قوله تعالى: ((﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ﴾)) كان ﵊ في بداية الوحي يحرك لسانه بالقرآن إذا قرأ جبريل حتى يحفظه، فوعده الله بأن يثبت القرآن في صدره ﵊.
[٤٥٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَلْقَمَةَ: هَلْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: فَقَالَ عَلْقَمَةُ: أَنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَفَقَدْنَاهُ، فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ، فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ أَوِ اغْتِيلَ، قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا هُوَ جَاءٍ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْنَاكَ، فَطَلَبْنَاكَ فَلَمْ نَجِدْكَ، فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَقَالَ: ((أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ))، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا، فَأَرَانَا آثَارَهُمْ، وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ، فَقَالَ: ((لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ))، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ)).
وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَسَأَلُوهُ الزَّادَ، وكانوا من جن الجزيرة، إلى آخر الحديث، من قول الشعبي، مفصلًا من حديث عبد الله، وَحَدَّثَنَاهُ أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى قَوْلِهِ: ((وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ))، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
قوله: ((اسْتُطِيرَ))، يعني: طارت به الشياطين.
وقوله: ((واغتِيلَ))، يعني: قُتل خفية؛ فقد خافوا على الرسول ﷺ ؛ لأنهم فقدوه ولم يجدوه.
وفي الحديث الأول- حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ لم يعلم
стр. 712
بالجن، وفي حديث علقمة ﵁: أنه علم وقرأ عليهم القرآن، فهما قصتان: القصة الأولى قديمة، والقصة الثانية متأخرة.
وقصة ابن مسعود ﵁ فيها: أنه أتاه داعي الجن، وعلم بهم، وأما في القصة الأولى في مكة ففيها أنه جاءه الجن واستمعوا له، ولم يعلم بهم ﵊.
وفي هذه الأحاديث: تحريم الاستجمار بالعظم والروث، والحكمة في هذا ذُكرت في هذا الحديث: أن العظم يعود إليه اللحم فيكون زادًا للجن، والبعر يكون علفًا للدواب، وجاء في حديث آخر- أيضًا-: حكمة أخرى، قال ﷺ : ((إِنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ)) (١).
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَهُ.
في هذا الحديث: أن عبد الله ودَّ أن يكون مصاحبًا للنبي ﷺ ؛ لما يحصل له من الخير بصحبة الأخيار، ففيها خير عظيم، ونبينا ﷺ أفضل الناس.
стр. 713
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ مَعْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا: مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ- يَعْنِي: ابْنَ مَسْعُودٍ- أَنَّهُ آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ.
قوله: ((آذَنَتْهُ))، يعني: أعلمتهم به شجرة، فجعل الله فيها التمييز، كما جعل في الجبال تمييزًا، قال تعالى: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ وكما جعل في الحجر تمييزًا، فسلم على الرسول ﷺ (١).
وأحيانًا كان يُسمِع ﷺ بجملة أو بكلمة ليُعلِم أنه يقرأ، وهذا مشروع لمن كان في الليل، أَوْ لم يكن هناك محظور، أَوْ كان هناك أحد يؤذيه.
[٤٥٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نَحْزِرُ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ: ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: ﴿الم تَنْزِيلُ﴾، وَقَالَ: قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً.
قوله: ((نَحْزِرُ))، أي: نُقَدِّرُ.
وفي هذا الحديث: دليل على أنه يُقرأ- أحيانًا- في الركعتين الأخريين قدر سورة السجدة، أو ((قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً))، أو ((عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ))، يعني: قدر خمس عشرة آية، سبع منها الفاتحة، ومعها نحو ثماني آيات؛ فدل على أنه ربما قرأ في الركعتين الأخريين من الظهر زيادة على الفاتحة.
وفيه: دليل على أنه ﷺ اقتصر على الفاتحة في العصر، يقرأ في الأوليين قدر خمس عشر آية، وفي الأخريين على النصف من ذلك، فدل على أن العصر أخفُّ من الظهر.
يقارب الثلاثين مسجدًا، وقيل: على مائة مسجد، ولم يدع مسجدًا إلا سأل عنه، وكان الناس يثنون على سعد خيراً، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له: أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة، قال: ((أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ، قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ وَأَطِلْ فَقْرَهُ وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ، وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ)) (١).
فتن بدعوة سعد، فدعوة المظلوم مستجابة.
стр. 719
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ
[٤٥٥] وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ سُفْيَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ المسيب العابدي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ الصُّبْحَ بِمَكَّةَ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ، حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى، وَهَارُونَ، أَوْ ذِكْرُ عِيسَى- مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ يَشُكُّ، أَوِ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ- أَخَذَتِ النَّبِيَّ ﷺ سَعْلَةٌ، فَرَكَعَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ حَاضِرٌ ذَلِكَ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاق: فَحَذَفَ، فَرَكَعَ، وَفِي حَدِيثِهِ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَلَمْ يَقُلْ: ابْنِ الْعَاصِ.
في هذا الحديث: بيان ما كان يقرأ به النبي ﷺ في صلاة الفجر، وأنه ﵊ قرأ سورة: ﴿المؤمنون﴾ وقسمها بين الركعتين، وكان هذا في مكة عام الفتح.
وقد ورد عنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: ((طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ))، فَطُفْتُ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله وعليه وسلم يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (١).
وقوله: ((وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ)) هذا خطأ، فهذا عمرو آخر، كما قال النووي ﵀: ((قال الحفاظ: قوله ابن العاص غلط، والصواب حذفه وليس هذا عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي؛ بل هو عبد الله بن عمرو
стр. 720
الحجازي كذا ذكره البخارى في تاريخه وابن أبي حاتم وخلائق من الحفاظ المتقدمين والمتأخرين)) (١).
[٤٥٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ سَرِيعٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾.
قوله: ((سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾))، يعني: سورة التكوير، وفيه: أنه ﷺ كان يقرأ- أحيانًا- في الفجر بأنصاف المفصل، كسورة التكوير، وفيها: ﴿والليل إذا عسعس﴾، لكنه في الغالب كان يقرأ من الطوال.
[٤٥٧] حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّيْتُ وَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَرَأ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ حَتَّى قَرَأَ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ قَالَ: فَجَعَلْتُ أُرَدِّدُهَا، وَلَا أَدْرِي مَا قَالَ.
قوله: ((فَجَعَلْتُ أُرَدِّدُهَا، وَلَا أَدْرِي مَا قَالَ)) كأنه ما فهم معناها، فجعل يرددها.
والظاهر من كلام قطبة بن مالك ﵁: أن هذا اجتهاد منه، أَوْ أنه كان يريد فهم معناها، فجعل يرددها دون انتباه، وذكر ابن رجب الحنبلي ﵀
стр. 721
أن الإمام أحمد ﵀ قال: في هذه الآية: ﴿وإذا قرأ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ ((أجمعوا أن هذه الآية نزلت في الصلاة، وفي الخطبة.)) (١).
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ: سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ عَمِّهِ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾، وَرُبَّمَا قَالَ: ((ق ((.
[٤٥٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بـ ﴿ق وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾، وَكَانَ صَلَاتُهُ بَعْدُ تَخْفِيفًا.
قوله: ((وَكَانَ صَلَاتُهُ بَعْدُ تَخْفِيفًا)) المعنى يحتمل أمرين:
أحدهما: أن المراد أن الصلوات التي بعد الفجر: وهي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، كانت أخفَّ من الفجر.
والثاني: أن المراد أن صلاته الفجرَ بعد ذلك كانت تخفيفًا.
والمعنى الأول أرجح؛ لأن النبي ﷺ استمر على قراءة هذه السور إلى وفاته، وقرأ بالطور في الفجر في حجة الوداع، وهي في آخر حياته.
стр. 722
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ سِمَاكٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ عَنِ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: كَانَ يُخَفِّفُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُصَلِّي صَلَاةَ هَؤُلَاءِ، قَالَ: وَأَنْبَأَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بـ ﴿ق وَالْقُرْءَانِ﴾ وَنَحْوِهَا.
[٤٥٩] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، وَفِي الْعَصْرِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ.
قوله: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾))، يعني: أن هذا كان في بعض الأحيان، فإنه كان يقرأ في الظهر ﴿الم تنزيل﴾ السجدة، أَوْ قدر ثلاثين آية كما سبق، وربما قرأ بـ ﴿والليل إذا يغشى﴾.
[٤٦٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وَفِي الصُّبْحِ بِأَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ.
قوله: ((وَفِي الصُّبْحِ بِأَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ)) فيه: بيان أن صلاة الصبح أطول الصلوات، قال تعالى: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا﴾ فسمَّى الله صلاة الفجر قرآنًا؛ لأن أطول ما فيها القراءة، قوله: ﴿وقرآن الفجر﴾، يعني: وصلاة الفجر ﴿كان مشهودًا﴾ أي: تشهدها الملائكة.
بِـ ﴿الطُّورِ﴾، فِي الْمَغْرِبِ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
في هذا الحديث: أن أم الفضل ﵂ سمعت النبي صى الله عليه وسلم يقرأ بـ ﴿والمرسلات﴾ في المغرب، وحديث جبير ﵁ السابق أنه كان يقرأ بـ ﴿الطور﴾، فدل على أنه ﵊ كان يقرأ أحيانًا في المغرب الطوال من المفصل كـ ﴿والمرسلات﴾، و ﴿والطور﴾، و ﴿اقتربت﴾ كما كان يقرأ كثيرًا بالقصار.
وقيل: إنه داوم على قراءة القصار في المغرب.
وينبغي للإمام أن يقرأ كثيرًا بالقصار في المغرب، وأحيانًا بـ ﴿والمرسلات﴾، ﴿والطور﴾، ﴿اقتربت الساعة﴾ وما أشبهها.
стр. 725
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الْعِشَاءِ
[٤٦٤] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، فَقَرَأَ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ، فَقَرَأَ بِـ ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾.
[خ: ٧٦٧]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ بِـ ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ.
في هذه الأحاديث: أنه ﷺ ربما قرأ في العشاء بالقصار من المفصل، وكان في الغالب يقرأ بأوساط المفصل، وفي حديث معاذ أنه قرأ بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و ﴿والشمس وضحاها﴾، و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ (١).
وطوال المفصل تبدأ من: ﴿ق﴾ إلى ﴿عم﴾، وأنصافه من: ﴿عم﴾ إلى ﴿الضحى﴾، والقصار من: ﴿الضحى﴾ إلى آخر القرآن.
حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ.
في هذا الحديث: أنه لا بأس بإعادة الجماعة، فالإنسان إذا صلى في مسجد، ثُمَّ ذهب إلى مسجد آخر ووجدهم يصلون يصلي معهم، وتكون له نافلة، حتى صلاة العصر وصلاة الفجر؛ لأن النبي ﷺ أنكر على من رآه جالسًا لما صلى بالناس في مِنًى، فقال: ((مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ )) قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. قَالَ: ((فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ، فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَمَا لَكُمَا نَافِلَةٌ)) (١).
وهذا معاذ ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء، فكانت له فريضة، ثُمَّ يذهب إلى قومه فيؤمهم؛ لأنه أقرأَهم، فتكون له نافلة، ولهم فريضة.
وفيه: جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، والرد على مَن أنكر ذلك من الحنابلة وغيرهم؛ لاختلاف نية الإمام والمأموم (٢)، واستدلوا بقول النبي ﷺ : ((إِنَّمَا جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ))، لكن هذا لا يدل على أن الاختلاف المنهي عنه هنا هو اختلاف النية.
فمن صلى الظهر خلف من يصلي العصر فلا بأس، أَوِ العكس، كمن صلى العصر خلف من يصلي الظهر، أَوْ صلى فريضة خلف من يصلي نافلة، أَوْ جاء في صلاة التراويح والناس قد صلوا فيصلي معهم، فإذا سلم الإمام يتم صلاته، فلا بأس بهذا.
وفيه: أن معاذًا ﵁ كان يطيل الصلاة، وأنه من حرصه وحفظه للقرآن افتتح البقرة، يريد أن يقرأ البقرة كاملة، لكن هذا الرجل جاء متعبًا منهكًا،
стр. 728
فلما رأى معاذًا افتتح البقرة وعرف أنه سيطيل انحرف وسلم وصلى وحده، فقيل له: نافقتَ، لماذا تترك الجماعة وتصلي وحدك؟ فقال: والله لآتين رسول الله عليه وسلم فأخبره، فأتى النبيَّ ﷺ فأخبره، فأنكر النبي ﷺ على معاذ ﵁ تطويله.
وبعض الناس يتعلق بقوله ﷺ : ((يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ )) فيستدل به على التخفيف المفرِط، وهذا غلط؛ فالصلاة لا بد فيها من الإتمام والطمأنينة، والنبي ﷺ كانت صلاته تخفيفًا في إتمام، بخلاف بعض الناس الذين ينقرون الصلاة نقر الغراب؛ وهذا منهي عنه لحديث: ((أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ صَلَاتَهُ؟ قَالَ: ((لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا)) (١).
وكان ﷺ له في الركوع والسجود عشر تسبيحات مع التدبر، وكان يقرأ في الفجر بالستين آية، وهذا تخفيف، فما زاد عن صلاة النبي ﷺ فهو فضل، وأما صلاة النبي ﷺ فهي عين التخفيف.
وفيه: أنه من طرأت عليه مشقة، أَوْ كان مريضًا متعبًا، وَلَا يستطيع الإتمام، فيجوز أن ينفرد لعذره.
وفيه: استحباب قراءة هذه السور وأمثالها من الطوال في صلاة العشاء.
في هذه الأحاديث: أن الصحابة ﵃ كانوا يتابعون النبي ﵊ وَلَا يسابقونه، فلا يتحركون حتى يضع جبهته على الأرض ساجدًا، فإذا تمكن وانقطع صوته تبعوه، وهكذا السنة.
وفيها: مشروعية متابعة المأموم لإمامه، وأنه يأتي بالأفعال بعد انقطاع صوت تكبيره.
[٤٧٥] حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ عَوْنِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ الأَشْجَعِيُّ أَبُو أَحْمَدَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ سَرِيعٍ- مَوْلَى آلِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ- عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ الْفَجْرَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، وَكَانَ لَا يَحْنِي رَجُلٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَسْتَتِمَّ سَاجِدًا.
في هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر بأوساط المفصل؛ كسورة التكوير، وقرأ مرة في الفجر بالزلزلة، كررها في الركعتين (١)، ولكنه في الغالب كان يقرأ في الفجر من الستين إلى المائة آية كما سبق تفصيله في بابه.
مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ)).
[٤٧٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ)).
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى قَوْلِهِ: ((وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ))، وَلَمْ يَذْكُرْ: مَا بَعْدَهُ.
في هذه الأحاديث: استحباب هذا الذكر بعد ما يقول: ((سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ))، والواجب أن يقول: ((رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ))، وما زاد عليه فهو سنة.
ومن أكمل ما ورد في هذا: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ)).
وقد جاءت ((أَهْلَ)) بالنصب على تقدير منادى مضاف وأداة النداء محذوفة، أي: يا أهلَ الثناء والمجد، وجاءت بالرفع خبرًا لمبتدأ محذوف، أي: أنت أهلُ الثناء.
وقوله: ((لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ))، يعني: لا أحد يمنع ما أعطيتني يا الله، فإذا أعطى الله أحدًا فلا يستطيع أحد أن يمنعه، وَلَا معطي لما منعتني يا الله، فإذا منع الله أحدًا فلا يُعطَى، كما قال الله تعالى: ﴿ما يفتح لله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده﴾، وفي الحديث: ((يَا غُلَامُ إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ
стр. 739
تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ)) (١).
وقوله: ((وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ)) الجَدُّ: الحظ والغنى والجاه والمال والسلطة؛ فلا ينفع صاحب الحظ إلا طاعة الله ، ومن يستعمل هذا الغنى والمال والجاه في طاعة الله نفعه، لكنه لا ينتفع بهذا المال أو الجاه والسلطان وحده بدلًا من العمل الصالح، وفي الحديث الآخر: ((وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)) (٢).
والجَدُّ- بفتح الجيم- يطلق على الحظ وعلى العظمة، كما في دعاء الاستفتاح: ((وتعالى جدك)) (٣)، أي: ارتفعت عظمتك، وكما في قوله تعالى: ﴿وأنه تعالى جد ربنا﴾، يعني: تعالت عظمته وكبرياؤه ، ويطلق الجد على أب الأب، فيقال: هذا جد فلان، يعني: أبا أبيه، أما الجِدُّ- بكسر الجيم- فهو الاجتهاد.
стр. 740
بَابُ النَّهْيِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
[٤٧٩] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السِّتَارَةَ، وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ، إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ)).
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السِّتْرَ، وَرَأْسُهُ مَعْصُوبٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-؟ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا، يَرَاهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ))، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ.
في هذا الحديث: أن النبي ﷺ أخبر بانتهاء النبوة، وأنه لم يبق إلا المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ فالبشرى تكون للمؤمن بالرؤيا الصالحة وبثناء المؤمنين عليه في الحياة الدنيا، ولكن لا ينبغي للمؤمن أن يغتر بهذه الرؤيا، بل تزيده نشاطًا وقوة في العبادة.
وفيه: النهي عن القراءة في حال الركوع والسجود؛ ولهذا قال ﷺ : ((فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ )، أي: تقول: سبحان رب العظيم، وكذا الدعاء