٤٩- خطبة عبد المطلب بن هاشم:
يهنئ سيف بن ذي يزن باسترداد ملكه من الحبشة.
لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة، أتته وفود العرب وأشرافها وشعراؤها تهنئه وتمدحه، ومنهم وفد قريش، وفيهم عبد المطلب بن هاشم؛ فاستأذنه في الكلام فأذن له، فقال:
"إن الله تعالى -أيها الملك- أحلك محلًّا رفيعًا، صعبًا منيعًا، باذخًا١ شامخًا، وأنبتك منبتًا طابت أرومته٢، وعزت جرثومته٣، وثبت أصله، وبسق٤ فرعه، في أكرم معدن، وأطيب موطن، فأنت -أبيت اللعن- رأس العرب وربيعها الذي به تخصب، وملكها الذي به تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها٥ الذي إليه يلجأ العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا بعدهم خير خلف، ولن يهلك من أنت
стр. 107
خلفه، ولن يخمل من أنت سلفه، نحن أيها الملك أهل حرم الله وذمته، وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجك بكشف الكرب الذي فجحنا١، فنحن وفد التهنئة، لا وفد المرزئة٢".
"العقد الفريد ١:١٠٧، وأبناء نجباء الأبناء ص ١١".
стр. 108
٥٠- خطبة أبي طالب:
في زواج الرسول ﷺ بالسيدة خديجة
خطب أبو طالب حين زواج النبي ﷺ بالسيدة خديجة فقال:
"الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم، وذرية إسماعيل، وجعل لنا بلدًا حرامًا، وبيتًا محجوجًا، وجعلنا الحاكم على الناس، ثم إن محمد بن عبد الله ابن أخي من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه: برًا وفضلًا، وكرمًا وعقلًا، ومجدًا ونبلًا١، وإن كان في المال قل٢؛ فإنما المال ظل زائل، وعارية٣ مسترجمة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعلي".
"صبح الأعشى١" ٢١٣، وإعجاز القرآن ١٢٦، وتهذيب الكامل ١: ٤، والسيرة الحلبية ١: ١٣٣".
стр. 109
خطبة الكهان
الكاهن الخزاعي ينفر هاشم بن عبد مناف
...
خطب الكهان:
٥١- الكاهن الخزاعي ينفر هاشم بن عبد مناف على أمية بن عبد شمس:
ولي هاشم بعد أبيه عبد مناف، ما كان إليه من السقاية والرفادة١، فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف على رياسته وإطعامه، وكان ذا مال؛ فتكلف أن يصنع صنيع هاشم؛ فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش؛ فغضب ونال من هاشم، ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنه وقدره؛ فلم تدعه قريش حتى نافره على خمسين ناقة سود الحدق ينحرها ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين؛ فرضي بذلك أمية، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي -وهو جد عمرو بن الحمق، ومنزله بعسفان٢، وكان مع أمية همهمة بن عبد العزى الفهري، وكانت ابنته عند أمية؛ فقال الكاهن:
"والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم٣ مسافر، من منجد وغائر٤، لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر، أو منه وآخر، وأبو همهمة بذلك خابر".
стр. 110
فقضى لهاشم بالغلبة، وأخذ هاشم الإبل؛ فنحرها وأطعمها، وغاب أمية عن مكة بالشام عشر سنين؛ فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية.
"تاريخ الكامل لابن الأثير ٢: ٦، والسيرة الحلبية ١: ٤، وتاريخ الطبري ٢: ١٨٠".
стр. 111
٥٢- عوف بن ربيعة الأسدي يتكهن بمقتل حجر بن الحارث:
كان حجر بن الحارث "أبو امرئ القيس" ملك بني أسد، وكان له عليهم إتاوة١ كل سنة لما يحتاج إليه؛ فبقي كذلك دهرًا، ثم بعث إليهم من يجبي ذلك منهم، وحجر يومئذ بتهامة؛ فطردوا رسله وضربوهم؛ فبلغ ذلك حجرًا، فسار إليهم، فأخذ سرواتهم٢ وخيارهم، وجعل يقلتهم بالعصا "فسموا عبيد العصا" وأباح الأموال وصيرهم إلى تهامة، وحبس جماعة من أشرفهم منهم عبيد بن الأبرص الشاعر؛ فقال شعرًا يستعطفه فيه، ومنه قوله
أنت المليك عليهم ... وهم العبيد إلى القيامه
فرق لهم وعفا عنهم، وردهم إلى بلادهم؛ فلما صاروا على مسيرة يوم من تهامة تكهن كاهنهم وهو عوف بن ربيعة بن عامر الأسدي؛ فقال لهم: يا عبادي، قالوا: لبيك ربنا؛ فقال: "من الملك الصلهب٣، الغلاب غير المغلب٤، في الإبل كأنها الربرب٥، لا يقلق رأسه الصخب، هذا دمه ينثعب٦، وهو غدًا أول من يستلب" قالوا: ومن هو؟ ربنا. قال: "لولا تجيش٧ نفس جاشية، لأخبرتكم أنه حجر ضاحية٨".
стр. 112
فركبوا كل صعب وذلول، حتى بلغوا عسكر حجر، فهجموا عليه في قبته فقتلوه.
"تاريخ الكامل لابن الأثير ١: ١٨٣، والشعر والشعراء، ص ٣١، والأغاني ٨: ٦٣".
стр. 113
كاهن بن الحارث بن كعب يحذرهم غزو بني تميم
...
٥٣- كاهن بني الحارث بن كعب يحذرهم غزو بنى تميم:
كان بنو تميم قد أغاروا على لطيمة١ لكسرى، فيها مسك وعنبر وجوهر كثير؛ فأوقع كسرى بهم، وقتل المقاتلة، وبقيت أموالهم وذراريهم في مساكنهم لا مانع لها وبلغ ذلك بني الحارث بن كعب من مذحج؛ فمشى بعضهم إلى بعض، وقالوا اغتنوا بني تميم؛ فاجتمعت بنو الحارث وأحلافها من زيد وحزم بن ريان في عسكر عظيم، وساروا يريدون بني تميم؛ فحذرهم كاهن كان مع الحارث واسمه سلمة بن المغفل، وقال:
"إنكم تسيرون أعقابًا٢، وتغزون أحبابًا٣، سعدًا وربابًا، وتردون مياهًا جبابًا٤، فتلقون عليها ضرابًا، وتكون غنيمتكم ترابًا٥، فأطيعوا أمري ولا تغزوا تميمًا" ولكنهم خالفوه وقاتلوا بني تميم، فهزموا هزيمة نكراء.
"تاريخ الكامل لابن الأثير ١: ٢٢٧، والأغاني ١٥: ٧٠".
стр. 114
٥٤- أحد كهان اليمن يفصل في أمر هند بنت عتبة:
كان الفاكه بن المغيرة المخزومي أحد فتيان قريش، وكان قد تزوج هند بنت عتبة، وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس فيه بلا إذن؛ فقال١ يومًا في ذلك البيت، وهند معه، ثم خرج عنها وتركها نائمة؛ فجاء بعض من كان يغشى البيت؛ فلما وجد المرأة نائمة ولى عنها، فاستقبله الفاكه بن المغيرة، فدخل على هند وأنبها، وقال: من هذا الخارج من عندك؟ قالت: والله ما انتبهت حتى أنبهتني، وما رأيت أحدًا قط، قال: الحقي بأبيك، وخاض الناس في أمرهم؛ فقال لها أبوها: يابنية العار٢ وإن كان كذبًا، بثيني شأنك، فإن كان الرجل صادقًا دسست عليه من يقتله، فيقطع عنك العار، وإن كان كاذبًا حاكمته إلى بعض كهان اليمن، قالت: والله يا أبت إنه لكاذب، فخرج عتبة فقال: إنك رميت ابنتي بشيء عظيم، فإما أن تبين ما قلت، وإلا فحاكمني إلى بعض كهان اليمن، قال: ذلك لك، فخرج الفاكه في جماعة من رجال قريش، ونسوة من بني مخزم، وخرج عتبة في رجال ونسوة من بني عبد مناف؛ فلما شارفوا بلاد الكاهن تغير وجه هند، وكسف بالها، فقال لها أبوها: أي بنية، ألا كان هذا قبل أن يشتهر في الناس خروجنا؟ قالت: يا أبت والله ما ذلك لمكروه قبلي، ولكنكم تأتون بشرًا يخطئ ويصيب، ولعله أن يسمني بسمة تبقى على ألسنة العرب؛ فقال لها أبوها: صدقت، ولكني سأخبره لك، فصفر بفرسه؛ فلما أدلى عمد إلى حبة بر، فأدخلها في إحليله، ثم أوكى٣ عليها وسار، فلما نزلوا على الكاهن أكرمهم ونحر لهم، فقال له عتبة: إنا أتيناك في أمر، وقد خبأنا لك خبيئة، فما هي؟ قال: برة في
стр. 115
كمرةٍ١، قال: أريد أبين من هذا، قال: "حبة بر، في إحليل مهر" قال: صدقت؛ فانظر في أمر هؤلاء النسوة؛ فجعل يمسح رأس كل واحدة منهن، ويقول: قومي لشأنك، حتى إذا بلغ هند مسح يده على رأسها وقال: "انهضي غير رقحاء٢ ولا زانية، وستلدين ملكًا يسمى معاوية".
فلما خرجت أخذ الفاكه بيدها؛ فنثرت يده من يدها، وقالت: إليك عني، ولله لأحرصن أن يكون ذلك الولد من غيرك، فتزوجها أبو سفيان، فولدت له معاوية.
"العقد الفريد ٣: ٢٢٤ وصبح الأعشى ١: ٣٩٨، وشرح ابن أبي الحديد م١ ص١١١".
стр. 116
٥٥- خمسة نفر من طيئ يمتحنون سواد بن قارب الدوسي:
خرج خمسة نفر من طيئ من ذوي الحجا والرأي، منهم برج من مسهر، وهو أحد المعمرين. وأنيق بن حارثة بن لأم، وعبد الله بن سعد بن الحشرج أبو حاتم طيئ، وعارف الشاعر، ومرة بن عبد رضى، يريدون سواد بن قارب الدوسي، ليمتحنوا علمه؛ فلما قربوا من السراة، قالوا: ليخبأ كل رجل منا خبيئًا، ولايخبره به صاحبه، ليسأله عنه؛ فإن أصاب عرفنا علمه، وإن أخطأ ارتحلنا عنه، فخبأ كل رجل منهم خبيئًا، ثم صاروا إليه، فأهدوا له إبلًا وطرفًا من طرف الحيرة، فضرب عليهم قبه، وتحر لهم؛ فلما مضت ثلاث دعا بهم، فدخلوا عليه.
فتكلم برج -وكان أسنهم- فقال: "جادك السحاب، وأمرع لك الجناب١
стр. 117
وضفت عليك النعم الرغاب١، نحن أولو الآكال٢، والحدائق والأغيال٣، والنعم الجفال٤، ونحن أسهار الأملاك، وفرسان العراك -يوري عنهم أنهم من بكر بن وائل-".
فقال سواد: "والسماء والأرض، والغمر والبرض٥، والقرض والفرض٦، إنكم لأهل الهضاب الشم، والنخيل العم٧، والصخور الصم، من أجأ العيطاء، وسلمى ذات الرقبة السطعاء٨".
قالوا: إنا كذلك، وقد خبأ لك كل رجل منا خبئًا؛ فتخبرنا باسمه وخبيئه؛ فقال لبرج: أقسم بالضياء والحلك٩، والنجوم والفلك، والشروق والدلك١٠، لقد خبأت برثن فرخ١١، في إعليط مرخ١٢، تحت آسرة الشرخ١٣" قال: ما أخطأت شيئًا؛ فمن أنا؟ قال: أنت برج بن مسهر، عصرة الممعر١٤، وثمال المحجر١٥".
стр. 118
ثم قام أنيف بن حارثة؛ فقال: ما خبيئي وما اسمى؟ فقال: "والسحاب والتراب، والأصباب والأحداب١ والنعم والكتاب٢، لقد خبأت قطامة فسيط٣، وقذة مريط٤، في مدرة من مدى مطيط٥" قال: ما أخطأت شيئًا؛ فمن أنا؟ قال: أنت أنيف، قاري الضيف، ومعمل السيف، وخالط الشتاء بالصيف".
ثم قام عبد الله بن سعد. فقال: ما خبيئي وما اسمى؟ فقال سواد: "أقسم بالسوام العازب٦، والوقير الكارب٧: والمجد الراكب، والمشيح الحارب٨، لقد خبأت نفاثة فنن٩، في قطيع قد مرن١٠، أو أديم قد جرن". قال: ما أخطأت حرفًا فمن أنا؟ قال: أنت ابن سعد النوال، عطاؤك سجال١١، وشرك عضال، وعمدك طوال، وبيتك لا ينال".
ثم قام عارف؛ فقال: ما خبيئي وما اسمي؟ قال سواد: "أقسم بنفنف اللوح١٢
стр. 119
والماء المسفوح١، والفضاء المندوح٢، لقد خبأت زمعة طلًا أعفر٣، في زعنفة٤ أديمٍ أحمر، تحت حلس نضو أدبر٥" قال: ما أخطأت شيئًا؛ فمن أنا؟ قال: "أنت عارف ذو اللسان العضب، والقلب الندب٦ والمضاء الغرب٧، مناع السرب٨ ومبيح النهب".
ثم قام مرة بن عبد رضًى؛ فقال: ما خبيئي وما اسمي؟ فقال سواد: "أقسم بالأرض والسماء، والبروج والأنواء٩، والظلمة والضياء، لقد خبأت دمة١٠، في رمة١١، تحت مشيط لمة١٢". قال: ما أخطأت شيئًا؛ فمن أنا؟ قال: أنت مرة، السريع الكرة، البطيء الفرة، الشديد المرة١٣".
قالوا: فأخبرنا بما رأينا في طريقنا إليك؛ فقال: "والناظر من حيث لا يرى والسامع قبل أن يناجى، والعالم بما لا يدري، لقد عنت لكم عقاب عجزاء١٤، في شغانيب١٥ دوحة جرداء، تحمل جدلًا١٦، فتماريتم١٧ إما يدًا وإما رجلًا"؛ فقالوا. كذلك، ثم مه؟ قال: "سنح لكم قبل طلوع الشرق ١٨، سيد أمق١٩،
стр. 120
على ماء طرق١" قالوا: ثم ماذا؟ قال: "ثم تيس أفرق٢، سند في أبرق٣؛ فرماه الغلام الأزرق، فأصاب بين الوابلة٤ والمرفق". قالوا: صدقت، وأنت أعلم من تحمل الأرض، ثم ارتحلوا عنه.
"الأمالي ٢: ٢٩٢".
стр. 121
حديث مصاد بن مذعور القيني
...
٥٦- حديث مصادر بن مذعور القيني:
كان مصاد بن مذعور القيني رئيسًا، قد أخذ مرباع١ قومه دهرًا، وكان ذا مال، فند ذود٢ من أذواد له، فخرج في بغائها٣، قال: فإني لفي طلبها، إذ هبطت واديًا شجيرًا٤ كثيف الظلال، وقد تفسخت أينًا٥، فأنخت راحلتي في ظل شجرة، وحططت رحلي، ورسغت٦ بعيري، واضطجعت في بردي؛ فإذا أربع جوار، كأنهن اللآلي، يرعين بهما لهن؛ فلما خالطت عيني السنة، أقبلن حتى جلسن قريبًا مني، وفي كف كل واحدة منهن حصيات تقلبهن، فخطت إحداهن ثم طرقت٧، فقالت: "قلن يا بنات عراف، في صاحب الجمل النياف٨، والبرد الكثاف٩، والجرم١٠ الخفاف١١"، ثم طرقت الثانية، فقالت:
стр. 122
"مضل أذواد علاكد١، كوم صلاخد٢، منهن ثلاث مقاحد٣، وأربع جدائد٤، شسف صمارد٥"، ثم طرقت الثالثة فقالت: "رعين الفرع٦، ثم هبطن الكرع٧، بين العقدات والجرع٨"؛ فقالت الرابعة: "ليهبط الغائط الأفيح٩، ثم ليظهر في الملا الصحصح١٠، بين سدير وأملح١١؛ فهناك الذود رتاع بمنعوج الأجرع" قال: فقمت إلى جملي فشدده عليه رحله وركبت، ووالله ما سألتهن من هن ولا ممن هن؟ فلما أدبرت، قالت إحداهن: "أبرح ١٢ فتًى إن جد في طلب؛ فماله غيرهن نشب١٣، وسيثوب عن كثب١٤؛ ففزع قلبي والله قولها؛ فقلت: وكيف هذا، وقد خلفت بوادي عرجًا عكاسًا١٥؟ فركبت السمت١٦ الذي وصف لي، حتى انتهيت إلى المواضع؛ فإذا ذودي روائع، فضربت أعجازهن،
стр. 123
حتى أشرفت على الوادي الذي فيه إبلي؛ فإذا الرعاء تدعو بالويل؛ فقلت ما شأنكم؟ قالوا: أغارت بهراء على إبلك، فأسحفتها١؛ فأمسيت والله مالي مال غير الذود، فرمى الله في نواصيهن بالرغس٢، وإني اليوم لأكثر بني القين مالًا".
"الأمالي ١: ١٤٣".
стр. 124
٥٧- حديث خنافر بن التوءم الحميري مع رئية شصار:
كان خنافر بن التوءم الحميري كاهنًا، وكان قد أوتي بسطة في الجسم، وسعة في المال، وكان عاتيًا؛ فلما وفدت وفود اليمن على النبي ﷺ وظهر الإسلام أغار على إبل لمراد فاكتسحها، وخرج بأهله وماله، ولحق بالشحر؛ فحالف جودان بن يحيى الفرضمي، وكان سيدًا منيعًا، ونزل بواد من أودية الشحر مخصبًا كثير الشجر من الأيك والعرين١ قال خنافر: وكان رئي٢ في الجاهلية لا يكاد يتغيب عني؛ فلما شاع الإسلام فقدته مدة طويلة، وساءني ذلك؛ فبينا أنا ليلة بذلك الوادي نائمًا؛ إذ هوى هوي العقاب، فقال: خنافر؟ فقلت: شصار؟ فقال: اسمع أقل، قلت: قل أسمع؛ فقال: "عه تغنم، لكل مدة نهاية، وكل ذي أمد إلى غاية، قلت: أجل؛ فقال: كل دولة إلى أجل، ثم يتاح لها حول٣، انتُسخت النِّحل، ورجعت إلى حقائقها الملل، إنك سجير٤ موصول، والنصح لك مبذول، وإني آنست٥ بأرض الشأم نفرًا من آل العذام٦، حكامًا على الحكام، يذبرون٧ ذارونق من الكلام، ليس
стр. 125
بالشعر المؤلف، ولا السجع المتكلف" فأصغيت فزجرت؛ فعاودت فظلفت١، فقلت: بم تهينمون٢، وإلام تعتزون٣؟ قالوا: "خطاب كبَّار٤، جاء من عند الملك الجبار؛ فاسمع يا شصار، عن أصدق الأخبار، واسلك أوضح الآثار، تنج من أوار٥ النار"؛ فقلت: وما هذا الكلام؟ فقالوا: "فرقان بين الكفر والإيمان، رسول من مصر، من أهل المدر، ابتعث فظهر؛ فجاء بقول قد بهر، وأوضح نهجًا قد دثر، فيه مواعظ لمن اعتبر، ومعاذ لمن ازدجر، ألف بالآى الكبر" قلت: ومن هذا المبعوث من مضر؟ قال: "أحمد خير البشر؛ فإن آمنت أعطيت الشبر٦، وإن خالفت أصليت سقر؛ فآمنت يا خنافر، وأقبلت إليك أبادر، فجانب كل كافر، وشايع كل مؤمن طاهر، وإلا فهو الفراق، لا عن تلاق"، قلت: من أين أبغي هذا الدين؟ قال: من ذات الأحرين٧ والنفر اليمانين، أهل الماء والطين، قلت: أوضح، قال: "الحق بيثرب ذات النخل، والحرة ذات النعل٨؛ فهناك أهل الطول والفضل، والمواساة والبذل، ثم امَّلس٩ عني، فبت مذعورًا أراعي الصباح، فلما برق لي النور، امتطيت راحلتي، وآذنت١٠ أعبدي، واحتملت بأهلي، حتى وردت الجوف، فرددت الإبل على أربابها، بحولها وسقابها١١، وأقبلت أريد صنعاء؛ فأصبت بها معاذ بن جبل أميرًا لرسول الله ﷺ فبايعته على الإسلام، وعلمني سورًا من القرآن، فمن الله علي بالهدى بعد الضلالة، والعلم بعد الجهالة".
"الأمالي ١:١٣٣".
стр. 126
٥٨- شافع بن كليب الصدفي يتكهن بظهور النبي ﷺ :
قدم على تبع الآخر ملك اليمن، قبل خروجه لقتال المدينة١، شافع بن كليب الصدفي٢، وكان كاهنًا؛ فقال له تبع: هل تجد لقوم ملكًا يوازي ملكي؟ قال: لا، إلا ملك غسان، قال: فهل تجد ملكًا يزيد عليه؟ قال: "أجده لبارٍّ مبرور، ورائد٣ بالقهور٤، ووصف في الزبور، فضلت
стр. 127
أمته في السفور١، يفرج الظلم بالنور، أحمد النبي، طوبى لأمته حين يجي، أحد بني لؤي، ثم أحد بني قصي".
فنظر تبع في الزبور؛ فإذا هو يجد صفة النبي ﷺ .
"تاريخ الكامل لابن الأثير ١: ١٦٤".
стр. 128
٥٩- سطيح الذئبي ١ يعبر رؤيا ربيعة بن نصر اللخمي:
ورأى ربيعة بن نصر اللخمي ملك اليمن -وقد ملك بعد تبع الآخر- رؤيا هالته؛ فلم يدع كاهنًا، ولا ساحرًا، ولا عائفًا، ولا منجمًا من أهل مملكته إلا جمعه إليه؛ فقال لهم: إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت٢ بها، فأخبروني بها وبتأويلها، قالوا له: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها، قال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها؛ فإنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها؛ فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا؛ فليبعث إلى سطيح وشق؛ فإنه ليس أحد أعلم منهما فيها، يخبرانه بما سأل عنه، فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، فقال له: إني قد رأيت رؤيا
стр. 129
هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها؛ فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها. قال: أفعل "رأيت حممة١، خرجت من ظلمة٢؛ فوقعت بأرض تهمة٣، فأكلت منها كل ذات جمجمة٤"؛ فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئًا يا سطيح، فما عندك في تأويلها؟ فقال: "أحلف بما بين الحرتين٥ من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش؛ فليملكن ما بين أبين٦ إلى جرش٧" فقال له الملك: وأبيك يا سطيح. إن هذا لنا لغائظ موجع؛ فمتى هو كائن، أفي زماني هذا أم بعده؟ قال: "لا؛ بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين" قال: أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع؟ قال: "لا، بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقتلون بها أجميعن، ويخرجون منها هاربين" قال: ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ قال: " يليه إرم٨ ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحدًا منهم باليمن" قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال: "بل ينقطع" قال: ومن يقطعه؟ قال: "نبي زكي، يأتيه الوحي من قبل العلي" قال: وممن هذا النبي؟ قال: "رجل من ولد غالب بن فهر، بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر" قال: وهل للدهر من آخر؟ قال:
стр. 130
"نعم. يوم يجتمع فيه الأولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون". قال: أحق ما تخبرنا يا سطيح؟ قال: "والشفق، والغسق١، والفلق٢ إذا انشق، إن ما أنبأتك به لحق".
стр. 131
٦٠ شق أنمار ١ يعبر رؤيا ربيعة بن نصر أيضًا:
ثم قدم عليه شق، فقال له كقوله لسطيح، وكتمه ما قال سطيح، لينظر أيتفقان أم يختلفان، قال: "نعم، رأيت حممة، خرجت من ظلمة؛ فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة"؛ فلما سمع الملك ذلك قال: ما أخطأت يا شق منها شيئًا، فما عندك في تأويلها؟ قال: "أحلف بما يبن الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان؛ فليغلبن على كل طفلة٢ البنان. وليملكن ما بين أبين إلى نجران٣" فقال له الملك: وأبيك يا شق، إن هذا لنا لغائط موجع؛ فمتى هو كائن، أفي زماني أم بعده؟ قال: "لا، بعده بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان، ويذيقهم أشد الهوان" قال: ومن هذا العظيم الشأن؟ قال: "غلام بدني ولا مدن٤، يخرج عليهم من بيت ذي يزن٥" قال أفيدون سلطانه أم ينقطع؟ قال: "بل ينقطع برسول
стр. 132
مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل". قال: وما يوم الفصل؟ قال: "يوم تجزء فيه الولاة، يدعى فيه من السماء بدعوات، يسمع منها الأحياء والأموات، ويجمع فيه بين الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات" قال: أحق ما نقول؟ قال: "إي ورب السماء والأرض، وما يينهما من رفع وخفض، إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض١".
فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا؛ فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس، يقال له سابور فأسكنهم الحيرة؛ فمن بقية والده النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهو النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر.
"تاريخ الطبري: ٩٩ وسيرة ابن هشام ١: ٨، والكامل لابن الأثير ١: ١٤٦".
٦١- وفود عبد المسيح بن بقيلة على سطيح.
عن ابن عباس ﵁ قال:
"لما كان ليلة ولد النبي ﷺ ، ارتج إيوان كسرى، فسقطت منه أربع عشرة شرفة، فعظم ذلك أهل ممكلته، فما كان أوشك أن كتب إليه
стр. 133
٦١- وفود عبد المسيح بن بقيلة على سطيح:
عن ابن عباس ﵁ قال:
"لما كان ليلة ولد النبي ﷺ ، ارتج إيوان كسرى؛ فسقطت منه أربع عشر شرفة؛ فعظم ذلك أهل ممكلته، فما كان أوشك أن كتب إليه
стр. 134
صاحب اليمن يخبره أن بحيرة ساوة١ غاضت تلك الليلة، وكتب إليه صاحب السماوة يخبره أن وادي السماوة٢ انقطع تلك الليلة، وكتب إليه صاحب طبرية أن الماء لم يجر تلك الليلة في بحيرة طبرية، وكتب إليه صاحب فارس يخبره أن بيوت النيران خمدت تلك الليلة، ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة؛ فلما تواترت الكتب أبرز سريره وظهر لأهل مملكته فأخبرهم الخير، فقال الموبذان٣: أيها الملك إني رأيت تلك الليلة رؤيا هالتني، قال له: وما رأيت؟ قال: رأيت إبلًا صعابًا، تقود خيلًا عرابًا، قد اقتحمت دجلة وانتشرت في بلادنا، قال: رأيت عظيمًا فما عندك في تأويلها؟ قال: ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء؛ ولكن أرسل إلى عاملك بالحيرة يوجه إليك رجلًا من علمائهم؛ فإنهم أصحاب علم بالحدثان، فبعث إليه عبد المسيح بن بقيلة الغساني؛ فلما قدم عليه أخبره كسرى الخبر، فقال له: أيها الملك، والله ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء، ولكن جهزني إلى خال لي بالشام يقال له سطيح. قال: جهزوه؛ فلما قدم إلى سطيح وجده قد احتضر، فناداه فلم يجبه، وكلمه فلم يرد عليه، فقال عبد المسيح:
أصم أم يسمع غطريف اليمن ... يا فاصل الخطة أعيت من ومن٤
أتاك شيخ الحي من آل سنن ... أبيض فضفاض الرداء والبدن٥
وسول فيل العجم يهوي للوثن ... لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن٦
стр. 135
فرفع إليه رأسه وقال: "عبد المسيح، على جمل مشيح١، إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح٢، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاج الإيوان، وخمود الديوان، ورؤيا الموبذان، رأى إبلًا صعابًا، تقود خيلًا عرابًا، قد اقتحمت في الواد، وانتشرت في البلاد، يا عبد المسيح: إذا كثرت التلاوة٣، وظهر صاحب الهراوة٤، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس؛ فليست بابل للفرس مقامًا، ولا الشام لسطيح شامًا، يملك منهم ملوك وملكات٥، عدد سقوط الشرفات، وكل ما هو آت آت" ثم قال:
إن كان ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوارًا دهارير٦
منهم بنو الصرح بهرام وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور
فربما أصبحوا يومًا بمنزلة ... تهاب صولهم الأسد المهاصير٧
حثوا المطي وجدوا في رحالهم ... فما يقوم لهم سرج ولا كور٨
والناس أولاد علات فمن علموا ... أن قد أقل فمحقور ومهجور٩
والخير والشر مقرونان في قرن ... فالخير متبع والشر محذور
стр. 136
ثم أتى كسرى فأخبره بما قاله سطيح فغمه ذلك، ثم تعزَّى، فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكًا يدور الزمان، فهلكوا كلهم في أربعين سنة، وكان آخر من هلك منهم في أول خلافة عثمان ﵁.
"تاريخ الطبري ٢: ١٣٢ والعقد الفريد ١: ١٠٨، والسيرة الحلبية ١: ٧٠، والمختصر في أخبار البشر لأبي الفداء ١: ١١٠".
стр. 137
٦٢- شق وسطيح ينبئان بأصل ثقيف:
عن ابن الكلبي قال: "كان قسي -وهو ثقيف١- مقيمًا باليمن؛ فضاق عليه موضعه ونبا٢ به، فأتى الطائف، وهو يومئذ منازل فهم وعدوان بني عمرو بن قيس بن عيلان؛ فانتهى إلى الظرف العدواني؛ فوجده نائمًا تحت شجرة فأيقظه، وقال: من أنت؟ قال: أنا الظرب، قال: علي ألية٣ إن لم أقتلك، أو تحلف لي لتزوجني ابنتك؛ ففعل، وانصرف الظرب وقسي معه، فلقيه ابنه عامر بن الظرب، فقال: من هذا معك يا أبت؟ فقص قصته، قال عامر: لله أبوه! لقد ثقف٤ أمره، فسمي يومئذ
стр. 138
ثقيفًا، وعير الظرب بتزويجه قسيًّا، وقيل زوجت عبدًا؛ فسار إلى الكهان يسألهم، فانتهى إلى شق بن مصعب البجلي، وكان أقربهم منه؛ فلما انتهى إليه قال: إنا قد جئناك في أمر فما هو؟ قال: "جئتم في قَسِيٍّ، وقَسِيٌّ عبد إياد، أبق١ ليلة الواد، في وج٢ ذات الأنداد، فوالى سعدًا ليغاد، ثم لوى بغير معاد" يعني سعد بن قيس بن عيلان بن مضر، ثم توجه إلى سطيح الذئبي حي من غسان، ويقال إنهم حي من قضاعة نزول في غسان. فقالوا: إنا جئناك في أمر فما هو؟ قال: "جئتم في قسي، وقسي من ولد ثمود القديم، ولدته أمه بصحراء تريم٣؛ فالتقطه إياد وهو عديم، فاستبعده وهو مليم٤". فرجع الظرب وهو لا يدري ما يصنع في أمره. وقد وكد عليه في الحلف والتزويج، وكانوا على كفرهم يوفون بالقول؛ فلهذا يقول من قال إن ثقيفًا من ثمود؛ لأن إيادًا من ثمود". "الأغاني ٤: ٧٥".
стр. 139
تنافر عبد المطلب بن هاشم والثقفيين إلى عزى سلمة الكاهن
...
٦٣- تنافر عبد المطلب بن هاشم والتقفيين إلى عزى سلمة الكاهن:
كان لعبد المطلب بن هاشم مال بالطائف يقال له: ذو الهرم١؛ فغلبه عليه خندف بن الحارث الثقفي، فنافرهم عبد المطلب إلى عزى سلمة الكاهن -أو إلى نفيل بن عبد العزى جد عمر بن الخطاب٢- فخرج عبد المطلب مع ابنه الحارث، وليس له يومئذ غيره، وخرج الثقفيون مع صاحبهم، وحرب بن أمية معهم على عبد المطلب؛ فنفد ماء عبد المطلب فطلب إليهم أن يسقوه؛ فأبوا، فبلغ العطش منه كل مبلغ، وأشرف
стр. 140
على الهلاك؛ فبيننا عبد المطلب يثير بعيره ليركب؛ إذ فجر الله له عينًا من تحت جرانه؛ فحمد الله وعلم أن ذلك منه، فشرب وشرب أصحابه ريهم وتزودوا منه حاجتهم، ونفد ماء الثقفيين، فطلبوا إلى عبد المطلب أن يسقيهم فأنعم عليهم، فقال له ابنه الحارث لأنحنين على سيفي حتى يخرج من ظهري، فقال عبد المطلب: لأسقينهم فلا تفعل ذلك بنفسك فسقاهم، ثم انطلقوا، حتى أتوا الكاهن، وقد حيثوا له رأس جرادة، في خرزة مزادة١، وجعلوه في قلادة كلب لهم يقال له سوار؛ فلما أتوا الكاهن إذا هم ببقرتين تسوقان بينهما بخرجًا٢ كلتاهما تزعم أنه ولدها، ولدتا في ليلة واحدة؛ فأكل النمر أحد البخرجين. فهما ترأمان٣ الباقي؛ فلما وقفتا بين يديه، قال الكاهن: هل تدرون ما تريد هاتان البقرتان؟ قالوا: لا. قال الكاهن: "ذهب به ذو جسد أربد٤، وشدق مُرَمِّع٥، وناب معلق٦، ما للصغرى في ولد الكبرى حق" فقضى به للكبرى، ثم قال: ما حاجتكم؟ قالوا: قد خبأنا لك خبئًا؛ فأنبئنا عنه، ثم تخبرك بحاجتنا، قال: "خبأتم لي شيئًا طار فسطع، فتصوب فوقع، في الأرض منه بقع؛ فقالوا: لاده، أي بينه. قال: "هو شيء طار، فاستطار، ذو ذنب جرار، وساق كالمنشار، ورأس كالمسمار" فقالوا: لاده قال: "إن لاده فلاده٧، هو
стр. 141
رأس جرادة، في خرز مزادة، في عنق سوار ذي القلادة"، قالوا: صدقت، فأخبرنا فيم اختصنا إليك؟ قال: "أحكم بالضياء والظلم، والبيت والحرم، أن المال ذا الرهم، للقرشى ذي الكرم" فقضى بينهم، ورجعوا إلى منازلهم على حكمة.
"مجمع الأمثال ١: ٣٠ ومعجم البلدان ٨: ٤٦٠".
وروى الجاحظ لعزى سلمة أنه قال:
"والأرض والسماء، والعقاب والصقعاء١، واقعة ببقعاء٢، لقد نفر المجد بني العشراء٣، للمجد والسناء٤".
"البيان والتبيين ١: ١٥٩".
стр. 142
٦٤- منافرة عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية: ١
تنافر عبد المطلب بن هشام وحرب بن أمية إلى النجاشي ملك الحبشة، فأبى أن ينفر بينهما، فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح، فقال لحرب:
стр. 143
"يا أبا عمرو: أتنافر رجلًا هو أطول منك قامة، وأعظم هامةً، وأوسم منك وسامة١، وأقل منك ملامة، وأكثر منك ولدًا، وأجزل صفدًا٢، وأطول منك مذودًا٣، وإني لأقول هذا وإنك لبعيد الغضب، رفيع الصوت في العرب، جلد المريرة٤، جليل العشيرة، ولكنك نافرت منفَّرا".
فغضب حرب وقال: إن من انتكاس٥ الزمان أن جعلت حكمًا.
"تاريخ الكامل لابن الأثير ٢:٦، وتاريخ الطبري ٢: ١٨١".
стр. 144
٦٥- ما أمر به عبد المطلب بن هاشم في منامه من حفر زمزم:
ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، وشرف في قومه، وعظم شأنه، ثم إنه حفر زمزم، وهي بئر إسماعيل بن إبراهيم ﵉، التي أسقاه الله منها، وكانت جرهم قد دفنتها١، وكان سبب حفره إياها أنه قال:
"بينا أنا نائم بالحج إذا أتاني آت فقال: احفر طيبة، قلت: وما طيبة؟ فذهب وتركني؛ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برة، قلت: وما برة؟ فذهب وتركني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي،
стр. 145
فنمت فيه؛ فجاءني فقال: احفر المضنونة. قلت: وما المضنونة؟ فذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم، إنك إن حفرتها لا تذم٢، تسقي الحجيج الأعظم، مثل نعام جافل لم يقسم٣، ينذر فيها ناذر لمنعم، تكون ميراثًا وعقد محكم، ليس كبعض ما قد تعلم، وهي بين الفرث والدم٤، عند نقرة الغراب الأعصم٥، عند قربة النمل".
فلما بين له شأنها، ودله على موضعها، وعرف أنه قد صدق. غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث ليس له ولد غيره، فحفر بين أساف ونائلة، في الموضع الذي تنحر فيه قريش لأصنامها، وقد رأى الغراب ينقر هناك؛ فلما بدا له الطوي٦ كبر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته.
"تاريخ الكامل لابن الأثير ٢:٥، والسيرة الحلبية ١: ٣١، وسيرة ابن هشام ١: ٩٠".