← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

١٥٨- خطبة له في يوم صائف: وخطب الجمعة في يوم صائف شديد الحر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله ﷺ ، ثم قال: "إن الله خلقكم فلم ينسكم، ووعظكم فلم يهملكم، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قوموا إلى صلاتكم "العقد الفريد ٢: ١٤٠".

стр. 1087

١٥٩- آخر خطبة له: صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قبض على لحيته، وقال: "أيها الناس: إني من زرع قد استحصد١، وقد طالت عليكم إمرتي، حتى مللتكم ومللتموني، وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي، وإنه لا يأتيكم بعدي إلا من هو شرٌّ مني، كما لم يأتكم قبلي إلا من كان خيرًا مني، وإنه من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، اللهم إني قد أحببت لقاءك، فأحبب لقائي" ثم نزل، فما صعد المنبر حتى مات٢. "الأمالي ٢: ٣١٥، وتهذيب الكامل ١: ١٦"

стр. 1088

خطبته وقد حضرته الوفاة ... ١٦٠- خطبته وقد حضره الوفاة: ولما حضرت معاوية الوفاة قال لمولى له: من بالباب؟ قال: نفر من قريش يتباشرون بموتك، قال: ويحك؟ ولم؟ قال: لا أدري، قال: فوالله ما لهم بعدي إلا الذي يسوءهم، وأذن للناس فدخلوا، فحمد الله وأثنى عليه، وأوجز ثم قال:

стр. 1089

"أيها الناس: إنا قد أصبحنا في دهر عنود١، وزمن شديد٢ يعد فيه المحسن مسيئا، ويزداد فيه الظالم عتوا، لا ننتفع بما علمناه، ولا نسأل عما جهلناه، ولا نتخوف قارعة٣ حتى تحل بنا؛ فالناس على أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه، وكلال حده، ونضيض وقره٤ ومنهم المصلت٥ لسيفه، المجلب بخيله ورجله، المعلن بشره، قد أشرط نفسه، وأوبق دينه، لحطام ينتهزه٦، أو مقتب٧ يقوده، أو منبر يقرعه٨، ولبئس المتجر أن تراهما لنفسك ثمنا، ومما لك عند الله عوضا، ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن من شخصه، وقارب من خطوه، وشمر من ثوبه، وزخرف نفسه للأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة للمعصية، ومنهم من قد أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه، وانقطاع سببه، فقصرت به الحال عن أمله. فتحلى باسم القناعة، وتزين بلباس الزهاد، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى، وبقى رجال غض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد نافر، وخائف منقمع٩، وساكت مكعوم١٠، وداع مخلص، وموجع ثكلان، قد أخملتهم التقية١١، وشملتهم الذلة، فهم بحر أجاج١٢، أفواههم ضامزة١٣، وقلوبهم قرحة، قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا

стр. 1090

حتى قلوا، فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ١ وقراضة الجلمين، واتعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، فارفضوها ذميمة فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم". "البيان والتبيين ٢: ٢٨، والعقد الفريد ٢: ١٤١: ونهج البلاغة ١: ٤٠ وإعجاز القرآن ٢١٣"

стр. 1091

١٦١- وصيته لابنه يزيد: لما حضرت معاوية الوفاة، ويزيد غائب، دعا معاوية مسلم بن عقبة المري، والضحاك بن قيس الفهري، فقال: أبلغا عني يزيد وقولا له: "يا بني، إني قد كفيتك الشد والترحال، ووطأت لك الأمور، وذللت لك الأعداء، وأخضعت لك رقاب العرب، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد، فانظر أهل الحجاز، فإنهم أصلك وعترتك١، فمن أتاك منهم فأكرمه، ومن قعد عنك فتعهده، وانظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل، فإن عزل عامل أهون عليك من سل مائة ألف سيف، ثم لا ندري علام أنت عليه منهم؟ ثم انظر أهل الشام، فاجعلهم الشعار٢دون الدثار، فإن رابك من عدوك ربب، فارمهم٣ بهم، فإن

стр. 1092

أظفرك الله بهم، فاردد أهل الشام إلى بلادهم، ولا يقيموا في غير بلادهم، فيتأدبوا بغير أدبهم. وإني لست أخاف عليك أن ينازعك هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأما عبد الله بن عمر فرجل قد وقذه١ الورع، وإذا لم يبق أحد غيره بايعك؛ وأما الحسين بن علي فإنه رجل خفيف، وأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه فإن خرج وظفرت به، فاصفح عنه، فإن له رحمًا٢ ماسة، وحقًّا عظيمًا، وقرابة من محمد صلوات الله عليه وسلامه؛ وأما ابن أبي بكر، فإن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثلهم، ليست له همة إلا في النساء واللهو؛ وأما ابن الزبير، فإنه خب ضب٣، فإن ظفرت به فقطعه إربًا إربًا٤. "أو قال" وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد، ويراوغك مراوغة الثعلب، فإن أمكنته فرصة وثب، فذاك ابن الزبير، فإن هو وثب عليك، فظفرت به فقطعه إربًا إربًا، واحقن دماء قومك ما استطعت". "البيان والتبين ٢: ٦٦ وتاريخ الطبري ٦: ١٧٩، العقد الفريد ٢: ١٤١-٢٤٩ الفخري ص١٠٢"

стр. 1093

خطب يزيد بن معاوية خطبته بعد موت معاوية ... خطب يزيد بن معاوية "توفي سنة ٦٤هـ": ١٦٢- خطبته بعد موت معاوية: "الحمد لله الذي ما شاء صنع: من شاء أعطى، ومن شاء منع، ومن شاء خفض ومن شاء رفع، إن أمير المؤمنين كان حبلا من حبال الله، مده ما شاء أن يمده، ثم قطعه حين أراد أن يقطعه، وكان دون من قبله، وخيرًا ممن يأتي بعده، ولا أزكيه عند ربه وقد صار إليه، فإن يعف فبرحمته. وإن يعاقبه فبذنبه، وقد وليت بعده الأمر، ولست أعتذر من جهل، ولا أشتغل١ بطلب علم، وعلى رسلكم، إذا كره الله شيئا غيّره، وإذا أحب شيئا يسّره". "العقد الفريد ٢: ١٤٢-٢٥٠، ومروج الذهب ٢: ٩٣، عيون الأخبار م٢: ص٢٣٨"

стр. 1094

١٦٣- خطبة أخرى له: "الحمد لله أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله اصطفاه لوحيه، واختاره لرسالته، بكتاب فصله وفضله، وأعزّه وأكرمه، ونصره وحفظه، ضرب فيه الأمثال، وحلل فيه الحلال، وحرم فيه الحرام، وشرع فيه الدين؛ إعذارًا وإنذارًا لئلا يكون

стр. 1095

للناس على الله حجة بعد الرسل، ويكون بلاغا لقوم عابدين١. أوصيكم عباد الله بتقوى الله العظيم الذي ابتدأ الأمور بعلمه، وإليه يصير معادها، وانقطاع مدتها، وتصرم دارها، ثم إني أحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة٢، حفت بالشهوات، وراقت بالقليل، وأينعت بالفاني، وتحببت بالعاجل، لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجيعتها، أكالة غوالة غرارة، لا تبقى على حال، ولا يبقى لها حال. لن تعدو الدنيا إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا بها أن تكون كما قال الله : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ نسأل الله ربنا وإلهنا وخالقنا ومولانا أن يجعلنا وإياكم من فزع يومئذ آمنين، إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله، يقول الله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ . "العقد الفريد: ٢: ١٤٢"

стр. 1096

١٦٤- خطبة معاوية بن يزيد ١ "توفي سنة ٦٤": أمر معاوية بن يزيد بن معاوية بعد ولايته، فنودي بالشام: الصلاة جامعة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإني قد نظرت في أمركم، فضعفت عنه، فابتغيت لكم رجلا مثل عمر بن الخطاب رحمة الله عليه حين فزع إليه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت لكم ستة في الشورى

стр. 1097

مثل ستة عمر فلم أجدها، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم، فما كنت لأتزودها ميتًا، وما استمتعت بها حيًّا". ثم دخل منزله ولم يخرج إلى الناس، وتغيب حتى مات١. "تاريخ الطبري ٧: ٣٤، والفخري ص١٠٧، ومروج الذهب ٢: ٩٧"

стр. 1098

١٦٥- وصية مروان بن الحكم لابنه عبد العزيز: ولما انصرف مروان بن الحكم من مصر إلى الشام استعمل عبد العزيز ابنه على مصر، وقال له حين ودعه: "أرسل حكيمًا ولا توصه، أي بني انظر إلى عمالك فإن كان لهم عندك حقٌّ غدوةً فلا تؤخره إلى عشية، وأعطهم حقوقهم عند محلها، تستوجب بذلك الطاعة منهم، وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب، فإنهم إن ظهر لهم منك كذب لم يصدقوك في الحق، واستشر جلساءك وأهل العلم، فإن لم يستبن لك فاكتب إلي يأتك رأيي فيه إن شاء الله تعالى، وإن كان بك غضب على أحد من رعيتك، فلا تؤاخذه به عند سورة الغضب، واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك، ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب منطفئ الجمرة، فإن أول من جعل السجن كان حليمًا ذا أناة، ثم انظر إلى أهل الحسب والدين والمروءة، فليكونوا أصحابك وجلساءك، ثم اعرف منازلهم منك على غيرهم، على غير استرسال ولا انقباض، أقول هذا وأستخلف الله عليك". "العقد الفريد ١: ٤٩"

стр. 1099

خطب عبد الملك بن مروان خطبته بمكة ... خطب عبد الملك بن مروان "توفى سنة ٨٦هـ": ١٦٦- خطبته بمكة: خطب بمكة فقال في خطبته: "أيها الناس: إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف "يريد عثمان بن عفان" ولا بالخليفة المداهن "يريد معاوية بن أبي سفيان" ولا بالخليفة المأفون١ "يريد يزيد بن معاوية" فمن قال برأسه كذا، قلنا له بسيفنا كذا". ثم نزل٢. "العقد الفريد ٢: ١٤٢ و٢٦٣ والبيان والتبيين ٢: ٨٥".

стр. 1100

١٦٧- خطبة له موجزة: وخطب على المنبر فقال: "أيها الناس إن الله حد حدودًا، وفرض فروضًا، فما زلتم تزدادون في الذنب، ونزداد في العقوبة، حتى اجتمعنا نحن وأنتم عند السيف". "العقد الفريد ٢: ٢٦٣".

стр. 1101

خطبته حين قتل عمر الأشدق بن سعيد بن العاص ... ١٦٨- خطبته حين قتل عمرا الأشدق بن سعيد بن العاص: ١ "ارموا بأبصاركم نحو أهل المعصية، واجعلوا سلفكم لمن غبر منكم عظة، ولا تكونوا أغفالا٢ من حسن الاعتبار، فتنزل بكم جائحة٣ السطوات، وتجوس خلالكم بوادر النقمات، وتطأ رقابكم بثقلها العقوبة، فتجعلكم همدا رفاتا٤، وتشتمل عليكم بطون الأرض أمواتًا، فإياي من قول قائل، ورشقة جاهل، فإنما بيني وبينكم أن أسمع النغوة٥، فأصمم تصميم الحسام المطرور٦، وأصول صيال الحنق الموتور٧، وإنما هي المصافحة والمكافحة، بظبات السيوف وأسنة الرماح، والمعاودة لكم بسوء الصباح، فتاب تائب، وهدل خائب٨، والتوب مقبول، والإحسان مبذول،

стр. 1102

لمن عرف رشده، وأبر حظه، فانظروا لأنفسكم، وأقبلوا على حظوظكم، وليكن أهل الطاعة يدًا على أهل الجهل من سفهائكم، واستديموا النعمة التي ابتدأتكم برغيد عيشها، ونفيس زينتها، فإنك من ذلك بين فضيلتين: عاجل الخفض والدعة، وآجل الجزاء والمثوبة، عصمكم الله من الشيطان وفتنته ونزغه١، وأمدكم بحسن معونته وحفظه، انهضوا رحمكم الله إلى قبض أعطياتكم، غير مقطوعة عنكم، ولا مكدرة عليكم". "صبح الأعشى ١: ٢١٨".

стр. 1103

١٦٩- خطبته لما دخل الكوفة بعد قتل مصعب بن الزبير: ١ لما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير سنة ٧١هـ دخل الكوفة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ثم قال: "أيها الناس إن الحرب صعبة مرة، وإن السلم أمن ومسرة، وقد زبنتنا الحرب وزبناها٢ فعرفناها وألفناها، فنحن بنوها وهي أمنا. أيها الناس فاستقيموا على سبل الهدى، ودعوا الأهواء المردية، وتجنبوا فراق جماعات المسلمين، ولا تكلفونا أعمال المهاجرين الأولين وأنتم لا تعملون أعمالهم، ولا أظنكم تزدادون بعد الموعظة إلا شرًّا، ولن نزداد بعد الإعذار إليكم والحجة عليكم إلا عقوبة، فمن شاء منكم أن يعود بعد لمثلها فليعد، فإنما مثلي ومثلكم كما قال قيس من رفاعة الأنصاري: من يصلَ ناري بلا ذنب ولا ترة ... يصلَ بنار كريم غير غدار٣ أنا النذير لكم مني مجاهرة ... كي لا ألام على نهي وإنذار

стр. 1104

فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا ... أن سوف تلقون خِزْيًا ظاهر العار لترجعن أحاديثا ملعَّنة ... لهو المقيم ولهو المدلج الساري١ من كان في نفسه حوجاء يطلبها ... عندي فإني له رهن بإصحار٢ أقيم عوجته إن كان ذا عوج ... كما يقوِّمُ قدح النبعة الباري٣ وصاحب الوتر ليس الدهر مدركه ... عندي، وإني لدرَّاك بأوتار "الأمالي ١: ١٢".

стр. 1105

١٧٠- خطبته عام حجه: وحج عبد الملك في بعض أعوامه، فأمر الناس بالعطاء، فخرجت بدرة١ مكتوب عليها من الصدقة، فأبى أهل المدينة قبولها، وقالوا: إنما كان عطاؤنا من الفيء، فقال عبد الملك وهو على المنبر: "يا معشر قريش، مثلنا ومثلكم أن أخوين في الجاهلية خرجا مسافرين، فنزلا في ظل شجرة تحت صفاة٢، فلما دنا الرواح خرجت إليهما من تحت الصفاة حية تحمل دينارًا، فألقته إليهما، فقالا: إن هذا لمن كنز، فأقاما عليها ثلاثة أيام، كل يوم تخرج إليهما دينارا، فقال أحدهما لصاحبه: إلى متى ننتظر هذه الحية؟ ألا نقتلها ونحفر هذا الكنز فنأخذه، فنهاه أخوه، وقال: ما تدري لعلك تعطب ولا تدرك المال، فأبى عليه

стр. 1106

وأخذ فأسا معه، ورصد الحية حتى خرجت، فضربها ضربة جرحت رأسها ولم تقتلها، فثارت الحية، فقتلته، ورجعت إلى جحرها، فقام أخوه، فدفنه، وأقام حتى إذا كان من الغد خرجت الحية معصوبًا رأسها، ليس معها شيء، فقال لها: يا هذه إني والله ما رضيت ما أصابك، ولقد نهيت أخي عن ذلك، فهل لك أن نجعل الله بيننا أن لا تضريني ولا أضرك وترجعين إلى ما كنت عليه؟ قالت الحية: لا، قال: ولم ذلك؟ قالت: إني لأعلم أن نفسك لا تطيب لي أبدًا وأنت ترى قبر أخيك، ونفسي لا تطيب لك أبدًا وأنا أذكر هذه الشجة١، وأنشدهم شعر النابغة: فقالت أرى قبرًا تراه مقابلي ... وضربة فأس فوق رأسي فاغره فيا معشر قريش وليكم عمر بن الخطاب، فكان فظا غليظا مضيقا عليكم، فسمعتم له وأطعتم، ثم وليكم عثمان فكان سهلا، فعدوتم عليه فقتلتموه، وبعثنا عليكم "مسلمًا"٢ يوم الحرة فقتلناكم، فنحن نعلم يا معشر قريش أنكم لا تحبوننا أبدا، وأنتم تذكرون يوم الحرة، ونحن لا نحبكم أبدًا ونحن نذكر قتل عثمان". "مروج الذهب ٢: ١٢٩".

стр. 1107

١٧١- خطبته وقد علم بخروج ابن الأشعث: ولما ورد إليه كتاب الحجاج ينبئه بخروج ابن الأشعث خرج إلى الناس فقام فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

стр. 1108

"إن أهل العراق طال عليهم عمري، فاستعجلوا قدري، اللهم سلط عليهم سيوف أهل الشام حتى يبلغوا رضاك، فإذا بلغوا رضاك لم يجاوزوا إلى سخطك" ثم نزل. "تاريخ الطبري ٨: ١٠".

стр. 1109

١٧٢- وصيته لبعض أمرائه: وأوصى عبد الملك أميرًَا سيره إلى أرض الروم، فقال: "أنت تاجر الله لعباده، فكن كالمضارب الكيس الذي إن وجد ربحا اتَّجَرَ، وإلا تحفظ برأس المال، ولا تطلب الغنيمة حتى تحرز السلامة، وكن من احتيالك على عدوك أشد حذرًا من احتيال عدوك عليك". "العقد الفريد ١: ٤١".

стр. 1110

١٧٣- وصيته للشعبي: وروى المسعودي في مروج الذهب قال: ولما أفضى الأمر إلى عبد الملك بن مروان، تاقت نفسه إلى محادثة الرجال والأشراف في أخبار الناس، فلم يجد من يصلح لمنادمته غير الشعبي، فلما حمل إليه ونادمه، قال له: "يا شعبي، لا تساعدني على ما قبح، ولا ترد علي الخطأ في مجلسي، ولا تكلفني جواب التشميت١ والتهنئة، ولا جواب السؤال والتعزية، ودع عنك "كيف أصبح الأمير، وكيف أمسى". وكلمني بقدر ما أستطعمك، واجعل بدل المدح لي صواب الاستماع مني، واعلم أن صواب الاستماع أكثر من صواب القول، وإذا سمعتني أتحدث فلا يفوتنك منه شيء، وأرني فهمك من طرفك وسمعك، ولا تجهد نفسك في نظر٢

стр. 1111

صوابي، ولا تستدع بذلك الزيادة في كلامي، فإن أسوأ الناس حالا من استكد الملوك بالباطل، وإن أسوأ الناس حالا منهم من استخف بحقهم، واعلم يا شعبي أن أقل من هذا يذهب بسالف الإحسان، ويسقط حق الحرمة. فإن الصمت في موضعه ربما كان أبلغ من النطق في موضعه وعند إصابته وفرصته". "مروج الذهب ٢: ١٠٩".

стр. 1112

١٧٤- وصيته لأخيه عبد العزيز بن مروان: وأوصى عبد الملك بن مروان أخاه عبد العزيز حين ولاه مصر فقال: "ابسط بشرك، وألن كنفك، وآثر الرفق في الأمور، فإنه أبلغ بك، وانظر حاجبك، فليكن من خير أهلك، فإنه وجهك ولسانك، ولا يقفن أحد ببابك إلا أعلمك مكانه، لتكون أنت الذي تأذن له أو ترده، وإذا خرجت إلى مجلسك فابدأ بالسلام، يأنسوا بك، وتثبت في قلوبهم محبتك، وإذا انتهى إليك مشكل، فاستظهر عليه بالمشاورة، فإنها تفتح مغاليق١ الأمور، وإذا سخطت على أحد فأخر عقوبته، فإنك على العقوبة بعد التوقف عنه أقدر منك على ردها بعد إمضائها".

стр. 1113

١٧٥- وصيته لولده عند وفاته: نظر عبد الملك إلى ابنه الوليد وهو يبكي عليه عند رأسه، فقال: "يا هذا أحنين الحمامة؟ إذا أنا متُّ فشمرْ واتَّزِرْ، والبسْ جلد نمر، وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسه لك، فاضرب عنقه، ومن سكت مات بدائه،

стр. 1114

ثم أقبل عبد الملك يذم الدنيا، قال: "إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لقليل، وإن كنا منك لفي غرور". ثم أقبل على جميع ولده فقال: "أوصيكم بتقوى الله، فإنها عصمة باقية، وجنة واقية، فالتقوى خير زاد، وأفضل في المعاد، وهي أحصن كهف، وليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير حق الكبير، مع سلامة الصدور، والأخذ بجميل الأمور، وإياكم والبغي والتحاسد، فبهما هلك الملوك الماضون، وذوو العز المكين، يا بنيّ: أخوكم مسلمة نابُكم الذي تفرون١ عنه، ومِجَنِّكُم٢ الذي تستجنون به، أصدروا عن رأيه، وأكرموا الحجاج فإنه الذي وطأ لكم هذا الأمر، كونوا أولادا أبرارا، وفي الحروب أحرارا، وللمعروف منارا، وعليكم السلام". "مروج الذهب ٢: ١٥٤".

стр. 1115

١٧٦- خطبة للوليد بن عبد الملك بعد دفن أبيه "توفي سنة ٩٦هـ": لما رجع الوليد من دفن عبد الملك لم يدخل منزله حتى دخل المسجد، ونادى في الناس: الصلاة جامعة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس إنه لا مؤخر لما قدَّم الله، ولا مقدم لما أخر الله، وقد كان من قضاء الله وسابق علمه، وما كتب على أنبيائه، وحملة عرشه من الموت موت ولي هذه الأمة، ونحن نرجو أن يصير إلى منازل الأبرار، للذي كان عليه من الشدة على المريب، واللين على أهل الفضل والدين، مع ما أقام من منار الإسلام وأعلامه، وحج هذا البيت وغزو هذه الثغور، وشن الغارات على أعداء الله، فلم يكن فيها عاجزًا ولا وانيًا، ولا مفرطًا، فعليكم أيها الناس بالطاعة، ولزوم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الجماعة أبعد، واعلموا أنه من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه". ثم نزل. "العقد الفريد ٢: ١٤٢، وتاريخ الطبري ٨: ٥٩".

стр. 1116

١٧٧- خطبة لسليمان بن عبد الملك "توفي سنة ٩٩هـ": "الحمد لله، ألا إن الدنيا دار غرور، ومنزل باطل، تضحك باكيًا، وتبكي ضاحكًا، وتخيف آمنًا، وتؤمن خائفًا، وتفقر مثريًا، وتثري مقترًا١ ميالة غرارة، لعّابة بأهلها، عباد الله، فاتخذوا كتاب الله إماما، وارتضوا به حكمًا، واجعلوه لكم قائدًا، فإنه ناسخ لما كان قبله، ولم ينسخه كتاب بعده، واعلموا عباد الله أن هذا القرآن يجلو كيد الشيطان، كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفس ظلام الليل إذا عسعس". "العقد الفريد ٢: ١٤٣، وعيون الأخبار م٢: ص٢٤٧، والبيان والتبيين ١: ١٦٦"

стр. 1117

خطب عمر بن عبد العزيز أولى خطبه ... خطب عمر بن عبد العزيز "توفي سنة ١٠١هـ": ١٧٨- أولى خطبه: قال العتبي: أول خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز ﵀ قوله: "أيها الناس، أصلحوا سرائركم، تصلح لكم علانيتكم، وأصلحوا آخرتكم تصلح دنياك، وإن امرأ ليس بينه وبين آدم أب حي لمعرِق في الموت". "العقد الفريد ٢: ١٤٣، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص٢١٧".

стр. 1118

١٧٩- خطبة له بالمدينة: وفي سنة ٨٧هـ ولَّى الوليد عمر بن عبد العزيز المدينة، فلما قدمها صلى الظهر ودعا عشرة من فقهائها، فدخلوا عليه، فجلسوا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانًا على الحق، ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة فأُحَرِّج١ اللهَ على من بلغه ذلك إلا بلَّغني". فخرجوا يجزونه خيرًا. "تاريخ الطبري ٨: ٦١".

стр. 1119

١٨٠- خطبة أخرى: وروى المسعودي في مروج الذهب، أنه لما أفضى إليه الأمر، كان أول خطبة خطب الناس بها أن قال: "أيها الناس، إنما نحن من أصول قد مضت فروعها، فما بقاء فرع بعد أصله؟ وإنما الناس في هذه الدنيا أغراض تنتضل١ فيهم المنايا، وهم فيها نصب المصائب، مع كل جرعة شرق٢، وفي كل أكلة غصص، لا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يعمر معمر منكم يومًا من عمره إلا بهدم آخر من أجله". وأورد القالي في الأمالي هذه الخطبة بصورة أطول، وهي: "ما الجزع مما لا بد منه، وما الطمع فيما لا يرجى، وما الحيلة فيما سيزول؟ وإنما الشيء من أصله، فقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها، فما بقاء فرع بعد أصله؟ إنما الناس في الدنيا أغراض تنتضل فيهم المنايا، وهم فيها نهب للمصائب، مع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص، ولا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يعمر معمر يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله، وأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم، فأين المهرب مما هو كائن؟، وإنما نتقلب في قدرة الطالب، ما أصغر المصيبة اليوم، مع عظيم الفائدة غدا، وأكبر خيبة الخائب فيه، والسلام". "مروج الذهب ٢: ١٦٨، والأمالي ٢: ١٠٢، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص٢١٣".

стр. 1120

١٨١- خطبة أخرى: وروي أنه لما دفن سليمان بن عبد الملك، وخرج من قبره، سمع للأرض رجة، فقال: ما هذه؟ فقيل: هذه مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين، قربت إليك لتركبها، فقال: ما لي ولها؟ نحوُّها عني، قربوا إلي بغلتي، فقربت إليه، فركبها. وجاءه صاحب الشرطة يسير بين يديه بالحربة، فقال: تنحَّ عني، ما لي ولك؟ إنما أنا رجل من المسلمين، فسار، وسار معه الناس، حتى دخل المسجد، فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس، فقال: "أيها الناس: إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم". فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك، فَلِ أمرنا باليمن والبركة، فلما رأى الأصوات قد هدأت، ورضي به الناس جميعًا، حمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، وقال: "أوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خَلَفٌ من كل شيء، وليس من تقوى الله خَلَفٌ، واعملوا لآخرتكم، فإنه من عمل لآخرته كفاه الله ﵎ أمر دنياه وأصلحوا سرائركم، يصلح الله الكريم علانيتكم، وأكثروا ذكرَ الموت، وأحسنوا الاستعداد قبل أن ينزل بكم، فإنه هادم اللذات، وإن من لا يذكر من آبائه فيما بينه وبين آدم ﵇ أبًا حيًّا لمعرق في الموت، وإن هذه الأمة لم تختلف في ربها ، ولا في نبيها ﷺ ، ولا في كتابها، وإنما اختلفوا في الدنيار والدرهم، وإني والله لا أعطي أحدًا باطلا، ولا أمنع أحدًا حقًّا، إني لست

стр. 1121

بخازن، ولكني أضع حيث أمرت، أيها الناس: إنه قد كان قبلي ولاة تجترون١ مودتهم، بأن تدفعوا بذلك ظلمهم عنكم، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. أقول قولي هذا، وأسغفر الله العظيم لي ولكم". "سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص٥٣-٢٠١، ولابن عبد الحكم ص٣٩".

стр. 1122

١٨٢- خطبة أخرى: وروي أنه لما ولي الخلافة صعد المنبر، وكان أول خطبة خطبها: حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "يأيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس، وإلا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما لا نهتدي إليه، ولا يغابن عندنا الرعية، ولا يعترض فيما لا يعنيه". فانقشع عنه الشعراء والخطباء، وثبت الفقهاء والزهاد، وقالوا: ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل، حتى يخالف قوله فعله. "سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص١٩٦".

стр. 1123

١٨٣- خطبة أخرى: وصعد المنبر: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، أيها الناس، إنه ليس بعد نبيكم ﷺ نبي، وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب، فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة

стр. 1124

وما حرم الله على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا إني لستُ بقاضٍ، لكني منفذ لله، ولست بمبتدع، ولكني متبع، ألا إنه ليس لأحد أن يطاع في معصية الله ، ألا إني لست بخيركم، وإنما أنا رجل منكم، غير أن الله جعلني أثقلكم حملا، يأيها الناس: إن أفضل العبادة أداء الفرائض، واجتناب المحارم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم". "سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص٥٦، وص١٩٨، ولابن عبد الحكم ص٣٨، ومروج الذهب ٢: ١٦٨".

стр. 1125

١٨٤- خطبة أخرى: وخطب فقال: "أيها الناس، إنكم ميتون، ثم إنكم مبعوثون، ثم إنكم محاسبون، فلعمري لئن كنتم صادقين لقد قصرتم، ولئن كنتم كاذبين لقد هلكتم. يأيها الناس، إنه من يقدر له رزق برأس جبل، أو بحضيض أرض يأته، فأجملوا في الطلب": "إعجاز القرآن ص١٢٤، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص١٩٨".
следующие страницы →