← Джавами‘

Джавами‘ · id 12003

بدائع الفوائد - ط الكتاب العربي

ابن القيم

Полный текст (992 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

لو وافق شعبان لم يجب عليه الإعادة وهو قول الشافعي لأنه فعل مقدوره ومأموره والواجب على مثله صوم شهر يظنه من رمضان وإن لم يكنه والفرق بين الواجب على القادر المتمكن والعاجز. فإن قيل فما تقولون في مسألة الصلاة إذا بان أنه صلاها قبل الوقت؟ قيل: الفرق بين المسألتين أن الصوم قابل لإيقاعه في غير الوقت للعذر كالمريض أو المسافر والمرضع والحبلى فإن هؤلاء يسوغ لهم تأخيره ونقله إلى زمن آخر نظرا لمصلحتهم ولم يسوغ لأحد منهم تأخير الصلاة عن وقتها البتة. فإن قيل فقد يسوغ تأخيرها للمسافر والمريض والممطور من وقت إحداهما إلى وقت الأخرى قيل: ليس بتأخير من وقت إلى وقت وإنما جعل الشارع وقت العبادتين في حق المعذور وقتا واحدا فهو يصلي الصلاة في وقتها المشروع الذي جعله الشارع وقتا لها بالنسبة إلى أهل الأعذار فهو كالنائم والناسي إذا استيقظ وذكر فإنه يصلي الصلاة حينئذ لكون ذلك وقتها بالنسبة إليهما وإن لم يكن وقتا بالنسبة إلى الذاكر المستيقظ على أن للشافعي قولين في المسألتين والله أعلم. فصل: مدح العلماء العاملين ابن عيينة عن محمد بن المنكدر قال: "إن العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم". وقال سهل بن عبد الله: "من أراد أن ينظر إلى محاسن الأنبياء فلينظر إلى محاسن العلماء يجيء الرجل فيقول: يا فلان إيش تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا فيقول: طلقت امرأته وهذا مقام للأنبياء فاعرفوا لهم ذلك". قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ يسأل أحدهم المسألة فيردها هذا إلى

стр. 772

هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول ما منهم من أحد إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا". وقال ابن مسعود: "من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون"، عن ابن عباس ﵄. وقال حصين الأسدي: "إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر"، وعن الحسن والشعبي مثله. وقال الحاكم: سمعت أبا عبد الله الصفار يقول: سمعت عبد الله ابن أحمد يقول: سمعت أبي: يقول سمعت الشافعي يقول: سمعت مالك ابن أنس يقول: سمعت محمد بن عجلان يقول: "إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله" وروى ذلك بنحوه عن ابن عباس. وذكر أبو عمر عن القاسم بن محمد أنه جاءه رجل فسأله عن شيء فقال القاسم: "لا أحسنه فجعل الرجل يقول إني دفعت إليك لا أعرف غيرك فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي والله لا أحسنه فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها فوالله ما رأيت في مجلس أبيك مثل اليوم فقال القاسم: والله لئن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا أعلم". وذكر أبو عمر عن ابن عيينة وسحنون: "أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما". وكان مالك بن أنس يقول: "من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة أو النار وكيف يكون خلاصه في الآخرة". سئل عن مسألة فقال: "لا أدري" فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة فغضب وقال: "ليس في العلم شيء خفيف ألم تسمع قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة. وقال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ تصعب عليهم المسائل ولا يجيب أحدهم في مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه مع ما رزقوا من السداد والتوفيق مع الطهارة فكيف بنا الذين غطت الخطايا والذنوب قلوبنا". وقال عبد الرحمن بن مهدي: جاء رجل إلى مالك يسأله عن شيء أياما ما يجيبه فقال: يا أبا عبد الرحمن إني أريد الخروج وقد طال التردد إليك فأطرق طويلا ثم رفع رأسه وقال:

стр. 773

"ما شاء الله يا هذا إني إنما أتكلم فيما أحتسب فيه الخير ولست أحسن مسألتك هذه". وسئل الشافعي عن مسألة فسكت فقيل له ألا تجيب يرحمك الله؟ فقال: "حتى أدري الفضل في سكوتي أو في الجواب". وكان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتى فتيا ولا يقول شيئا إلا قال: "اللهم سلمني وسلم مني". وقال سحنون: "أشقى الناس من باع آخرته بدنياه، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره؛ فقال: تفكرت فيه وجدته المفتى يأتيه الرجل قد حنث في امرأته ورقيقته فيقول له: لا شيء عليك فيذهب الحانث فيستمتع بامراته ورقيقته وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا". وجاء رجل إلى سحنون يسأله عن مسألة فأقام يتردد إليه ثلاثة أيام فقال: مسألتي أصلحك الله اليوم ثلاثة أيام؟ فقال له: "وما أصنع بمسألتك مسألتك معضلة وفيها أقاويل وأنا متحير في ذلك فقال: وأنت أصلحك الله لكل معضلة؟ فقال سحنون: هيهات يا ابن أخي ليس بقولك هذا أبذل لحمي ودمي للنار وما أكثر ما لا أعرف إن صبرت رجوت أن تنقلب بمسألتك وإن أردت أن تمضي إلى غيري فامض تجاب في مسألتك في ساعة فقال: إنما جئت إليك ولا استفتي غيرك قال: فاصبر ثم أجابه بعد ذلك". وقيل له: إنك تسأل عن المسألة لو سئل عنها أحد من أصحابك لأجاب فيها فتتوقف فيها؟ فقال: "إن فتنة الجواب بالصواب أشد من فتنه المال". وقال بعض العلماء: "قلّ من حرص على الفتوى وسابق إليها وثابر عليها إلاّ قلّ توفيقه واضطرب في أمره وإن كان كارها لذلك غير مختار له ما وجد مندوحة عنه وقدر أن يحيل بالأمر فيه إلى غيره كانت المعونة له من الله أكثر والصلاح في جوابه وفتاويه أغلب". وقال بشر الحافي: "من أحب أن يسأل فليس بأهل أن يسأل". وذكر أبو عمر عن مالك "أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة فوجده يبكي فقال: ما يبكيك أمصيبة دخلت عليك وارتاع لبكائه؟ فقال: "لا ولكن استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم". قال ربيعة: "ولبعض من يفتى ههنا أحق بالحبس من السراق".

стр. 774

ومن مسائل إسحاق الكوسج لأحمد: قلت: يتوضأ الرجل في المسجد؟ قال: "فعل ذلك قوم إسحاق هو حسن ما لم يستنج فيه". قلت: إذا عطس الرجل يوم الجمعة؟ قال: "لا تشمته". قلت: يقاتل اللص؟ قال: "إذا كان مقبلا فقاتله وإذا ولى لا تقاتل". قال إسحاق: "كما قال ويناشده في الإقبال ثلاثا فإن أبي وإلا يقاتله". قلت: "الضالة المكتومة؟ قال: "الذي يكتمها إذا زالت القطع فغرامة مثلها عليه". قال إسحاق: "كما قال سنة مسنونة". قلت: سئل سفيان عن صبي افتض صبية؟ قال: "لها مهر مثلها في ماله"، قال أحمد: "يكون على عاقلته إذا بلغ الثلث"، قال إسحاق: "كما قال سفيان في ماله". قلت: قال سفيان: "استفتي يوسف بن عمر بن أبي ليلى في هذه فقال: لها مهر مثلها في ماله"، قال أحمد: "لا بل على عاقلته"، قال إسحاق: "كما قال ابن أبي ليلى". قلت: كأنه أراد والله أعلم أرش البكارة فسماه مهرا أو يقال أن استيفاء هذه المتعة منه تجري مجرى جنايته عليها فإذا أوجبت مالا كان على من يحمل جنايته ولا ريب أن الوطء يجرى مجرى الجناية إذ لا بد فيه من عفو أو عقوبة وجناية الصبي على النفوس والأعضاء والمنافع على عاقلته وهذه جناية على منفعة الصبية فتكون على عاقلته وهذا أصوب الاحتمالين ولم أر أصحابنا تعرضوا لهذا النص ولا وجّهوه. قلت: أيقطع في الطير؟ قال: "لا يقطع في الطير" قال إسحاق: "كما قال". قلت: لعله أراد به الطير إذا تفلت من قفصه فصاده وهو خلاف ظاهر كلامه إذ يقال الطير لا تستقر عليه اليد ولا يثبت في الحرز ولا سيما إذا اعتاد الخروج والمجيء كالحمام. وأجود من هذين المأخذين أن يقال إذا أخذه فهو بمنزلة من فتح القفص عنه حتى ذهب ثم صاده من الهواء فإن ملك صاحبه عليه في الحالين واحد وهو لو تفلت من قفصه ثم جاء إلى دار إنسان فأخذه لم يقطع ولو صاده من الهواء لم يقطع فكذلك إذا فتح قفصه وأخذه منه، والقاضي تأول هذا النص على الكير غير المملوك ولا يخفى فساد هذا التأويل والذي عندي فيه أن أحمد ذهب إلى قول

стр. 775

أبي يوسف في ذلك والله أعلم. قلت: رجل زوج جاريته ثم وقع عليها؟ قال أحمد: "أما الرجم فادرأ عنه لكن أضربه الحد محصنا كان أو غير محصن" قال إسحاق: "كما قال يجلد مائة جلدة نكالا كما قال عمر". قلت لعله سمى التعزير حدا وبلغ به مائة أو لما سقط عنه الرجم حده حد الزاني غير المحصن. قلت: سئل سفيان عن رجل قال لرجل ما كان فلان ليلد مثلك؟ قال: "ما أرى في هذا شيئا" فقال أحمد: "هو تعريض شديد فيه الحد" قلت: سئل سفيان عن رجل قال لرجل أنت أكثر زنا من فلان وقد ضرب فلان في الزنا؟ قال: "ما أرى الحد بينا أرى أن يعزر" قال أحمد: "هذا تعريض يضرب الحد" قال إسحاق: "كما قال أحمد فقد نص على وجوب الحد بالتعريض وهو الصواب بلا ريب فإنه أنكى وأوجع من التصريح وهو ثابت عن عمر" قلت: قال سفيان: "من رمى الجمرتين ولم يقم عندهما فليذبح شاة أو ليتصدق بصاع" قال أحمد: "لا أعلم عليه شيئا ويتقرب إلى الله تعالى بما شاء وقد أساء. قال إسحاق: "كما قال أحمد". قلت: الحائك يدفع إليه ثوبا على الثلث والربع؟ قال: "كل شيء من هذا الغزل والدار والدابة وكل شيء يدفع إلى الرجل يعمل فيه على الثلث والربع فعلى قصة خيبر" قال إسحاق: "كما قال أحمد" قلت: من بنى في فناء قوم بإذنهم أو بغير إذنهم؟ قال: "إذا كان بإذنهم فله عليهم نفقته وإن كان بغير إذنهم قلع بناءه وأحب إلىّ إذا كان البناء ينتفع به هنا أن يعطيه النفقة ولا يقلع بناءه"، قال إسحاق: "كما قال سواء" قلت: رجل ضل بعير له أعجف فوجده في يد رجل قد أنفق عليه حتى سمن؟ قال: "هو بعيره يأخذه من أمر هذا أن يأخذه قال النبي ﷺ : "دعها فإن معها حذاءها وسقاءها"، قال إسحق: "إذا كان أخذه في دار مضيعة فأنفق عليه ليرده إلى الأول ويأخذ النفقة كان له ذلك". قلت: ولا يناقض هذا قاعدته فيمن أدى عن غيره واجبا بغير إذنه أنه يرجع عليه لأن هذا متعد بأخذ البعير حيث نهاه الشارع عن أخذه والله تعالى أعلم.

стр. 776

المجلد الرابع المجلد الرابع ... بدائع الفوائد لابن القيم الجوزية المجلد الرابع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فصول: في أصول الفقه والجدل وآدابه والإرشاد إلى المنافع كما جاء في القرآن والسنة: فصل: النكرة في سياق النفي تعم مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُن﴾ وفي الاستفهام من قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ الشرط من قوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ وفي النهي من قوله: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ وفي سياق الإثبات بعموم العامة والمقتضى كقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ وإذا أضيف إليها كل نحو: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ ومن عمومها بعموم المقتضى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ . فصل: ويستفاد عموم المفرد المحلى باللام من قوله: ﴿ونفس وما سواها﴾ وقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾ وعموم المفرد المضاف من قوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ وقوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقّ﴾ والمراد جميع الكتب التي أحصيت فيها أعمالهم وعموم الجمع المحلى باللام من قوله: ﴿وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا

стр. 777

مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخرها. والمضاف من قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ وعموم أدوات الشرط الاسماء من قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ﴿وَإذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ﴿وَإذا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ هذا إذا كان الجواب طلبا مثل هاتين الآيتين فإن كان خبرا ماضيا لم يلزم العموم كقوله: ﴿وَإذا رَأَوْا تِجَارَةً أو لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ ﴿إذا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وإن كان مستقبلا فأكثر موارده للعموم كقوله: ﴿وَإذا كَالُوهُمْ أو وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ﴿وَإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وقد لا تعم كقوله: ﴿وَإذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ . فصل: ويستفاد كون الأمر المطلق للوجوب من ذمه لمن خالفه وتسميتة إياه عاصيا وترتيبه عليه العقاب العاجل أو الآجل. ويستفاد كون النهي للتحريم من ذمه لمن ارتكبه وتسميته عاصيا وترتيبه العقاب على فعله. ويستفاد الوجوب بالأمر تارة وبالتصريح بالإيجاب والفرض والكتب ولفظة (عليّ) ولفظة (حق على العباد وعلى المؤمنين) وترتيب الذم والعقاب على الترك وأحباط العمل بالترك وغير ذلك. ويستفاد التحريم من النهي والتصريح بالتحريم والحظر والوعيد على الفعل وذم الفاعل وإيجاب الكفارة بالفعل وقوله (لا ينبغي) فإنها في لغة القرآن والرسول للمنع عقلا أو شرعا ولفظة (ما كان لهم كذا ولم يكن لهم) وترتيب الحد على الفعل

стр. 778

ولفظة (لا يحل ولا يصلح) ووصف الفعل بأنه فساد وأنه من تزيين الشيطان وعمله وإن الله لا يحبه وأنه لا يرضاه لعباده ولا يزكي فاعله ولا يكلمه ولا ينظر إليه ونحو ذلك. وتستفاد الإباحة من الإذن والتخيير والأمر بعد الحظر ونفي الجناح والحرج والإثم والمؤاخذة والإخبار بأنه معفو عنه وبالإقرار على فعله في زمن الوحي وبالإنكار على من حرم الشيء والإخبار بأنه خلق لنا كذا وجعله لنا وامتنانه علينا به وإخباره عن فعل من قبلنا له غير ذام لهم عليه فإن اقترن بإخباره مدح فاعله لأجله دل على رجحانه استحبابا أو وجوبا. فصل: وكل فعل عظمه الله ورسوله ومدحه أو مدح فاعله لأجله أو فرحه به أو أحبه أو أحب فاعله أو رضي به أو رضي عن فاعله أو وصفه بالطيب أو البركة أو الحسن أو نصبه سببا لمحبته أو لثواب عاجل أو آجل أو نصبه سببا لذكره لعبده أو لشكره له أو لهدايته إياه أو لإرضاء فاعله أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته أو لقبوله أو لنصرة فاعله أو بشارة فاعله بالطيب أو وصف الفعل بكونه معروفا أو نفي الحزن والخوف عن فاعله أو وعده بالأمن أو نصبه سببا لولايته أو أخبر عن دعاء الرسل بحصوله أو وصفه بكونه قربة أو أقسم به أو بفاعله كالقسم بخيل المجاهدين وإغارتها أو ضحك الرب ﷻ من فاعله أو عجبه به فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب. فصل: وكل فعل طلب الشارع تركه أو ذم فاعله أو عتب عليه أو لعنه أو مقته أو مقت فاعله أو نفى محبته إياه أو محبة فاعله أو نفى الرضى به أو الرضاء عن فاعله أو شبه

стр. 779

فاعله بالبهائم أو بالشياطين أو جعله مانعا من الهدى أو من القبول أو وصفه بسوء كراهة أو استعاذ الأنبياء منه أو أبغضوه أو جعل سببا لنفي الصلاح لعذاب عاجل أو آجل أو لذم أو لوم أو لضلالة أو معصية أو وصف بخبث أو رجس أو نجس أو بكونه فسقا أو أسما أو سببا لإثم أو رجس أو لعن أو غضب أو زوال نعمة أو حلول نقمة أو حد من الحدود أو قسوة أو خزي أو ارتهان نفس أو لعداوة الله أو لمحاربته أو للاستهزاء به وسخريته أو جعله الرب سببا لنسيانه لفاعله أو وصف نفسه بالصبر عليه أو بالحلم والصفح عنه أو دعا إلى التوبة منه أو وصف فاعله بخبث أو احتقار أو نسبة إلى عمل الشيطان وتزيينه أو تولى الشيطان لفاعله أو وصفه بصفة ذم مثل كونه ظلما أو بغيا أو عدوانا أو إثما أو تبرأ الأنبياء منه أو فاعله أو شكوا إلى الله من فاعله أو جاهروا فاعله بالعداوة أو نصب سببا لخيبة فاعله عاجلا أو آجلا أو ترتب عليه حرمان الجنة أو وصف فاعله بأنه عدو لله وأن الله عدوه أو أعلم فاعله بحرب من الله ورسوله أو حمل فاعله إثم غيره أو قيل فيه (لا ينبغي هذا ولا يصلح) أو أمر بالتقوى عند السؤال عنه أو أمر بفعل يضاده أو هجر فاعله أو تلاعن فاعلوه في الآخرة وتبرأ بعضهم من بعض أو وصف فاعله بالضلالة أو أنه ليس من الله في شيء من الرسول وأصحابه أو قرن بمحرم ظاهر التحريم في الحكم والخبر عنهما بخبر واحد أو جعل اجتنابه سببا للفلاح أو فعله سببا لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين أو قيل لفاعله هل أنت منته أو نهي الأنبياء عن الدعاء لفاعله أو رتب عليه إبعادا وطردا ولفظة قتل من فعله أو قاتل الله من فعله أو أخبر أن فاعله لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وإن الله لا يصلح عمله ولا يهدي كيده وأن فاعله لا يفلح ولا يكون يوم القيامة من الشهداء ولا من الشفعاء أو أن الله يغار من فعله أو منه على وجه المفسدة فيه أو أخبر أنه لا يقبل من فاعله صرفا ولا عدلا أو أخبر أن من فعله قيض له شيطان فهو له قرين أو جعل الفعل سببا لإزاغة الله قلب فاعله

стр. 780

أو صرفه عن آياته وفهم كلامه أو سؤال الله تعالى عن علة الفعل لم فعل نحو ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ ما لم يقترن به جواب من المسؤول فإن اقترن به جواب كان بحسب جوابه. فهذا ونحوه يدل على المنع من الفعل ودلالته على التحريم أطرد من دلالته على مجرد الكراهة، وأما لفظة يكرهه الله تعالى ورسوله أو مكروه فأكثر ما تستعمل في المحرم وقد يستعمل في كراهة التنزيه وأما لفظة أما أنا فلا أفعل فالمتحقق من الكراهة كقوله: "أما أنا فلا آكل متكئا " وأما لفظة ما يكون لك وما يكون لنا فاطرد استعمالها في المحرم نحو ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ . فصل: وتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال ورفع الجناح والإذن والعفو وإن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل من الامتنان بما في الأعيان من المنافع وما يتعلق بها من الأفعال نحو ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً﴾ ونحو ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ومن السكوت عن التحريم ومن الإقرار على الفعل في زمن الوحي وهو نوعان إقرار الرب ﵎ وإقرار رسوله ﷺ إذا علم الفعل. فمن إقرار الرب تعالى قول جابر: "كنا نعزل والقرآن ينزل"، ومن إقرار رسوله ﷺ قول حسان لعمر: "كنت أنشد وفيه من هو خير منك".

стр. 781

فائدة: قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ جمعت أصول أحكام الشريعة كلها فجمع الأمر والنهي والإباحة والخبر. فائدة: تقديم العتاب على الفعل من الله تعالى لا يدل على تحريمه وقد عاتب الله تعالى نبيه في خمسة مواضع من كتابه في الأنفال وبراءة والأحزاب وسورة التحريم وسورة عبس خلافا لأبي محمد بن عبد السلام حيث جعل العتب من أدلة النهي. فائدة: لا يصح الامتنان بممنوع منه خلافا لمن زعم أنه يصح ويصرف الامتنان إلى خلقه للصبر عنه.

стр. 782

فائدة: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخرةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ جمعت بين التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة والحض على فعل الخير والزجر عن فعل الشر إذ قوله: ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ يتضمن حثهم على كسب الخير وزجرهم عن كسب الشر. فائدة: التعجب كما يدل على محبة الله لفعل نحو "عجب ربك من شاب ليست له صبوة" "ويعجب ربك من رجل ثار من فراشه ووطائه إلى الصلاة" ونحو ذلك وقد يدل على بعض الفعل نحو قوله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ وقوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ وقد يدل على امتناع الحكم وعدم حسنه نحو: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ وقد يدل على حسن المنع منه وأنه لا يليق به فعله نحو: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ . فائدة: نفي التساوي في كتاب الله تعالى قد يأتي بين الفعلين كقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ

стр. 783

الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وقد يأتي بين الفاعلين نحو: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقد يأتي بين الجزئين كقوله: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ وقد جمع الله بين الثلاثة في آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ﴾ فالأعمى والبصير الجاهل والعالم والظلمات والنور الكفر والإيمان والظل والحرور والجنة والنار الأحياء والأموات والمؤمنون والكفار. فائدة: ضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور التذكير والوعظ والحث والزجر والاعتبار والتقرير وتقريب المراد للعقل وتصويره في صورة المحسوس بحيث يكون نسبته للعقل كنسبة المحسوس إلى الحس. وقد تأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر على المدح والذم وعلى الثواب والعقاب وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر والله أعلم. فائدة: السياق يرشد إلى تبيين المجمل وتعيين المحتمل والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة. وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن أهمله غلط في نظره وغالط في مناظرته فانظر إلى قوله تعالى:

стр. 784

﴿ذُقْ إِنَّكَ أنت الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير. فائدة: إخبار الرب ﵎ عن المحسوس الواقع له عدة فوائد: - منها: أن يكون توطئة وتقدمه لإبطال ما بعده. - ومنها أن يكون موعظة وتذكير. - ومنها أن يكون شاهدا على ما أخبر به من توحيده وصدق رسوله وإحياء الموتى. - ومنها أن يذكر في معرض الامتنان. - ومنها أن يذكر في معرض اللوم والتوبيخ. - ومنها أن يذكر في معرض المدح والذم. - ومنها أن يذكر في معرض الإخبار عن إطلاع الرب عليه وغير ذلك من الفوائد. فائدة: قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هو من أحسن النظم وأبدعه فإنه ثنى أولا إذ كان موسى وهارون هما الرسولان المطاعان ويجب على بنى إسرائيل طاعة كل واحد منهما سواء وإذا تبوءا البيوت لقومهما فهم تبع لهما ثم جمع الضمير فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ لأن إقامتها فرض على الجميع ثم وحده في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أن موسى هو الأصل في الرسالة وأخوه ردءا ووزيرا وكما أرسلا برسالة واحدة كانا رسولا واحدا كقوله تعالى: ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهذا الرسول هو الذي قيل له: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .

стр. 785

فائدة: الفقهاء يقولون عدم المانع شرط في ثبوت الحكم لأن الحكم يتوقف عليه ولا يلزم من تحقق عدم المانع ثبوت الحكم وهذا حقيقة الشرط واعترض على هذا الشهاب القرافي وزعم أنه غير صحيح بأن قال: "المشكوك فيه ملغى في الشريعة فإذا شككنا في الشرط أو في السبب لم يترتب الحكم وإذا شككنا في المانع رتبنا الحكم كما إذا شككنا في ردة زيد قبل وفاته أو في طلاقه لامرأته لم يمنع ذلك ترتيب الميراث" ثم قال: "فلو كان عدم المانع شرطا لاجتمع النقيضان فيما إذا شككنا في طريان المانع لأن الشك في أحد النقيضين يوجب الشك في النقيض الآخر فإذا شككنا في وجود المانع شككنا في عدمه ضرورة فلو كان عدمه شرطا لكنا قد شككنا في الشرط والشك في الشرط يمنع ترتب الحكم والشك في المانع لا يمنع ترتب الحكم فيجتمع النقيضان". قلت: وهذا الاعتراض في غاية الفساد فإن الشك في عدم المانع إنما لم يؤثر إذا كان عدمه مستصحبا بالأصل فكون الشك في وجوده ملغى بالأصل فلا يؤثر الشك ولا فرق بينه وبين الشرط في ذلك لو شككنا في إسلام الكافر وعتق العبد عند الموت لم نورث قريبة المسلم منه إذ الأصل بقاء الكفر والرق وقد شككنا في ثبوت شرط التوريث. وهكذا إذا شككنا في الردة أو الطلاق لم يمنع الميراث لأن الأصل عدمهما ولا يمنع كون عدمها شرطا ترتب الحكم مع الشك فيه لأنه مستند إلى الأصل كما لم يمنع الشك في إسلام الميت الذي هو شرط التوريث منه لأن بقاءه مستند إلى الأصل فلا يمنع الشك فيه من ترتب الحكم فالضابط أن الشك في بقاء الوصف على أصله أو خروجه عنه لا يؤثر في الحكم استنادا إلى الأصل سواء كان شرط أو عدم مانع فكما لا يمنع الشك في بقاء الشرط من ترتب الحكم فكذلك لا يمنع الشك استمرار عدم

стр. 786

المانع من ترتب الحكم فإذا شككنا هل وجد مانع الحكم أم لا؟ لم يمنع من ترتب الحكم ولا من كون عدمه شرطا لأن استمراره على النفي الأصلي يجعله بمنزلة العدم المحقق في الشرع وإن أمكن بطلانه كما أن استمرار الشرط على ثبوته الأصلي يجعله بمنزلة الثابت المحقق شرعا وإن أمكن خلافه فعلم أن إطلاق الفقهاء صحيح واعتراض هذا المعترض فاسد. ومما يبين لك الأمر اتفاق الناس على أن الشرط ينقسم إلى وجودي وعدمي بمعنى أن وجود كذا شرط فيه وعدم كذا شرط فيه وهذا متفق عليه بين الفقهاء والأصوليين والمتكلمين وسائر الطوائف وما كان عدمه شرطا فوجوده مانع كما أن ما وجوده شرط فعدمه مانع فعدم الشرط مانع من موانع الحكم وعدم المانع شرط من شروطه وبالله التوفيق. فائدة: الحاكم محتاج إلى ثلاثة أشياء لا يصح له الحكم إلا بها: معرفة الأدلة والأسباب والبينات؛ فالأدلة تعرفه الحكم الشرعي الكلي والأسباب تعرفه ثبوته في هذا المحل المعين أو أنتفاءه عنه والبينات تعرفه طريق الحكم عند التنازع ومتى أخطأ في واحد من هذه الثلاثة أخطأ في الحكم وجميع خطأ الحكام مداره على الخطأ فيها أو في بعضها. مثال ذلك: إذا تنازع عنده اثنان في رد سلعة مشتراة بعيب فحكمه موقوف على العلم بالدليل الشرعي الذي يسلط المشتري على الرد وهو إجماع الأمة المستند إلى حديث المصراة وغيره، وعلى العلم بالسبب المثبت بحكم الشارع في هذا البيع المعين وهو كون هذا الوصف عيبا يسلط على الرد أم ليس بعيب وهذا لا يتوقف العلم به على الشرع بل على الحس أو العادة والعرف أو الخبر ونحو ذلك وعلى البينة التي هي طريق الحكم بين المتنازعين وهي كل ما تبين له صدق أحدهما يقينا أو ظنا من إقرار أو شهادة

стр. 787

أربعة عدول أو ثلاثة في دعوى الإعسار بتلف ماله على أصح القولين أو شاهدين أو رجل وامرأتين أو شاهد ويمين أو شهادة رجل واحد وهو الذي يسميه بعضهم الإخبار ويفرق بينه وبين الشهادة مجرد اللفظ أو شهادة امرأة واحدة كالقابلة والمرضعة أو شهادة النساء منفردات حيث لا رجل معهن كالحمامات والأعراس على الصحيح الذي لا يجوز القول بغيره أو شهادة الصبيان على الجراح إذا لم يتفرقوا أو شهادة الأربع من النسوة أو المرأتين أو القرائن الظاهرة عند الجمهور كمالك وأحمد وأبي حنيفة كتنازع الرجل وامرأته في ثيابهما وكتب العلم ونحو ذلك وكتنازع النجار والخياط في القدوم والجلم والإبرة والذراع وكتنازع الوراق والحداد في الدواة والمسطرة والقلم والمطرقة والكلبتين والسندان ونحو ذلك مما يقضي فيه أكثر أهل العلم لكل واحد من المنتازعين بآلة صنعته بمجرد دعواه. والشافعي يقسم الخف بين الرجل والمرأة ويقسم الكتاب الذي يقرأ فيه بينهما وكذلك طيلسانه وعمامته أو الشاهد واليمين أو اليمين المردودة أو النكول المجرد أو القسامة أو التعان الزوج ونكول الزوجة أو شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر أو شهادة بعضهم على بعض أو الوصف للقطة أو شهادة الدار أو الحبل في ثبوت زنا التي لا زوج لها أو رائحة المسكر أو قيئه أو وجود المسروق عند من ادعى عليه سرقته على أصح القولين أو وجود الآجر ومعاقد القمط وعقد الأزج عند من يقول بها فهذه كلها داخلة في اسم البينة فإنها اسم لما يبين الحق ويوضحه وقد أرشد الله سبحانه إليها في كتابه حيث حكى عن شاهد يوسف اعتباره قد القميص وحكى عن يعقوب وبنيه أخذهم البضائع التي باعوا بها بمجرد وجودهم لها في رحالهم اعتمادا على القرائن الظاهرة بأنها وهبت لهم ممن ملك التصرف فيها وهم لم يشاهدوا ذلك ولا علموا به ولكن اكتفوا بمجرد القرينة الظاهرة وكذلك سليمان بن داود ﵉ حكم للمرأة بالولد بقرينة رحمتها له لما

стр. 788

قال: "إيتوني بالسكين أشقه بينهما فقالت الصغرى: لا تفعل هو ابنها فقضى به لها" وهذا من أحسن القرائن وألطفها. وكذلك النبي ﷺ أمر بتعذيب أحد ابني الحقيق اليهودي ليدله على كنز حيي ابن أخطب وقد ادعى ذهابه فقال: "هو أكثر من ذلك والعهد قريب". فاستدل بهذه القرينة الظاهرة على كذبه في دعواه فأمر الزبير أن يعذبه حتى يقر به فإذا عذب الوالي المتهم إذا ظهر له كذبه ليقر بالسرقة لم يخرج عن الشريعة إذا ظهرت له ريبة بل ضربه له في هذه الحال من الشرع. وقد حبس رسول الله ﷺ في تهمة وقد عزم علي والزبير على تجريد المرأة التي معها الكتاب وتفتيشها لما تيقنا أن الكتاب معها. فإذا غلب على ظن الحاكم أن المال المسروق أو غيره في بيت أو غيره في بيت المدعى عليه أو معه فأمر بتفتيشه حتى يظهر المال لم يكن بذلك خارجا عن الشرع وقد قال النعمان بن بشير للمدعي على قوم بسرقة مال لهم: "إن شئتم أن أضربهم فإن ظهر متاعكم عندهم وإلا أخذت من ظهوركم مثله" يعنى مثل ضربهم فقالوا: هذا حكمك؟ قال: بل هذا حكم رسول الله ﷺ ". والرجوع إلى القرائن في الأحكام متفق عليه بين الفقهاء بل بين المسلمين كلهم وقد اعتمد الصحابة على القرائن في الحدود فرجموا بالحبل وجلدوا في الخمر بالقيء والرائحة وأمر النبي ﷺ باستنكاه المقر بالسكر وهو اعتماد على الرائحة. والأمة مجمعة على جواز وطء الزوج للمرأة التي تهديها إليه النساء ليلة العرس ورجوعه إلى دلالة الحال أنها هي التي وقع عليها العقد وإن لم يرها ولم يشهد بتعيينها رجلان. ومجمعة على جواز أكل الهدية وإن كانت من فاسق أو كانت من صبي ومن نازع في ذلك لم يمكنه العمل بخلافه وإن قاله بلسانه. ومجمعة على جواز شراء ما بيد الرجل اعتمادا على قرينة كونه في يده وإن جاز أن يكون مغصوبا وكذلك يجوز إنفاق النقد إذا أخبر بأنه صحيح رجل واحد ولو كان ذميا فالعمل بالقرائن ضروري في الشرع والعقل والعرف.

стр. 789

فائدة: الفرق بين دليل مشروعية الحكم وبين دليل وقوع الحكم فالأول متوقف على الشارع والثاني يعلم بالحس أو الخبر أو الزيادة. فالأول: الكتاب والسنة ليس إلا وكل دليل سواهما يستنبط منهما. والثاني: مثل العلم بسبب الحكم وشروطه وموانعه فدليل مشروعيته يرجع فيه إلى أهل العلم بالقرآن والحديث ودليل وقوعه يرجع فيه إلى أهل الخبرة بتلك الأسباب والشروط والموانع. ومن أمثله ذلك بيع المغيب في الأرض من السلجم والجزر والقلقاس وغيره فدليل المشروعية أو منعها موقوف على الشارع لا يعلم إلا من جهته. ودليل سبب الحكم أو شروطه أو مانعه يرجع فيه إلى أصله فإذا قال المانع من الصحة هذا غرر لأنه مستور تحت الأرض قيل كون هذا غررا أو ليس بغرر يرجع إلى الواقع لا يتوقف على الشرع فإنه من الأمور العادية المعلومة بالحس أو العادة مثل كونه صحيحا أو سقيما وكبارا أو صغارا ونحو ذلك فلا يستدل على وقوع أسباب الحكم بالأدلة الشرعية كما لا يستدل على شرعيته بالأدلة الحسية فكون الشيء مترددا بين السلامة والعطب وكونه مما يجهل عاقبته وتطوى مغبته أو ليس كذلك يعلم بالحس أو العادة لا يتوقف على الشرع ومن استدل على ذلك بالشرع فهو كمن استدل على أن هذا الشراب مسكر بالشرع وهذا ممتنع بل دليل إسكاره الحس ودليل تحريمه الشرع. فتأمل هذه الفائدة ونفعها ولهذه القاعدة عبارة أخرى وهي أن دليل سببية الوصف غير دليل ثبوته فيستدل على سببيته بالشرع وعلى ثبوته بالحس أو العقل أو العادة فهذا شيء وذلك شيء.

стр. 790

فائدة: الأمر المطلق والجرح المطلق والعلم المطلق والترتيب المطلق والبيع المطلق والماء المطلق والملك المطلق غير مطلق الأمر والجرح والعلم إلى آخرها والفرق بينهما من وجوه: أحدها: أن الأمر المطلق لا ينقسم إلى أمر الندب وغيره فلا يكون موردا للتقسيم ومطلق الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب وأمر ندب فمطلق الأمر ينقسم والأمر المطلق غير منقسم. الثاني: أن الأمر المطلق فرد من أفراد مطلق الأمر ولا ينعكس. الثالث: أن نفي مطلق الأمر يستلزم نفي الأمر المطلق دون العكس. الرابع: أن ثبوت مطلق الأمر لا يستلزم ثبوت الأمر المطلق دون العكس. الخامس: أن الأمر المطلق نوع لمطلق الأمر ومطلق الأمر جنس للأمر المطلق. السادس: أن الأمر المطلق مقيد بالإطلاق لفظا مجرد عن التقييد معنى ومطلق الأمر مجرد عن التقييد لفظا مستعمل في المقيد وغيره معنى. السابع: أن الأمر المطلق لا يصلح للمقيد ومطلق الأمر يصلح للمطلق والمقيد. الثامن: أن الأمر المطلق هو المقيد بقيد الإطلاق فهو متضمن للإطلاق والتقييد ومطلق الأمر غير مقيد وإن كان بعض أفراده مقيدا. التاسع: أن من بعض أمثلة هذه القاعدة الإيمان المطلق ومطلق الإيمان فالإيمان المطلق لا يطلق إلا على الكامل الكمال المأمور به ومطلق الإيمان يطلق على الناقص والكامل ولهذا نفى النبي ﷺ الإيمان المطلق عن الزاني وشارب الخمر والسارق ولم ينف عنه مطلق الإيمان لئلا يدخل في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولا في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ولا في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى آخر الآيات ويدخل في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وفي قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ وفي قوله: "لا يقتل مؤمن بكافر " وأمثال ذلك. فلهذا كان

стр. 791

قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ نفيا للإيمان المطلق لا لمطلق الإيمان لوجوه: منها أنه أمرهم أو أذن لهم أن يقولوا أسلمنا والمنافق لا يقال له ذلك. ومنها أنه قال: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ﴾ ولم يقل قال المنافقون. ومنها أن هؤلاء الجفاة الذين نادوا رسول الله ﷺ من وراء الحجرات ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظة منهم وجفاء لا نفاقا وكفرا. ومنها أنه قال ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ولم ينف دخول الإسلام في قلوبهم ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام كما نفى الإيمان. ومنها أن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ أي لا ينقصكم والمنافق لا طاعة له. ومنها أنه قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ فأثبت لهم إسلامهم ونهاهم أن يمنوا على رسول الله ﷺ ولو لم يكن إسلاما صحيحا لقال لم تسلموا بل أنتم كاذبون كما كذبهم في قولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ لما لم تطابق شهادتهم اعتقادهم. ومنها أنه قال: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ ولو كانوا منافقين لما من عليهم. ومنها أنه قال: ﴿أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ﴾ ولا ينافي هذا قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ فإنه نفى الإيمان المطلق ومن عليهم بهدايتهم إلى الإسلام الذي هو متضمن لمطلق الإيمان. ومنها أن النبي ﷺ لما قسم القسم قال له سعد: أعطيت فلانا وتركت فلانا وهو مؤمن فقال: "أو مسلم ثلاث مرات" وأثبت له الإسلام دون الإيمان. وفي الآية أسرار بديعة ليس هذا موضعها والمقصود الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان؛ فالإيمان المطلق يمنع دخول النار ومطلق الإيمان يمنع الخلود فيها. العاشر: إنك إذا قلت الأمر المطلق فقد أدخلت اللام على الأمر وهي تفيد العموم والشمول ثم وصفته بعد ذلك بالإطلاق بمعنى أنه لم يقيد بقيد يوجب تخصيصه من شرط أو صفة وغيرهما فهو عام في كل فرد من الأفراد التي هذا شأنها وأما مطلق الأمر فالأضافه فيه ليست للعموم بل للتمييز فهو قدر مشترك مطلق لا عام فيصدق بفرد من أفراده وعلى هذا فمطلق البيع جائز والبيع المطلق ينقسم إلى جائز وغيره والأمر المطلق للوجوب ومطلق الأمر ينقسم إلى

стр. 792

الواجب والمندوب والماء المطلق طهور ومطلق الماء ينقسم إلى طهور وغيره والملك المطلق هو الذي يثبت للحر ومطلق الملك يثبت للعبد. فإذا قيل العبد هل يملك أم لا يملك؟ كان الصواب إثبات مطلق الملك له دون الملك المطلق. وإذا قيل هل الفاسق مؤمن أم غير مؤمن؟ فهو على هذا التفصيل والله تعالى أعلم. فبهذا التحقيق يزول الإشكال في مسألة المندوب هل هو مأمور به أم لا؟ وفي مسألة الفاسق هل هو مؤمن أم لا. فائدة: نص الشافعي على أن البيع لا ينعقد إلا بالإيجاب والقبول وخرج ابن شريح له قولا أنه ينعقد بالمعاطاة واختلف أصحابه من أين خرجه؟ فقال بعضهم: خرجه من قوله في الهدي: "إذا عطب قبل المحل فإن المهدي ينحره ويغمس نعله في دمه ويخلي بينه وبين المساكين ولا يحتاج إلى لفظ بل القرينة كافية". واعترض على هذا التخريج بأن ذلك من باب الإباحات وهي مبنية على المسامحات يغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها كتقديم الطعام للضيف والبيع من باب المعاوضات التي تعقد على المسامحة ويطلب الشارع قطع النزاع والخصومة بكل طريق. وقال بعضهم: هو مخرج عن مسألة الغسال والطباخ ونحوهما فإنه يستحق الأجرة مع انه لم يسم شيئا. واعترض على ذلك بأنه لا نص للشافعي فيها إلا عدم الاستحقاق وإنما قال بعض أصحابه يستحق الأجرة. وقال بعضهم: هو مخرج من مسألة الخلع إذا قال لها أنت طالق إن أعطيتني ألفا فوضعتها بين يديه فإنها تطلق ويملك الألف مع أنه لم يصدر منها لفظ يدل على التمليك. وحكى أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام كان يرجع التخريج من ههنا واعترض عليه بأن في الخلع شائبة التعلق

стр. 793

والمعاوضة وأما البيع فمعاوضة محضة ولهذا يصح الخلع بالمجهول دون البيع. فائدة: ما علق جواز البدل فيه على فقد المبدل فإذا فقدا معا فهل يجب عليه تحصيل المبدل أو يتخير بينه وبين البدل؟ فيه خلاف وعليه إذا وجب عليه بنت مخاض فعدمها فابن لبون فإن عدمه فقولان: أحدهما: متخير بينهما في الشراء. والثاني: أنه يتعين شراء الأصل. ومنها أنه لو ملك مائتين من الإبل وقلنا يخرج أربع حقاق فعدمها فهل يجوز أن يشترى خمس بنات لبون؟ فيه خلاف. فائدة: ثلاثة من الصحابة جمعوا بين كونهم أنصارا ومهاجرين ذكرهم ابن إسحاق في سيرته: - أحدهم ذكوان بن عبد قيس من بنى الخزرج قال ابن إسحاق: "كان خرج إلى رسول الله ﷺ وكان معه بمكة المكرمة ثم هاجر منها إلى المدينة وكان يقال له مهاجري أنصاري شهدا بدرا وقتل بأحد شهيدا". - والعباس بن عبادة بن نضلة من بني الخزرج أيضا قال ابن إسحاق: "كان فيمن خرج إلى رسول الله ﷺ وهو بمكة المكرمة فأقام معه بها قتل يوم أحد شهيدا. - وعقبة بن وهب خرج إلى رسول الله ﷺ من المدينة المنورة إلى مكة وكان يقال له مهاجري أنصاري حليف لبني الخزرج.

стр. 794

فائدة: إذا قال الحاكم المولى: كنت حكمت بكذا قبل قوله عند أحمد والشافعي والجمهور وعند مالك لا يقبل قوله. قال الجمهور هو يملك للإنشاء فيملك الإقرار كولي المجبرة إذا قال زوجتها من فلان قبل قوله اتفاقا. قال أصحاب مالك الفرق بينهما أن ولي المجبرة غير متهم بخلعها لكمال شفقته وكمال رعايته لمصالح ابنته بخلاف الحاكم. قال أصحاب القول: وكذلك نحن إنما نقبل قول الحاكم: "حكمت" حيث تنتفي التهمة فأما إذا كان تهمة لم يقبل. قال أصحاب مالك: هذا نفسه في مظنة التهمة فوجب رده كما يرد حكمه لنفسه وحكمه بعلمه فمظنة التهمة كافيه وأما الأب فهو في مظنة كمال الشفقة ورعاية مصلحة ابنته فافترقا وهذا فقه ظاهر ومأخذ حسن والإنصاف أولى من غيره. فائدة: إذا حلف على شيء بالطلاق الثلاث أنه لا يفعله ثم خلع ولم يفعله ثم تزوجها فقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: "الصحيح أنه لا يعود الحنث" فذكر له اختيار الشيخ أبي إسحاق في كتاب الطلاق فقال: "ذلك غلط" قال: "ومأخذنا في هذه المسألة أنه لو عاد الحنث في النكاح الثاني تملك بالعقد الواحد أكثر من ثلاث تطليقات" بيانه أن النكاح يملك به ثلاثا والتنجيز كالتعليق فإنه يملك بالعقد الطلاق المنجز والمعلق ولا يزيد ذلك على ثلاث فلو عاد الحنث لملك ثلاثا بالعقد لو نجزها لوقعت

стр. 795

وملك المعلق بتقدير عود الحنث وهو محال. فائدة: ربما يظن بعض الناس أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر ليال فإذا طلع فجر الليلة العاشرة انقضت العدة. ووقع في التنبيه: "وإن كانت أمة اعتدت بشهرين وخمس ليال" ويقوي هذا الوهم حذف التاء من العشر وإنما يحذف مع المؤمن نحو سبع ليال وثمانية أيام. وجواب هذا أن المعدود إذا ذكر مع عدده فالأمر كما ذكر تحذف التاء مع المؤنث وتثبت مع المذكر وإذا ذكر العدد دون معدوده المذكر جاز فيه الوجهان حذف التاء وذكرها حكاه الفراء وابن السكيت وغيرهما وعلي هذا جاء قوله: "من صام رمضان واتبعه بست من شوال" ولم يقل: "بستة" وقوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْراً﴾ فهذه أيام بدليل ما بعدها وعلى هذا فلا تنقضي العدة حتى تغيب شمس اليوم العاشر وما وقع في التنبيه فغلط والله تعالى أعلم. ووقع له هذا في باب العدد وباب الاستبراء. فائدة: المرضع من لها ولد ترضعه والمرضعة من ألقمت الثدي للرضيع وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ أبلغ من مرضع في هذا المقام فإن المرأة قد تذهل عن الرضيع إذا كان غير مباشر للرضاعة فإذا التقم الثدي واشتغلت برضاعه لم تذهل عنه إلا لأمر أعظم عندها من اشتغالها

стр. 796

بالرضاع. وتأمل - رحمك الله تعالى - السر البديع في عدوله سبحانه عن كل حامل إلى قوله: ﴿ذَاتِ حَمْلٍ﴾ فإن الحامل قد تطلق على المهيأة للحمل وعلى من هي في أول حملها ومبادئه فإذا قيل ذات حمل لم يكن إلا لمن ظهر حملها وصلح للوضع كاملا أو سقطا كما يقال ذات ولد فأتى في المرضعة بالتاء التي تحقق فعل الرضاعة دون التهيؤ لها وأتى في الحامل بالسبب الذي يحقق وجود الحمل وقبوله للوضع والله تعالى أعلم. فائدة: قال الشيخ تاج الدين: "سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن معنى قول الفقهاء للمطلق الطلاق الرجعي (قل راجعت زوجتي إلى نكاحي) ما معناه وهي لم تخرج من النكاح فإنها زوجة في جميع الأحكام؟ فقلت له: معناه إنها رجعت إلى النكاح الكامل الذي لم تكن فيه صائرة إلى بينونة بانقضاء زمان وبالطلاق صارت إلى بينونة بانقضاء العدة" فقال: "أحسنت". فائدة: القاضي والمفتى مشتركان في أن كلا منهما يجب عليه إظهار حكم الشرع في الواقعة ويتميز الحاكم بالإلزام به وإمضائه فشروط الحاكم ترجع إلى شروط الشاهد والمفتى والوالي فهو مخبر عن حكم الشارع بعلمه مقبول بعدالته منفذ بقدرته.

стр. 797

فائدة: كان الشيخ عز الدين يستشكل مذهب الشافعي في أن حجر الصبي يستمر بمجرد الفسق والسفه في الدين وقال: "قد اتفق الناس على أن المجهول يسمع الحاكم دعواه والدعوى عليه فالغالب في الناس وجودا عدم الرشد في الدين فلو كان الصلاح في الدين شرطا في كل الحجر لزم أن لا يسمع دعوى المجهول ولا إقراره وذلك خلاف الإجماع المستمر عليه العمل". فائدة: اختلف الناس هل السماء أشرف من الأرض أم الأرض أشرف من السماء؟ فالأكثرون على الأول. واحتج من فضل الأرض بأن الله تعالى أنشأ منها أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين وبأنها مساكنهم ومحله أحياء وأمواتا وبأن الله لما أراد إظهار آدم للملائكة قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾ فأظهر فضله عليهم بعلمه واستخلافه في الأرض وبأن الله وضعها بأن جعلها محل بركاته عموما وخصوصا فقال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ﴾ ووصف الشام بالبركة في ست آيات ووصف بعضها بأنها مقدسة ففيها الأرض المباركة والمقدسة والوادي المقدس وفيها بيته الحرام ومشاعر الحج والمساجد التي هي بيوته سبحانه والطور الذي كلم عليه كليمه ونجيه وبإقسامه سبحانه بالأرض عموما وخصوصا أكثر من إقسامه بالسماء فإنه أقسم بالطور والبلد الأمين والتين والزيتون ولما أقسم بالسماء أقسم بالأرض معها وبأنه سبحانه خلقها قبل خلق

стр. 798

السماء كما دلت عليه سورة (حم السجدة) وبأنها مهبط وحيه ومستقر كتبه ورسله ومحل أحب الأعمال إليه وهو الجهاد والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومغايظة أعدائه ونصر أوليائه وليس في السماء من ذلك شيء وبأن ساكنيها من الرسل والأنبياء والمتقين أفضل من سكان السماء من الملائكة كما هو مذهب أهل السنة فمسكنهم أشرف من مسكن الملائكة وبأن ما أودع فيها من المنافع والأنهار والثمار والمعارف والأقوات والحيوان والنبات ما هو من بركاتهم لم يودع في السماء مثله وبأن الله سبحانه قال: ﴿وَفِي الأرض آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ فجعل الأرض محل آياته والسماء محل رزقه ولو لم يكن له فيها إلا بيته وبيت خاتم أنبيائه ورسله حيا وميتا وبأن الأرض جعلها الله قرارا وبساطا ومهادا وفراشا وكفاتا ومادة للساكن لملابسه وطعامه وشرابه ومراكبه وجميع آلاته ولا سيما إذا أخرجت بركتها وازّيّنت وأنبتت من كل زوج بهيج. قال المفضلون للسماء على الأرض: يكفي في فضلها أن رب العالمين سبحانه فيها وأن عرشه وكرسيه فيها وأن الرفيق الأعلى الذي أنعم الله عليه فيها وأن دار كرامته فيها وانها مستقر أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين يوم الحشر وأنها مطهرة مبرأة من كل شر وخبث ودنس يكون في الأرض ولهذا لا تفتح أبوابها للأرواح الخبيثة ولا يلج ملكوتها ولأنها مسكن من لا يعصون الله طرفة عين فليس فيها موضع أربع أصابع إلا وملك ساجد أو قائم وبأنها أشرف مادة من الأرض وأوسع وأنور وصفى وأحسن خلقه وأعظم آيات وبأن الأرض محتاجة في كمالها إليها ولا تحتاج هي إلى الأرض ولهذا جاءت في كتاب الله في غالب المواضع مقدمة على الأرض وجمعت وأفردت الأرض فبشرفها وفضلها أتى بها مجموعة وأما الأرض فلم يأت بها إلا مفردة وحيث أريد تعدادها قال: ﴿وَمِنَ الأرْضِ﴾ وهذا القول هو الصواب والله أعلم.

стр. 799

فائدة: فرق النكاح عشرون فرقة: الأولى: فرقة الطلاق الثانية: الفسخ للعسرة بالمهر الثالثة: الفسخ للعسر عن النفقة الرابعة: فرقة الإيلاء الخامسة: فرقة الخلع السادسة: تفريق الحكمين السابعة: فرقة العنين الثامنة: فرقة اللعان التاسعة: فرقة العتق تحت العبد العاشرة: فرقة الغرور الحادية عشر: فرقة العيوب الثانية عشرة: فرقة الرضاع الثالثة عشر: فرقة وطء الشبهة حيث تحرم الزوجة الرابعة عشر: فرقة إسلام أحد الزوجين الخامسة عشر: فرقة ارتداد أحدهما السادسة عشر: فرقة إسلام الزوج وعنده اختان أو أكثر من أربع أو امرأة وعمتها أو امرأة وخالتها السابعة عشر: فرقة السبا الثامنة عشر: فرقة ملك أحد الزوجين صاحبة التاسعة عشر: فرقة الجهل بسبق أحد النكاحين العشرون: فرقة الموت. فهذه الفروق منها إلى المرأة وحدها فرقة الحرية والغرور والعيب ومنها إلى الزوج وحده الطلاق والغرور والعيب أيضا ومنها ما للحاكم فيه مدخل وهو فرقة العنين والحكمين والإيلاء والعجز عن النفقة والمهر ونكاح الوليين ومنها ما لا يتوقف على أحد الزوجين ولا الحاكم هو اللعان والردة والوطء بالشبهة وإسلام أحدهما وملك احد الزوجين صاحبة والرضاع. وهذه الفرق منها ما لا يتلافى إلا بعد زوج وإصابة وهو استيفاء الثلاث ومنها ما لا يتلافى أبدا وهو فرقة اللعان والرضاع والوطء بشبهة ومنها مالا يتلافى في العدة خاصة وهي فرقة الردة وإسلام احد الزوجين الطلاق الرجعي ومنها ما يتلافى بعقد جديد وهي فرقة الخلع والإعسار بالمهر والنفقة وفرقة الإيلاء والعيوب والغرور وكلها فسخ إلا الطلاق وفرقة الإيلاء والفرقة بالحكمين.

стр. 800

فائدة: حيث أطلق الفقهاء لفظ الشك فمرادهم به التردد بين وجود الشيء وعدمه سواء تساوى الاحتمالان أو رجح أحدهما كقوله: إذا شك في نجاسة الماء أو طهارته أو أنتقاض الطهارة أو حصولها أو فعل ركن في الصلاة أو شك هل طلق واحدة أو أكثر؟ أو شك هل غربت الشمس أم لا؟ ونحو ذلك بنى على اليقين ويدل على صحة قوله ﷺ : " وليطرح الشك وليبن على ما أستيقن ". وقال أهل اللغة: الشك خلاف اليقين، وهذا ينتقض بصور: منها أن الإمام متى تردد في عدد الركعات بنى على الأغلب من الاحتمالين. ومنها أنه إذا شك في الأولى بنى على الأغلب في ظنه عندما يجوز له التحري. ومنها أنه إذا شك في القبلة بنى على غالب ظنه في الجهات. ومنها أنه إذا شك في دخول وقت الصلاة جاز له أن يصلى إذا غلب على ظنه دخول الوقت. ومنها أنه إذا غلب على ظنه عدالة الراوي والشاهد عمل بها ولم يقف على اليقين. ومنها إذا شك في المال هل هو نصاب أم لا وغلب على ظنه أنه نصاب فإنه يزكيه كما لو أخبره خارص واحد بأنه نصاب. ومنها لو وجد في بيته طعاما وغلب على ظنه أنه أهدى له جاز له الأكل وإن لم يتيقن كما لو أخبره بد ولده أو امرأته. ومنها أنه لو شك في مال زيد هل هو حلال أم حرام وغلب على ظنه أنه حرام فإنه لا يجوز له الأكل منه. ونظائر ذلك كثيرة جدا فما ذكر من القاعدة ليس بمطرد.

стр. 801

فائدة: إذا تزاحم حقان في محل أحدهما متعلق بذمة من هو عليه والآخر متعلق بعين من هي له قدم الحق المتعلق بالعين على الآخر لأنه يفوت بفواتها بخلاف الحق الآخر وعلى ذلك مسائل: أحدها: إذا جنى العبد المرهون قدم المجنى عليه بموجب جنايته على المرتهن لاختصاص حقه بالعين خلاف المرتهن. الثانية: إذا جنى عبد المدين قدم المجنى عليه على الغرماء كذلك. الثالثة: إذا تشاح البائع والمشتري في المبتدىء بالتسليم فإن كانا عينين جعل بينهما عدل وإن كان الثمن في الذمة أجبر البائع على تسليم المبيع أولا لتعلق حقه بعين المبيع بخلاف المشتري فإن حقه متعلق بذمة البائع. قاعدة: فرق بين ما ثبت ضمنا وبين ما ثبت أصالة بأنه يغتفر في الثبوت الضمني ما لا يغتفر في الأصل وعلى ذلك مسائل: ومنها لو أقر المريض بمال لوارث لم يقبل إقراره ولو اقر بوارث قبل إقراره واستحق ذلك المال وغيره. ومنها لو اشترى منه سلعة فخرجت مستحقة رجع عليه بدرك المبيع وقد تضمن شراؤه منه إقراره له بالملك وقد أقر له بالملك صريحا ثم اشتراها فخرجت مستحقة لا يرجع عليه بالدرك. ومنها لو قال الكافر لمسلم أعتق عبدك المسلم عنى وعلى ثمنه فإنه يصح في أحد الوجهين ونظيره إذا أعتق الكافر الموسر شركا له في عبد مسلم عتق عليه

стр. 802

جميعه في أحد الوجهين ولو قال للمسلم يعني عبدك المسلم حتى أعتقه لم يصح بيعه. قاعدة: ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه حال الاشتباه وما لا تبيحه الضرورة فلا وعلى هذه مسائل: أحدها: إذا اشتبهت أخته بأجنبية لم يجز له الاجتهاد في أحدهما. الثانية: طلق إحدى امرأتيه واشتبهت عليه لم يجز له أن يجتهد في إحداهما. الثالثة: اشتبه عليه الطاهر بالنجس لم يجب عليهم أن يتحرى في أحدهما وهذا بخلاف ما لو اشتبهت ميتة بمذكاة أو طاهر بنجس للشرب عند الضرورة تبيحه وتبيح ترك القبلة في حال المسايفة وغيرها. قاعدة: ما بطل حكمه من الأبدال بحصول مبدله لم يبق متعبدا به بحال فإن وجود المبدل بعد الشروع فيه كوجوده قبل الشروع فيه وما لم يبطل حكمه رأسا بل بقى معتبرا في الجملة لم يبطل وجود المبدل بعد الشروع فيه وعلى هذا مسائل: إحداهما: المعتدة بالأشهر إذا صارت من ذوات القرء قبل انقضاء عدتها أنتقلت إليها لبطلان اعتبار الأشهر حال الحيض. الثانية: المتيمم إذا قدر على الماء بعد التيمم سواء شرع في الصلاة أولم يشرع فيها بطل تيممه. الثالثة: إذا شرع في صوم الكفارة ثم قدر على الإطعام أو العتق لم يلزمه الانتقال عنه إليهما لأن الصوم

стр. 803

لم يبطل اعتباره بالقدرة على الطعام بل هو معتبر في كونه عبادة وقربة وقد شرع فيه كذلك ولم يبطل تقربه وتعبده به. الرابعة: المتمتع إذا شرع في الصوم ثم قدر على الهدي لم يلزمه الانتقال لذلك وفرق ثان أن الاعتبار في الكفارات بحال وجوبها على المكلف لأنه حال استقرار الواجب في ذمته فالواجب عليه أداؤها كما وجبت في ذمته ولهذا لو قدر على الطعام بعد الحنث وقبل الصوم لم يلزمه الانتقال إليه كذلك بخلاف العدة والصلاة فإن الواجب عليه أداء الصلاة على أكمل الأحوال وإنما أبيح له ترك ذلك للضرورة وما أبيح بشرط الضرورة فهو عدم عند عدمها وكذلك العدة سواء. قاعدة: المكلف بالنسبة إلى القدرة والعجز في الشيء المأمور به والآلات المأمور بمباشرتها من البدن له أربعة أحوال: إحداهما: قدرته بهما فحكمه ظاهر كالصحيح القادر على الماء والحر القادر علىالرقبة الكاملة الثانية: عجزه عنهما كالمريض العادم للماء والرقيق العادم للرقبة فحكمه أيضا ظاهر الثالثة: قدرته ببدنه وعجزه عن المأمور به كالصحيح العادم للماء والعاجز عن الرقبة في الكفارة فحكمه الانتقال إلى بدله إن كان له بدل يقدر عليه كالتيمم أو الصيام في الكفارة ونحو ذلك فإن لم يكن له بدل سقط عنه وجوبه كالعريان العاجز عن ستر عورته في الصلاة فإنه يصلى ولا يعيد الرابعة: عجزه ببدنه وقدرته على المأمور أو بدنه فهو مورد الإشكال في هذه الأقسام وله صور: إحداها: المغصوب الذي لا يستمسك على الراحلة وله مال يقدر أن يحج به عنه فالصحيح وجوب الحج عليه بماله لقدرته على المأمور به وإن عجز عن مباشرته هو بنفسه

стр. 804

وهذا قول الأكثرين ونظيره القادر على الجهاد بماله العاجز ببدنه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء وهما رويتان منصوصتان عن أحمد رحمه الله تعالى الصورة الثانية: الشيخ الكبير العاجز عن الصوم القادر على الإطعام فهذا يجب عليه الإطعام عن كل يوم مسكينا في اصح أقوال العلماء الصورة الثالثة: المريض العاجز عن استعمال الماء فهذا حكمه حكم العادم وينتقل إلى بدله كالشيخ العاجز عن الصيام ينتقل إلى الإطعام. وضابط هذا أن المعجوز عنه في ذلك كله إن كان له بدل أنتقل إلى بدله وإن لم يكن له بدل سقط عنه وجوبه. فإذا تمهدت هذه القاعدة ففرق بين العجز ببعض البدن والعجز عن بعض الواجب فليسا سواء بل متى عجز ببعض البدن لم يسقط عنه حكم البعض الآخر وعلى هذا إذا كان بعض بدنه جريحا وبعضه صحيحا غسل الصحيح وتيمم للجريح على المذهب الصحيح كما دل عليه حديث الجريح. ونظيره إذا ملك المعتق بعض ما يتمكن به من عتق واجب لزمه الإعتاق. ونظيره إذا ذهب بعض أعضاء وضوئه وجب عليه غسل الباقي وأما إذا عجز عن بعض الواجب فهذا معترك الإشكال حيث يلزمه به مرة ولا يلزمه به مرة ويخرج الخلاف مرة فمن قدر على إمساك بعض اليوم دون إتمامه لم يلزمه اتفاقا ومن قدر على بعض مناسك الحج وعجز عن بعضها لزم فعل ما يقدر عليه ويستناب عنه فيما عجز عنه ولو قدر بعض رقبة وعجز عن كاملة لم يلزمه عتق البعض ولو قدر على بعض ما يكفيه لوضوئه أو غسله لزمه استعماله في الغسل وفي الوضوء وجهان: أحدهما: يلزمه والثاني: له أن ينتقل إلى التيمم ولا يستعمل الماء. وضابط الباب أن ما لم يكن جزؤه عبادة مشروعة لا يلزمه الإتيان به كإمساك بعض اليوم وما كان جزؤه عبادة مشروعة لزمه الإتيان به كتطهير الجنب بعض أعضائه فإنه يشرع كما عند النوم والأكل والمعاودة يشرع له الوضوء تخفيفا للجنابة. وعلى هذا جوز الإمام أحمد للجنب أن يتوضأ ويلبث في المسجد كما كان الصحابة يفعلونه وإذا ثبت

стр. 805

تخفيف الحدث الأكبر في بعض البدن فكذلك الأصغر. يبقى أن يقال: فهذا ينتفض عليكم بالقدرة على عتق بعض العبد فإنه مشروع ومع هذا فلا يلزمونه به. قيل: الفرق بينه وبين القدرة على بعض الطهارة أن الله إنما نقل المكلف إلى البدن عند عدم ما يسمى ماء فقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وبعض ماء الطهارة ماء لا يتيمم مع وجوده. وأما في العتق فإن الله نقله إلى الإطعام والصيام عند استطاعه إعتاق الرقبة فقال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ لا ريب فيه أن المعنى فمن لم يستطع فتحرير رقبة ولا يحتمل الكلام غير هذا البتة والقادر على بعض الرقبة غير مستطيع تحرير رقبة والله أعلم. فهذا ما ظهر لي في هذه القاعدة. فائدة: من وجب عليه شيء وأمر بإنشائه فامتنع فهل يفعله الحاكم عنه أو يجبره عليه؟ فيه خلاف مأخذه أن الحاكم نصب نائبا ووكيلا من جهة الشارع لصاحب الحق حتى يستوفيه له أو مجبرا وملزما لمن هو عليه حتى يؤديه فإذا اجتمع الأمران في حكم فهل يغلب وصف الإلزام والإجبار أو وصف الوكالة والنيابة هذا سر المسألة وعلى هذا مسائل: إحداها: المولى إذا امتنع من الفيئة والطلاق فهل يطلق الحاكم عليه أو يجبره على الطلاق فيه خلاف. الثانية: إذا امتنع من الإنفاق على رقيقة أو على بهيمته لإعساره كلف بيع البعض للإنفاق على الباقي فإذا امتنع فهل يجبره عليه أو يبيع الحاكم عليه فيه خلاف أيضا. الثالثة: إذا اشترى عبدا بشرط العتق وامتنع من عتقه وقلنا لا نجبر البائع بين الفسخ والإمضاء فهل يجبر على العتق أو يعتق الحاكم فيه خلاف.

стр. 806

فائدة: الشافعي ﵁ يبالغ في رد الاستحسان وقد قال به في المسائل: الأولى: أنه استحسن في المتعة في حق الغني أن يكون خادما وفي حق الفقير مقنعة وفي حق المتوسط ثلاثين درهما. الثانية: استحسن التحليف بالمصحف. الثالثة: أنه استحسن في خيار الشفعة أن تكون ثلاثة أيام. الرابعة: أنه نص في أحد أقواله أنه يبدأ في النضال بمخرج السبق اتباعا لعادة الرماة قال: "أصحابه هو استحسان". فائدة: من أصول مالك اتباع عمل أهل المدينة وإن خالف الحديث وسد الذرائع وإبطال الحيل ومراعاة المقصود والنيات في العقود واعتبار القرائن وشواهد الحال في الدعاوى والحكومات والقول بالمصالح والسياسة الشرعية. ومن أصول أبي حنيفة الاستحسان وتقديم القياس وترك القول بالمفهوم ونسخ الخاص المتقدم بالعام المتأخر والقول بالحيل. ومن أصول الشافعي مراعاة الألفاظ والوقوف معها وتقديم الحديث على غيره. ومن أصول أحمد الأخذ بالحديث ما وجد إليه سبيلا فإن تعذر فقول الصحابي ما لم يخالف فإن اختلف أخذ من أقوالهم بأقواها دليلا وكثيرا ما يختلف قوله عند اختلاف أقوال الصحابة فإن تعذر عليه ذلك كله أخذ بالقياس عند الضرورة وهذا قريب من أصول الشافعي بل هما عليه متفقان.

стр. 807

فائدة: شرط العمل بالظنيات الترجيح عند التعارض فإن وقع التساوي ففيه قولان التخيير والتوقف فإن كان طريق التقليد فهل يشترط الترجيح في أعيان من يقلده فيه وجهان فإن كان طريق العمل اليقين فلا مدخل للترجيح هناك إذ الترجيح إنما يكون بين متعارضين ولا تعارض في اليقينيات وهل تسمع المعارضة فيها فيه لأهل الجدل قولان منهم من يسمعها ومنهم من لا يسمعها والحق التفصيل أنها إن كانت معارضة في مقدمة قطعية لم تسمع بحال وإن كانت معارضة في غيرها سمعت. فائدة: الحقوق المالية الواجبة لله تعالى أربعة أقسام: أحدها: حقوق المال كالزكاة فهذا يثبت في الذمة بعد التمكن من أدائه فلو عجز عنه بعد ذلك لم يسقط ولا يثبت في الذمة إذا عجز عنه وقت الوجوب وألحق بهذا زكاة الفطر. القسم الثاني: ما يجب بسبب الكفارة ككفارة الأيمان والظهار والوطء في رمضان وكفارة القتل فإذا عجز عنها وقت انعقاد أسبابها ففي ثبوتها في ذمته إلى الميسرة أو سقوطها قولان مشهوران في مذهب الشافغي وأحمد. القسم الثالث: ما فيه معنى ضمان المتلف كجزاء الصيد وألحق به فدية الحلق والطيب واللباس في الإحرام فإذا عجز عنه وقت وجوبه ثبت في ذمته تغليبا لمعنى الغرامة وجزاء المتلف وهذا في الصيد ظاهر

стр. 808

وأما في الطيب وبابه فليس كذلك لأنه ترفه لا إتلاف إذ الشعر والظفر ليسا بمتلفين ولم تجب الفدية في إزالتها في مقابلة الإتلاف لأنها لو وجبت لكونها إتلافا لتقيدت بالقيمة ولا قيمة لها وإنما هي من باب الترفه المحض كتغطيه الرأس واللباس فأي إتلاف ههنا وعلى هذا فالراجح من الأقوال أن الفدية لا تجب مع النسيان والجهل. القسم الرابع: دم النسك كالمتعة والقرآن فهذه إذا عجز عنها وجب عنها بدلها من الصيام فإن عجز عنها ترتب في ذمته أحدهما فمتى قدر عليه لزمه وهل الاعتبار بحال الوجوب أو بأغلظ الأحوال فيه خلاف. وأما حقوق الآدميين فإنها لا تسقط بالعجز عنها لكن إن كان عجزه بتفريط منه في أدائها بها الآخرة وأخذ لأصحابها في حسناته وإن كان عجزه بغير تفريط كمن احترق ماله أو غرق أو كان الإتلاف خطأ مع عجزه عن ضمانه ففي إشغال ذمته به وأخذ أصحابها من حسناته نظر ولم أقف على كلام شاف للناس في ذلك والله تعالى أعلم. فائدة: قولهم من ملك الإنشاء لعقد ملك الإقرار به ومن عجز عن إنشائه عجز عن الإقرار به غير مطرد ولا منعكس فأما اختلال طرده ففي مسائل: أحدها: ولي المرأة غير المجبرة يملك إنشاء العقد عليها دون الإقرار به الثانية: الوكيل في الشراء إذا أنه اشترى ما وكل فيه وأنكره الموكل لم يقبل إقراره عليه مع ملكه لإنشائه الثالثة: الوكيل بالبيع إذا أقر به وأنكر الموكل فالقول قول الموكل وأما اختلال عكسه ففي مسائل: الأولى: أن العاقل لا يملك إنشاء إرقاق نفسه ولو أقر به قبل فهذا عاجز عن الإنشاء قادر على الإقرار. الثانية: المرأة عاجزة عن إنشاء النكاح ولو أقرت به قبل إقرارها. الثالثة: لو أقر العبد المأذون بعد الحجر عليه بدين قبل إقراره ولم يملك الإنشاء. الرابعة: لو

стр. 809

أقر المريض لأجنبي أنه كان وهبه في الصحة ما يزيد على الثلث قبل إقراره في أصح الروايتين ولم يملك الإنشاء. الخامسة: الحاكم إذا بعد قال العزل كنت حكمت في ولايتي لفلان على فلان بكذا قبل قوله وحده وإن لم يملك الإنشاء وكذلك لو قال القاضي المعزول عن مال في يد أمين أقر أنه تسلمه منه هو لفلان وقال الأمين بل هو لفلان قبل قول القاضي دون الأمين. وهذه المسألة مما يعيا بها وهي رجلان في يد أحدهما مال وهو أمين عليه والآخر ليس المال في يده ولا له حكم ولا هو أمين عليه يقبل إقرار هذا الثاني في المال دون الأمين من كان يعلم أن الموت مدركه ... والقبر مسكنه والبعث مخرجه وأنه بين جنات ستبهجه ... يوم القيامة أو نار ستنضجه فكل شيء سوى التقوى به سمج ... وما أقام عليه منه أسمجه ترى الذي اتخذ الدنيا له وطنا ... لم يدر أن المنايا سوف تزعجه تظل على أكتاف أبطالها القنا ... وهاتيك في أغمارهن المناصل تحامى الرزايا ضف ومنسم ... وتلقى رداهن الذرى والكواهل وترجع أعقاب الرماح سليمة ... وقد حطمت في الدارعين العوامل فإن كنت تبغي العيش فاقنع توسطا ... فعند التناهي يقصر المتطاول مسائل: هل يجوز للحاكم أن يسمع شهادة أبية وابنه ويحكم بها؟ أجاب أبو الخطاب يجوز له سماع شهادتهما لغيره ويحكم بها. جواب ابن عقيل يجوز إذا لم يتعلق عليهما من ذلك تهمة ولم يوجب لهما بقبول شهادته ريبة لم تثبت بطريق التزكية. إذا سأل الحاكم الشهود عن مستند شهادتهم فقالوا أخبرنا جماعة أجاب؟ أبو

стр. 810

الخطاب: "تقبل شهادتهم في ذلك ويحكم فيه بشهادة الاستفاضة" وأجاب ابن عقيل "إن صرحا بالاستفاضة أو استفاض بين الناس قبل في الوفاة والنسب جميعا". من فتاوى أبي الخطاب وابن عقيل وابن الزاغوني: هل للذمي أن يصلى بإذن المسلم؟ أجاب أبو الخطاب لا يجوز له أذن المسلم أو لم يأذن لأنه حق لله تعالى لله تعالى، وأجاب ابن عقيل مثله. هل يصح أن توقف على المسجد ستور؟ أجاب أبو الخطاب يصح وقفها على المسجد ويبيعها وينفق أثمانها على عمارته ولا ستر حيطانه بخلاف الكعبة الشريفة فإنها خصت بذلك كما خصت بالطواف حولها، وأجاب ابن عقيل لا ينعقد هذا الوقف رأسا لأنه بدعة وهو على حكم الميراث. إذا وجد لقطه فخاف إذا عرفها أن ينتزعها منه ظالم؟ أجاب أبو الخطاب لا يكون معذورا في ترك التعريف ولا يملكها إلا بعد تعريفها، أجاب ابن عقيل التعريف يراد به حفظها على مالكها وهذا التعريف يفضي إلى تضييعها فيدعها أبدا في يده إلى أن يجد فسحة وأمنا فيعرفها حولا. إذا وجد في البرية شاة فذبحها؟ وجب عليه ضمانها إذا جاء مالكها وفي المصر يعرفها لأن الظاهر أنها خرجت من دار أهل المحلة بخلاف البرية هذا جواب أبي الخطاب، وجواب ابن عقيل لا يجوز له ذبحها أوان ذبحها ثم ولزمه ضمان قيمتها. إذا صادر السلطان إنسانا وعنده وديعة هل يضمن؟ أجاب أبو الخطاب عليه الإثم والضمان إذا فرط فيها فإن تحقق أنه يتأذى في نفسه كان عليه الضمان من غير إثم فإن استدعى السلطان المودع إذا لم يدله عليها وأخذت بغير اختياره فلا ضمان عليه، جواب ابن عقيل إذا غلب على ظنه أنه يأخذها منه بإقراره وكان ذلك دلالة عليها وعليه الضمان. إذا كان عنده وديعة فاعترض السلطان لها ظلما؟ أجاب أبو الخطاب إن حلف وورّى عنها وتأول كان مثابا مثل أن يحلف أنه لم يودعني في المسجد الحرام أو بموضع لم يسلكاه أو في زمان كرمضان ونحوه فإن لم يحلف وأخذها السلطان من حرزه لم يضمن فإن طلب منه أن يحلف بالطلاق فدفعها إليه أو دله على مكانها ضمن، وأجاب ابن عقيل لا يسقط الضمان بخوفه
следующие страницы →