في هذه الحالة أنه إذا فات الإمام شيء من الصلاة أن لا يتقدم، كما فعل النبي ﷺ في تبوك لما تأخر هو والمغيرة بن شعبة ﵁، وقدَّم الصحابة عبد الرحمن بن عوف ﵁ (١).
وفيها: جواز الالتفات في الصلاة بالعنق والرأس عند الحاجة؛ وكان أبو بكر ﵁ لا يلتفت، فلما أكثروا من التصفيق التفت، فقد جاء في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن الالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، فقال: ((هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ)) (٢).
وأما الالتفات لغير الحاجة فهو مكروه، كأن يسمع صوتًا قويًّا، فيريد أن ينظر أو ما أشبه ذلك.
في هذا الحديث: أنه ينبغي للعلماء والأئمة أن يكونوا قدوة في الإصلاح بين الناس، فبنو عمرو بن عوف حصل بينهم شر وخلاف، فذهب النبي ﷺ ؛ ليصلح بينهم والإصلاح بين الناس من الحسنات العظيمة التي اعتنى بها الشرع قال الله تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء وجه الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾؛ ولهذا جعل الشرع للمصلح بين الناس الذي يتحمل بذمته أموالًا جزءًا من الزكاة، ولو كان غنيًّا، فيعطى من الزكاة ما يسدد به دينه لقاء هذا العمل النبيل.
وفيه: أن الإمام إذا تخلف يصلي أحد الناس وَلَا يحبسهم.
وفيه: أن الإقامة تكون قريبة من الصلاة.
وفيه: أن الإمام له أن يتخلف للحاجة أو للمصلحة الراجحة عن الإمامة؛ ولهذا ترك النبي ﷺ الإمامة وذهب يصلح بين الناس.
في هذين الحديثين: جواز أن يقلب الإمام نيته في الصلاة فيصير مأموماً، والعكس، كما في قصة تقدم أبي بكر ﵁ في مرض موت النبي ﷺ ، فقد كان إمامًا، ثُمَّ جاء النبي ﷺ ، وصفَّ إلى جنبه، فصار مأمومًا بعدها.
رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلِأَبِي العَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا)) (١) وكذلك عن عَائِشَةَ قَالَتِ: ((اسْتَفْتَحْتُ الْبَابُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي تَطَوُّعًا، وَالْبَابُ عَلَى الْقِبْلَةِ، فَمَشَى عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، فَفَتَحَ الْبَابَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلَّاهُ)) (٢).
وفي صلاة الكسوف: عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: خُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ، قَالَ: ((إِنِّي أُرِيتُ الجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا)) (٣).
وفي هذا الحديث: جواز الاستعانة بالغير في الوضوء، وأنه لا بأس بأن يصب على المتوضئ ماء ويتوضأ إن كان لا يستطيع، وأما إذا كان مستطيعًا فلا ينبغي؛ لأن الوضوء عبادة، فهي بالقائم بها أولى.
وفيه: جواز وضع الماء في إناء ضيق الرأس، كالإبريق والإداوة ليتوضأ منه.
وفيه: مشروعية المسح على الخفين؛ ولهذا هوى المغيرة ﵁ بيده، فقال ﷺ ((دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ)) (٤).
وفيه: جواز لبس الجبة الضيقة الأكمام، وأنه لا يُنكَر على لابسها.
وفيه: جواز لبس الثياب التي جاءت من الكفار؛ لأن الجبة شامية وكانت بلاد الشام في ذلك الوقت بلاد كفار.
وفيه: أن النبي ﷺ لم ينكر عليهم صلاتهم في وقتها المعتاد؛ لأنه هو الذي تأخر، فقال: ((أَحْسَنْتُمْ- أَوَ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ)).
стр. 684
فلا ينبغي للإنسان أن يغضب من الإمام إذا تأخر، فقد يكون الإمام معذورًا؛ لأنه بشر يصيبه ما يصيب غيره، وقد يكون مشتغلًا أو حاقنًا فيشتغل بشرط الصلاة من الاستنجاء والوضوء.
وفيه: دليل على حسن خلق النبي ﷺ ؛ لأنه لم يُنكِر عليهم، ولم يُعَنِّفْهم، بل صوَّبهم.
وفيه: أنه لم يُصَلِّ النبي ﷺ خلف أحد من الصحابة، سوى عبد الرحمن بن عوف، وأبي بكر ﵄.
стр. 685
بَابُ تَسْبِيحِ الرَّجُلِ، وَتَصْفِيقِ الْمَرْأَةِ إِذَا نَابَهُمَا شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ
[٤٢٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ)).
زَادَ حَرْمَلَةُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُسَبِّحُونَ وَيُشِيرُونَ.
[خ: ١٢٠٣]
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ- يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: ((فِي الصَّلَاةِ)).
في هذا الحديث: أن الإمام إذا نابه شيء في الصلاة فإن الرجال يسبحون وَلَا يصفقون، وأما النساء فيصفقن وَلَا يتكلَّمن؛ لأنه قد يخشى أن يفثن بعض الناس بصوتهن، كما أن تصفيق الرجال من أخلاق الجاهلية التي كانوا يتعبدون بها، قال الله عن المشركين: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءًا وتصدية﴾ فالمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، ولكن إذا أعجب الإنسانَ شيء يُكبر، يقول: الله أكبر، أَوْ يقول: سبحان الله.
стр. 686
والتصفيق: أن تضرب المرأة بيدها اليمنى على ظهر كفها اليسرى، ويسمى تصفيحًا وتصفيقًا.
ولا بأس للمصلي بالتسبيح والإشارة في الصلاة، وكذا لو سلم عليه أحد فإنه يشير إليه بالرد، أَوْ سأله أحد عن فِعْلَ شيء فيشير بالرأس بنعم أو لا، فعَنْ أَسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ (١).
стр. 687
بَابُ الأَمْرِ بِتَحْسِينِ الصَّلَاة، وَإِتْمَامِهَا، وَالْخُشُوعِ فِيهَا
[٤٢٣] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ- يَعْنِي: ابْنَ كَثِيرٍ- حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: ((يَا فُلَانُ، أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَكَ؟ أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي؟ فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، إِنِّي وَاللَّهِ لَأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي، كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ)).
في هذا الحديث: أن النبي ﷺ قال هذا الكلام لرجل رآه لا يحسن صلاته، فنصحه، وهي نصيحة له وللأمة كلها، قال: ((أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَكَ؟ أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي؟ فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ)) وإلا فعادة النبي ﷺ أن يُعَمِّم في النصيحة، فقد كان أكثر كلامه: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ؟ )) (١)، و ((فَمَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ؟ )) (٢) وهذا في الأمور العامة.
بَابُ النَّهْيِ عَنْ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ
[٤٢٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ)).
[٤٢٩] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ)).
في هذا الحديث: وعيد شديد، يدل على تحريم رفع البصر إلى السماء في الصلاة خاصة، والصواب: أن ينظر إلى موضع سجوده، أما في غير الصلاة فلا بأس، قال تعالى: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلفت وإلى السماء كيف رفعت﴾، وكذلك يجوز رفع البصر إلى السماء في الدعاء خارج الصلاة، فقد جاء في بعض الآثار أنه ﷺ ((رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ)) (١) بعد الدعاء في الوضوء.
عَلَيْكُمْ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((مَا شَأْنُكُمْ تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ، كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْتَفِتْ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يُومِئْ بِيَدِهِ)).
قوله: ((شُمْسٍ)) بضم الشين، وإسكان الميم وضمها: هي التي لا تستقر، بل تضطرب وتتحرك بأذنابها وأرجلها.
والمراد بالرفع المنهي عنه هنا: رفع أذناب الخيل، يعني: تحركها، كأن المصلي عند السلام إذا سلم يقول: السلام عليكم ورحمه الله، السلام عليكم ورحمة الله، يشير بيده فيرفعها كذَنَب الخيل، ويشير عند الصلاة بيديه يمينًا وشمالًا.
وفي هذه الأحاديث: مشروعية إتمام الصف الأول فالأول، ومشروعية المراصَّة في الصف، كما تصف الملائكة عند ربها.
وفيها: أن الملائكة هكذا تصفُّ عند ربها، يتمون الصف الأول فالأول.
وفيها: أنه لا يزيد ((وَبَرَكَاتُهُ)) وأنها زيادة ضعيفة (١).
وفيها: النهي عن التشبه بالحيوانات في الصلاة، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَلَا يُوَطِّنِ الرَّجُلُ الْمَكَانَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ (٢).
[٤٣٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ- مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا)).
[خ: ٦١٥]
في هذا الحديث: بيان عظيم فضل الأذان، والصف الأول.
وقوله: ((لَاسْتَهَمُوا))، يعني: لفصلت بينهم القرعةُ والسهم.
وقوله: ((وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ))، يعني: التبكير للصلوات، ومنه: صلاة الظهر؛ لأنها تصلى في الهاجرة.
وقوله: ((لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ)) فيه المسابقة في التبكير إلى الصلاة.
وقوله: ((وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ))، يعني: لو علموا ما فيهما من الأجر والثواب.
[٤٣٨] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ لَهُمْ: ((تَقَدَّمُوا، فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ)).
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمًا فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
في هذا الحديث: وعيد شديد لمن تأخر عن الجماعة، وفي رواية أبي
стр. 698
داود: ((حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ في النَّار)) (١)، وفيه: أن مَن يتأخر يتشبه بالمنافقين، أَوْ يتشبه بالشيطان شيئًا فشيئًا، فيتأخر أولًا عن الجماعة، ثُمَّ يتأخر عن الوقت، ثُمَّ لا يؤديها بعد ذلك- عياذًا بالله -.
[٤٣٩] حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو قَطَنٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَوْ تَعْلَمُونَ- أَوْ: يَعْلَمُونَ- مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَكَانَتْ قُرْعَةً)).
وقَالَ ابْنُ حَرْبٍ: ((الصَّفِّ الأَوَّلِ، مَا كَانَتْ إِلَّا قُرْعَةً)).
[٤٤٠] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا)).
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
قوله: ((خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا)) هذه الخيرية في صفوف الرجال؛ لأنه كلما قربت الصفوف من الإمام فهو أفضل، فالصف الأول له أجره وأجر مَن خلفه.
وقوله: ((وَشَرُّهَا آخِرُهَا))، أي: لبعدها عن الإمام، وقربها من النساء- إذا كان هناك نساء-.
وقوله: ((وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا))، أي: من أجل بعدها عن الرجال؛ خوفاً من الفتنة وخشية التعلق.
وقوله: ((وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا))، أي: لقربها من الرجال.
أما إذا كان النساء يصلين منعزلاتٍ بعيداتٍ لا يرين الرجال؛ فالظاهر- والله أعلم- أن حكم صفوفهن حكم صفوف الرجال.
стр. 699
بَابُ أَمْرِ النِّسَاءِ الْمُصَلِّيَاتِ وَرَاءَ الرِّجَالِ أَنْ لَا يَرْفَعْنَ رُءُوسَهُنَّ مِنَ السُّجُودِ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ
[٤٤١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ عَاقِدِي أُزُرِهِمْ فِي أَعْنَاقِهِمْ، مِثْلَ الصِّبْيَانِ مِنْ ضِيقِ الأُزُرِ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ.
[خ: ٣٦٢]
في هذا الحديث: بيان ما أصاب الصحابةَ رضوان الله عليهم ومعهم النبي ﷺ في أول الأمر- وَلَا سيما في أول الهجرة- من الشدة وضيق الحال، حتى إن هناك جماعة ما كان لهم أهل وَلَا مال، سكنوا في غرفة في المسجد يُسمَّون أصحاب الصُّفَّة، يعيشون على الصدقات التي تأتي من النبي ﷺ ومن المسلمين، كما ورد عن أبي هريرة قال: ((لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِن أَصْحَابِ الصُّفَّةِ ما منهم رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ، وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَد رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِم، فَمِنْهَا ما يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ، كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ)) (١)؛ ولهذا قيل هكذا في صفوف النساء إذا كن يصلين خلف الرجال، وليس بينهما حجاب.
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: ((كانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِم عَلَى أَعْنَاقِهِم، كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، وَيُقَالُ لِلنِّسَاءِ: لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا)) (٢).
стр. 700
وهذا الأمر لهن إذا لم يكن هناك حاجز؛ لأن النساء كن يصلين مع النبي ﷺ خلف الرجال، وليس بينهم حاجز، والآن في مؤخر المساجد مصلى خاص منفصل للنساء، وفي بعض المساجد يضعون مشراعًا، ففي هذه الصورة لا يستحب لهن التأخر.
стр. 701
بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ، وَأَنَّهَا لَا تَخْرُجْ مُطَيَّبَةً
[٤٤٢] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جميعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، سَمِعَ سَالِمًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا)).
[خ: ٥٢٣٨]
حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا))، قَالَ: فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا، مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ؟ .
في هذا الحديث: الإنكار الشديد على من عارض السنة، وهذا الحديث مقيد بما إذا لم يكن هناك ما يمنع النساء من الخروج إلى المساجد.
وهنا لما قال عبد الله بن عمر ﵄ راوي هذا الحديث-: ((لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا)) رد عليه ابنه قائلًا: ((وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ)) فسبه عبد الله سبًّا قبيحًا سيئًا، وفي لفظ: ((فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ)) (١)؛ وذلك لأنه عارض السنة، وقد يكون قصده حسنًا، لكن كان تعبيره سيئًا.
وفيه: تأديب الوالد ولده، ولو كان كبيرًا.
стр. 702
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَابْنُ إِدْرِيسَ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ)).
[خ: ٩٠٠]
قوله: ((لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ)) ظاهر الحديث: أن النهي هنا للتحريم، فيحرم منعهن، ويجب الإذن لهن إذا وُجدت الشروط، من الحشمة، والحجاب، وعدم الطيب كما ورد في الحديث: ((إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ المَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا)) وسيأتي بعده، وعدم التعرض للفتنة والريبة، سواء كانت شابة أو عجوزًا.
стр. 703
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ إِلَى الْمَسَاجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنّ)).
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ))، فَقَالَ ابْنٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: لَا نَدَعُهُنَّ يَخْرُجْنَ فَيَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا، قَالَ: فَزَبَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَقَالَ: أَقُول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: لَا نَدَعُهُنَّ! ! .
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ))، فَقَالَ ابْنٌ لَهُ- يُقَالُ لَهُ وَاقِدٌ-: إِذًا يَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ، وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: لَا! ! .
قوله: ((فَيَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا))، يعني: حيلة للفساد والشر.
وقوله: ((فَزَبَرَهُ ابْنُ عُمَرَ))، يعني: زجره ونهره.
وفي هذا الحديث: أن الواجب على المسلم أن يسمع ويطيع لأمر الله وأمر رسوله.
وصلاة المرأة في البيت خير لها من الصلاة في مكة وفي غيرها، والرسول ﷺ قال هذا في مسجد المدينة، والصلاة فيه خير من ألف صلاة، قال ﷺ : ((فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ)) (١)،
يعني: أفضل من صلاته في المسجد النبوي.