١٤١- عبد الله بن الزبير ومعاوية أيضًا:
دخل عبد الله بن الزبير على معاوية فقال:
"يا أمير المؤمنين، لا تدعن مروان يرمي جماهير قريش بمشاقصه١، ويضرب صفاتهم بمعوله، أما والله لولا مكانك، لكان أخف على رقابنا من فراشة، وأقل
стр. 1052
في أنفسنا من خشاشة١، وايم الله لئن ملك أعنة خيل تنقاد له، لتركبن منه طبقًا٢ تخافه". فقال معاوية: "إن يطلب مروان هذا الأمر، فقد طمع فيه من هو دونه، وإن يتركه يتركه لمن فوقه، وما أراكم بمنتهين حتى يبعث الله عليكم من لا يعطف عليكم بقرابة، ولا يذكركم عند ملمة، يسومكم خسفًا٣، ويسوقكم عشفًا٤" فقال ابن الزبير: "إذن والله يطلق عقال الحرب بكتائب تمور٥ كرجل الجراد، حافاتها الأسل، لها دوي كدوي الريح، تتبع غطريفًا٦ من قريش، لم تكن أمه راعية ثلة٧".
فقال معاوية: "أنا ابن هند، أطلقت عقال الحرب، فأكلت ذروة السنام، وشربت عنفوان المكرع٨، وليس للآكل بعدي إلا الفلذة٩، ولا للشارب إلا الرنق١٠". فسكت ابن الزبير.
"شرح ابن أبي الحديد م٤: ص٤٩٣، والعقد الفريد ٢: ١١٥، والبيان والتبيين ٢: ٤٤"
стр. 1053
١٤٢- عبد الله بن الزبير ومعاوية وعمرو بن العاص:
قدم عبد الله بن الزبير على معاوية وافدًا، فرحب به وأدناه، حتى أجلسه على سريره، ثم قال: ما حاجتك أبا خبيب١؟ فسأله أشياء، ثم قال له: سل غير ما سألت، قال:
"نعم، المهاجرون والأنصار ترد عليهم فيئهم، وتحفظ وصية نبي الله فيهم، تقبل
стр. 1054
من محسنهم، وتتجاوز عن مسيئهم" فقال معاوية: "هيهات، هيهات؟ لا والله ما تأمن النعجة الذئب وقد أكل ألْيَتَها١". فقال ابن الزبير: "مهلا يا معاوية، فإن الشاة لتدر٢ للحالب، وإن المدية في يده، وإن الرجل الأريب ليصانع ولده الذي خرج من صلبه، وما تدور الرحاء إلا بقطبها٣، ولا تصلح القوس إلا بعجبها٤" فقال: "يا أبا خبيب، لقد أجررت الطروقة قبل هباب الفحل٥، هيهات! وهي لا تصطك لحيائها اصطكاك القروم السوامي٦". فقال ابن الزبير: "العطن بعد العل، والعل بعد النهل٧ ولا بد للرحاء من الثفال٨ ثم نهض ابن الزبير"، فلما كان العشاء أخذت قريش مجالسها، وخرج معاوية على بني أمية، فوجد عمرو بن العاص فيهم، فقال: ويحكم يا بني أمية! أفيكم من يكفيني ابن الزبير؟ فقال عمرو: أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين قال: ما أظنك تفعل، قال: "بلى، والله لأربدن٩ وجهه، ولأخرسن لسانه، ولأردنه ألين من خميلة١٠". فقال: دونك، فاعرض له إذا دخل، فدخل ابن الزبير -وكان قد بلغه كلام معاوية وعمرو- فجلس نصب عيني عمرو، فتحدثوا ساعة، ثم قال عمرو:
وإني لنار ما يطاق اصطلاؤها ... لديَّ كلام معضل متفاقم١١
فأطرق ابن الزبير ساعة ينكث في الأرض، ثم رفع رأسه وقال:
стр. 1055
وإني لبحر ما يسامَى عبابُه ... متى يلقَ بحري حرّ نارك تخمد
فقال عمرو: والله يابن الزبير إنك ما علمتُ لمتجلبب جلابيب الفتنة، متأزر بوصائل١ التيه، تتعاطى الذّرى الشاهقة، والمعالي الباسقة، وما أنت من قريش في لباب جوهرها ولا مؤنق٢ حسبها". فقال ابن الزبير: "أما ما ذكرت من تعاطي الذرى؛ فإنه طال بي إليها وسما ما لا يطول بك مثله، أنف حمي، وقلب ذكي، وصارم مشرفي، في تلبيد فارع٣، وطريف مانع، إذ قدع بك انتفاخ سحرك٤، ووجيب٥ قلبك، وأما ما ذكرت من أني لست من قريش في لباب جوهرها، ومؤنق حسبها، فقد حضرتني وإياك الأكفاء، العالمون بي وبك، فاجعلهم بيني وبينك، فقال القوم: قد أنصفك يا عمرو. قال: قد فعلت، فقال ابن الزبير: "أما إذ أمكنني الله منك فلأربدن وجهك، ولأخرسن لسانك، ولترجعن في هذه الليلة، وكأن الذي بين منكبيك مشدود إلى عروق أخدعيك٦، ثم قال: أقسمت عليكم يا معاشر قريش، أنا أفضل في دين الإسلام أم عمرو؟ فقالوا: اللهم أنت، قال: فأبي أفضل أم أبوه؟ قالوا: أبوك حواري رسول الله ﷺ وآله وابن عمته، قال: فأمي أفضل أم أمه؟ قالوا: أمك أسماء بنت أبي بكر الصديق، وذات النطاقين، قال: فعمتي أفضل أم عمته؟ قالوا: عمتك سلمى بنت العوام صاحبة رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل من عمته، قال: فخالتي أفضل أم خالته؟ قالوا: خالتك عائشة أم المؤمنين، قال: فجدتي أفضل أم جدته؟ قالوا: جدتك صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فجدي أفضل أم جده؟ قالوا: جدك أبو بكر الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال:
قضت الغطارف من قريش بيننا ... فاصبر لفضل خصامها وقضائها
стр. 1056
وإذا جريت فلا تجارِ مبرزا ... بذَّ الجياد على احتفال جرائها١
أما والله يابن العاص، لو أن الذي أمرك بهذا واجهني بمثله لقصرت إليه من سامي بصره، ولتركته يتلجلج لسانه، وتضطرم النار في جوفه، ولقد استعان منك بغير وافٍ ولجأ إلى غير كافٍ" ثم قام فخرج.
"شرح ابن أبي الحديد م٤: ص٤٩٣"
стр. 1057
١٤٣- خطبة ابن الزبير لما قتل الحسين ﵇:
لما قتل الحسين ﵇، قام عبد الله بن الزبير في أهل مكة، وعظم مقتله، وعاب على أهل الكوفة خاصة، ولام أهل العراق عامة، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمدٍ ﷺ :
"إن أهل العراق غُدُرٌ فُجُر إلا قليلا، وإن أهل الكوفة شرار أهل العراق، وإنهم دعوا حسينًا لينصروه ويولوه عليهم، فلما قدم عليهم ثاروا إليه، فقالوا له: إما أن تضع يدك في أيدينا، فنبعث بك إلى ابن زياد بن سمية سِلْمًا، فيُمضي فيك حكمه، وإما أن تحارب، فرأى والله أنه هو وأصحابه قليل في كثير -وإن كان الله لم يُطْلِع على الغيب أحدًا- أنه مقتول، ولكنه اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة، فرحم الله حسينًا، وأخزى قاتل حسين، لعمري لقد كان من خلافهم إياه وعصيانهم ما كان في مثله واعظ وناهٍ عنهم، ولكنه ما حُمَّ١نازلٌ، وإذا أراد الله أمرًا لن يُدفع.
أفبعد الحسين نطمئن إلى هؤلاء القوم، ونصدق قولهم، ونقبل لهم عهدًا؟ لا، ولا نراهم لذلك أهلا، أما والله لقد قتلوه، طويلا بالليل قيامُه، كثيرًا في النهار
стр. 1058
صيامُه، أحق بما هم فيه منهم، وأولى به في الدين والفضل، أما والله ما كان يبدل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء، ولا بالصيام شرب الحرام، ولا بالمجالس في حلق الذكر الركض في تطلاب الصيد "يعرض بيزيد" فسوف يلقون غيًّا١".
فثار إليه أصحابه، فقالوا له: أيها الرجل أظهر بيعتك، فإنه لم يبقَ أحد، إذ هلك حسين ينازعك هذا الأمر، وقد كان يبايع الناس سرًّا، ويظهر أنه عائذ بالبيت.
"تاريخ الطبري ٦: ٢٧٣".
стр. 1059
١٤٤- مناظرة ابن الزبير للخوارج:
اجتمعت الخوارج حين ثار عبد الله بن الزبير بمكة "سنة ٦٤" وسار إليه مسلم بن عقبة المري في جيش من أهل الشام، بعد أن غزا المدينة، وكان منه في وقعة الحرة ما كان، فقال لهم نافع بن الأزرق: اخرجوا بنا نأتِ البيت، ونلق هذا الرجل، فإن يكن على رأينا جاهدنا معه العدو، وإن يكن على غير رأينا دافعنا عن البيت ما استطعنا، ونظرنا بعد ذلك في أمورنا، فخرجوا حتى قدموا على عبد الله بن الزبير، فسر بمقدمهم ونبأهم أنه على رأيهم، وأعطاهم الرضا من غير توقف ولا تفتيش، فقاتلوا معه حتى مات يزيد بن معاوية، وانصرف أهل الشام عن مكة.
ثم إن القوم لقي بعضهم بعضًا فقالوا: إن هذا الذي صنعتم أمس بغير رأي ولا صواب من الأمر، تقاتلون مع رجل لا تدرون لعله ليس على رأيكم، إنما كان أمس يقاتلكم هو وأبوه، ينادي يالثارات عثمان، ندخل إليه، فننظر ما عنده، فإن قدم أبا بكر
стр. 1060
وعمر، وبرئ من عثمان وعليّ، وكفَّرَ أباه وطلحة بايعناه، وإن تكن الأخرى، ظهر لنا ما عنده، فتشاغلنا بما يجدي علينا.
فدخلوا على ابن الزبير وهو مبتذل١، وأصحابه متفرقون عنه، فقالوا: إنا جئناك لتخبرنا رأيك، فإن كنت على الصواب بايعناك، وإن كنت على غيره دعوناك إلى الحق، ما تقول في الشيخين؟ قال: خيرًا. قالوا: فما تقول في عثمان الذي أحمى٢ الحمى، وآوى الطريد٣، وأظهر لأهل مصر شيئًا وكتب بخلافه، وأوطأ آل أبي معيط٤ رقاب الناس، وآثرهم بفيء المسلمين، وفي الذي بعده، الذي حَكَّمَ في دين الله الرجال، وأقام على ذلك غير تائب ولا نادم، وفي أبيك وصاحبه، وقد بايعا عليًّا وهو إمام عادل مرضي لم يظهر منه كفر، ثم نكثا بعرض من أعراض الدنيا، وأخرجا عائشة تقاتل، وقد أمرها الله وصواحبها أن يقرن٥ في بيوتهن، وكان لك في ذلك ما يدعوك إلى التوبة، فإن أنت قلت كما نقول فلك الزلفى٦ عند الله والنصر على أيدينا، ونسأل الله لك التوفيق وإن أبيت إلا نصر رأيك الأول، وتصويب أبيك وصاحبه، والتحقيق بعثمان والتولي في السنين الست التي أحلت دمه، ونقضت أحكامه، وأفسدت إمامته، خذلك الله
стр. 1061
وانتصر منك بأيدينا، فقال ابن الزبير: إن الله أمر "وله العزة والقدرة" في مخاطبة أكفر الكافرين، وأعتى العتاة، بأرأف من هذا القول، فقال لموسى ولأخيه صلى الله عليهما: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وقال رسول الله ﷺ : "لا تؤذوا الأحياء بسب الموتى".
فنهى عن سب أبي جهل من أجل عكرمة ابنه، وأبو جهل عدوُّ الله وعدو الرسول، والمقيم على الشرك، والجاد في المحاربة، والمتبغض إلى رسول الله ﷺ قبل الهجرة، والمحارب له بعدها، وكفى بالشرك ذنبًا! وقد كان يغنيكم عن هذا القول الذي سميتم فيه طلحة وأبي أن تقولوا: أتبرأ من الظالمين؟ " فإن كانا منهم دخلا في غمار١ المسلمين، وإن لم يكونا منهم لم تُحفِظُوني٢ بسب أبي وصاحبه، وأنتم تعلمون أن الله جَلَّ وعَزَّ قال للمؤمن في أبويه: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ ، وقال جل ثناؤه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وهذا الذي دعوتم إليه أمر له ما بعده، وليس يقنعكم إلا التوقيف والتصريح٣، ولعمري إن ذلك لأحرى بقطع الحجج، وأوضح لمنهاج الحق، وأولى أن يعرف كلٌّ صاحبه من عدوه، فروحوا٤ إلي من عشيتكم هذه، أكشف لكم ما أنا عليه إن شاء الله تعالى.
فلما كان العشي راحوا إليه، فخرج إليهم وقد لبس سلاحه، فلما رأى ذلكم نجدة٥ قال: هذا خروج منابذ٦ لكم، فجلس على رفيع من الأرض، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى عليه نبيه، ثم ذكر أبا بكر وعمر أحسن ذكر، ثم ذكر عثمان في السنين الأوائل من خلافته، ثم وصلهن بالسنين التي أنكروا سيرته فيها، فجعلها كالماضية، وخبَّر أنه
стр. 1062
آوى الحكم بن أبي العاص بإذن رسول الله ﷺ ، وذكر الحمى وما كان فيه من الصلاح، وأن القوم استعتبوه من أمور، وكان له أن يفعلها أو لا مصيبًا، ثم أعتبهم بعد ذلك محسنًا، وأن أهل مصر لما أتوه بكتاب ذكروا أنه منه، بعد أن ضمن لهم العتبى١ ثم كتب لهم ذلك الكتاب بقتلهم، فدفعوا الكتاب إليه، حلف بالله أنه لم يكتبه، ولم يأمر به، وقد أمر الله بقبول اليمين ممن ليس له مثل سابقته، ومع ما اجتمع له من صهر رسول الله، ومكانه من الإمامة، وأن بيعة الرضوان تحت الشجرة إنما كانت بسببه٢، وعثمان الرجل الذي لزمته يمين، لو حلف عليها لحلف على حقٍّ، فافتداها بمائة ألف ولم يحلف، وقد قال رسول الله ﷺ : "من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرضَ" فعثمان أمير المؤمنين كصاحبيه، وأنا ولي وليه، وعدو عدوه، وأبي وصاحبُه صاحِبا رسول الله، ورسول الله ﷺ يقول عن الله يوم أحد، لما قطعت إصبع طلحة: "سبقته إلى الجنة"، وقال: "أوجب طلحة ٣ "، وكان الصديق إذا ذكر يوم أحد قال: "ذاك يومٌ كله أو جله لطلحة". والزبير حواري رسول الله صلى اله عليه وسلم وصفوته، وقد ذَكَرَ أنهما في الجنة، فقال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ . وما أخبرنا بعد أنه سخط عليهم، فإن يكن ما سعَوا فيه حقًّا، فأهل ذلك هم، وإن يكن زلة ففي عفو الله تمحيصها، وفيما وفقهم له من السابقة مع نبيهم ﷺ ، ومهما ذكرتموهما فقد بدأتم بأمكم عائشة ﵂، فإن أَبَى آبٍ
стр. 1063
أن تكون له أمًّا نبذ اسم الإيمان عنه، وقد قال الله جل ذكره، وقوله الحق:
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ . فنظر بعضهم إلى بعض، ثم انصرفوا عنه.
"الكامل للمبرد ٢: ١٧٣، والعقد الفريد ١: ٢١٢، وتاريخ الطبري ٧: ٥٥".
стр. 1064
١٤٥- أبو صخر الهذلي وعبد الله بن الزبير:
وروى أبو الفرج الأصبهاني قال:
لما ظهر ابن الزبير بالحجاز، وغلب عليها بعد موت يزيد بن معاوية، وتشاغل بنو أمية بالحرب بينهم، في مَرْج راهط وغيره، دخل عليه أبو صخر الهذلي في هذيل، وقد جاءوه ليقبضوا عطاءهم، وكان عارفًا بهواه في بني أمية، فمنعه عطاءه، فقال: علام تمنعني حقًّا لي؟ وأنا امرؤ مسلم ما أحدثت في الإسلام حدثًا، ولا أخرجت من طاعة يدًا.
قال: عليك بني أمية، فاطلب عندهم عطاءك، قال:
"إذن أجِدُهُم سِباطًا١ أكفهم، سمحة أنفسهم، بذلاء لأموالهم، وهابين لمجتديهم٢ كريمة أعراقهم، شريفة أصولهم، زاكية فروعهم، قريبًا من رسول الله ﷺ نسبهم وسببهم، ليسوا إذا نسبوا بأذناب ولا وشائظ٣ ولا أتباع، ولا هم في قريش كفقعة القاع٤، لهم السؤدَد في الجاهلية، والملك في الإسلام لا كمن لا يعد في عيرها ولا نفيرها٥، ولا حكم آباؤه في نقيرها ولا قطميرها٦ ليس
стр. 1065
من أحلافها١ المطيَّبين، ولا من سادتها المطعِمين، ولا من جودائها٢ الوهابين، ولا من هاشمها المنتخبين، ولا عبد شمسها المسودين، وكيف نقاتل الرءوس بالأذناب، وأين النصل من الجفن٣ والسنان من الزج٤، والذنابَى٥ من القدامى٦ وكيف يفضل الشحيح على الجواد، والسوقة على الملك؛ والجامع بخلا على المطعم فضلا؟ ".
فغضب ابن الزبير حتى ارتعدت فرائصه٧، وعرق جبينه، واهتز من قرنه إلى قدمه، وامتقع لونه، ثم قال له: يابن البوالة على عقبيها، ويا جلف٨، يا جاهل، أما والله لولا الحرمات الثلاث: حرمة الإسلام، وحرمة الحرم، وحرمة الشهر الحرام، لأخذت الذي فيه عيناك، ثم أمر به إلى سجن "عارم" فحبس به مدة، ثم استوهبته هذيل، ومن له من قريش خئولة في هذيل، فأطلقه بعد سنة، وأقسم ألا يعطيه عطاء مع المسلمين أبدًا.
فلما ولي عبد الملك، أمر له بما فاته من العطاء، ومثله صلة من ماله وكساء وحمله.
стр. 1066
١٤٦- خطبته وقد قدم عليه وفد العراق:
قدم وفد من العراق على عبد الله بن الزبير، فأتوه في المسجد الحرام في يوم جمعة، فسلموا عليه، فسألهم عن مصعب أخيه، وعن سيرته فيهم، فقالوا: أحسن الناس سيرة،
стр. 1067
وأقضاه بحق، وأعدله في حكم، فصلى عبد الله بالناس الجمعة، ثم صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
قد جربوني ثم جربوني ... من غلوتين ومن المئين١
حتى إذا شابوا وشيبوني ... خلَّوْا عناني ثم سيبوني٢
أيها الناس: "إني قد سألت هذا الوفد من أهل العراق، عن عاملهم مصعب بن الزبير، فأحسنوا الثناء عليه، وذكروا عنه ما أُحِبُّ، ألا إن مصعبًا اطّبَى٣ القلوب، حتى ما تعدل به، والأهواء حتى ما تَحُول عنه، واستمال الألسن بثنائها؛ والقلوب بنصحها، والنفوس بمحبتها، فهو المحبوب في خاصته، المحمود في عامته، بما أطلق الله به لسانه من الخير، وبسط يده من البذل". ثم نزل.
"شرح ابن أبي الحديد م٤: ص٤٩٢؛ والأمالي ١: ٢٨٦"
стр. 1068
١٤٧- خطبته لما بلغه قتل مصعب:
لما قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير "سنة ٧١هـ" وانتهى خبر مقتله إلى عبد الله بن الزبير، أضرب عن ذكره أيامًا، حتى تحدث به إماء مكة في الطريق، ثم صعد المنبر، فجلس عليه مليٍّا لا يتكلم، والكآبة على وجهه، وجبينه يرشح عرقًا، فقال رجل من قريش لرجل إلى جانبه: ما له لا يتكلم، أتراه يهاب المنطق؟ فوالله إنه للبيب الخطباء، قال: لعله يريد أن يذكر مقتل مصعب سيد العرب، فيشتد ذلك عليه، وغير ملوم، ثم تكلم، فقال:
"الحمد لله الذي له الخلق والأمر، وملك الدنيا والآخرة، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء. أما بعد: فإنه لم يُعِزَّ اللهُ
стр. 1069
من كان الباطلُ معه، وإن كان معه الأنام طرًّا١، ولم يُذِلَّ من كان الحق معه وإن كان مفرَدًا ضعيفًا؛ ألا وإنه قد أتانا خبرٌ من العراقِ بلد الغدر والشقاق، فساءنا وسرنا، أتانا أن مصعبًا قُتِلَ رحمة الله عليه ومغفرته؛ فأما الذي أحزننا من ذلك، فإن لفراقِ الحميم لذعةً ولوعةً يجدها حميمُه عند المصيبة، ثم يرعوِي من بعد ذو الرأي والدين إلى جميل الصبر، وكريم العزاء، وأما الذي سرنا منه فإنا قد علمنا أن قتله شهادة له، وأنه جاعل لنا وله في ذلك الخيرة إن شاء الله تعالى.
أسلمه الطغام٢، الصم الآذان، أهل العراق، إسلام النَّعَمِ المُخَطَّة٣، وباعوه بأقل من الثمن الذي كانوا يأخذون منه، فإن يقتل فقد قتل أبوه وعمه وأخوه٤، وكانوا الخيار الصالحين، إنا والله لا نموت حتف آنافنا٥ ولكن قعصًا٦ بالرماح،
стр. 1070
وموتا تحت ظلال السيوف، وليس كما يموت بنو مروان، والله ما قتل منهم رجل في زحف في جاهلية ولا إسلام قط؛ ألا وإنما الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه، ولا يبيد ملكه، فإن تقبل الدنيا علي لم آخذها أخذ الأشر البطر١، وإن تدبر عني لم أبك عليها بكاء الخرق المهين٢. أقول قولي هذا وأسغفر الله لي ولكم" ثم نزل.
"الأغاني ١٧: ١٦٦، شرح ابن أبي الحديد م١ ص٣٢٠- م٤ ص٤٩٢، والعقد الفريد ٢: ص١٥٠ و٢٦٨، وتاريخ الطبري ٧: ١٩٠، وعيون الأخبار م٢: ص٢٤٠، وتهذيب الكامل ١: ١٨، ومروج الذهب ٢: ١٢٣".
стр. 1071
١٤٨- خطبة أخرى له:
وقال الجاحظ: لما جاءه قتل أخيه مصعب، قام خطيبًا بعد خطبته الأولى، فقال: "إن مصعبًا قدَّم أيره، وأخر خيره، وتشاغل بنكاح فلانة وفلانة١ وترك حلْبة٢ أهل الشام؛ حتى غشيته في داره، ولئن هلك مصعب إن في آل الزبير خلفًا منه".
"البيان والتبيين ٢: ٤٧".
стр. 1072
١٤٩- خطبته وقد بلغه قتل عمرو الأشدق:
وروى الجاحظ أيضًا أنه لما بلغه قتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد الأشدق، قام خطيبًا فقال:
стр. 1073
"إن أبا ذِبَّان١، قَتَلَ لطيم الشيطان٢، كذلك نولي بعض الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبون".
стр. 1074
١٥٠- عبد الله بن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر:
دخل ابن الزبير على أمه أسماء بنت أبي بكر، في اليوم الذي قتل فيه، وقد رأى من الناس ما رأى من خذلانهم، فقال:
يا أمه: خذلني الناس حتى ولدي١ وأهلي، فلم يبق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: أنت والله يا بني أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامضِ له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا، فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك، وأهلكت من قتل معك، وإن قلت: كنت على حق، فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن، والله لضربة بالسيف في عزٍّ، أحب إلي من ضربة بسوط في ذلٍّ، قال: إني أخاف إن قتلوني أن يمثلوا بي، قالت: يا بني إن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها.
فدنا منها وقبل رأسها، وقال: هذا والله رأيي، والذي قمت به داعيا إلى يومي هذا،
стр. 1075
ما رَكَنْتُ إلى الدنيا، ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضبُ لله أن تستحل حرمُهُ، ولكنني أحببتُ أن أعلمَ رأيك، فزدتني بصيرة مع بصيرتي، فانظري يا أمه، فإني مقتول من يومي هذا، فلا يشتد حزنك، وسلمي لأمر الله، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر، ولا عملا بفاحشة، ولم يجر في حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به، بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي، اللهم إني لا أقول هذا تزكية مني لنفسي -أنت أعلم بي- ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلو عني، فقالت أمه: إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنًا إن تقدَّمتني، وإن تقدَّمتُك ففي نفسي حرجٌ حتى أنظر إلام يصير أمرك، قال: يا أمه جزاك الله خيرًا! فلا تَدَعي الدعاء لي قبل وبعد، فقالت: لا أدعه أبدًا، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق، ثم قالت: "اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة، وبره بأبيه وبي، اللهم قد سلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين". ثم ودعها وخرج.
"تاريخ الطبري ٧: ٢٠٢، والفخري ١١١، والعقد الفريد ٢: ٢٧١، وبلاغات النساء ص١٣٠".
стр. 1076
١٥١- خطبته يوم قتله:
وخرج من عندها، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس، إن الموت قد تغشاكم سحابه، وأحقد بكم ربابه١، واجتمع بعد تفرق، وارجَحَنَّ بعد تمشق٢، ورجس٣ نحوكم رعده، وهو مفرغ عليكم ودقه٤
стр. 1077
وقائدٌ إليكم البلايا، تتبعها المنايا، فاجعلوا السيوف لها غرضًا، واستعينوا عليها بالصبر".
وتمثل بأبيات، ثم اقتحم يقاتل وهو يقول:
قد جد أصحابك ضرب الأعناق ... وقامت الحرب لها على ساق١
"العقد الفريد ٢: ٢٧١"
стр. 1078
١٥٢- خطبة أخرى:
روى الطبري قال:
لما كان يوم الثلاثاء صبيحة سبع عشرة من جمادى الأولى سنة ٧٣هـ وقد أخذ الحجاج على ابن الزبير بالأبواب، صلى بأصحابه الفجر، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"يا آل الزبير: لو طبتم لي نفسًا عن أنفسكم، كنا أهل بيت من العرب اصطلمنا١ في الله، لم تصبنا زبَّاءُ بتةً٢، أما بعد يا آل الزبير: فلا يرعكم وقع السيوف، فإني لم أحضر موطنًا قط إلا ارْتُثِثْتُ٣فيه من القتل، وما أجد من دواء جراحها أشد مما أجد من ألم وقعها، صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم؛ لا أعلم امرأ كسر سيفه، واستبقى نفسه، فإن الرجل إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة أعزل، غضوا أبصاركم عن البارقة٤، وليشغلْ كل امرئ قرنه، ولا يلهينكم السؤال عني، ولا تقولن: أين عبد الله بن الزبير؟ ألا من كان سائلا عني فإني في الرعيل٥ الأول:
أبى لابن سلمى أنه غير خالد ... ملاقي المنايا أي صرف تيمما
стр. 1079
فلست بمبتاع الحياة بسبة ... ولا مرتق من خشية الموت سلما
احملوا على بركة الله" ثم قاتل حتى أثخن بالجراحات وقتل.
"تاريخ الطبري ٢: ٢٠٤".
стр. 1080
١٥٣- خطبة مصعب بن الزبير:
عث عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا واليًا على البصرة سنة ٦٧هـ، فصعد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ "وأشار بيده نحو الشام" ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ "وأشار بيده نحو الحجاز" ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ "وأشار بيده نحو العراق".
"البيان والتبيين ٢: ١٥٩، والعقد الفريد ٢: ١٥٨، وتاريخ الطبري ٧: ١٤٦"
стр. 1081
خطب الأمويين خطباء البيت الأموى
خطبته بالمدينة عام الجماعة
...
خطب الأمويين، خطباء البيت الأموي:
طب معاوية "توفي سنة ٦٠هـ":
٥٤ – خطبته بالمدينة عام الجماعة:
قدم معاوية المدينة عام الجماعة "سنة ٤١هـ" فتلقاه رجال قريش، فقالوا: الحمد لله الذي أعز نصرك، وأعلى كعبك، فما رد عليهم شيئًا حتى صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم، ولا مسرة بولايتي، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة، ولقد رُضْتُ١ لكم نفسي على عمل ابن أبي قحافة، وأردتها على عمل عمر، فنفرت من ذلك نفارًا شديدًا، وأردتها على سُنَيات٢ عثمان، فأبت علي، فسلكت بها طريقًا لي ولكم فيه منفعة: مؤاكلة حسنة ومشاربة جميلة، فإن لم تجدوني خيركم، فإني خير لكم ولاية، والله لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن منكم إلا ما يستشفى به القائل بلسانه، فقد جعلت ذلك له دَبْرَ٣ أذني،
стр. 1082
وتحت قدمي، وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله، فاقبلوا مني بعضه، فإن أتاكم مني خير فاقبلوه، فإن السيل إذا جاد يثرى؛ وإذا قل أغنى، وإياكم والفتنة، فإنها تفسد المعيشة وتكدر النعمة" ثم نزل.
"العقد الفريد ٢: ١٣٩".
стр. 1083
١٥٥- خطبة أخرى له بالمدينة:
وخطب، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم صلى على النبي ﷺ ثم قال:
"أما بعد، أيها الناس، إنا قدمنا عليكم، وإنما قدمنا على صديق مستبشر، أو على عدو مستتر، وناس بين ذلك ينظرون وينتظرون، فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون، ولست واسعًا كل الناس، فإن كانت محمدة، فلا بد من مذمة، فلومًا هونًا إذ ذكر غفر، وإياكم والتي إن أخفيت أوْبَقَتْ، وإن ذكرت أوثقت" ثم نزل.
"العقد الفريد ٢: ١٤٠".
стр. 1084
١٥٦- خطبة له بالمدينة:
وصعد منبر المدينة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"يأهل المدينة، إني لست أحب أن تكونوا خلقًا كخلق العراق، يعيبون الشيء وهم فيه، كل امرئ منهم شيعة نفسه، فاقبلونا بما فينا، فإن ما رواءنا شر لكم، وإن معروف زماننا هذا منكر زمان قد مضى، ومنكر زماننا معروف زمان لم يأت، ولو قد أتى فالرتق خير من الفتق، وفي كلٍّ بلاغ، ولا مقام على الرزية".
"العقد الفريد ٢: ١٤٠"
стр. 1085
١٥٧- خطبته حين ولى المغيرة بن شعبة الكوفة:
ولما ولَّى معاوية المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة ٤هـ دعاه، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا١، وقد قال المتلمس:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما
وقد يُجزِي٢ الحكيم بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة، فأنا تاركها اعتمادا على بصرك بما يرضيني، ويسعد سلطاني، وتصلح به رعيتي، ولست تاركا إيصاءك بخصلة: لا تَتَحَمَّ٣ عن شتم علي وذمه، والترحم على عثمان، والاستغفار له، والعيب على أصحاب علي، والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه، والإدناء لهم، والاستماع منهم".
فقال المغيرة: "قد جَرَّبْتُ وجُرِّبْتُ، وعملت قبلك لغيرك، فلم يذمم بي دفع ولا رفع، ولا وضع، فستبلو٤ فتحمد، أو تذُمّ" قال: "بل نحمد إن شاء الله".
"تاريخ الطبري ٦: ١٤١"
стр. 1086
١٥٨- خطبة له في يوم صائف:
وخطب الجمعة في يوم صائف شديد الحر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله ﷺ ، ثم قال:
"إن الله خلقكم فلم ينسكم، ووعظكم فلم يهملكم، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قوموا إلى صلاتكم
"العقد الفريد ٢: ١٤٠".
стр. 1087
١٥٩- آخر خطبة له:
صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قبض على لحيته، وقال:
"أيها الناس: إني من زرع قد استحصد١، وقد طالت عليكم إمرتي، حتى مللتكم ومللتموني، وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي، وإنه لا يأتيكم بعدي إلا من هو شرٌّ مني، كما لم يأتكم قبلي إلا من كان خيرًا مني، وإنه من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، اللهم إني قد أحببت لقاءك، فأحبب لقائي" ثم نزل، فما صعد المنبر حتى مات٢.
"الأمالي ٢: ٣١٥، وتهذيب الكامل ١: ١٦"
стр. 1088
خطبته وقد حضرته الوفاة
...
١٦٠- خطبته وقد حضره الوفاة:
ولما حضرت معاوية الوفاة قال لمولى له: من بالباب؟ قال: نفر من قريش يتباشرون بموتك، قال: ويحك؟ ولم؟ قال: لا أدري، قال: فوالله ما لهم بعدي إلا الذي يسوءهم، وأذن للناس فدخلوا، فحمد الله وأثنى عليه، وأوجز ثم قال:
стр. 1089
"أيها الناس: إنا قد أصبحنا في دهر عنود١، وزمن شديد٢ يعد فيه المحسن مسيئا، ويزداد فيه الظالم عتوا، لا ننتفع بما علمناه، ولا نسأل عما جهلناه، ولا نتخوف قارعة٣ حتى تحل بنا؛ فالناس على أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه، وكلال حده، ونضيض وقره٤ ومنهم المصلت٥ لسيفه، المجلب بخيله ورجله، المعلن بشره، قد أشرط نفسه، وأوبق دينه، لحطام ينتهزه٦، أو مقتب٧ يقوده، أو منبر يقرعه٨، ولبئس المتجر أن تراهما لنفسك ثمنا، ومما لك عند الله عوضا، ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن من شخصه، وقارب من خطوه، وشمر من ثوبه، وزخرف نفسه للأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة للمعصية، ومنهم من قد أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه، وانقطاع سببه، فقصرت به الحال عن أمله. فتحلى باسم القناعة، وتزين بلباس الزهاد، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى، وبقى رجال غض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد نافر، وخائف منقمع٩، وساكت مكعوم١٠، وداع مخلص، وموجع ثكلان، قد أخملتهم التقية١١، وشملتهم الذلة، فهم بحر أجاج١٢، أفواههم ضامزة١٣، وقلوبهم قرحة، قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا
стр. 1090
حتى قلوا، فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ١ وقراضة الجلمين، واتعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، فارفضوها ذميمة فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم".
"البيان والتبيين ٢: ٢٨، والعقد الفريد ٢: ١٤١: ونهج البلاغة ١: ٤٠ وإعجاز القرآن ٢١٣"