٢٩٢- خطبة رابعة:
وخطب فقال:
"اللهم أرني الغيَّ غيًّا فأجتنبه، وأرني الهدى هدًى فأتبعه، ولا تكلني إلى نفسي فأضل ضلالًا بعيدًا، والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء".
"العقد الفريد ٢: ١٥٢، والبيان والتبيين ٢: ٦٩، ١: ٢٠٦، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص١٥٠، وسرح العيون ص١٢٢".
٢٩٣- خطبة خامسة:
ومن كلامه:
"إنَّ امرأ أتت عليه ساعة من عمره، لم يذكر فيها ربه، ويستغفر ربه من ذنبه، ويفكر في معاده، لجدير أن يطول حزنُه، ويتضاعف أسفُه، إنّ الله كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء؛ فلا بقاء لما كُتب عليه الفناء، ولا فناء لما كُتب عليه البقاء، فلا يغرنكم شاهد١ الدنيا، عن غائب الآخرة، واقهرُوا طول الأمل، بقصر الأجل٢".
"شرح ابن الحديد م١: ص١٥٠، ومروج الذهب ٢: ١٤٨، والبيان والتبيين: ٢: ٩٩، سرح العيون ١٢١، وتهذيب الكامل ١: ١٩".
стр. 1297
خطب قتيبة بن مسلم الباهلى
خطبته يحث على الجهاد وقد تهيأ لغزو
...
خطب قتيبة بن مسلم الباهلي "قتل سنة ٩٦هـ":
٢٩٤- خطبته يحث على الجهاد وقد تهيأ لغزو "طُخارستان":
قدم قتيبة بن مسلم الباهلي خراسان واليًا عليها من قبل الحجاج١ سنة ٨٦؛ فلما تهيأ لغزو أخرون وشومان -وهما من بلاد طخارستان٢- خطب الناس وحثهم على الجهاد فقال:
"إن الله أحلكم هذا المحل ليعز دينه، ويذب بكم عن الحرمات، ويزيد بكم المال استفاضة، والعدو وقمًا٣ ووعد نبيه ﷺ النصر بحديث صادق، وكتاب ناطق، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ، ووعد المجاهدين في سبيله أحسن الثواب، وأعظم الذخر عنده، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ ٤ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، ثم أخبر عمن قتل في سبيله أنه حيٌّ مرزوق، فقال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
٢٩٥- خطبته وقد تهيأ لغزو بلاد السُّغْد:
ولما صالح قتيبة أهل خوارزم، وسار إلى السغد١ سنة ٩٣هـ خطب الناس؛ فقال:
"إن الله قد فتح لكم هذه البلدة في وقتٍ الغزُو فيه ممكنٌ، وهذه السغد شاغرة٢ برجلها، قد نقضوا العهد الذي كان بيننا، ومنعونا ما كنا صالحنا عليه طَرْخُون، وصنعوا به ما بلغكم، وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ، فسيروا على بركة الله، فإني أرجو أن يكون خوارزم والسغد كالنضير٣ وقريظة٤، وقال الله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ .
"تاريخ الطبري ٨: ٨٥"
стр. 1300
٢٩٦- خطبته وقد سارت إليه جيوش الشاش وفرغانة:
وأتى قتيبة السغد فحصرها شهرًا، وخاف أهلها طول الحصار؛ فكتبوا إلى ملك الشاش وفرغانة١ "إنا نحن دونكم فيما بينكم وبين العرب، فإن وُصِلَ إلينا كنتم أضعفَ وأذلَّ، فمهما كان عندكم من قوة فابذلوها. فجمعوا جموعهم، وولوا عليهم ابنًا لخاقان٢، وساروا وقد أجمعوا أن يُبيِّتوا عسكر قتيبة، ونمى ذلك إليه، فانتخب أهل النجدة والبأس ووجوه الناس، وخطبهم فقال:
"إن عدوكم قد رأوا بلاء٣ الله عندكم، وتأييده إياكم في مزاحفتكم ومكاثرتكم٤، كل ذلك يفلجكم٥ الله عليهم، فأجمَعُوا على أن يحتالوا غِرّتكم وبَيَاتَكم، واختاروا دهاقينهم٦ وملوكهم، وأنتم دهاقينُ العرب وفرسانُهم، وقد
стр. 1301
فضلكم الله بدينه؛ فأبلوا١ لله بلاء حسنًا تستوجبون به الثواب، مع الذب عن أحسابكم".
"تاريخ الطبري ٨: ٨٧"
стр. 1302
٢٩٧- خطبه حين دعا إلى خلع سليمان بن عبد الملك:
وقام بخراسان حين خَلَع سليمان بن عبد الملك١، ودعا الناس إلى خلعه فقال للناس:
"إني قد جمعتكم من عين التمر٢، وفيض البحر؛ فضممت الأخ إلى أخيه، والولد إلى أبيه، وقسمت بينكم فيئكم، وأجريت عليكم أعطياتكم غير مكدرة ولا مؤخرة، وقد جربتم الولاة قبلي، أتاكم أمية٣؛ فكتب إلى أمير المؤمنين: إن خراج خراسان لا يقوم٤ بمطبخي، ثم جاءكم أبو سعيد٥ فدوَّم ٦ بكم ثلاث سنين، لا تدرون أفي طاعة أنتم أم في معصية؛ لم يَجْبِ فيئًا، ولم ينكأ٧ عدوا، ثم جاءكم بنوه بعده، يزيد فحلٌ تَبَارَى إليه النساء؛ وإنما خليفتكم يزيد بن ثروان هَبَنّقة القيسي٨" فلم يُجِبْهُ أحدٌ فغضب، فقال:
стр. 1303
"لا أعزَّ الله من نصرتم، والله لو اجتمعتم على عنز ما كسرتم قرنها، يا أهل السافلة، ولا أقول أهل العالية. يا أوباش١ الصدقة، جمعتكم كما تجمع إبل الصدقة من كل أوب٢. يا معشر بكر بن وائل، يا أهل النفخ٣ والكذب والبخل، بأي يوميكم تفخرون: بيوم حربكم، أم بيوم سلمكم؟ فوالله لأنا أعزُّ منكم يا أصحاب مسيلمة. يا بني ذميم، ولا أقول تميم. ياأهل الخور٤ والقصف٥ والغدر: كنتم تسمُّون الغدر في الجاهلية "كيسان٦" يا أصحاب سجاح٧، يا معشر عبد القيس القساة، تبدلتم بأبر النخل٨ أعنة الخيل، يا معشر الأزد، تبدلتم بقُلُوسِ٩ السفن، أعنة الخيل والحصن١٠، إن هذا لبدعة في الإسلام، والأعراب، وما الأعراب؟
لعنة الله على الأعراب، يا كناسة المصرين، جمعتكم من منابت الشيح والقيصوم١١،
стр. 1304
ومنابت القلقل١، تركبون البقر والحمر في جزيرة ابن كاوان٢؛ حتى إذا جمعتكم كما يُجمع قَزَع الخريف٣ قلتم: كيت وكيت، أما والله إني لابن أبيه٤ وأخو أخيه، أما والله لأعصبنكم عصب السلمة، إنّ حول الصلِّيان الزمزمة٥، يا أهل خراسان، هل تدرون من وليكم؟ وليكم يزيد بن ثروان، كأني بأمير مزجاء٦، وحكمٍ قد جاءكم؛ فغلبكم على فيئكم وأطلالكم، إن هاهنا نارًا، ارموها أرم معكم، ارموا غرضكم الأقصى، قد استخلف عليكم أبو نافع ذو الودعات، إن الشأم أبٌ مكفور، حتى متى ينبطح أهل الشأم بأفنيتكم وظلال دياركم؟ يا أهل خراسان انسبوني تجدوني عراقيّ الأم، عراقيّ الأب، عراقي المولد، عراقي الهوى والرأي والدين، وقد أصبحتم اليوم فيما ترون من المن والعافية، قد فتح الله لكم البلاد، وآمن سبلكم؛ فالظعينة٧ تخرج من مروٍ إلى بَلْخ بغير جِوار، فاحمدوا الله على النعمة، وسلوه الشكر والمزيد". ثم نزل.
"تاريخ الطبري ٨: ١٠٥"
وورد كلام قتيبة في هذا الصدد في العقد الفريد، والبيان والتبيين في ثلاث خطب هذا نصها:
стр. 1305
٢٩٨- خطبة أخرى:
قام بخراسان حين خلع سليمان بن عبد الملك؛ فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أتدرون من تبايعون؟ إنما تبايعون يزيد بن ثروان -يعني هبنقة القيسي- كأني بأمير مزجاء، وحكم قد أتاكم، يحكم في أموالكم ودمائكم وفروجكم وأبشاركم١ ثم قال: الأعراب وما الأعراب؟ لعنة الله على الأعراب، جمعتكم كما يجمع قزع الخريف٢ من منابت الشيح والقيصوم، ومنابت القلقل، وجزيرة ابن كاران، تركبون البقر، وتأكلون الهبيد٣، فحملتكم على الخيل، وألبستكم السلاح، حتى منع الله بكم البلاد، وأفاء بكم الفيء" قالوا: مرنا بأمرك قال: غُرُّوا غيري.
"العقد الفريد ٢: ١٥٥، والبيان والتبيين ٢: ١٠١"
٢٩٩- خطبة ثالثة:
وخطب مرة أخرى، فقال:
"يا أهل العراق، ألست أعلم الناس بكم؟ أما هذا الحي من أهل العالية؛ فنعم الصدقة، وأما هذا الحي من بكر بن وائل فعِلْجةٌ٤ بظراء، لا تجمع رجليها، وأما هذا الحي عبد القيس فما ضرب العير بذنبه، وأما هذا الحي من الأزد، فًعُلُوج٥ خلق الله وأنباطه٦، وايم الله لو ملكت أمر الناس لنقشت أيديهم، وأما هذا الحي من تميم؛ فإنهم كانوا يسمُّون الغدرً في الجاهلية كيسان".
"العقد الفريد ٢: ١٥٥، والبيان والتبيين ٢: ٦٧"
стр. 1306
٣٠٠- خطبة رابعة:
وخطب مرة أخرى، فقال:
"يا أهل خراسان، قد جربتم الولاة قبلي، أتاكم أمية؛ فكان كاسمه أمية الرأي، وأمية الدين، فكتب إلى خليفته: إنّ خراج خراسان وسجستان، لو كان في مطبخه لم يًكْفٍه، ثم أتاكم بعده أبو سعيد، فدوخ بكم البلاد، لا تدرون أفي طاعة الله أنتم أم في معصيته، ثم لم يجبِ فيئًا، ولم ينكأ عدوًّا، ثم أتاكم بنوه بعده، مثل أطباء١ الكلبة؛ منهم ابن الرحمة٢، حصان يضرب في عانةٍ٣، ولقد كان أبوه يخافه على أمهات أولاده، ثم أصبحتم وقد فتح الله عليكم البلاد، وأمن لكم السبل، حتى إن الظعينة لتخرج من مروٍ إلى سمرقند في غير جوار".
"العقد الفريد ٢: ١٥٥، والبيان والتبيين ٢: ٦٧"
стр. 1307
٣٠١- كلمات حكيمة لقتيبة بن مسلم:
وخرجت خارجة بخراسان؛ فقيل لقتيبة بن مسلم: لو وجهت إليهم وكيع بن أبي سود١، قال: وكان وكيع رجلًا عظيم الكبر، في أنفه خنزوانة٢، وفي رأسه نعرة٣؛ وإنما أنفه في أسلوب٤، ومن عظم كبرُه اشتد عجبُه، ومن أُعْجِبَ برأيه لم يشاور كفيًّا، ولم يؤامر٥ نصيحًا. ومن تفرد بالنظر لم يكمل له الصواب، ومن تبجح٦ بالانفراد، وفخر بالاستبداد، كان من الصواب بعيدًا، ومن الخذلان قريبًا، والخطأ مع الجماعة، خير من الصواب مع الفرقة؛ وإن كانت الجماعة لا تخطئ، والفرقة لا تصيب، ومن تكبر على عدوه حقره، وإذا حقره تهاون بأمره، ومن تهاون بخصمه، ووثق بفضل قوته قل احتراسه، ومن قل احتراسه كثر عثاره، وما رأيت عظيم الكبر صاحب حرب؛ إلا كان منكوبًا؛ فلا والله حتى يكون عدوه عنده، وخصمه فما تغلب
стр. 1308
عليه، أسمع من فَرَس، وأبصر من عقاب، وأهدى من قطاة، وأحذر من عقعق١، وأشد إقدامًا من الأسد، وأوثب من الفهد، وأحقد من جمل، وأروغ من ثعلب، وأغدر من ذئب، وأسخى من لافظة٢، وأشح من صبي، وأجمع من ذرة٣، وأحرس من كلب، وأصبر من ضب؛ فإن النفس تسمح من العناية على قدر الحاجة، وتتحفظ على قدر الخوف، وتطلب على قدر الطمع، وتطمع على قدر السبب".
"جمهرة الأمثال ١: ١١٧"
ومن كلماته البليغة قوله حين قدم خراسان:
ٍ"من كان في يديه شيء من مال عبد الله بن خازم٤ فلينبذه، وإن كان في فيه فليلفظه، وإن كان في صدره فلينفثه" فعجب الناس من حسن ما فصل وقسم.
"البيان والتبيين ٢: ٥٤"
стр. 1309
٣٠٢- خطبة طارق بن زياد في فتح الأندلس:
لما دانت بلاد المغرب لموسى بن نصير -وكان واليًا عليها من قبل الوليد بن عبد الملك- طمح بصره إلى فتح بلاد الأندلس؛ فبعث مولاه طارق بن زياد على جيش جله من البربر سنة ٩٢هـ فعبر بهم البحر، ونمى خبره إلى لذريق ملك القوط؛ فأقبل لمحاربته بجيش جرار، وخاف طارق أن يستحوذ الرعب على جنده لقلتهم، فأحرق السفن التي أقلتهم، حتى يقطع من قلوبهم كل أمل في العودة، وقام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم حثهم على الجهاد، ورغبهم في الشهادة، فقال:
"أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق١ والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مآدب٢ اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه، وأسلحته وقواته موفورة، وأنتم لا وزر٣ لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم، وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمرًا، ذهبت ريحكم، وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجرأة عليكم؛ فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم، بمناجزة٤ هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن، إن سمحتم لأنفسكم بالموت، وإني لم أحذركم أمرًا أنا عنه بنجوة٥،
стр. 1310
ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها النفوس، أربأ١ فيها بنفسي، واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلًا، استمتعتم بالأرفه الألذ طويلًا؛ فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فيما حظكم فيه أوفر من حظي.
وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور٢ الحسان، من بنات اليونان، الرافلات٣ في الدر والمرجان، والحلل المنسوجة بالعقيان٤، المقصورات٥ في قصور الملوك ذوي التيجان، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عُزْبانًا٦، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارًا٧ وأختانًا٨، ثقة منه بارتياحكم للطعان، وإسماحكم٩ بمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمها خالصًا لكم من دونه، ومن دون المؤمنين سواكم، والله تعالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذكرًا في الدارين.
واعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأني عند ملتقى الجمعين، حامل بنفسي على طاغية القوم لُذَرِيق؛ فقاتِلُه إن شاء الله، فاحملوا معي، فإن هلكت بعده، فقد كفيتم أمره، ولن يعوزكم بطلٌ عاقل تسندون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه، فاخلفوني في عزيمتي هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا المهم من فتح هذه الجزيرة بقتله، فإنهم بعده يخذلون".
"نفخ الطيب ١: ١١٢، ووفيات الأعيان ٢: ١٣٥".
стр. 1311
٣٠٣- نص آخر لخطبة طارق:
وروى ابن قتيبة هذه الخطبة في الإمامة والسياسة بصورة أخرى، قال:
لما بلغ طارقًا دنو لُذريق، قام في أصحابه؛ فحمد الله، ثم حض الناس على الجهاد، ورغبهم في الشهادة، وبسط لهم في آمالهم، ثم قال:
"أيها الناس: أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم؛ فليس ثم والله إلا الصدق والصبر؛ فإنهما لا يغلبان، وهما جندان منصوران، ولا تضر معهما قلة، ولا تنفع مع الخور والكسل والفشل والاختلاف والعجب كثرة، أيها الناس: ما فعلت من شيء فافعلوا مثله، إن حملت فاحملوا، وإن وقفت فقفوا، ثم كونوا كهيئة رجل واحد في القتال، ألا وإني عامد إلى طاغيتهم، بحيث لا أتهيبه حتى أخالطه، وأقتل دونه، فإن قتلت فلا تهنوا١ ولا تحزنوا، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم. وتولوا الدبر لعدوكم، فتبددوا بين قتيل وأسير. وإياكم إياكم أن ترضوا بالدنية، ولا تعطوا بأيديكم، وارغبوا فيما عجل لكم من الكرامة والراحة، من المهنة والذلة، وما قد حل لكم من ثواب الشهادة؛ فإنكم إن تُفَلُّوا٢ "والله معكم ومعيذكم" تبوءوا بالخسران المبين، وسوء الحديث غدًا بين من عرفكم من المسلمين، وهأنذا حامل حتى أغشاه، فاحملوا بحملتي".
"الإمامة والسياسة ٢: ٥٣".
стр. 1312
٣٠٤- خطبة عثمان بن حيان المري بالمدينة:
وولى الوليد بن عبد الملك عثمان بن حيان المري المدينة سنة ٩٤هـ، وقد خطب على المنبر فقال بعد حمد الله:
"أيها الناس: إنا وجدناكم أهل غش لأمير المؤمنين، في قديم الدهر وحديثه،
стр. 1313
وقد ضوى١ إليكم من يزيدكم خبالًا: أهل العراق، هم أهل الشقاق والنفاق، هم والله عش النفاق، وبيضته التي تفلقت عنه، والله ما جربت عراقيًّا قط؛ إلا وجدت أفضلهم عند نفسه، الذي يقول في آل أبي طالب ما يقول، وما هم لهم بشيعة، وإنهم لأعداءٌ لهم ولغيرهم، ولكن لما يريد الله من سفك دمائهم؛ فإني والله لا أوتى بأحد آوى أحدًا منهم أو أكراه منزلًا، أو أنزله؛ إلا هدمت منزله، وأنزلت به ما هو أهله٢.
ثم إن البلدان لما مصرها عمر بن الخطاب، وهو مجتهد على ما يصلح رعيته، جعل يمر عليه من يريد الجهاد؛ فيستشيره: الشام أحب إليك أم العراق؟ فيقول: الشام أحب إلي.
إني رأيت العراق داء عضالًا، وبها فرخ الشيطان، والله لقد أعضلوا بي٣، وإني لأراني سأفرقهم في البلدان، ثم أقول: لو فرقتهم لأفسدوا من دخلوا عليه بجدل وحجاج، وكيف؟ ولم؟ وسرعة وَجِيفٍ٤ في الفتنة؛ فإذا خُبِرُوا عند السيوف، لم يخبر منهم طائل٥، لم يصلحوا على عثمان، فلقي منهم الأمرين٦، وكانوا أول الناس فتق هذا الفتق العظيم، ونقضوا عُرا الإسلام عُروة عُروة، وأنغلوا٧ البلدان، والله إني لأتقربُ إلى الله بكل ما أفعل بهم لما أعرف من رأيهم ومذاهبهم، ثم وليهم أمير المؤمنين معاوية، فدامَجَهُم٨ فلم يصلحوا عليه، ووليهم رجلُ الناس٩ جلدًا،
стр. 1314
فبسط عليهم السيف وأخافهم؛ فاستقاموا له، أحبوا أو كرهوا، وذلك أنه خبرهم وعرفهم.
أيها الناس: إنا والله ما رأينا شعارًا قط مثل الأمن، ولا رأينا حلسًا١ قط شرًّا من الخوف؛ فالزموا الطاعة، فإن عندي يا أهل المدينة خبرة من الخلاف، والله ما أنتم بأصحاب قتال، فكونوا من أحلاس بيوتكم، وعَضُوا على النواجذ؛ فإني قد بعثت في مجالسكم من يسمع فيبلغني عنكم، إنكم في فضول كلام غيرُه ألزمُ لكم، فدعوا عيب الولاة؛ فإن الأمر إنما يُنْقَضُ شيئًا شيئًا حتى تكون الفتنة، وإن الفتنة من البلاء، والفتن تذهب بالدين وبالمال والولد".
"تاريخ الطبري ٧: ٩٢"
стр. 1315
٣٠٥- وصية يزيد بن المهلب لابنه مخلد "قتل سنة ١٠٢هـ":
ولما ولي يزيد بن المهلب خراسان في عهد سليمان بن عبد الملك، فتح جرجان١ وطبرستان٢ "سنة ٩٨"، وقد أوصى ابنه مخلدًا حين استخلفه على جرجان؛ فقال:
"يا بُني، إني قد استخلفتك على هذه البلاد، فانظر هذا الحي من اليمن، فكن لهم كما قال الشاعر:
إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم ... فَرِشْ واصطنع عند الذين بهم ترمي٣
وانظر هذا الحي من ربيعة؛ فإنهم شيعتك وأنصارك، فاقضِ حقوقهم، وانظر هذا
стр. 1316
الحي من تميم؛ فأمطرهم١، ولا تُزْهَ٢ لهم، ولا تُدْنِهم فيطمعوا، ولا تقصهم فيقطعوا، وانظر هذا الحي من قيس؛ فإنهم أكفاء قومك في الجاهلية، ومناصفوهم المنابر في الإسلام، ورضاهم منك البِشْرُ.
يا بني: إن لأبيك صنائع فلا تفسدها، فإنه كفى بالمرء نقصًا أن يهدم ما بنى أبوه، وإياك والدماء؛ فإنها لا بقية معها، وإياك وشتم الأعراض، فإن الحرَّ لا يُرْضِهِ عن عرضه عوضٌ، وإياك وضرب الأبشار، فإنه عار باق، ووتر مطلوب، واستعمل على النجدة والفضل دون الهوى، ولا تعزل إلا عن عجز أو خيانة، ولا يمنعك من اصطناع الرجل أن يكون غيرك قد سبقك إليه؛ فإنك إنما تصطنع الرجال لفضلها، وليكن صنيعك عند من يكافئك عنه، احمل الناس على أحسن أدبك يكفوك أنفسهم، وإذا كتبت كتابًا فأكثر النظر فيه، وليكن رسولك فيما بيني وبينك من يفقه عني وعنك، فإن كتاب الرجل موضع عقله، ورسوله موضع سره، وأستودعك الله، فلا بد للمودّع أن يسكت، وللمشيّع أن يرجع، وما عفَّ من المنطق، وقل من الخطيئة أحب إلى أبيك، وكذلك سلك هذا المسلك المحمود".
"شرح ابن أبي الحديد م٤: ص١٥٥، وبلوغ الأرب ٣: ١٧٣"
стр. 1317
٣٠٦- نصيحة عمر بن هبيرة لبعض بنيه:
وقال عمر بن هبيرة١ يؤدب بعض بنيه:
"لا تكونن أول مشير، وإياك والهوى والرأي الفطير٢، وتجنب ارتجال الكلام، ولا تشر على مستبد، ولا على وغد، ولا على متلوِّن، ولا على لَجُوج، وخَفِ الله في موافقة هوى المستشير؛ فإن التماس موافقته لؤم، وسوء الاستماع منه خيانة".
وقال: "من كثر كلامه كثر سَقَطُهُ، ومن ساء خُلُقُه قلَّ صديقُهُ".
"البيان والتبيين ٢: ٩٨"
стр. 1318
خطب خالد بن عبد الله القسرى
خطبته بمكة يدعو إلى الطاعة ولزوم الجماعة
...
خطب خالد بن عبد الله القسري ١ "توفي سنة ١٢٦هـ":
٣٠٧- خطبته بمكة يدعو إلى الطاعة ولزوم الجماعة:
خطب خالد بن عبد الله القسري بمكة، فقال:
"يا أيها الناس، إنكم بأعظم بلاد الله حرمة، وهي التي اختار الله من البلدان فوضع بها بيته، ثم كتب على عباده حجه، من استطاع إليه سبيلًا، أيها الناس: فعليكم بالطاعة، ولزوم الجماعة، وإياكم والشبهات؛ فإني والله ما أوتى بأحد يطعن على إمامه إلا صلبته في الحرم، إن الله جعل الخلافة منه بالموضع الذي جعلها، فسلموا وأطيعوا، ولا تقولوا كَيْتَ وكَيْتَ، إنه لا رأي فيما كتب به الخليفة أو رآه إلا إمضاؤه، واعلموا أنه بلغني أن قومًا من أهل الخلاف يَقْدَمُون عليكم، ويقيمون في بلادكم؛ فإياكم أن تنزلوا أحدًا ممن تعلمون أنه زائغ عن الجماعة، فإني لا أجد أحدًا منهم في منزل أحد منكم إلا هدمت منزله، فانظروا من تنزلون في منازلكم، وعليكم بالجماعة والطاعة، فإن الفرقة هو البلاء العظيم".
وسُمِعَ يومًا يقول: "والله لو أعلم أن هذه الوحشَ التي تأمن في الحرم لو نطقت
стр. 1319
لم نقر بالطاعة، لأخرجتها من الحرم، إنه لا يسكن حرم الله وأمنه مخالف للجماعة زارٍ١ عليهم".
"تاريخ الطبري ٨: ٨٠".
стр. 1320
٣٠٨- خطبة أخرى يشيد فيها بفضل الوليد:
ومن غُلُوِّه أنه خطب على منبر مكة؛ فقال:
"أيها الناس، أيهما أعظم؟ أخليفة الرجل على أهله، أم رسوله إليهم؟ والله لو لم تعلموا فضل الخليفة إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقى ربه، فسقاه ملحًا أُجاجًا، واستسقاه الخليفة فسقاه عذبًا فراتًا١" يعني بئرًا حفرها الوليد بن عبد الملك بالثنيتين: ثنية طوى، وثنية الحجون٢؛ فكان ينقل ماؤها، فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم، ليعرف فضله على زمزم".
"تاريخ الطبري ٨: ٦٧، وسرح العيون ص٢٠٥ والأغاني ١٩: ٦٠"
стр. 1321
٣٠٩- خطبته بمكة في الحجاج:
وصعد خالد المنبر في يوم جمعة -وهو على مكة- فذكر الحجاج فحمد طاعته، وأثنى عليه خيرًا؛ فلما كان في الجمعة الثانية ورد عليه كتاب سليمان بن عبد الملك، يأمره فيه بشتم الحجاج ونشر عيوبه، وإظهار البراءة منه فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"إن إبليس كان مَلَكًا من الملائكة، وكان يُظهر من طاعة الله ما كانت الملائكة ترى له به فضلًا، وكان الله قد علم من غشه وخبثه ما خفي على ملائكته،
стр. 1322
فلما أراد الله فضيحته أمره بالسجود لآدم؛ فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم، فلعنوه، وإن الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له به فضلًا، وكان الله قد أطلع أمير المؤمنين من غشه وخبثه على ما خفي علينا؛ فلما أراد الله فضيحته أجرى ذلك على يدي أمير المؤمنين، فلعنه، فالعنوه لعنه الله" ثم نزل.
"العقد الفريد ٢: ١٥٨-٣: ١١"
стр. 1323
٣١٠- خطبة له في الحث على مكارم الأخلاق:
وقام على المنبر بواسط، فحمد الله، وصلى على نبيه ﷺ ، ثم قال:
"أيها الناس، نافسوا في المكارم، وسارعوا إلى المغانم، واشتروا الحمد بالجود، ولا تكسبوا بالمطل ذمًّا، ولا تعتدّوا بالمعروف ما لم تعجلوه، ومهما يكن لأحد منكم عند أحد نعمة فلم يبلغ شكرها؛ فالله أحسن لها جزاء، وأجزل عليها عطاء. واعلموا أن حوائج الناس إليكم، نعمة من الله عليكم، فلا تملوا النعم فتحولوها نقمًا.
واعلموا أن أفضل المال ما أكسب أجرًا، وأورث ذكرًا، ولو رأيتم المعروف رجلًا رأيتموه حسنًا جميلًا يسرُّ الناظرين، ولو رأيتم البخل رجلًا رأيتموه مشوهًا قبيحًا تنفر عنه القلوب، وتغضي عنه الأبصار.
أيها الناس، إن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعظم الناس عفوًا من عفا عن قدرة، وأوصل الناس من وصل من قطعه، ومن لم يطِبْ حرثُه، لم يزكُ١ نبتُه، والأصول عن مغارسها تنمو، وبأصولها تسمو. أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولكم".
"صبح الأعشى ١: ٢٢٣، ونهاية الأرب ٧: ٢٥٥، وسرح العيون ص٢٠٥"
стр. 1324
٣١١- خطبة له يوم عيد:
خطب فذكر الله وجلاله، ثم قال:
"كنتَ كذلك ما شئتَ أن تكون، لا يَعلمُ كيف أنتَ إلا أنتَ، ثم ارتأيتَ أن تخلُقَ الخلقَ؛ فماذا جئتَ به من عجائب صُنعك؟ والكبيرُ والصغيرُ مِن خلقِكَ، والظاهرُ والباطنُ من ذَرِّكَ، مِن صُنوف أفواجِهِ١، وأفراده وأزواجه، كيف أدمجتَ٢ قوائمَ الذَّرَّة والبعوضة، إلى ما هو أعظم من ذلك، من الأشباح، التي امتزجت بالأرواح".
"عيون الأخبار م٢: ص٢٤٦"
стр. 1325
٣١٢- قوله وقد سقطت جرادة على ثوبه:
وكان خالد إذا تكلم يظن الناس أنه يصنع الكلام، لعذوبة لفظه، وبلاغة منطقه؛ فبينا هو يخطب يومًا إذ سقطت جرادة على ثوبه، فقال:
"سبحان مَنِ الجرادةُ من خَلْقه، أدمجَ قوائمها، وطوَّفها جَنَاحَهَا، ووشَّى١ جلدها، وسلطها على ما هو أعظم منها".
"عيون الأخبار م٢: ص٢٤٧، والعقد الفريد ٢: ١٦٣"
стр. 1326
٣١٣- خطبة يوسف بن عمر الثقفي ٤ "قتل سنة ١٢٧هـ":
قام خطيبًا، فقال:
اتقوا الله عباد الله، فكم من مؤمِّلٍ أملًا لا يبلغه، وجامعٍ مالًا لا يأكله، ومانعٍ عما سوف يتركه، ولعله من باطلٍ جَمَعَه، ومن حقٍّ مَنَعَه، أصابه حرامًا، وأورثه
стр. 1327
عدوا، فاحتمل إصره١، وباء بوزره، وورد على ربه آسفًا لاهفًا، قد خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين".
"العقد الفريد ٢: ١٥٨، والبيان والتبيين ٢: ٧١، ونهاية الأرب ٧: ٢٥٥"
стр. 1328
٣١٤- خطبة يوسف بن عمر:
ولما قتل يوسف بن عمر زيد بن عليٍّ سنة ١٢٢هـ أقبل حتى دخل الكوفة فصعد المنبر فقال:
"يا أهل المدرة الخبيثة: إني والله ما تقرَن بي الصعبة، ولا يقعقع لي بالشنان، ولا أخوَّفُ بالذئب، هيهات! حُبيتُ بالساعد الأشدّ.
أبشروا يا أهل الكوفة بالصغار والهوان، لا عطاء لكم عندنا ولا رزق، ولقد هممت أن أخرب بلادكم ودوركم، وأحرمكم أموالكم، أما والله ما علوت منبري إلا أسمعتكم ما تكرهون عليه؛ فإنكم أهل بغي وخلاف، ما منكم إلا من حارب الله ورسوله إلا حكيم بن شريك المحاربي، ولقد سألت أمير المؤمنين أن يأذن لي فيكم، ولو أذن لقتلتُ مقاتلتكم وسبيت ذراريكم".
"تاريخ الطبري ٨: ٢٧٨"
стр. 1329
خطب الفتن والأحداث
خطبة عبد الله بن حنظلة الأنصارى
...
خطب الفتن والأحداث فتنة المدينة ووقعة الحرة:
٣١٥- خطبة عبد الله بن حنظلة الأنصاري:
وقد علم بقدوم جيش الشأم إلى المدينة "قتل سنة ٦٣هـ"
لما كره أهل المدينة خلافة يزيد بن معاوية، وبايعوا عبد الله بن حنظلة الأنصاري على خَلْعِهِ، ووثبوا على من كان بالمدينة من بني أمية وحصروهم وأخافوهم، وجه إليهم يزيد جيشًا من أهل الشام بقيادة مسلم بن عقبة المرّيّ ونمى إليهم خبر مقدمه عليهم؛ فجمعهم عبد الله بن حنظلة، فقال: "تبايعونني على الموت؛ وإلا فلا حاجة في بيعتكم" فبايعوه على المنبر: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: إنما خرجتم غضبًا لدينكم، فأبلوا إلى الله بلاءً حسنًا، ليوجب لكم به الجنة ومغفرتَه، ويحل بكم رضوانَه، واستعدوا بأحسن عدتكم، وتأهبوا بأكمل أهبتكم فقد أُخبرت بأن القوم نزلوا بذي خُشُب١ ومعهم مروان بن الحكم، واللهُ إن شاءَ مُهْلِكُهُ بنقضِهِ العهدَ والميثاقَ عند منبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢".
стр. 1330
فتصايح الناس، وجعلوا ينالون منه ويسبونه، فقال لهم: "إن الشتم ليس بشيء، نَصْدُقُهم اللقاءَ، واللهِ ما صَدَقَ قومٌ قطُّ إلا نُصِرُوا"، ثم رَفَعَ يديه إلى السماء، وقال: "اللهم إنا بك واثقون، وعليك متوكلون، وإليك ألجأنا ظهورنا" ثم نزل.
"الإمامة والسياسة ١: ١٥٤"
стр. 1331
٣١٦- خطبة مسلم بن عقبة يؤنب أهل الشأم:
وأقبل مسلمٌ بجيشه إلى المدينة؛ فحاصَرَها من جهة الحرة١، ودعا أهلها إلى الطاعة ومراجعة الحقِّ، وأجلهم ثلاثًا فلم يُذعِنوا لقوله، ونشبت الحرب بين الفريقين، وحملت خيل ابن حنظلة على أهل الشام فانكشفوا، وقتل صاحب رايتهم، فأخذ مسلم الراية، ونادى:
"يا أهل الشام، أهذا القتال قتال قوم يريدون أن يدفعوا به عن دينهم؟ وأن يُعِزُّوا به نصرَ إمامهم؟ قبح الله قتالكم منذ اليوم، ما أَوْجَعَه لقبي، وأغيظه لنفسي! أما واللهِ ما جزاؤكم عليه إلا أن تُحرموا العطاء، وأن تجمروا في أقاصي الثغور، شدوا مع هذه الراية، تَرَّحَ٢ اللهُ وجوهَكم إن لم تعتبوا٣".
"تاريخ الطبري ٧: ٩"
стр. 1332
٣١٧- خطبة مسلم يحرضهم:
ثم إن خيل مسلم ورجاله أقبلت نحو ابن حنظلة ورجاله حتى دنوا منه، وأخذ مسلم يسير في أهل الشام ويحرضهم، ويقول:
"يا أهل الشأم، إنكم لستم بأفضل العرب في أحسابها ولا أنسابها، ولا أكثرها
стр. 1333
عددًا، ولا أوسعها بلدًا، ولم يخصصكم الله بالذى خصكم به من النصر على عدوكم، وحسن المنزلة عند أئمتكم؛ إلا بطاعتكم واستقامتكم، وإن هؤلاء القوم وأشباههم من العرب غيروا؛ فغير الله بهم، فتموا١ على أحسن ما كنتم عليه من الطاعة، يتمم الله لكم أحسن ما ينيلكم من النصر والفلج٢".
"تاريخ الطبري ٧: ٩"
стр. 1334
٣١٨- خطبة ابن حنظلة يحرض أصحابه:
وقام عبد الله بن حنظلة في أصحابه حين رآهم قد أقبلوا يمشون تحت راياتهم؛ فقال: "يا هؤلاء: إن عدوكم قد أصابوا وجه القتال الذى ينبغي أن تقاتلوهم به، وإني قد ظننت ألا تلبثوا إلا ساعة، حتى يفصل الله بينكم وبينهم، وإما لكم وإما عليكم، أما إنكم أهل البصيرة ودار الهجرة! والله ما أظن ربكم أصبح عن أهل بلد من بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم، ولا على أهل بلد من بلدان العرب بأسخظ منه على هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم، إن لكل امرئ منكم ميتة هو ميت بها، والله ما من ميتة بأفضل من ميتة الشهادة، وقد ساقها الله إليكم، فاغتنموها؛ فوالله ما كلما أردتموها وجدتموها".
ودارت الدائرة على أهل المدينة، وقتل ابن حنظلة فيمن قتل، ودخل مسلم المدينة١ وكانت وقعة الحرة في ذي الحجة سنة ٦٣هـ.
"تاريخ الطبرى ٧: ١٠".
стр. 1335
اضطراب الأمر بعد موت يزيد:
٣١٩- خطبة عبيد الله بن زياد بن أبيه:
قام عبيد الله بن زياد بن أبيه خطيبًا بعد موت يزيد ين معاوية -وهو يومئذ أمير العراق- فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"يا أهل البصرة، انسبوني؛ فوالله ما مُهاجَرُ أبي إلا إليكم، وما مولدي إلا فيكم، وما أنا إلا رجلٌ منكم، ولقد وليتكم وما أحصَى ديوان مقاتِلتِكم إلا سبعين ألف مقاتل، ولقد أحصَى اليوم ديوان مقاتلتكم ثمانين ألفًا، وما أحصى ديوان عمالكم إلا تسعين ألفًا، ولقد أحصى اليوم مائة وأربعين ألفًا١، وما تركت لكم ذا ظنة٢ أخافه عليكم، إلا وهو في سجنكم هذا، وإن أمير المؤمنين: يزيد بن معاوية قد توفي وقد اختلف أهل الشام، وأنتم اليوم أكثر الناس عددًا، وأعرضُه فناء، وأغناه عن الناس، وأوسعه بلادًا؛ فاختاروا لأنفسكم رجلًا ترتضونه لدينكم وجماعتكم، يجاهد عدوكم، وينصف مظلومكم من ظالمكم، ويكف سفهاءكم، ويجبي لكم فيئكم، ويقسمه فيما بينكم، فأنا أول راضٍ من رضيتموه وتابع، فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترتضونه، دخلتم فيما دخل فيه المسلمون، وإن كرهتم ذلك كنتم على جديلتكم٣