← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وأن عمتي خديجة سيدة نساء العالمين؟ وأن صفية عمة رسول الله ﷺ جدتي١؟ وأن عائشة أم المؤمنين خالتي، فهل تستطيع لهذا إنكارًا؟ قال ابن عباس: لا، ولقد ذكرت شرفا شريفا، وفخرا فاخرا، غير أنك تفاخر من بفخره فخرت، وبفضله سموت، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنك لم تذكر فخرا إلا برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وأنا أولى بالفخر به منك. قال ابن الزبير: لو شئت لفخرت عليك بما كان قبل النبوة. قال ابن عباس: قد أنصف القارة من راماها٣، نشدتكم الله أيها الحاضرون، أعبد المطلب أشرف أم خويلد في قريش؟ قالوا: عبد المطلب. قال: أفهاشم كان أشرف فيها أم أسد؟ قالوا: بل هاشم. قال: أفعبد مناف أشرف أم عبد العزى؟ قالوا: عبد مناف، فقال ابن عباس: تنافرني يابن الزبير! وقد قضى ... عليك رسول الله لا قولَ هازلٍ

стр. 982

ولو غيرنا يابن الزبير فخرته ... ولكنما ساميت شمس الأصائل١ قضى لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بالفضل في قوله: "ما افترقت فرقتان إلا كنت في خيرهما" فقد فارقناك من بعد قصي٢ بن كلاب، أفنحن في فرقة الخير أم لا؟ إن قلت: نعم، خصمت، وإن قلت: لا، كفرت، فضحك بعض القوم، فقال ابن الزبير: أما والله لولا تحرمك٣ بطعامنا يابن عباس لأعرقت٤ جبينك قبل أن تقوم من مجلسك. قال ابن عباس: وَلِمَ أَبِباطِلٍ؟ فالباطلُ لا يغلبُ الحقَّ، أم بحقٍّ؟ فالحقُّ لا يخشى من الباطل. فقالت المرأة من وراء الستر: إني والله لقد نهيته عن هذا المجلس، فأبى إلا ما ترون، فقال ابن عباس: مه أيتها المرأة، اقنعي ببعلك، فما أَعْظَمَ الخَطَرَ، وما أكرم الخبر، فأخذ القوم بيد ابن عباس وكان قد عمي، فقالوا: انهض أيها الرجل فقد أفحمته غير مرة، فنهض وقال: ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا لغفا وناما٥ فقال ابن الزبير: يا صاحب القطا أقبل علي، فما كنت لتدعني حتى أقول: وايم الله لقد عرف الأقوام أني سابق غير مسبوق، وابن حواري وصديق، متبجح٦ في الشرف الأنيق، خير من طليق٧ وابن طليق، فقال ابن عباس: رسغت

стр. 983

بِجُرَّتِك١ فلم تبق شيئًا، هذا الكلام مردود، من امرئ حسود، فإن كنت سابقًا فإلى من سبقت؟ وإن كنت فاخرًا فبمن فخرت، وإن كنت أدركت هذا الفخر بأسرتك دون أسرتنا، فالفخر لك علينا. وإن كنت إنما أدركته بأسرتنا فالفخر لنا عليك، والكثكث٢ في فمك ويديك وأما ما ذكرت من الطليق، فوالله لقد ابتُليَ فَصَبَرَ، وأُنْعِمَ عليه فشكر، وإن كان والله لَوَفِيًّا كَرِيمًا، غير ناقض بيعةٍ بعد توكيدها، ولا مُسْلِمٍ كتيبة بعد التأمُّرِ عليها٣، فقال ابن الزبير: أَتُعَيِّرُ الزبير بالجبن؟ والله إنك لتعلمُ منه خلافَ ذلك، قال ابن عباس: والله إني لا أعلم إلا أنه فرَّ وما كرَّ، وحارب فما صَبَرَ وبايع فما تمم، وقطع الرحم، وأنكر الفضل، ورام ما ليس له بأهل٤: وأدرك منها بعض ما كان يرتجى ... وقصر عن جري الكرام وبلدا وما كان إلا كالهجين أمامه ... عتاق، فجاراه العتاق فأجهدا٥ فقال ابن الزبير: لم يبق يا بني هاشم غير المشاتمة والمضاربة، فقال عبد الله بن الحصين

стр. 984

ابن الحارث: أقمناه عنك يابن الزبير، وتأبى إلا منازعته؟ والله لو نازعته من ساعتك إلى انقضاء عمرك، ما كنت إلا كالسَّغِب١ الظمآن، يفتح فاه يستزيد من الريح، فلا يشبع من سغب٢، ولا يروى من عطش، فقل إن شئت أو فدع، وانصرف القوم. "شرح ابن أبي الحديد م٢: ٥٠١"

стр. 985

ابن عباس وابن الزبير في مجلس مروان بن الحكم مدخل ... ابن عباس وابن الزبير في مجلس مروان بن الحكم: وكان يوضع إلى جانب سرير مروان بن الحكم -وهو يومئذ أمير المدينة- سرير آخر أصغر من سريره، فيجلس عليه عبد الله بن عباس إذا دخل، وتوضع الوسائد فيما سوى ذلك، فأذن مروان يومًا للناس، وإذا سرير آخر قد أحدث تجاه١ سرير مروان، فأقبل ابن عباس فجلس على سريره، وجاء عبد الله بن الزبير، فجلس على السرير المحدث، وسكت مروان والقوم، فإذا يد ابن الزبير تتحرك، فعلم أنه يريد أن ينطق، ثم نطق فقال:

стр. 986

١١٤- مقال ابن الزبير: "إنا ناسا يزعمون أن بيعة أبي بكر كانت غلطًا وفلتة ومغالبة، ألا إن شأن أبي بكر أعظم من أن يقال فيه هذا! ويزعمون أنه لولا ما وقع لكان الأمر لهم وفيهم، والله ما كان من أصحاب محمد ﷺ أحد أثبت إيمانا، ولا أعظم سابقة من أبي بكر، فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله، فأين هم حين عقد أبو بكر لعمر فلم يكن إلا ما قال، ثم ألقى عمر حظهم في حظوظ، وجدهم في جدود، فقسمت تلك الحظوظ،

стр. 987

فأخر الله سهمهم، وأدحض جَدّهم، وولى الأمر عليهم من كان أحق به١ منهم، فخرجوا عليه خروج اللصوص على التاجر خارجًا من القرية، فأصابوا منه غِرة٢ فقتلوه، ثم قتلهم الله به كل قِتلة، وصاروا مطرودين تحت بطون الكواكب".

стр. 988

١١٥- مقال ابن عباس: فقال ابن عباس: "على رسلك١أيها القائل في أبي بكر وعمر والخلافة، أما والله ما نالا ولا نال أحد منهما شيئًا، إلا وصاحبنا خيرٌ ممن نالا، وما أنكرنا تقدم من تقدم لعيب عبناه عليه، ولو تقدم صاحبنا لكان أهلا وفوق الأهل، ولولا أنك إنما تذكر حظ غيرك، وشرف امرئ سواك لكلمتك، ولكن ما أنت وما لا حظ لك فيه؟ اقتصر على حظك، ودع تيمًا لتيم، وعديًّا لعدي٢ وأمية لأمية، ولو كلمني تيمي أو عدوي أو أموي، لكلمته وأخبرته خبر حاضر عن حاضر، لا خبر غائب عن غائب، ولكن ما أنت وما ليس عليك، فإن يكن في أسد بن عبد العزى شيء فهو لك، أما والله لنحن أقرب بك عهدًا، وأبيض بك يدا، وأوفر عندك نعمة، ممن أمسيت تظن أنك تصول به علينا، وما أخلق ثوب صفية بعد، والله المستعان على ما تصفون". "شرح ابن أبي الحديد م٤: ٤٩٠".

стр. 989

١١٦- خطبة عبد الله بن عباس يرد على عبد الله بن الزبير وقد عاب بني هاشم: لما كاشف عبد الله بن الزبير بني هاشم، وأظهر بغضهم وعابهم، وهم بما هم به في أمرهم، ولم يذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ في خطبه، لا يوم الجمعة ولا غيرها،

стр. 990

عاتبه على ذلك قوم من خاصته، وتشاءموا بذلك منه، وخافوا عاقبته، فقال: "والله ما تركت ذلك علانية إلا وأنا أقوله سرًّا وأكثر منه، لكني رأيت بني هاشم إذا سمعوا ذكره، اشرأبوا١ واحمرت ألوانهم، وطالت رقابهم، والله ما كنت لآتي لهم سرورًا وأنا أقدر عليه، والله لقد هممت أن أحظر لهم حظيرة، ثم أضرمها عليهم نارًا، فإني لا أقتل منهم إلا آثمًا كفارًا سحارًا، لا أنماهم الله، ولا بارك عليهم! بيت سوء لا أول لهم ولا آخر، والله ما ترك نبي الله فيهم خيرًا، استفرغ٢ نبي الله صدقهم، فهم أكذب الناس، فقام إليه محمد بن سعد بن أبي وقاص فقال: "وفقك الله يا أمير المؤمنين! أنا أول من أعانك في أمرهم". فقام عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي فقال: والله ما قلت صوابًا، ولا هممت برشد، أرهط رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ تعيب، وإياهم تقتل، والعرب حولك؟ والله لو قتلت عدتهم أهل بيت من الترك مسلمين، ما سوَّغَهُ الله لك، والله لو لم ينصرهم الناس منك لنصرهم الله بنصره، فقال: اجلس أبا صفوان فلست بناموس٣، فبلغ الخبر عبد الله بن العباس، فخرج مغضبًا ومعه ابنه، حتى أتى المسجد، فقصد قصد المنبر. فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، ثم قال: "أيها الناس: إن ابن الزبير يزعم أن لا أول لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ولا آخر! فيا عجبًا كل العجب، لافترائه وتكذبه٤! والله إن أول من أخذ الإيلاف٥

стр. 991

وحمى عيرات١ قريش لهاشمٌ، وإن أول من سقى بمكة عذبًا، وجعل باب الكعبة

стр. 992

ذهبًا، لعبدُ المطلب١ والله لقد نشأت ناشئتنا مع ناشئة قريش، وإن كنا لقالتهم٢ إذا قالوا، وخطباءهم إذا خطبوا، وما عُدَّ مجدٌ كمجد أولنا، ولا كان في قريش مجد لغيرنا، لأنها في كفر ماحق، ودين فاسق، وضلة وضلالة٣ في عشواء٤ عمياء، حتى اختار الله تعالى لها نورا، وبعث لها سراجا، فانتجبه٥ طيبا من طيبين، لا يسب بمسبة، ولا يبغى عليه غائلة، فكان أحدنا وولدنا وعمنا وابن عمنا، ثم إن أسبق السابقين إليه، منا وابن عمنا٦، ثم تلاه في السبق أهلنا ولحمتنا٧ واحد بعد واحد، ثم إن لخير الناس بعده أكرمهم أدبا، وأشرفهم حسبا، وأقربهم منه رحما". واعجبا كل العجب لابن الزبير! يعيب بني هاشم، وإنما شرف هو وأبوه وجده بمصاهرتهم، أما والله إنه لمصلوب قريش، ومتى كان العوام بن خويلد يطمع في صفية بنت عبد المطلب؟ قيل للبغل: من أبوك يا بغل؟ فقال: خالي الفرس" ثم نزل "شرح ابن أبي الحديد م٣: ص٤٨٩".

стр. 993

١١٧- خطبة ابن الزبير يتنقص ابن عباس: وخطب ابن الزبير بمكة على المنبر، وابن عباس جالس مع الناس تحت المنبر، فقال: "إن ههنا رجلا قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، يزعم أن متعة النساء حلال من

стр. 994

الله ورسوله، ويفتي في القملة والنملة، وقد احتمل بيت مال البصرة١ بالأمس، وترك المسلمين بها يرتضخون٢ النوى، وكيف ألومه في ذلك: وقد قاتل أم المؤمنين وحواري رسول الله ﷺ ، ومن وقاه بيده٣".

стр. 995

١١٨- رد ابن عباس عليه: فقال ابن عباس لقائده سعيد بن جبير مولى بني أسد بن خزيمة -وكان ابن عباس قد كف بصره- استقبل بي وجه ابن الزبير وارفع من صدري، فاستقبل به قائده وجه ابن الزبير وأقام قامته، فحسر عن ذراعيه، ثم قال: "يابن الزبير: قد أنصف القارة من راماها ... إنا إذا ما فئة نلقاها نرد أولاها على أخراها ... حتى تصير حرضا دعواها١ يابن الزبير: أما العمى، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ، وأما فُتياي في القملة والنملة، فإن فيها حكمين لا تعلمهما أنت ولا أصحابك، وأما حملي المال، فإنه كان ما لا جبيناه، فأعطينا كل ذي حق حقه، وبقيت بقية هي دون حقنا في كتاب الله، فأخذناها بحقنا، وأما المتعة فسل أمك أسماء إذ نزلت عن بُرْدَيْ عوسجة، وأما قتالنا أم المؤمنين، فبنا سميت أم المؤمنين، لا بك ولا بأبيك، فانطلق أبوك وخالك٢ إلى حجاب مده الله عليهما، فهتكاه عنها، ثم اتخذاها فتنة يقاتلان دونها، وصانا حلائلهما في بيوتهما، فما أنصفا الله ولا محمدًا من أنفسهما أن أبرزا زوجة نبيه وصانا حلائلهما، وأما قتالنا إياكم، فإنا لقيناكم زحفا، فإن كنا كفارا فقد كفرتم بفراركم منا، وإن كنا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيانا، وايم الله لولا مكان صفية فيكم، ومكان خديجة فينا، لما تركت لبني أسد بن عبد العزى عظيما إلا كسرته"

стр. 996

فلما عاد ابن الزبير إلى أمه سألها عن بَرْدَيْ عوسجة، فقالت: ألم أنهك عن ابن عباس، وعن بني هاشم؟ فإنهم كُعُم١ الجواب إذا بدهوا٢" فقال: بلى وعصيتك، فقالت: يا بني احذر هذا الأعمى الذي ما أطاقته الإنس والجن، واعلم أن عنده فضائح قريش ومخازيها بأسرها، فإياك وإياه آخر الدهر". ورواية صاحب العقد: "أن ابن عباس قال لعكرمة: أقم وجهي نحوه يا عكرمة، ثم قال: إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي فؤادي وعقلي منهما نور وأما قولك يابن الزبير: إني قاتلت أم المؤمنين، فأنت أخرجتها وأبوك وخالك، وبنا سميت أم المؤمنين، فكنا لها خير بنين، فتجاوز الله عنها، وقاتلت أنت وأبوك عليًّا، فإن كان علي مؤمنًا فقد ضللتم بقتالكم المؤمنين، وإن كان كافرا فقد بوئتم بسخط من الله بفراركم من الزحف. وأما المتعة فإني سمعت علي بن أبي طالب يقول: سمعت رسول الله ﷺ رخص فيها، فأفتيت بها، ثم سمعته ينهى عنها، فنهيت عنها٣.

стр. 997

وأول مجمر١ سطع في المتعة مجمر آل الزبير٢". "شرح ابن أبي الحديد م٤: ٤٨٩، والعقد الفريد ٢: ٢٦٩-١١٣، ومروج الذهب ٢: ١٠٣"

стр. 998

عبد الله بن جعفر وعمرو بن العاص ... ١١٩- عبد الله بن جعفر "المتوفى سنة ٨٠هـ" وعمرو بن العاص: قال ابن أبي الحديد: روى المدائني قال: "بينا معاوية يومًا جالسًا وعنده عمرو بن العاص إذ قال الآذن: قد جاء عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فقال عمرو: والله لأسوأنه اليوم، فقال معاوية: لا تفعل يا أبا عبد الله، فإنك لا تنتصف منه، ولعلك أن تظهر لنا من منقبته١ ما هو خفي عنا، وما لا نحب أن نعلمه منه، وغشيهم عبد الله بن جعفر، فأدناه معاوية وقربه، فمال عمرو إلى بعض جلساء معاوية، فنال من علي ﵇ جهارًا غير ساتر له، وثلبه ثلبًا٢ قبيحًا، فامتقع٣ لون عبد الله، واعتراه أفكل٤، حتى أرعدت خصائله٥ ثم نزل عن السرير كالفنيق٦، فقال عمرو: مه يا أبا جعفر، فقال له عبد الله: مه لا أمَّ لك، ثم قال: أظن الحلم دل علي قومي ... وقد يتجهل الرجل الحليم

стр. 999

ثم حسر عن ذراعيه، وقال: "يا معاوية حتام نتجرع غيظك، وإلى كم الصبر على مكروه قولك، وسيء أدبك، وذميم أخلاقك، هبلتك الهبول١، أما يزجرك ذمام٢ المجالسة عن القذع٣ لجليسك إذا لم تكن لك حرمة من دينك تنهاك عما لا يجوز لك، والله لو عطفتك أواصر٤ الأرحام، أو حاميت على سهمك من الإسلام، ما أرعيت بني الإماء المُتْك٥، والعبيد السك٦ أعراض قومك، وما يجهل موضع الصفوة٧ إلا أهل الجفوة، وإنك لتعرف وشائج٨ قريش، وصفوة غرائزها، فلا يدعونك تصويب ما فرط من خطئك في سفك دماء المسلمين، ومحاربة أمير المؤمنين، إلى التمادي فيما قد وضح لك الصواب في خلافه، فاقصد لمنهج الحق فقد طال عمهك٩ عن سبيل الرشد، وخبط في ديجور١٠ ظلمة الغي، فإن أبيت أن لا تتابعنا في قبح اختيارك لنفسك، فأعفنا عن سوء القالة١١ فينا، إذا ضمنا وإياك الندى١٢، وشأنك وما تريد إذا خلوت، والله حسيبك، فوالله لولا ما جعل الله لنا في يديك لما أتيناك، ثم قال: إن كلفتني ما لم أطق، ساءك ما ستر مني من خلق".

стр. 1000

فقال معاوية: يا أبا جعفر نغيِّر الخطأ، أقسمت عليك لتجلسنَّ، لعن الله من أخرج ضب صدرك من وجاره١، محمول لك ما قلت، ولك عندنا ما أملت، فلو لم يكن محتِدك٢ ومنصبك لكان خُلقك وخَلقك شافعين لك إلينا، وأنت ابن ذي الجناحين وسيد بني هاشم، فقال عبد الله: كلا بل سيد بني هاشم حسنٌ وحسينٌ لا ينازعهم في ذلك أحد، فقال: أبا جعفر أقسمت عليك لما ذكرت حاجة لك إلا قضيتها كائنة ما كانت، ولو ذهبت بجميع ما أملك، فقال: أما في هذا المجلس فلا، ثم انصرف، فأتبعه معاوية بصره فقال: والله لكأنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مشيه وخلقه وخلقه، وإنه لمن مشكاته٣، لوددت أنه أخي بنفيس ما أملك. ثم التفت إلى عمرو فقال: أبا عبد الله ما تراه منعه من الكلام معك؟ قال: ما لا خفاء به عنك. قال: أظنك تقول: إنه هاب جوابك؟ لا والله ولكنه ازدراك واستحقرك ولم يرك للكلام أهلا، أما رأيت إقباله علي دونك، ذاهبا بنفسه عنك؟ فقال عمرو: فهل لك أن تسمع ما أعددته لجوابه؟ قال معاوية: أرغب إليك أبا عبد الله، فلات حين جوابٍ فيما يُرى اليوم؛ ونهض معاوية وتفرق الناس. "شرح ابن أبي الحديد م٢: ص١٠٤"

стр. 1001

١٢٠- الحسن بن علي وعمرو بن العاص: ووفد الحسنُ بن علي ﵁ على معاوية، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: يا أمير المؤمنين إن الحسن رجل أفه١، فلو حملته على المنبر فتكلم وسمع الناس كلامه عابوه وسقط من عيونهم ففعل، فصعد على المنبر وتكلم فأحسن، ثم قال: أيها الناس لو

стр. 1002

طلبتم ابنا لنبيكم ما بين جَابَرْسَ إلى جَابَلْقَ١ لم تجدوه غيري وغير أخي: "وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين" فساء ذلك عمرًا، وأراد أن يقطع كلامه، فقال له: أبا محمد، هل تنعت الرطب٢؟ فقال: "أجل تلقحه الشمال، وتخرجه الجنوب، وينضجه برد الليل، بحر النهار٣" قال: أبا محمد، هل تنعت الخراءة٤؟ قال: "نعم، تبعد الممشى في الأرض الصحصح٥، حتى تتوارى من القوم، ولا تستقبل القبلة، ولا تستدبرها، ولا تستنج بالروثة، ولا العظم، ولا تبل في الماء الراكد" وأخذ في كلامه. "العقد الفريد ٢: ١١٥، وعيون الأخبار م٢: ١٧٢، ومعجم البلدان ٣: ٢٢"

стр. 1003

١٢١- الحسن بن علي ومروان بن الحكم: بينما معاوية بن أبي سفيان جالس في أصحابه إذ قيل له: الحسن بالباب، فقال معاوية: إن دخل أفسد علينا ما نحن فيه، فقال له مروان بن الحكم: ائذن له، فإني أسأله ما ليس عنده فيه جواب، قال معاوية: لا تفعل، فإنهم قوم قد ألهموا الكلام. وأذن له، فلما دخل وجلس، قال له مروان: أسرع الشيب إلى شاربك يا حسن، ويقال: إن ذلك من الخرق١، فقال الحسن: ليس كما بلغك، ولكنا معشر بني هاشم، أفواهنا عذبة

стр. 1004

شفاهها، فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهن وقُبَلهن، وأنتم معشر بني أمية فيكم بخر ١ شديد، فنساؤكم يصرفن أفواههن وأنفاسهن عنكم إلى أصداغكم، فإنما يشيب منكم موضع العذار ٢ من أجل ذلك. قال مروان: إن فيكم يا بني هاشم خصلة سوء. قال: وما هي؟ قال: الغلمة٣. قال: أجل، نزعت الغلمة من نسائنا، ووضعت في رجالنا ونزعت الغلمة من رجالكم ووضعت في نسائكم، فما قام لأموية إلى هاشمي؛ فغضب معاوية، وقال: قد كنت أخبرتكم، فأبيتم حتى سمعتم ما أظلم عليكم بيتكم، وأفسد عليكم مجلسكم". "العقد الفريد ٢: ١١٥"

стр. 1005

١٢٢- عقيل بن أبي طالب ومعاوية: وكان عقيل بن أبي طالب قد خرج إلى معاوية مغاضبا لأخيه الإمام علي كرم الله وجهه١، فأكرمه معاوية، وقربه إليه، وقضى حوائجه، وقضى عنه دينه، ثم قال له في بعض الأيام: "والله إن عليًّا غير حافظ لك، قطع قرابتك، وما وصلك، ولا اصطنعك" قال له عقيل: "والله لقد أجزل العطية وأعظمها، ووصل القرابة وحفظها، وحسن ظنه بالله إذ ساء به ظنك، وحفظ أمانته، وأصلح رعيته، إذ خنتم وأفسدتم وجرتم، فاكفف لا أبا لك؛ فإنه عما تقول بمعزل". وقال له معاوية يومًا: "أبا يزيد، أنا لك خير من أخيك عليٍّ" قال "صدقت، إن

стр. 1006

أخي آثر دينه على دنياه، وأنت آثرت دنياك على دينك، فأنت خير لي من أخي، وأخي خير لنفسه منك١". وقال له مرة: "أنت معنا يا أبا يزيد" قال: "ويوم بدر قد كنت معكم! ". وقال له يومًا: "إن عليًّا قد قطعك ووصلتك، ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على المنبر". قال: "أفعل، فَأُصْعِدَ فصعد، ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: "أيها الناس إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب فالعنوه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" ثم نزل، فقال له معاوية: إنك لم تبين -أبا يزيد- من لعنتَ بيني وبينه. قال: والله لا زدت حرفًا ولا نقصت آخر، والكلام إلى نية المتكلم". ودخل عقيل على معاوية وقد كف بصره، فأجلسه على سريره، ثم قال له: "أنتم معشر بني هاشم تصابون في أبصاركم" قال: "وأنتم معشر بني أمية تصابون في بصائركم". وقال له يومًا: ما أبينَ الشَّبَقَ في رجالكم يا بني هاشم! قال: لكنه في نسائكم أبين يا بني أمية. وقال معاوية يومًا: "يأهل الشام، هل سمعتم قول الله ﵎ في كتابه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ٢ وَتَبَّ﴾ ؟ قالوا: نعم، قال: فإن أبا لهب عَمُّه، فقال عقيل: فهل سمعتم قول الله : ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْ حَطَبِ ٣﴾ قالوا: نعم، قال: فإنها عَمَّتُه، ثم

стр. 1007

قال "يا معاوية، إذا دخلت النار، فاعدل ذات اليسار، فإنك ستجد عمي أبا لهب، مفترشًا عمتك حمالة الحطب، فانظر أيهما خير". وقال له معاوية يومًا: والله إن فيكم لخصلة ما تعجبني يا بني هاشم. قال: وما هي؟ قال: لِينٌ فيكم. قال: لينُ ماذا؟ قال: هو ذاك. قال: إيانا تُعَيِّر يا معاوية؟ أجل والله إن فينا للينا من غير ضعف، وعزًّا من غير جبروت، وأما أنتم يا بني أمية، فإن لينكم غدر، وعزكم كفر. قال معاوية: ما كل هذا أردنا يا أبا يزيد. وقال معاوية لعقيل: لم جفوتنا يا أبا يزيد؟ فأنشأ يقول: وإني امرؤ مني التكرم شيمة ... إذا صاحبي يومًا على الهون أضمرا ثم قال: "وايم الله يا معاوية، لئن كانت الدنيا مهدتك مهادها، وأظلتك بحذافير١ أهلها، ومدت عليك أطناب سلطانها، ما ذاك بالذي يزيدك مني رغبة، ولا تخشعا لرهبة" قال معاوية: "لقد نعتها أبا يزيد نعتا هش لها قلبي، وإني لأرجو أن يكون الله ﵎ ما رَدَّاني برداء ملكها، وحباني بفضيلة عيشها، إلا لكرامة ادخرها لي، وقد كان داود خليفة، وسليمان ملكًا، وإنما هو المثال يحتذى عليه، والأمور أشباه، وايم الله يا أبا يزيد، لقد أصبحت علينا كريمًا، وإلينا حبيبًا، وما أصبحت أضمر لك إساءة". "العقد الفريد ٢: ١١٠-١١٩، البيان والتبيين ٢: ١٧٤"

стр. 1008

١٢٣- خطبة السيدة أم كلثوم بنت عليِّ في أهل الكوفة بعد مقتل الحسين ﵈: لما قتل الحسين بن عليّ ﵉، وأدخل النسوة من كربلاء إلى الكوفة جعلت نساؤها يلتدمن١، ويهتكن الجيوب عليه، فرفع علي بن الحسين ﵉ رأسه، وقال بصوت ضئيل -وقد نحل٢ من المرض- يأهل الكوفة إنكم تبكون علينا، فمن قتلنا غيركم؟ وأومأت أم كلثوم بنت عليٍّ ﵉ إلى الناس أن اسكتوا، فلما سكنت الأنفاس، وهدأت الأجراس٣، قالت. "أبدأ بحمد الله، والصلاة والسلام على نَبِيَهْ٤، أما بعد: يأهل الكوفة يأهل الختر٥ والخذل، لا، فلا رقأت٦ العبرة، ولا هدأت الرنة٧، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا٨، تتخذون أيمانكم دخلا٩ بينكم، ألا وهل فيكم إلا الصلف١٠ والشنف١١، وملق١٢ الإماء، وغمز الأعداء، وهل أنتم

стр. 1009

إلا كمرعًى على دمنة١، وكفضة على ملحودة٢، ألا ساء ما قدمت أنفسكم أن سخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون؟ إي والله فابكوا، وإنكم والله أحرياء٣ بالبكاء، فابكوا كثيرا، واضحكوا قليلا، فلقد فزتم بعارها وشنارها٤ ولن تُرْحِضوها٥ بِغَسْل بعدها أبدًا، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة، وسيد شبان أهل الجنة، ومنار محجتكم، ومدرة٦ حجتكم، ومفرخ٧ نازلتكم، فتعسًا ونُكْسًا٨، لقد خاب السعي، وخسرت الصفقة٩، وبؤتم١٠ بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة، لقد جئتم شيئا إدًا١١، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا١٢؛ أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم، وأي كريمة له أبرزتم، وأي دم له سفكتم؟ لقد جئتم بها شوهاء خرقاء١٣، شرُّها طِلاعُ١٤ الأرض والسماء؛ أفعجبتم أن قطرت السماء دمًا، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون؛ فلا ستخفنكم المهل، فإنه لا تحفزه المبادرة١٥، ولا يخاف عليه فوت الثأر، كلا، إن ربك لنا ولهم لبالمرصاد١٦" ثم

стр. 1010

ولَّتْ عنهم، فظل الناس حيارى، وقد ردوا أيديهم إلى أفواههم، وقال شيخ كبير من بني جُعْفِيّ -وقد اخضلت١ لحيته من دموع عينيه: كهولهم خير الكهول ونسلهم ... إذا عد، نسل لا يبور ولا يخزى "بلاغات النساء ص٢٧"

стр. 1011

١٢٤- خطبة السيدة زينب بنت علي ﵉ بين يدي يزيد: ولما وجه عبيد الله بن زياد آل الحسين ﵇ إلى يزيد بدمشق، ومثلوا بين يديه أمر برأس الحسين، فأبرز في طست، فجعلَ ينكت ثناياه بقضيب في يده، وهو يقول من أبيات١: ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا ... جَزَع الخزرج مِن وقع الأسل٢ لأهلوا واستهلوا فرحا ... ثم قالوا: يا يزيد لا تشل٣ فجزيناهم ببدر مثلها ... وأقمنا ميل بدر فاعتدل٤ فقالت زينب بنت علي ﵉: صدق الله ورسوله يا يزيد! ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أظننت يا يزيد أنه حين أُخِذَ علينا بأطراف الأرض وأكناف السماء، فأصبحنا نساق كما يساق

стр. 1012

الأسارى، أن بنا هوانًا على الله، وبك عليه كرامة؟ وأن هذا لعظيم خطرك؟ فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفي١، جذلان فرحًا، حين رأيت الدنيا مستوسقة لك، والأمور متسقة٢ عليك، وقد أُمْهِلْتَ ونُفِّسْتَ٣، وهو قول الله ﵎: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي ٤ لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أمن العدل، يابن الطلقاء تخديرك٥ نساءك وإماءك وسوقك بنات رسول الله ﷺ قد هتكتَ ستورهن، وأصحلتَ٦ صوتهن، مكتئبات تخدي٧ بهن الأباعر، ويحدو٨ بهن العادي، من بلد إلى بلد، لا يراقبن ولا يؤوين، يتشوفهن٩ القريب والبعيد، ليس معهن ولي١٠ من رجالهن، وكيف يُستبطأ في بغضتنا من نظر إلينا بالشنف١١ والشنآن، والإحن والأضغان؟ أتقول: "ليت أشياخي ببدر شهدوا" غير متأثم ولا مستعظم؟ وأنت تنكت ثنايا أبي عبد الله بمخصرتك١٢، ولم لا تكون كذلك وقد نكأت١٣ القرحة، واستأصلت الشأفة١٤، بإهراقك دماء ذرية رسول الله ﷺ ، ونجوم

стр. 1013

الأرض من آل عبد المطلب، ولتردنَّ على الله وشيكا١ موردهم، ولتودن أنك عميت وبكمت وأنك لم تقل: "فاستهلوا وأهلوا فرحا" اللهم خذ بحقنا، وانتقم لنا ممن ظلمنا، والله ما فريت إلا في جلدك، ولا حززت إلا في لحمك، وسترد على رسول الله ﷺ برغمك٢. وعترته ولحمته في حظيرة القدس٣ يوم يجمع الله شملهم ملمومين من الشعث٤. وهو قول الله ﵎: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وسيعلم من بوأك٥ ومكنك من رقاب المؤمنين -إذا كان الحَكَمَ اللهُ، والخصمَ محمدٌ ﷺ ، وجوارحك شاهدة عليك فبئس للظالمين بدلا- أيكم شر مكانا وأضعف جندا، مع أني والله يا عدو الله وابن عدوه، أستصغر قدك، وأستعظم تقريعك٦، غير أن العيون عبرى والصدور حرى٧، وما يجزي ذلك أو يغني عنا؛ وقد قتل الحسين ﵇، وحزب الشيطان٨ يقربنا إلى حزب السفهاء٩، ليعطوهم أموال الله على انتهاك محارم الله، فهذه الأيدي تنطف١٠ من دمائنا، وهذه الأفواه تتحلب١١ من لحومنا، وتلك الجثث الزواكي يعتامها عسلان الفَلَوَات١٢، فلئن اتخذتنا مغنما لتتخذن مغرمًا، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، تستصرخ١٣ يابن مرجانة، ويستصرخ بك، وتتعاوى وأتباعك.

стр. 1014

عند الميزان؛ وقد وجدت أفضل زاد زودك معاوية فتلك ذرية محمد ﷺ ، فوالله ما اتقيت١ غير الله، ولا شكواي إلا إلى الله، فكد كدك، واسع سعيك، وناصب جهدك٢. فوالله لا يرحض عنك عار ما أتيت إلينا أبدا، والحمد لله الذي ختم بالسعادة والمغفرة لسادات شبان الجنان، فأوجب لهم الجنة. أسأل الله أن يرفع لهم الدرجات، وأن يوجب لهم المزيد من فضله، فإنه ولي قدير". "بلاغات النساء ص٢٥".

стр. 1015

١٢٥- رثاء الحسين لأخيه الحسن ﵉: وقال الحسين بن علي عند قبر أخيه الحسن ﵉: "رحمك الله أبا محمد، إن كنت لتناصر الحق مظانَّه١، وتؤثر الله عند تداحض٢ الباطل في مواطن التقية بحسن الروية، وتستشف٣جليل معاظم الدنيا بعين لها حاقرة، وتفيض عليها يدًا طاهرة الأطراف، نقية الأسرة٤، وتردع بدارة غرب أعداك بأيسر المئونة عليك. ولا غرو وأنت ابن سلالة النبوة، ورضيع لبان الحكمة. فإلى روح وريحان وجنة نعيم أعظم الله لنا ولكم الأجر عليه، ووهب لنا ولكم السلوة وحسن الأسى٥ عنه" "عيون الأخبار م٢: ص٣١٤"

стр. 1016

١٢٦- عبد الله بن هاشم بن عتبة، وعمرو بن العاص في مجلس معاوية: روى المسعود في مروج الذهب قال: "لما قتل علي كرم الله وجهه، كان في نفس معاوية من يوم صفين على هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال وولده عبد الله بن هاشم إحن؛ فلما استعمل معاوية زيادا على العراق، كتب إليه: "أما بعد: فانظر عبد الله بن هاشم بن عتبة، فشد يده إلى عنقه، ثم ابعث به إلي" فحمله زياد من البصرة مقيدًا مغلولا إلى دمشق، وقد كان زياد طرقه بالليل في منزله بالبصرة، فدخل إلى معاوية، وعنده عمرو بن العاص، فقال معاوية لعمرو بن العاص: هل تعرف هذا؟ قال: لا، قال: هذا الذي يقول أبوه يوم صفين١: إني شريت النفس لما اعتلا ... وأكثرَ اللوْم وما أقلا٢ أعورُ يبغي أهلَه مَحَلا ... قد عالج الحياة حتى ملا٣ لا بد أن يَفُلَّ أو يُفلا ... يتُلُّهُم بذي الكعوب تلا٤ لا خير عندي في كريم ولَّى

стр. 1017

فقال عمرو متمثلا: وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا١ "دونك يا أمير المؤمنين الضب الضب٢، فاشخب أوداجه٣ على أسباجه٤، ولا ترده إلى أهل العراق، فإنه لا يصبر على النفاق، وهم أهل غدر وشقاق، وحزب إبليس ليوم هيجانه، وإن له هوى سيوديه٥، ورأيا سيطغيه٦، وبطانة ستقويه، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ .

стр. 1018

فقال عبد الله: "يا عمرو إن أُقتل فرجل أسلمه١ قومه، وأدركه يومه، أفلا كان هذا منك إذ تحيد عن القتال، ونحن ندعوك إلى النزال، وأنت تلوذ بشمال النطاف٢، وعقائق الرصاف٣، كالأمة السوداء، والنعجة القوداء٤ لا تدفع يد لامس". فقال عمرو: "أما والله لقد وقعت في لهذم٥ شدقم للأقران ذي لبد، ولا أحسبك منفلتا من مخاليب أمير المؤمنين". فقال عبد الله: "أما والله يابن العاص، إنك لبطر في الرخاء، جبان عند اللقاء، غَشُومٌ٦ إذا وليت، هياب إذا لَقِيتَ، تهدر٧ كما يهدر العود المنكوس، المقيد بين مجرى الشول، لا يستعجل في المدة، ولا يرتجى في الشدة، أفلا كان هذا منك، إذا غمرك أقوام لم يعنفوا صغارًا، ولم يمزقوا كبارًا. لهم أيد شداد، وألسنة حداد،

стр. 1019

يدعمون العَوَج١، ويذهبون الحَرَج٢، يكثرون القليل، ويشفون الغليل، ويُعزُّون الذليل"؟ فقال عمرو: أما والله لقد رأيت أباك يومئذ تخفق٣ أحشاؤه، وتبق٤ أمعاؤه وتضطرب أصلاؤه٥، كأنما انطبق عليه ضمد٦". فقال عبد الله: "يا عمرو، إنا قد بلوناك ومقالتك، فوجدنا لسانك كذوبًا غادرًا، خلوت بأقوام لا يعرفونك، وجند لا يسأمونك، ولو رمت المنطق في غير أهل الشام، لجحظ٧ إليه عقلك، ولتلجلج لسانك، ولاضطرب فخذاك اضطراب القعود٨ الذي أثقله حمله". فقال معاوية: "إيها٩ عنكما، وأمر بإطلاق عبد الله، قال عمرو لمعاوية: أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم أليس أبوه "يا معاوية" الذي ... أعان عليا يوم حز الغلاصم١٠ فلم ينثني حتى جرت من دمائنا ... بصفين أمثال البحور الخضارم١١ وهذا ابنه، والمرء يشبه سنخه ... ويوشك أن تقرع به سن نادم١٢

стр. 1020

فقال عبد الله يجيبه: معاوي: إن المرء عمرا أبت له ... ضغينة صدر غشها غير نائم يرى لك قتلى "يابن هند" وإنما ... يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم على أنهم لا يقتلون أسيرهم ... إذا منعت منه عهود المسالم وقد كان منا يوم صفين نعرة ... عليك جناها هاشم وابن هاشم١ قضى ما انقضى منها، وليس الذي مضى ... ولا ما جرى إلا كأضغاث حالم٢ فإن تعف عني تعف عن ذي قرابة ... وإن تر قتلي تستحل محارمي٣ فقال معاوية: أرى العفو عن عُليا قريش وسيلة ... إلى الله في اليوم العصيب القماطر٤ ولست أرى قتل العداة ابن هاشم ... بإدراك ثأري في لؤي وعامر٥ بل العفو عنه بعد ما بان جرمه ... وزلت به إحدى الجدود العوائر فكان أبوه يوم صفين جمرة ... علينا فأردته رماح نهابِرِ٦
следующие страницы →