[٦٨٦] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ عَنْ يَعْلَى ابْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((صَدَقَةٌ، تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ)).
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ عَنْ يَعْلَى ابْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ.
في هذا الحديث: جواز قصر الصلاة في السفر ولو في حالة عدم الخوف.
وقد قال تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾، فاشتراط الخوف في السفر هو الأصل، ولكن السُّنة جاءت بالقصر دون خوف.
فالجمع بين الآية والحديث: إما بالنسخ، وإما أنه وصف أغلبي في زمن النبي ﷺ ؛ لأنهم كانوا يقصرون في الخوف.
قوله: ((صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ))، يعني: أن الله تفضَّل على عباده، فرخَّص لهم في قصر الصلاة في السفر ولو كانوا آمنين.
стр. 982
[٦٨٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عَائِذٍ الطَّائِيُّ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ : ((عَلَى الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ، وَعَلَى الْمُقِيمِ أَرْبَعًا، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً)).
في هذا الحديث: أن صلاة الخوف تكون ركعة واحدة، وأخذ بهذا طائفة من السلف، وقالوا: يجوز في الخوف أن يصلي ركعة، حتى قال بعضهم: إذا اشتد الخوف فإنه يكفي أن يكبر تكبيرة واحدة، عن مجاهد، والحكم، قالا: «إذا كان عند الطراد، وعند سل السيوف، أجزأ الرجل أن تكون صلاته تكبيرًا، فإن لم يكن إلا تكبيرة واحدة أجزأته أينما كان وجهه» (١)، وسيأتي الكلام على صفات صلاة الخوف.
ويرى البخاري ﵀ وجماعة من أهل العلم: أنه لا بأس إذا اشتد الخوف أن تؤخر الصلاة عن الوقت، قال البخاري ﵀ (٢): ((باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو))، وأورد قول الأوزاعي عقب الترجمة مما يدل على اختياره له، وهو قوله: «إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماءًا كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى
стр. 983
ينكشف القتال، أو يأمنوا، فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزئهم التكبير، ويؤخروها حتى يأمنوا»، وبه قال مكحول، وقال أنس بن مالك: «حضرت عند مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نُصَلِّ إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا، وقال أنس بن مالك: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها»، يعني: أن أنسًا مطمئن لذلك ومنشرح صدره في تأخير الصلاة حتى الضحى؛ لأن الصلاة أُخرت من أجل نصرة دين الله وفي سبيل الله (١).
ونقل النووي ﵀ عن الجمهور: أن صلاة الخوف كصلاة الأمن في عدد الركعات فإن كانت في الحضر وجب أربع ركعات، وإن كانت في السفر وجب ركعتان، ولا يجوز الاقتصار على ركعة واحدة في حال من الأحوال (٢).
стр. 984
[٦٨٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَيْفَ أُصَلِّي إِذَا كُنْتُ بِمَكَّةَ، إِذَا لَمْ أُصَلِّ مَعَ الإِمَامِ؟ فَقَالَ: رَكْعَتَيْنِ، سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ .
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
[٦٨٩] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ قَالَ: فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ، وَأَقْبَلْنَا مَعَهُ حَتَّى جَاءَ رَحْلَهُ وَجَلَسَ، وَجَلَسْنَا مَعَهُ، فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ نَحْوَ حَيْثُ صَلَّى، فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا، فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي، يَا ابْنَ أَخِي، إِنِّي صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
[خ: ١١٠١]
قوله: ((ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ)): لكن عثمان ﵁ لما مضت ست سنين من خلافته أتم الصلاة في منًى وتأول.
قال بعض أهل العلم: إن سبب تأوُّل عثمان ﵁ لما أتمَّ الصلاة: أنه كان يحج معه بعض الأعراب في هذا العام، فأراد أن يُعَلِّمَهم الصلاةَ الرباعية، فقد روى أبو داود من طريق الزهري: ((أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمِنًى
стр. 985
مِنْ أَجْلِ الْأَعْرَابِ؛ لِأَنَّهُمْ كَثُرُوا- عَامَئِذٍ- فَصَلَّى بِالنَّاسِ أَرْبَعًا؛ لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعٌ)) (١).
لكن الصواب: أنَّ السنةَ القصرُ في السفر؛ ولهذا فإن ابن مسعود والصحابة ﵃ صلوا خلفه، فقيل لابن مسعود ﵁: ((عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ، ثُمَّ صَلَّيْتَ أَرْبَعًا قَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ)) (٢).
وقوله: ((لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي يَا ابْنَ أَخِي))، يعني: لو كنت متنفلًا لأتممت صلاة الفريضة، أما التسبيح الذي هو التهليل والتكبير بعد الصلوات فهذا مشروع بعد قصر الصلاة وإتمامها.
والسنة للمسافر ألا يصلي من النوافل، السنن إلا راتبة الفجر فإنها لا تُترك لا حضرًا ولا سفرًا، وكذلك الوتر.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا، فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ يَعُودُنِي قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ السُّبْحَةِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَمَا رَأَيْتُهُ يُسَبِّحُ، وَلَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
[٦٩٠] حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ-.ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.
[خ: ١٠٨٩]
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ
وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ: الْحَجَّ.
في هذه الأحاديث: أن المسافر لا يقصر الصلاة إلا إذا فارق البلد، أما إذا نوى السفر وهو في البلد فلا يقصر؛ فإن النبي ﷺ صلَّى في المدينة وهو يتجهز لحجة الوداع الظهرَ أربعًا؛ لأنه لم يفارق البلد، فلما ارتحل وفارق البلد وأدركه العصر في ذي الحليفة صلى ركعتين.
وفيها: الرد على من قال من العلماء: إنه إذا نوى السفر فإنه يقصر ولو كان في البلد (١)، والصواب الذي عليه الجماهير خلاف هذا (٢).
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَقُولَا فِي الْحَدِيثِ: بِمِنًى، وَلَكِنْ قَالَا: صَلَّى فِي السَّفَرِ.
[٦٩٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ح. وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَابْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
في هذه الأحاديث: مشروعية الاسترجاع عند ترك السنن.
وفيها: أن قصر المسافر الرباعية ركعتين ليس بواجب.
وفيها: أنه لا ينبغي للمأموم أن يخالف الإمام، بل يدع رأيَه لرأيِه؛ لأن هذا يؤدي إلى الخلاف وتنافر القلوب، وعلى المسلمين أن تكون كلمتهم واحدة.
ومن ذلك: أن أبا يوسف ﵀ كان يرى أن الحجامة تنقض الوضوء- وهي مسألة خلافية- والخليفة هارون الرشيد أفتاه الإمام مالك ﵀ بأن الحجامة لا تنقض الوضوء، وقد احتجم الخليفة وصلى بالناس، وصلى خلفه أبو يوسف ﵀، فترك رأيَه لرأيِه (١).
ومن ذلك- أيضًا-: أن المأموم إذا صلى خلف شافعي يقنت في صلاة
стр. 990
الفجر قنت، كما فعل الإمام أحمد ﵀ (١).
[٦٩٦] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ وَأَكْثَرَهُ رَكْعَتَيْنِ.
[خ: ١٦٥٦]
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى، وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
قَالَ مُسْلِم: حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ هُوَ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِأُمِّهِ.
في هذا الحديث: بيان أن قصر الصلاة لا يختص بحال الخوف وحدها، كما مر.
الشديد، لا سيما إذا كان معه برد وريح شديدة.
وفيها: دليل على أنه يشرع أن يقول في الأذان: ((أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ))، أو يقول: ((صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ)).
وقد اختلفت مواضع ذكر هذه العبارة في الأذان باختلاف الروايات (١):
الموضع الأول: أن يقولها بدل: ((حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ)).
الموضع الثاني: أن يقولها بعد أن يقول: ((حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ))، فيجمع بينها.
الموضع الثالث: أن يكمل الأذان كما كان، ثم يقول بعد ما ينتهي منه: ((صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، صَلُّوا فِي الرِّحَالِ)).
الموضع الرابع: أن يقولها في صلاة الفجر، بعد أن يقول: ((الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ)) يقول: ((صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، صَلُّوا فِي الرِّحَالِ)).
стр. 994
بَابُ جَوَازِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ
[٧٠٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي سُبْحَتَهُ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ نَاقَتُهُ.
[خ: ١٠٠٠]
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ.
وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ أَبِي زَائِدَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُبَارَكٍ، وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ: ثُمَّ تَلَا ابْنُ عُمَرَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وَقَالَ: فِي هَذَا نَزَلَتْ.
في هذه الأحاديث: أن النبي ﷺ كان يصلي سُبْحَتَهُ- أي: النافلة- على راحلته حيثما توجهت به- ولو إلى غير القبلة، فدل هذا على جواز صلاة النافلة على الدابة، وعلى الراحلة، وعلى المركوب حيثما توجهت به، سواء كان إلى جهة القبلة، أو إلى غير جهة القبلة، إلا أنه ورد حديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رَاحِلَتِهِ تَطَوُّعًا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ خَلَّى عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَصَلَّى حَيْثُمَا
стр. 995
تَوَجَّهَتْ بِهِ)) (١)، وهذا من باب الاستحباب.
أما الفريضة فكان ﷺ ينزل على الأرض، ويصلي متجهًا للقبلة.
وفيها: أنه فُسِّرَ قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ بتفسيرين:
أحدهما: يثبت صفة الوجه لله تعالى؛ وأن الله تعالى قِبَل وجه المصلي، وهو فوق العرش.
الثاني: أن المراد بوجه الله فيها: قبلته، فإذا صلى المسلم على الراحلة إلى غير جهة القبلة، وكذا إذا لم تُعرف القبلة في الصحراء واجتهد- فصلاته صحيحة، وثمَّ وجه الله وقبلته التي شرع.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ.
في هذا الحديث: دليل على جواز الصلاة على الحمار وعلى البغل وعلى البعير.
وفيه: دليل على أن عَرَق الحمار والبغل طاهر، وكذا سؤره طاهر، ولو شرب الحمار من ماء لم ينجس في أصح قولي العلماء، وإنما النجاسة في بوله وروثه.
وفيه: تواضعه ﷺ في ركوبه الحمار، خلافًا لما عليه أهل الكبر من الأَنَفة من ركوب الحمار، بل كان النبي ﷺ يردف عليه أحيانًا.
стр. 996
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: خَشِيتُ الْفَجْرَ، فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ؟ ! فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ.
قوله: ((أُسْوَة)): بضم الهمزة، يعني: قدوة.
في هذا الحديث: أن الوتر ليس بواجب، ولكنه سنة مؤكدة؛ لأنه لو كان واجبًا لنزل النبي ﷺ وصلى بالأرض كما يفعل في الفريضة، وهذا هو مذهب الجمهور (١)، وذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أن الوتر واجب (٢)، والحديث حجة عليه.
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
في هذا الحديث: أن ابن عمر ﵄ كان يتحرى السنة، فصلى على راحلته كما صلى رسول الله ﷺ حيثما توجهة به، وقد كان ﵁ يتحرى السنة حتى
وقوله: ((غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ))، يعني: غير أنه لا يصلي عليها الفريضة، وإنما ينزل في الأرض؛ لأن الفريضة أهم وآكد وتحتاج إلى عناية، فإذا صلى إنسان على السفينة أو الطائرة نافلةً جازت الصلاة عليها، في أي جهة توجهت.
أما في الفريضة: فإذا اضطر إلى الصلاة فإنه يدور مع القبلة حيث دارت، وإن تيسر له أن يصلي قبل الركوب صلى وجوبًا.
أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا.
وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا عَجِلَ عَلَيْهِ السَّفَرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ، حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ.
في هذه الأحاديث: أن النبي ﷺ كان يجمع في السفر بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء جمع تأخير، وليس فيها أنه جمع بينهما جمع تقديم.
لكن ثبت في رواية الطبراني في الأوسط بإسناد حسن أنه صلى الظهر والعصر ثم ركب، وهذا جمع تقديم (١)، وكذلك جاء في مستخرج أبي نعيم أنه إذا كان في سفر وزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل (٢).
وعلى هذا: فالجمع بين الصلاتين جائز سواء كان جمع تقديم، أو جمع تأخير، ويختار المسافر ما هو أرفق به.
فمثلًا: إذا جاء وقت الظهر وهو نازل فإن الأرفق أن يجمع جمع تقديم حتى لا يفوته وقت العصر، وإذا جاء وقت الظهر وهو جادٌّ به السير فالأصل في حقه أن يؤخر الظهر مع العصر، وكذلك إذا جاء المغرب وهو نازل فالأفضل أن يصلي المغرب ويقدم العشاء، وإذا جاء المغرب وهو جادٌّ به السير فالأفضل أن يؤخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وهذا هو مذهب الجمهور.
قال النووي ﵀ ((وقال أبو حنيفة: لا يجوز الجمع بين الصلاتين بسبب
стр. 1001
السفر ولا المطر ولا المرض ولا غيرها، إلا بين الظهر والعصر بعرفات بسبب النسك، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة بسبب النسك- أيضًا- والأحاديث الصحيحة في الصحيحين وسنن أبي داود وغيره حجة عليه)) (١).
стр. 1002
بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ
[٧٠٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا سَفَرٍ.
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَعَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ، جَمِيعًا عَنْ زُهَيْرٍ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا بِالْمَدِينَةِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا سَفَرٍ. قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَسَأَلْتُ سَعِيدًا: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ.
[خ: ١١٧٤]
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ فِي سَفْرَةٍ سَافَرَهَا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. قَالَ سَعِيدٌ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ.
[٧٠٦] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرٍ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا.
في هذه الأحاديث: أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك وهو نازل بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ففيها دليل على جواز جمع المسافر بين الظهرين وبين العشاءين وهو نازل غير جادٍّ به السير، كما فعل النبي ﷺ في تبوك، لكن كونه يصلي هذه الصلاة قصرًا دون جمع هو الأفضل، كما
стр. 1003
فعل النبي ﷺ في مِنًى في اليوم الثامن من ذي الحجة، صلى الصلاة قصرًا دون جمع (١).
وفي هذا رد على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ القائل- مع جلالة قدره وإمامته- بأن المسافر لا يجمع إلا إذا جدَّ به السير (٢)، ولعله ﵀ نسي هذا الحديث مع حرصه العظيم، أو لم يبلغه، أو تأوَّله، لكن هذا بعيد، والأغلب: أنه نسيه.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ أَبُو الطُّفَيْلِ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَالَ: فَقُلْتُ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ.
[٧٠٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح. وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا مَطَرٍ.
فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا أَرَادَ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ عَمْرٍو عَنْ جَابِرِ ابْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيًا جَمِيعًا،
стр. 1004
وَسَبْعًا جَمِيعًا، قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ، وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ، وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَاكَ.
في هذه الأحاديث: أنه ﷺ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف، ولا سفر، ولا مرض.
قال العلماء في سببه: إما دحض، وإما مرض عام قال النووي ﵀: ((ذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة وهو قول بن سيرين وأشهب من أصحاب مالك وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن أَبِي إِسْحَاقَ المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث واختاره بن المنذر ويؤيده ظاهر قول بن عباس أراد أن لا يحرج أمته فلم يعلله بمرض ولا غيره والله أعلم)) (١).
وإما أنه جمع بينها جمعًا صوريًّا، والجمع الصوري هو: أن يؤخر الأولى إلى آخر وقتها، ويعجل الثانية في أول وقتها، وهذا هو الأقرب، وقد جاء صريحًا في حديث النسائي الذي رواه في سننه عن ابن عباس ﵄ قال: ((صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا، أَخَّرَ الظُّهْرَ، وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ، وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ)) (٢)، وسنده صحيح، وهو الذي اعتمده سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀.
وقد يقال: يتعين المصير إليه، وعليه: فلا إشكال بينه وبين أحاديث توقيت الصلوات؛ لأن رواية النسائي تزيل الإشكال.
وبكل حال: فتوقيت الصلوات هو الأصل، وهي أحكام محكمة، والقاعدة الشرعية: أن المتشابه يُرَدُّ إلى المحكم، ولا يجوز التعلق بالمتشابه
стр. 1005
وترك المحكم، فإن هذه طريقة أهل الزيغ، قال الله تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه﴾، وأما العلماء الراسخون فيؤمنون بالجميع، ويعملون بالجميع، كما قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَاب﴾.
والنبي ﷺ إنما فعل هذا مرة واحدة في المدينة، ويحتمل: أن هذا الجمع كان مرة واحدة ثم نسخ، والمعتمد هو أنه جمع صوري، كما تقدم.
وقول ابن عباس ﵄: ((قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ، وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ، وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَاكَ))، هذا الظن الوارد في الحديث من ابن عباس، وأبي الشعثاء ﵄ جاء صريحًا في سنن النسائي كما مر (١)، وهناك تعليق لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ لما سئل عن توضيح ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ صلى بالمدينة ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا))، وجاء في رواية مسلم: أن المراد بذلك الظهر والعصر والمغرب والعشاء. (٢) وقال في روايته: ((من غير خوف ولا مطر)) (٣)، وفي لفظ آخر: ((من غير خوف ولا سفر)) (٤)، فأجاب ﵀ بقوله: ((سئل ابن عباس ﵄ عن ذلك، فقال: لئلَّا يحرج أمته. قال أهل العلم: معنى ذلك: لئلَّا يوقعهم في الحرج. وهذا محمول على أنه ﷺ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة لسبب يقتضي رفع الحرج والمشقة عن الصحابة في ذلك اليوم؛ إما لمرض عام، وإما لدحض، وإما لغير ذلك من الأعذار التي يحصل بها المشقة على الصحابة ذلك اليوم. وقال بعضهم: إنه جمع صوري وهو أنه أخر الظهر إلى آخر
стр. 1006
وقتها وقدم العصر في أول وقتها وأخر المغرب إلى آخر وقتها وقدم العشاء في أول وقتها. وقد روى ذلك النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس راوي الحديث وهو محتمل)). (١)
ولما قرأنا سنن النسائي مع شيخنا العلامة ابن باز عليه رحمة الله، بحثت معه، وقلت له: هل يجمع بينهما بما دل عليه حديث النسائي، الذي رواه عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيًا جَمِيعًا وَسَبْعًا جَمِيعًا، أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاء» (٢)، فقال: بلى، فقلت له: إنك علَّقتَ سابقًا على صحيح البخاري بغير هذا، فقال: هذا التعليق قبل أن يبلغني حديث النسائي هذا، فلما بلغني حديث النسائي فإني أقول به، ويهذا تجتمع الأحاديث ولا تختلف.
стр. 1007
وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا، وَثَمَانِيًا: الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَوْمًا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَبَدَتِ النُّجُومُ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، لَا يَفْتُرُ، وَلَا يَنْثَنِي: الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتُعَلِّمُنِي بِالسُّنَّةِ؟ لَا أُمَّ لَكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ: فَحَاكَ فِي صَدْرِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَأَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَسَأَلْتُهُ، فَصَدَّقَ مَقَالَتَهُ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: الصَّلَاةَ، فَسَكَتَ، ثُمّ قَالَ: الصَّلَاةَ، فَسَكَتَ، ثُمّ قَالَ: الصَّلَاةَ، فَسَكَتَ، ثُمّ قَالَ: لَا أُمَّ لَكَ، أَتُعَلِّمُنَا بِالصَّلَاةِ؟ وَكُنَّا نَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ظاهر هذا الحديث: أن ابن عباس ﵄ يرى الجمع بين الصلاتين في الحضر للحاجة، وأنه جمع لأجل الخطبة التي استمرت من المغرب إلى العشاء، وصدَّقه أبو هريرة ﵁ في مقالته.
والصواب: أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين إلا من عذر؛ كالخوف، أو المرض، أو السفر، أو أن المراد بالجمع: الجمع الصوري الذي فعله النبي ﷺ لحاجة دعته إلى ذلك.
стр. 1008
بَابُ جَوَازِ الِانصِرَافِ مِنَ الصَّلَاةِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ
[٧٠٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَا يَجْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا، لَا يَرَى إِلَّا أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ.
[خ: ٨٥٢]
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
[٧٠٨] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا، كَيْفَ أَنْصَرِفُ إِذَا صَلَّيْتُ: عَنْ يَمِينِي، أَوْ عَنْ يَسَارِي؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَن السُّدِّيِّ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ.
قوله: ((عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ)): هو: عبد الله بن مسعود ﵁؛ لأن الأسود وهو ابن يزيد النخعي من تلاميذه.
وقوله: ((لَا يَجْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا))؛ بأن يعتقد شيئًا مشروعًا، وهو ليس بمشروع، كأن يعتقد أن الأفضل أن ينصرف عن يمينه، ولم يدل الدليل على ذلك، فإذا اعتقد هذا الاعتقاد، كان هذا من حظ الشيطان.
في هذه الأحاديث: أن للإمام أن ينصرف عن يمينه وعن شماله، ولا يتحرى أحد الجانبين، ففي حديث ابن مسعود ﵁ أنه رأى الرسول ﷺ أكثر ما ينصرف عن يساره، وفي حديث أنس ﵁ أنه رآه أكثر ما ينصرف عن يمينه.
стр. 1009
والجمع بينهما: أن كل واحد أخبر بما رآه، فظن أنه هو الأكثر، والأمر في هذا واسع، فالإمام ينصرف عن يمينه وعن شماله، ولا يتحرى هذا ولا هذا، وقد بوب البخاري ﵀: (باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال) (١).
بَابُ كَرَاهَةِ الشُّرُوعِ فِي نَافِلَةٍ بَعْدَ شُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ
[٧١٠] وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ)).
وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
هذا الحديث رواه مسلم ﵀ عن أحمد ﵀، فهو من شيوخه، بخلاف البخاري ﵀، فإنه لم يروِ عن الإمام أحمد ﵀ إلا حديثين في المذاكرة وليس صريحًا، والسبب: أن البخاري ﵀ شارك الإمام أحمد ﵀ في شيوخه، أما مسلم ﵀ فإنه يروي عنه كثيرًا.
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ)).
وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، قَالَ حَمَّادٌ: ثُمَّ لَقِيتُ عَمْرًا، فَحَدَّثَنِي بِهِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
قوله: ((فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ))، أي: لا ابتداء ولا استمرار فيها، بل يقطعها
стр. 1012
ويشتغل بالفريضة؛ لأن الفريضة أهم، و ((فَلَا صَلَاةَ)): هنا معناها: نفي الصلاة، فتكون الصلاة باطلة إذا ابتدأها بعد الإقامة، وكذلك إذا كان في أثنائها، إلا إذا ركع الركوع الثاني فإنه يتمها؛ لأنه بقي عليه أقل من ركعة، وأقل الصلاة ركعة واحدة، وهذا اختيار سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (١).
وذهب كثير من الفقهاء: إلى أنه يتمها خفيفة ما لم يَخْشَ فوات الركعة الأولى، وقال آخرون: ما لم يَخْشَ فوات الركعة الثانية، وهذا باطل.
والأحناف: يرى بعضهم أن المصلي إذا لم يصل السنة الراتبة للفجر فإنه يصليها ولو بعد الإقامة، ثم يلحق الإمام (٢)، وقال بعضهم: يصليها في غير المسجد ولو بعد الإقامة، وهذا باطل.
والصواب: أنه لا يجوز أن يصلي بعد الإقامة لا راتبة الفجر ولا غيرها، وإذا كان فيها يقطعها، إلا إذا بقي عليه أقل من ركعة، أو إذا كان يستطيع أن يتمها قبل تكبيرة الإحرام.
أو وقد أقيمت الصلاة، والذي في حديث عبد الله بن سرجِس أن الرجل دخل والنبي ﷺ في صلاة الغداة فصلى الركعتين، يحمل على أنه أراد الدخول في الصلاة بعد الإقامة، وإن كان في الصلاة فيُحمل على أنه ﷺ رآه من وراء ظهره.
وأما ما في حديث عبد الله بن بحينة أن النبي ﷺ كلم الرجل قبل، وما في حديث عبد الله بن سرجِس من أنه كلمه بعد الصلاة، فلا تعارض بينهما، فيكون كلمه قبل بقوله: ((أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟ ))، وكلمه بعد بقوله: ((يَا فُلَانُ، بِأَيِّ الصَّلَاتَيْنِ اعْتَدَدْتَ؟ أَبِصَلَاتِكَ وَحْدَكَ، أَمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟ ! )).
стр. 1015
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ
[٧١٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، أَوْ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ)).
قَالَ مُسْلِم: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى يَقُولُ: كَتَبْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ كِتَابِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ يَحْيَى الْحِمَّانِيَّ يَقُولُ: وَأَبِي أُسَيْدٍ.
وَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، أَوْ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.
في هذا الحديث: مشروعية هذا الذكر عند دخول المسجد، وعند الخروج منه.
والسُّنة- أيضًا- أن يقدم رجله اليمنى عند الدخول، ويقدم الرجل اليسرى عند الخروج، عكس دخول الحمام، وكذلك عند لبسه النعل يقدم رجله اليمنى وعند لبس الثوب.
وحكمة مشروعية هذا الذكر عند دخول المسجد وعند الخروج منه: أنه عند دخول المسجد يكون مقبلًا على أداء هذه العبادة، فيسأل الله من رحمته، وعند الخروج يسأل الله من فضله ورزقه، كقوله تعالى بعد صلاة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.
وجاءت أحاديث أخرى فيها زيادة على هذا الذكر، منها: ((أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
стр. 1016
قَالَ: أَقَطُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْم)) (١).
ومعنى: ((قَالَ: أَقَطُ؟ )): قال حيوة بن شريح لعُقبة بن مُسلم: أَقَطُ؟ أي: أَحَسْبُ، والهمزةُ فيه للاستفهام- وهو بفتح القاف وضم الطاء المخففة، ويجوز التشديد فيه- أيضًا- والمعنى: أهذا يكفيه عن غيره من الأذكار؟ أو أهذا يكفيه من شر الشيطان؟ فلهذا قال: قلت: نعَم، وفاعل قلتُ هو: عقبة بن مسلم إن كان السائل هو حيوة بن شريح، أو عبد الله بن عَمرو إن كان السائل هو عقبة بن مسلم؛ فعلى الوجه الثاني يكون فاعل ((قَالَ: أقَطُ؟ )) - أيضًا- هو عقبة بن مسلم، قاله العيني ﵀ (٢).
وكذلك- أيضًا- أنه يصلي على النبي ﷺ ، يقول ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى محمَّدٍ)) (٣)، وجاء أنه يقول: ((بِسْمِ اللَّهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ)) (٤).
وقد اختلف العلماء في حكم صلاة تحية المسجد: فالجمهور على أن الأمر للاستحباب، والنهي للتنزيه، وذهبوا إلى أنهما سنة، وقالوا: إن الصارف للأمر عن الوجوب هنا هو سؤال الرجل الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عن الواجبات، فأخبره النبي ﷺ بأن عليه في اليوم والليلة خمس صلوات، والزكاة، والصيام، فقال الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: ((لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ)) (١)، فهذا الحديث قد صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب (٢).
وذهب الظاهرية وجماعة إلى أنها واجبة (٣)، وقالوا: الصلوات الخمس واجبة في اليوم والليلة، أما هذه فوجبت لسبب خاص، وهو دخول المسجد، والواجب السببي غير الواجب المطلق، وقولهم قوي.
وهنا مسألة خلافية، وهي: أنه إذا دخل المسجد في وقت النهي- كما لو دخله بعد صلاة الفجر، أو بعد صلاة العصر- فهل يصلي التحية؟
اختلف العلماء في الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك، فهناك حديث: ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ))، وحديث النهي: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ)) (٤)؛ فمن العلماء من قدَّم أحاديث النهي، وقالوا: إنها أصح وأكثر، فقالوا: يجلس ولا يصلي.
قال النووي: ((وفيه استحباب التحية في أي وقت دخل وهو مذهبنا وبه قال جماعة، وكرهها أبو حنيفة والأوزاعي والليث في وقت النهي، وأجاب أصحابنا أن النهي إنما هو عما لا سبب له؛ لأن النبي ﷺ صلى بعد العصر
стр. 1019
ركعتين قضاء سنة الظهر فخص وقت النهي وصلى به ذات السبب ولم يترك التحية في حال من الأحوال بل أمر الذي دخل المسجد يوم الجمعة وهو يخطب فجلس أن يقوم فيركع ركعتين مع أن الصلاة في حال الخطبة ممنوع منها إلا التحية، فلو كانت التحية تُترك في حال من الأحوال لَتُركت الآن؛ لأنه قعد وهي مشروعة قبل القعود؛ ولأنه كان يجهل حكمها؛ ولأن النبي ﷺ قطع خطبته وكلمه وأمره أن يصلي التحية فلولا شدة الاهتمام بالتحية في جميع الأوقات لما اهتم ﵇ هذا الاهتمام)). (١)