← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

١٢٦- عبد الله بن هاشم بن عتبة، وعمرو بن العاص في مجلس معاوية: روى المسعود في مروج الذهب قال: "لما قتل علي كرم الله وجهه، كان في نفس معاوية من يوم صفين على هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال وولده عبد الله بن هاشم إحن؛ فلما استعمل معاوية زيادا على العراق، كتب إليه: "أما بعد: فانظر عبد الله بن هاشم بن عتبة، فشد يده إلى عنقه، ثم ابعث به إلي" فحمله زياد من البصرة مقيدًا مغلولا إلى دمشق، وقد كان زياد طرقه بالليل في منزله بالبصرة، فدخل إلى معاوية، وعنده عمرو بن العاص، فقال معاوية لعمرو بن العاص: هل تعرف هذا؟ قال: لا، قال: هذا الذي يقول أبوه يوم صفين١: إني شريت النفس لما اعتلا ... وأكثرَ اللوْم وما أقلا٢ أعورُ يبغي أهلَه مَحَلا ... قد عالج الحياة حتى ملا٣ لا بد أن يَفُلَّ أو يُفلا ... يتُلُّهُم بذي الكعوب تلا٤ لا خير عندي في كريم ولَّى

стр. 1017

فقال عمرو متمثلا: وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا١ "دونك يا أمير المؤمنين الضب الضب٢، فاشخب أوداجه٣ على أسباجه٤، ولا ترده إلى أهل العراق، فإنه لا يصبر على النفاق، وهم أهل غدر وشقاق، وحزب إبليس ليوم هيجانه، وإن له هوى سيوديه٥، ورأيا سيطغيه٦، وبطانة ستقويه، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ .

стр. 1018

فقال عبد الله: "يا عمرو إن أُقتل فرجل أسلمه١ قومه، وأدركه يومه، أفلا كان هذا منك إذ تحيد عن القتال، ونحن ندعوك إلى النزال، وأنت تلوذ بشمال النطاف٢، وعقائق الرصاف٣، كالأمة السوداء، والنعجة القوداء٤ لا تدفع يد لامس". فقال عمرو: "أما والله لقد وقعت في لهذم٥ شدقم للأقران ذي لبد، ولا أحسبك منفلتا من مخاليب أمير المؤمنين". فقال عبد الله: "أما والله يابن العاص، إنك لبطر في الرخاء، جبان عند اللقاء، غَشُومٌ٦ إذا وليت، هياب إذا لَقِيتَ، تهدر٧ كما يهدر العود المنكوس، المقيد بين مجرى الشول، لا يستعجل في المدة، ولا يرتجى في الشدة، أفلا كان هذا منك، إذا غمرك أقوام لم يعنفوا صغارًا، ولم يمزقوا كبارًا. لهم أيد شداد، وألسنة حداد،

стр. 1019

يدعمون العَوَج١، ويذهبون الحَرَج٢، يكثرون القليل، ويشفون الغليل، ويُعزُّون الذليل"؟ فقال عمرو: أما والله لقد رأيت أباك يومئذ تخفق٣ أحشاؤه، وتبق٤ أمعاؤه وتضطرب أصلاؤه٥، كأنما انطبق عليه ضمد٦". فقال عبد الله: "يا عمرو، إنا قد بلوناك ومقالتك، فوجدنا لسانك كذوبًا غادرًا، خلوت بأقوام لا يعرفونك، وجند لا يسأمونك، ولو رمت المنطق في غير أهل الشام، لجحظ٧ إليه عقلك، ولتلجلج لسانك، ولاضطرب فخذاك اضطراب القعود٨ الذي أثقله حمله". فقال معاوية: "إيها٩ عنكما، وأمر بإطلاق عبد الله، قال عمرو لمعاوية: أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم أليس أبوه "يا معاوية" الذي ... أعان عليا يوم حز الغلاصم١٠ فلم ينثني حتى جرت من دمائنا ... بصفين أمثال البحور الخضارم١١ وهذا ابنه، والمرء يشبه سنخه ... ويوشك أن تقرع به سن نادم١٢

стр. 1020

فقال عبد الله يجيبه: معاوي: إن المرء عمرا أبت له ... ضغينة صدر غشها غير نائم يرى لك قتلى "يابن هند" وإنما ... يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم على أنهم لا يقتلون أسيرهم ... إذا منعت منه عهود المسالم وقد كان منا يوم صفين نعرة ... عليك جناها هاشم وابن هاشم١ قضى ما انقضى منها، وليس الذي مضى ... ولا ما جرى إلا كأضغاث حالم٢ فإن تعف عني تعف عن ذي قرابة ... وإن تر قتلي تستحل محارمي٣ فقال معاوية: أرى العفو عن عُليا قريش وسيلة ... إلى الله في اليوم العصيب القماطر٤ ولست أرى قتل العداة ابن هاشم ... بإدراك ثأري في لؤي وعامر٥ بل العفو عنه بعد ما بان جرمه ... وزلت به إحدى الجدود العوائر فكان أبوه يوم صفين جمرة ... علينا فأردته رماح نهابِرِ٦

стр. 1021

١٢٧- عبد الله بن هاشم في مجلس معاوية: وحضر عبد الله بن هاشم ذات يوم مجلس معاوية، فقال معاوية: "من يخبرني عن الجود والنجدة والمروءة"؟ فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، أما الجود: فابتذال المال، والعطية قبل السؤال: وأما النجدة: فالجراءة على الإقدام، والصبر عند ازورار الأقدام١. وأما المروءة فالصلاح في الدين، والإصلاح للحال، والمحاماة عن الجار". "مروج الذهب ٢: ٥٧"

стр. 1022

قيس بن سعد بن عبادة ومعاوية: ودخل قيس بن سعد بن عبادة بعد وفاة علي ووقوع الصلح، في جماعة من الأنصار على معاوية، فقال لهم معاوية:

стр. 1023

١٢٨- مقال معاوية: "يا معشر الأنصار، بم تطلبون ما قبلي؟ فوالله لقد كنتم قليلا معي، كثيرًا مع علي، ولقد فللتم حدي يوم صفين، حتى رأيت المنايا تلظى١في أسنتكم، وهجوتموني في أسلافي بأشد من وقع الأسنة، حتى إذا أقام الله منا ما حاولتم ميله، قلتم ارع فينا وصية رسول الله٢ ﷺ ، هيهات يأبى الحقير الغدرة".

стр. 1024

١٢٩- رد قيس بن سعد: فقال قيس: "نطلب ما قِبَلك بالإسلام الكافي به الله، لا بما نمت به إليك من الأحزاب؛ وأما عداوتنا لك فلو شئت كففتها عنك، وأما هجاؤنا إياك فقول يزول باطله، ويثبت حقه، وأما استقامة الأمر فعلى كره كان منا، وأما فلُّنا حدك يوم صفين فإنا كنا مع رجل نرى طاعته لله طاعة، وأما وصية رسول الله ﷺ بنا، فمن آمن به رعاها بعده، وأما قولك يأبى الحقير الغدرة، فليس دون الله يد تحجزك منا يا معاوية. فقال معاوية يموِّه: "ارفعوا حوائجكم". "مروج الذهب ٢: ٦٣، والعقد الفريد ٢: ١٢١"

стр. 1025

١٣٠- معاوية وصعصعة بن صوحان وعبد الله بن الكواء: روى المسعودي في مروج الذهب قال: حبس معاوية صعصعة بن صوحان العبدي، وعبد الله بن الكواء اليشكري ورجالا من أصحاب علي، مع رجال من قريش، فدخل عليهم معاوية يومًا، فقال: "نشدتكم بالله إلا ما قلتم حقًّا وصدقا، أي الخلفاء رأيتموني"؟ فقال ابن الكواء: "لولا أنك عزمت علينا ما قلنا، لأنك جبار عنيد، لا تراقب الله في قتل الأخيار، ولكنا نقول: إنك -ما عَلمْنا- واسع الدنيا ضيق الآخرة١، قريب الثرى بعيد المرعى٢، تجعل الظلمات نورًا، والنور ظلمات" فقال معاوية: "إن الله أكرم هذا الأمر

стр. 1026

بأهل الشام، الذابين عن بيضته، التاركين لمحارمه، ولم يكونوا كأمثال أهل العراق، المنتهكين لمحارم الله، والمحلي ما حرم الله، والمحرمين ما أحل الله" فقال عبد الله بن الكواء: "يابن أبي سفيان، إن لكل كلام جوابا، ونحن نخاف جبروتك، فإن كنت تطلق ألسنتنا ذببنا عن أهل العراق، بألسنة حداد، لا يأخذها في الله لومة لائم، وإلا فإنا صابرون حتى يحكم الله ويضعنا على فَرَجه" قال: "والله لا يُطلق لك لسان". ثم تكلم صعصعة فقال: "تكلمت يابن أبي سفيان، فأبلغت، ولم تقصر عما أردت، وليس الأمر على ما ذكرت، أني يكون الخليفة من ملك الناس قهرا، ودانهم١ كبرا، واستولى بأسباب الباطل كذبا ومكرا؟ أما والله مالك في يوم بدر مضرب ولا مرمى٢، وما كنت فيه إلا كما قال القائل: "لا حُلِّي ولا سيرى"، ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير٣ ممن أجلب على رسول الله ﷺ وإنما أنت طليق ابن طليق٤، أطلقكما رسول الله ﷺ ، فأنى تصلح الخلافة لطليق؟ "، فقال معاوية: "لولا أني أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول:

стр. 1027

قابلت جهلهم حلمًا مغفرة ... والعفو عن قدرة ضرب من الكرم لقتلكم" "مروج الذهب ٢: ٧٨"

стр. 1028

١٣١- صعصعة بن صوحان ومعاوية: ودخل صعصعة بن صوحان على معاوية، فقال: "يابن صوحان، أنت ذو معرفة بالعرب وبحالها، فأخبرني عن أهل البصرة، وإياك والحمل على قوم لقوم" قال: "البصرة واسطة١ العرب، ومنتهى الشرف والسؤدد، وهم أهل الخطط٢ في أول الدهر وآخره، وقد دارت بهم سروات٣ العرب كدوران الرحى على قطبها"، قال: فأخبرني عن أهل الكوفة، قال: "قبة الإسلام، وذروة الكلام، ومصان ذوي الأعلام -إلا أن بها أجلافًا٤ تمنع ذوي الأمر الطاعة، وتخرجهم عن الجماعة- وتلك أخلاق ذوي الهيئة والقناعة". قال: فأخبرني عن أهل الحجاز، قال: "أسرع الناس إلى فتنة، وأضعفهم عنها، وأقلهم غناء٥ فيها، غير أن لهم ثباتًا في الدين، وتمسكًا بعروة اليقين، يتبعون الأئمة الأبرار، ويخلعون الفسقة الفجار" فقال معاوية: من البررة والفسقة؟ فقال: "يابن أبي سفيان، ترك الخداع، من كشف القناع، علي وأصحابه من الأئمة الأبرار، وأنت وأصحابك من أولئك" ثم أحب معاوية أن يمضي صعصعة في كلامه، بعد أن بان فيه الغضب، فقال: أخبرني عن القبة الحمراء في ديار مضر٦، قال:

стр. 1029

"أسد مضر بسلاء بين غيلين١، إذا أرسلتها افترست، وإذا تركتها احترست". فقال معاوية: "هنالك يابن صوحان، العز الراسي، فهل في قومك مثل هذا"؟ قال: هذا لأهله دونك يابن أبي سفيان، ومن أحب قومًا حشر معهم" قال: فأخبرني عن ديار ربيعة، ولا يستخفنك الجهل، وسابقة الحمية بالتعصب لقومك٢، قال: "والله ما أنا عنهم براض، ولكني أقول فيهم وعليهم، هم والله أعلام الليل، وأذناب في الدين والميل، لن تغلب رايتها إذا رشحت، خوارج الدين، برازخ اليقين، من نصروه فلج٣، ومن خذلوه زلج٤". قال: فأخبرني عن مضر، قال: "كنانة٥ العرب، ومعدن العز والحسب، يقذف البحر بها آذيَّه٦، والبر رديه" ثم أمسك معاوية، فقال له صعصعة: سل يا معاوية، وإلا أخبرتك بما تحيد عنه، قال: وما ذاك يابن صوحان؟ قال: "أهل الشام" قال: "فأخبرني عنهم"، قال: "أطوع الناس لمخلوق، وأعصاهم للخالق، عصاة الجبار، وخلفة٧ الأشرار، فعليهم الدمار، ولهم سوء الدار". فقال معاوية: "والله

стр. 1030

يابن صوحان، إنك لحامل مُدْيَتك منذ أزمان١" إلا أن حلم ابن أبي سفيان يرد عنك. فقال صعصعة: "بل أمر الله وقدرته، إن أمر الله كان قَدَرًا مَقْدُورًا". "مروج الذهب ٢: ٧٨".

стр. 1031

١٣٢- صعصعة بن صوحان وعبد الله بن عباس: وروى المسعودي في مروج الذهب أيضًا، قال: "عن مصقلة بن هبيرة الشيباني قال: سمعت صعصعة وقد سأله ابن عباس: ما السؤدد١ فيكم؟ فقال: إطعام الطعام، ولين الكلام، وبذل النوال، وكف المرء نفسه عن السؤال، والتودد للصغير والكبير، وأن يكون الناس عندك شرعا٢" قال: فما المروءة؟ قال: "أخوان اجتمعا، فإن لقيا قَهَرا، "وإن كان"٣ حارسهما قليل، وصاحبهما جليل، محتاجان٤ إلى صيانة، مع نزاهة وديانة" قال: فهل تحفظ في ذلك شعرًا؟ قال: نعم، أما سمعت قول مرة بن ذهل بن شيبان حيث يقول: إن السيادة والمروءة علقا ... حيث السماء من السماك الأعزل٥ وإذا تقابل مجريان لغابة ... عثر الهجين وأسلمته الأرجل٦ ويجي الصريح مع العتاق معودا ... قرب الجياد فلم يجئه الأفكل٧

стр. 1032

في أبيات. فقال له ابن عباس: لو أن رجلا ضرب آباط١ إبله، مشرقًا ومغربًا لفائدة هذه الأبيات ما عنفته، إنا منك يابن صوحان لعلى علم وحلم واستنباط ما قد عفا٢ من أخبار العرب، فمن الحليم فيكم؟ قال: "من ملك غضبه فلم يفعل، وسُعِيَ إليه بحق أو باطل فلم يقبل، ووجد قاتل أبيه وأخيه، فصفح ولم يقتل، ذلك الحليم يابن عباس". قال: فهل تجد ذلك فيكم كثيرا؟ قال: "ولا قليلا، وإنما وصفت لك أقوامًا لا تجدهم إلا خاشعين راهبين، لله مريدين، ينيلون ولا ينالون، فأما الآخرون فإنهم سبق جهلهم حلمَهم، ولا يبالي أحدهم "إذا ظفر ببغيته" حين الحفيظة٣ من كان، بعد أن يدرك زعمه، ويقضي بغيته، ولو وتره أبوه لقتل أباه، أو أخوه لقتل أخاه، أما سمعت إلى قول ريان بن عمر بن ريان، وذلك أن عمرا أباه قتله مالك بن كومة، فأقام ريان زمانا ثم غزا مالكا، فأتاه في مائتي فارس صباحا، وهو في أربعين بيتا، فقتله وقتل أصحابه وقتل عمه فيمن قتل -ويقال بل كان أخاه- وذلك أنه كان جاوره، فقيل لريان في ذلك: قتلت صاحبنا، فقال: فلو أمي ثقفتُ بحيث كانوا ... لبل ثيابها علقٌ صبيب٤ ولو كانت أمية أخت عمرو ... بهذا الماء ظل لها نحيب شهرت السيف في الأدنين مني ... ولم تعطف أواصرنا قلوب٥ فقال ابن عباس: فمن الفارس فيكم؟ حُدَّ لي حدًّا أسمعه منك، فإنك تضع الأشياء مواضعها يابن صوحان، قال: "الفارس من قصر أجله في نفسه، وضغم٦ على أمله بضرسه، وكانت الحرب أهون عليه من أمسه، ذلك الفارس إذا وقدت٧ الحروب،

стр. 1033

واشتدت بالأنفس الكروب، وتداعوا للنزال، وتزاحفوا للقتال، وتخالسوا المهج١، واقتحموا بالسيوف اللجج"، قال: أحسنت والله يابن صوحان، إنك لسليل أقوام كرام، خطباء فصحاء، ما ورثت هذا عن كلالة٢، زدني، قال: "نعم، الفارس كثير الحذر، مدير النظر، يلتفت بقلبه، ولا يدير خرزات صلبه٣". قال: أحسنت والله يابن صوحان الوصف، فهل في مثل هذه الصفة من شعر؟ قال: نعم، لزهير بن جناب الكلبي٤ يرثى ابنه عمرًا حيث يقول: فارس تُكلا الصحابة منه ... بحسام يمرُّ مرَّ الحريق٥ لا تراه لدى الوغى في مجال ... يغفل الصرب لا، ولا في مضيق من يراه يخله في الحرب يوما ... أنه أخرق مضل الطريق٦ في أبيات، فقال له ابن عباس: فأين أخواك منك يابن صوحان؟ صفهما لأعرف ورثكم، قال: أما زيد، فكما قال أخو غنيّ٧:

стр. 1034

فتى لا يبالي أن يكون بوجهه ... "إذا نال خلات الكرام" شحوب١ إذا ما تراءاه الرجال تحفظوا ... فلم ينطقوا العوراء وهو قريب٢ حليف الندى، يدعو الندى فيجيبه ... قريبًا، ويدعوه الندى فيجيب٣ يبيت الندى "يا أم عمرو" ضجيعه ... إذا لم يكن في المنقيات حلوب٤ كأن بيوت الحي "ما لم يكن بها" ... بسابس ما يلفى بهن غريب٥ في أبيات، كان والله يابن عباس، عظيم المروة٦، شريف الأخوة، جليل الخطر، بعيد الأثر، كميش٧ العروة، أليف الندوة٨، سليم جوانح الصدر، قليل وساوس الدهر، ذاكرًا لله طرفي النهار وزلفًا٩ من الليل، الجوع والشبع عنده سيان، لا ينافس في الدنيا، وأقل أصحابه من ينافس فيها، يطيل السكوت، ويحفظ الكلام، وإن نطق نطق بعقام١٠ يهرب منه الدعار١١ الأشرار، ويألفه الأحرار الأخيار". قال ابن عباس: "ما ظنك برجل من أهل الجنة، رحم الله زيدًا، فأين كان عبد الله منه؟ "، قال: كان عبد الله سيدًا شجاعًا، مُؤلفًا١٢ مطاعًا، خيره وَسَاعٌ١٣، وشرُّه

стр. 1035

دفاع، قَلْبِيّ النحيزة١، أحوذيّ٢ الغريزة، لا ينهنهه٣ منهنه عما أراده، ولا يركب من الأمر إلا عتاده٤، سِمام عِدًا٥، وباذِلُ قرى٦، صعب المقادَة، جزل الرفادة٧، أخو إخوان، وفتى فتيان، وهو كما قال البرجمي عامر بن سنان: سِمام عدًا بالنبل يقتل من رمى ... وبالسيف والرمح الردينيّ يشعب٨ مهيب مفيد للنوال معود ... بفعل الندى والمكرمات مجرب في أبيات، فقال له ابن عباس: أنت يابن صوحان باقر٩ علم العرب". "مروج الذهب ٢: ٨٠"

стр. 1036

١٣٣- صعصعة بن صوحان ورجل من بني فزارة: ووقف رجل من بني فزارة على صعصعة، فأسمعه كلامًا "منه": "بسطت لسانك يابن صوحان على الناس فتهيبوك، أما لئن شئت لأكونن لك لصاقًا١، فلا تنطق إلا جددت٢ لسانك بأذرب٣ من ظبة السيف، بعضب قوي، ولسان علي، ثم لا يكون لك في ذلك حل ولا ترحال" فقال صعصعة: "لو أجد

стр. 1037

غرضًا١ منك لرميت، بل أرى شبحًا، ولا إخال مثالا إلا كسراب٢ بقيعة، يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، أما لو كنت كفئًا لرميت حصائلك٣ بأذرب من ذلق٤ السنان، ولرشقتك بنبال، تردعك عن النضال، ولخطمتك بخطام٥، يخزم منك موضع الزمام٦". فاتصل الكلام بابن عباس، فاستضحك٧ من الفزاري، وقال: "أما لو كلف أخو فزارة نفسه نقل الصخور من جبل شمام ٨ إلى الهضاب، لكان أهون عليه من منازعة أخي عبد القيس، خاب أبوه، ما أجهله! يستجهل أخا عبد القيس وقواه المريرة٩! ثم تمثل: صبت عليه ولم تنصب من أمم ... إن الشقاء على الأشقيْنَ مصبوب١٠ "مروج الذهب ٢: ٨٢"

стр. 1038

١٣٤- رجل من آل صوحان يجي به ١ عبد الملك بن مروان وهو يخطب: وخطب عبد الملك بن مروان، فلما بلغ الغلظة٢، قام إليه رجل من آل صوحان، فقال: "مهلا مهلا يا بني مروان، تأمرون ولا تأتمرون، وتَنْهَوْنَ ولا تُنْهَوْن، وتعظون ولا تتعظون

стр. 1039

ولا تتعظون، أفنقتدي بسيرتكم في أنفسكم، أم نطيع أمركم بألسنتكم؟ فإن قلتم: اقتدوا بسيرتنا، فأنى وكيف؟ وما الحجة؟ وما المصير من الله؟ أنقتدي بسيرة الظلمة الفسقة، الجورة الخونة، الذين اتخذوا مال الله دولا١، وعبيده خولا٢؟ وإن قلتم: اسمعوا نصيحتنا، وأطيعوا أمرنا، فكيف ينصح لغيره من يغش نفسه؟ أم كيف تجب الطاعة لمن لم تثبت عند الله عدالته؟ وإن قلتم خذوا الحكمة من حيث وجدتموها، واقبلوا العظة ممن سمعتموها. فعلام وليناكم أمرنا، وحكمناكم في دمائنا وأموالنا؟ أما علمتم أن فينا من هو أنطق منكم باللغات، وأفصح بالعظات؟ فتخلوا عنها٣، وأطلقوا عقالها، وخلوا سبيلها، ينتدب٤ إليها آل رسول الله ﷺ ، الذين شردتموهم في البلاد، ومزقتموهم في كل وادٍ، بل تثبت في أيديكم لانقضاء المدة، وبلوغ المهلة، وعظم المحنة، إن لكل قائم قدرا لا يعدوه، ويوما لا يخطوه، وكتابا بعده يتلوه: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ تم الْتُمِسَ الرجلُ فلم يوجد "نهاية الأرب ٧: ٢٤٩".

стр. 1040

١٣٥- وصف عقيل بن أبي طالب لآل صوحان: قال معاوية لعقيل بن أبي طالب: "مَيِّزْ لي أصحاب علي وابدأ بآل صوحان، فإنهم مخاريق الكلام١"، قال:

стр. 1041

"أما صعصعة فعظيم الشان، عضب اللسان١، قائد فرسان، قاتل أقران، يَرتُق٢ ما فُتِقَ، ويفْتُق ما رُتِقَ، قليل النظير. وأما زيد وعبد الله فإنما نهران جاريان، يصب فيهما الخلجان٣، ويغاث بهما البلدان، رجلا جد لا لعب معه، وأما بنو صوحان فكما قال الشاعر: إذا نزل العدو فإن عندي ... أسودًا تخْلِسُ الأُسْدَ النفوسا٤ "مروج الذهب ٢: ٧٥"

стр. 1042

١٣٦- وصية محمد الباقر ١ لعمر بن عبد العزيز: دخل أبو جعفر محمد الباقر بن علي زين العابدين، بن الحسين ﵈، على عمر بن عبد العزيز ﵁ فقال: يا أبا جعفر أوصني، قال: "أوصيك أن تتخذ صغير المسلمين ولدًا، وأوسطهم أخًا، وكبيرهم أبًا، فارحم ولدك، وصل أخاك، وبر أباك، وإذا صنعت معروفًا فَرَبِّهِ٢". "الأمالي ٢: ٣١٢"

стр. 1043

خطب الزبيريين وما يتصل بها عبد الله بن الزبير ومعاوية ... خطب الزبيريين وما يتصل بها ١ خطب عبد الله بن الزبير "قتل سنة ٧٣هـ": عبد الله بن الزبير ومعاوية: دخل الحسين بن علي ﵁ يومًا على معاوية، ومعه مولى له يقال له: ذكوان وعند معاوية جماعة من قريش، فيهم ابن الزبير، فرحب معاوية بالحسين، وأجلسه على سريره وقال: ترى هذا القاعد؟ "يعني ابن الزبير" فإنه ليدركه الحسد لبني عبد مناف٢ فقال ابن الزبير لمعاوية: قد عرفنا فضل الحسين وقرابته من رسول الله ﷺ ، لكن إن شئت أعلمتك فضل الزبير على أبيك أبي سفيان فعلت، فتكلم ذكوان مولى الحسين بن علي، فقال:

стр. 1044

١٣٧- مقال ذكوان: "يابن الزبير: إن مولاي ما يمنعه من الكلام إلا أن يكون طلق اللسان، رابط الجنان، فإن نطق نطق بعلم، وإن صمت صمت بحلم، غير أنه كف الكلام، وسبق إلى السنام، فأقرت بفضله الكرام، وأنا الذي أقول: فيم الكلام لسابق في غاية ... والناس بين مقصر ومبلد١ إن الذي يجري لِيُدْرِكَ شأوَه ... يُنْمَى لغير مسود ومسدد٢ بل كيف يدرك نور بدرٍ ساطع ... خير الأنام وفرع آل محمد فقال معاوية: صدق قولك يا ذكوان، أكثر الله في موالي الكرام مثلك، فقال ابن الزبير: إن أبا عبد الله٣ سكت وتكلم مولاه، ولو تكلم لأجبناه، أو لكففنا عن جوابه إجلالا له. ولا جواب لهذا العبد. قال ذكوان: هذا العبد خير منك، قال رسول الله ﷺ : "مولى القوم منهم"، فأنا مولى رسول الله ﷺ ، وأنت ابن العوام بن خويلد، فنحن أكرم ولاء، وأحسن فعلا. قال ابن الزبير: إني لست أجيب هذا، فهات ما عندك

стр. 1045

١٣٨- مقال معاوية: فقال معاوية: "قاتلك الله يابن الزبير! ما أعياك١ وأبغاك! أتفخر بين يدي أمير المؤمنين، وأبي عبد الله! إنك أنت المتعدي لطورك، الذي لا تعرف قدرك، فقس شبرك بفترك٢

стр. 1046

ثم تَعَرَّفْ كيف تقع بين عرانين١ بني عبد مناف، أما والله لئن دفعت في بحور بني هاشم وبني عبد شمس، لتقطعنك بأمواجها، ثم لتوهين٢ بك في أجاجها، فما بقاؤك في البحور إذا غمرتك، وفي الأمواج إذا بهرتك٣؟ هناك تعرف نفسك، وتندم على ما كان من جرأتك، وتُمَسِّى٤ ما أصبحت إليه من أمان، وقد حيل بين العير والنزوان٥"، فأطرق ابن الزبير مليا، ثم رفع رأسه، فالتفت إلى من حوله، ثم قال:

стр. 1047

وأمه هند آكلة الأكباد؟ وجدي الصديق، وجده المشدوخ١ ببدر، ورأس الكفر، وعمتي خديجة ذات الخَطَر٢ والحسب، وعمته أم جميل حمالة الحطب؟ وجدتي صفية٣ وجدته حمامة٤؟ وزوج عمتي خير ولد آدم محمد ﷺ ، وزوج عمته شر ولد آدم أبو لهب، سيصلى نارًا ذات لهب؟ وخالتي عائشة أم المؤمنين، وخالته أشقى الأشقين؟ وأنا عبد الله، وهو معاوية".

стр. 1048

مقال آخر لمعاوية ... ١٤٠- مقال معاوية: فقال له معاوية: "ويحك يابن الزبير! كيف تصف نفسك بما وصفتها، والله ما لك في القديم من رياسة، ولا في الحديث من سياسة، ولقد قدناك وسُدناك قديمًا وحديثًا، لا تستطيع لذلك إنكارًا، ولا عنه فرارًا، وإن هؤلاء الحضور ليعلمون أن قريشًا قد اجتمعت يوم الفجار١ على رياسة حرب بن أمية، وأن أباك وأسرتك تحت رايته، راضون بإمارته، غير منكرين لفضله، ولا طامعين في عزله، إن أمر أطاعوا، وإن قال أنصَتُوا، فأنزل فينا القيادة، وعز الولاية، حتى بعث الله محمدًا ﷺ ،

стр. 1049

فانتخبه من خير خلقه، من أسرتي لا أسرتك، وبني أبي لا بني أبيك، فجحدته قريش أشد الجحود، وأنكرته أشد الإنكار، وجاهدته أشد الجهاد، إلا من عصم الله من قريش، فما ساد قريشًا وقادهم إلا أبو سفيان بن حرب، فكانت الفئتان تلتقيان، ورئيس الهدى منا، ورئيس الضلالة منا، فمهديكم تحت راية مهدينا، وضالكم تحت راية ضالنا، فنحن الأرباب، وأنتم الأذناب، حتى خلص الله أبا سفيان بن حرب بفضله من عظيم شركه، وعصمه بالإسلام، من عبادة الأصنام، فكان في الجاهلية عظيمًا شأنه، وفي الإسلام معروفًا مكانه، ولقد أُعْطِي يوم الفتح ما لم يُعطَ أحد من آبائك، وإن منادي رسول الله ﷺ نادى: من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وكانت داره حرمًا، لا دارك ولا دار أبيك؛ وأما هند فكانت امرأة من قريش، في الجاهلية عظيمة الخطر، وفي الإسلام كريمة الخبر، وأما جدك الصديق؛ فبتصديق عبد مناف سمي صديقًا، لا بتصديق عبد العزى، وأما ما ذكرت من جدي المشدوخ ببدر، فلعمري لقد دعا إلى البراز هو وأخوه وابنه، فلو برزت إليه أنت وأبوك ما بارزوكم، ولا رأوكم لها أكفاء، كما قد طلب ذلك غيركم، فلم يقبلوهم، حتى برز إليهم أكفاؤهم من بني أبيهم، فقضى الله مناياهم بأيديهم، فنحن قُتِلنا، ونحن قَتَلنا، وما أنت وذاك؟ وأما عمتك أم المؤمنين فبنا شرفت، وسميت أم المؤمنين، وخالتك عائشة مثل ذلك، وأما صفية فهي أدنتك من الظل، ولولا هي لكنت ضاحيًا١، وأما ما ذكرت من ابن عمك وخال أبيك٢ سيد الشهداء، فكذلك كانوا ﵏، وفخرهم وإرثهم لي دونك، ولا فخر لك فيهم ولا إرث بينك وبينهم.

стр. 1050

وأما قولك أنا عبد الله وهو معاوية، فقد علمت قريش أيُّنا أجود في الإزم١، وأحزم في القدم، وأمنع للحرم، لا والله ما أراك منتهيا حتى تروم من بني عبد مناف ما رام أبوك، فقد طالعهم الذحول٢، وقدم إليهم الخيول، وخدعتم أم المؤمنين، ولم تراقبوا رسول الله ﷺ ، إذ مددتم على نسائكم السجوف٣، وأبرزتم زوجته للحتوف، ومقارعة السيوف، فلما التقى الجمعان نكص أبوك هاربًا، فلم ينجه ذلك أن طحنه أبو الحسين بكلكله طحن الحصيد٤، بأيدي العبيد، وأما أنت فأفلتَّ بعد أن خمشتك٥ براثينه، ونالتك مخاليبه، وايم الله ليقوِّمَنَّكَ بنو عبد مناف بثقافها٦ أو لتصبحنّ منها صباح أبيك بوادي السباع٧، وما كان أبو المدهن حده٨، ولكنه كما قال الشاعر: تناول سرحانٌ فريسةَ ضيغمٍ ... فقضقضه بالكفّ منه وحطما٩ "العقد الفريد ٢: ١١٣"

стр. 1051

١٤١- عبد الله بن الزبير ومعاوية أيضًا: دخل عبد الله بن الزبير على معاوية فقال: "يا أمير المؤمنين، لا تدعن مروان يرمي جماهير قريش بمشاقصه١، ويضرب صفاتهم بمعوله، أما والله لولا مكانك، لكان أخف على رقابنا من فراشة، وأقل

стр. 1052

في أنفسنا من خشاشة١، وايم الله لئن ملك أعنة خيل تنقاد له، لتركبن منه طبقًا٢ تخافه". فقال معاوية: "إن يطلب مروان هذا الأمر، فقد طمع فيه من هو دونه، وإن يتركه يتركه لمن فوقه، وما أراكم بمنتهين حتى يبعث الله عليكم من لا يعطف عليكم بقرابة، ولا يذكركم عند ملمة، يسومكم خسفًا٣، ويسوقكم عشفًا٤" فقال ابن الزبير: "إذن والله يطلق عقال الحرب بكتائب تمور٥ كرجل الجراد، حافاتها الأسل، لها دوي كدوي الريح، تتبع غطريفًا٦ من قريش، لم تكن أمه راعية ثلة٧". فقال معاوية: "أنا ابن هند، أطلقت عقال الحرب، فأكلت ذروة السنام، وشربت عنفوان المكرع٨، وليس للآكل بعدي إلا الفلذة٩، ولا للشارب إلا الرنق١٠". فسكت ابن الزبير. "شرح ابن أبي الحديد م٤: ص٤٩٣، والعقد الفريد ٢: ١١٥، والبيان والتبيين ٢: ٤٤"

стр. 1053

١٤٢- عبد الله بن الزبير ومعاوية وعمرو بن العاص: قدم عبد الله بن الزبير على معاوية وافدًا، فرحب به وأدناه، حتى أجلسه على سريره، ثم قال: ما حاجتك أبا خبيب١؟ فسأله أشياء، ثم قال له: سل غير ما سألت، قال: "نعم، المهاجرون والأنصار ترد عليهم فيئهم، وتحفظ وصية نبي الله فيهم، تقبل

стр. 1054

من محسنهم، وتتجاوز عن مسيئهم" فقال معاوية: "هيهات، هيهات؟ لا والله ما تأمن النعجة الذئب وقد أكل ألْيَتَها١". فقال ابن الزبير: "مهلا يا معاوية، فإن الشاة لتدر٢ للحالب، وإن المدية في يده، وإن الرجل الأريب ليصانع ولده الذي خرج من صلبه، وما تدور الرحاء إلا بقطبها٣، ولا تصلح القوس إلا بعجبها٤" فقال: "يا أبا خبيب، لقد أجررت الطروقة قبل هباب الفحل٥، هيهات! وهي لا تصطك لحيائها اصطكاك القروم السوامي٦". فقال ابن الزبير: "العطن بعد العل، والعل بعد النهل٧ ولا بد للرحاء من الثفال٨ ثم نهض ابن الزبير"، فلما كان العشاء أخذت قريش مجالسها، وخرج معاوية على بني أمية، فوجد عمرو بن العاص فيهم، فقال: ويحكم يا بني أمية! أفيكم من يكفيني ابن الزبير؟ فقال عمرو: أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين قال: ما أظنك تفعل، قال: "بلى، والله لأربدن٩ وجهه، ولأخرسن لسانه، ولأردنه ألين من خميلة١٠". فقال: دونك، فاعرض له إذا دخل، فدخل ابن الزبير -وكان قد بلغه كلام معاوية وعمرو- فجلس نصب عيني عمرو، فتحدثوا ساعة، ثم قال عمرو: وإني لنار ما يطاق اصطلاؤها ... لديَّ كلام معضل متفاقم١١ فأطرق ابن الزبير ساعة ينكث في الأرض، ثم رفع رأسه وقال:

стр. 1055

وإني لبحر ما يسامَى عبابُه ... متى يلقَ بحري حرّ نارك تخمد فقال عمرو: والله يابن الزبير إنك ما علمتُ لمتجلبب جلابيب الفتنة، متأزر بوصائل١ التيه، تتعاطى الذّرى الشاهقة، والمعالي الباسقة، وما أنت من قريش في لباب جوهرها ولا مؤنق٢ حسبها". فقال ابن الزبير: "أما ما ذكرت من تعاطي الذرى؛ فإنه طال بي إليها وسما ما لا يطول بك مثله، أنف حمي، وقلب ذكي، وصارم مشرفي، في تلبيد فارع٣، وطريف مانع، إذ قدع بك انتفاخ سحرك٤، ووجيب٥ قلبك، وأما ما ذكرت من أني لست من قريش في لباب جوهرها، ومؤنق حسبها، فقد حضرتني وإياك الأكفاء، العالمون بي وبك، فاجعلهم بيني وبينك، فقال القوم: قد أنصفك يا عمرو. قال: قد فعلت، فقال ابن الزبير: "أما إذ أمكنني الله منك فلأربدن وجهك، ولأخرسن لسانك، ولترجعن في هذه الليلة، وكأن الذي بين منكبيك مشدود إلى عروق أخدعيك٦، ثم قال: أقسمت عليكم يا معاشر قريش، أنا أفضل في دين الإسلام أم عمرو؟ فقالوا: اللهم أنت، قال: فأبي أفضل أم أبوه؟ قالوا: أبوك حواري رسول الله ﷺ وآله وابن عمته، قال: فأمي أفضل أم أمه؟ قالوا: أمك أسماء بنت أبي بكر الصديق، وذات النطاقين، قال: فعمتي أفضل أم عمته؟ قالوا: عمتك سلمى بنت العوام صاحبة رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل من عمته، قال: فخالتي أفضل أم خالته؟ قالوا: خالتك عائشة أم المؤمنين، قال: فجدتي أفضل أم جدته؟ قالوا: جدتك صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فجدي أفضل أم جده؟ قالوا: جدك أبو بكر الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: قضت الغطارف من قريش بيننا ... فاصبر لفضل خصامها وقضائها
следующие страницы →