٣١٦- خطبة مسلم بن عقبة يؤنب أهل الشأم:
وأقبل مسلمٌ بجيشه إلى المدينة؛ فحاصَرَها من جهة الحرة١، ودعا أهلها إلى الطاعة ومراجعة الحقِّ، وأجلهم ثلاثًا فلم يُذعِنوا لقوله، ونشبت الحرب بين الفريقين، وحملت خيل ابن حنظلة على أهل الشام فانكشفوا، وقتل صاحب رايتهم، فأخذ مسلم الراية، ونادى:
"يا أهل الشام، أهذا القتال قتال قوم يريدون أن يدفعوا به عن دينهم؟ وأن يُعِزُّوا به نصرَ إمامهم؟ قبح الله قتالكم منذ اليوم، ما أَوْجَعَه لقبي، وأغيظه لنفسي! أما واللهِ ما جزاؤكم عليه إلا أن تُحرموا العطاء، وأن تجمروا في أقاصي الثغور، شدوا مع هذه الراية، تَرَّحَ٢ اللهُ وجوهَكم إن لم تعتبوا٣".
"تاريخ الطبري ٧: ٩"
стр. 1332
٣١٧- خطبة مسلم يحرضهم:
ثم إن خيل مسلم ورجاله أقبلت نحو ابن حنظلة ورجاله حتى دنوا منه، وأخذ مسلم يسير في أهل الشام ويحرضهم، ويقول:
"يا أهل الشأم، إنكم لستم بأفضل العرب في أحسابها ولا أنسابها، ولا أكثرها
стр. 1333
عددًا، ولا أوسعها بلدًا، ولم يخصصكم الله بالذى خصكم به من النصر على عدوكم، وحسن المنزلة عند أئمتكم؛ إلا بطاعتكم واستقامتكم، وإن هؤلاء القوم وأشباههم من العرب غيروا؛ فغير الله بهم، فتموا١ على أحسن ما كنتم عليه من الطاعة، يتمم الله لكم أحسن ما ينيلكم من النصر والفلج٢".
"تاريخ الطبري ٧: ٩"
стр. 1334
٣١٨- خطبة ابن حنظلة يحرض أصحابه:
وقام عبد الله بن حنظلة في أصحابه حين رآهم قد أقبلوا يمشون تحت راياتهم؛ فقال: "يا هؤلاء: إن عدوكم قد أصابوا وجه القتال الذى ينبغي أن تقاتلوهم به، وإني قد ظننت ألا تلبثوا إلا ساعة، حتى يفصل الله بينكم وبينهم، وإما لكم وإما عليكم، أما إنكم أهل البصيرة ودار الهجرة! والله ما أظن ربكم أصبح عن أهل بلد من بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم، ولا على أهل بلد من بلدان العرب بأسخظ منه على هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم، إن لكل امرئ منكم ميتة هو ميت بها، والله ما من ميتة بأفضل من ميتة الشهادة، وقد ساقها الله إليكم، فاغتنموها؛ فوالله ما كلما أردتموها وجدتموها".
ودارت الدائرة على أهل المدينة، وقتل ابن حنظلة فيمن قتل، ودخل مسلم المدينة١ وكانت وقعة الحرة في ذي الحجة سنة ٦٣هـ.
"تاريخ الطبرى ٧: ١٠".
стр. 1335
اضطراب الأمر بعد موت يزيد:
٣١٩- خطبة عبيد الله بن زياد بن أبيه:
قام عبيد الله بن زياد بن أبيه خطيبًا بعد موت يزيد ين معاوية -وهو يومئذ أمير العراق- فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"يا أهل البصرة، انسبوني؛ فوالله ما مُهاجَرُ أبي إلا إليكم، وما مولدي إلا فيكم، وما أنا إلا رجلٌ منكم، ولقد وليتكم وما أحصَى ديوان مقاتِلتِكم إلا سبعين ألف مقاتل، ولقد أحصَى اليوم ديوان مقاتلتكم ثمانين ألفًا، وما أحصى ديوان عمالكم إلا تسعين ألفًا، ولقد أحصى اليوم مائة وأربعين ألفًا١، وما تركت لكم ذا ظنة٢ أخافه عليكم، إلا وهو في سجنكم هذا، وإن أمير المؤمنين: يزيد بن معاوية قد توفي وقد اختلف أهل الشام، وأنتم اليوم أكثر الناس عددًا، وأعرضُه فناء، وأغناه عن الناس، وأوسعه بلادًا؛ فاختاروا لأنفسكم رجلًا ترتضونه لدينكم وجماعتكم، يجاهد عدوكم، وينصف مظلومكم من ظالمكم، ويكف سفهاءكم، ويجبي لكم فيئكم، ويقسمه فيما بينكم، فأنا أول راضٍ من رضيتموه وتابع، فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترتضونه، دخلتم فيما دخل فيه المسلمون، وإن كرهتم ذلك كنتم على جديلتكم٣
стр. 1336
حتى تعطوا حاجتكم، فما بكم إلى أحد من أهل البلدان حاجة، وما يستغني الناس عنكم".
فقامت خطباء أهل البصرة، فقالوا: قد سمعنا مقالتك أيها الأمير، وإنا واللهِ ما نعلم أحدًا أقوى عليها منك، فهلم فلنبايعك، فقال: لا حاجة لي في ذلك، فاختاروا لأنفسكم، فأبوا عليه، وأبى عليهم، حتى كرروا ذلك عليه ثلاث مرات، فلما أبوا بسط يده فبايعوه.
فلما خرجوا من عنده جعلوا يمسحون أكفهم بالحيطان وباب الدار، ويقولون: ظن ابن مرجانة أنا نُوَلِّيه أمرنا في الفرقة! وأقام عبيد الله أميرًا غير كثير، حتى جعل سلطانُه يضعف، ويأمر بالأمر فلا يُقضى، ويرى الرأي فيُرد عليه، ويأمر بحبس المخطئ فيحال بين أعوانه وبينه.
"تاريخ الطبري ٧: ١٨، والبيان والتبيين ٢: ٦٥، ومروج الذهب ٢: ١٠٥"
стр. 1337
٣٢٠- خطبة أخرى له:
وبلغه أن سلمة بن ذؤيب يدعو الناس إلى ابن الزبير؛ فأمر فنودي: الصلاة جامعة، فتجمع الناس، فأنشأ عبيد الله يقص أول أمره وأمرهم، وما قد كان دعاهم إلى من يرتضونه، فيبايعه معهم، وقال: "وإنكم أبيتم غيري، وإنه بلغني أنكم مسحتم أكفكم بالحيطان وباب الدار، وقلتم ما قلتم، وإني آمر بالأمر فلا ينفذ، ويرد علي رأيي، وتحول القبائل بين أعواني وطلبتي١، ثم هذا سلمة بن ذؤيب يدعو إلى الخلاف عليكم، إرادة أن يفرق جماعتكم، ويضرب بعضكم جباه بعض بالسيف".
فقال الأحنف بن قيس والناس جميعًا نحن نأتيك بسلمة، فأتوه فإذا جمعه قد كثف وإذا الفتق قد اتسع على الراتق، وامتنع عليهم، فقعدوا عن ابن زياد فلم يأتوه.
стр. 1338
وروي أنه قال في خطبته: "يا أهل البصرة، والله لقد لبسنا الخز واليمنة١ واللين من الثياب، حتى لقد أجمَّنا٢ ذلك، وأجمته جلودنا؛ فما بنا إلى أن نعقبها الحديد؟
يا أهل البصرة، والله لو اجتمعتم على ذنبِ عيرٍ لتكسروه ما كسرتموه".
"تاريخ الطبري ٧: ٢٠"
стр. 1339
٣٢١- خطبة عمرو بن حريث:
ولما بايع أهل البصرة عبيد الله بن زياد -وكان خليفته على الكوفة عمرو بن حريث- بعث وافدين من قبله إلى الكوفة: عمرو بن مسمع، وسعد بن القرحاء١ التميمي، ليعلم أهل الكوفة ما صنع أهل البصرة، ويسألانهم البيعة لابن زياد، حتى يصطلح الناس، فجمع الناس عمرو بن حريث، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"إن هذين الرجلين قد أتياكم من قبل أميركم، يدعوانكم إلى أمر يجمع الله به كلمتكم، ويصلح به ذات بينكم؛ فاسمعوا منهما، واقبلوا عنهما، فإنهما برشد ما أتياكم".
стр. 1340
٣٢٢- خطبة عمرو بن مسمع:
فقام عمرو بن مسمع؛ فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر أهل البصرة، واجتماع رأيهم على تأمير عبيد الله بن زياد؛ حتى يرى الناس رأيهم، فيمن يولون عليهم وقال:
"قد جئناكم لنجمع أمرنا وأمركم، فيكون أميرنا وأميركم واحدًا؛ فإنما الكوفة من البصرة، والبصرة من الكوفة".
стр. 1341
وقام ابن القرحاء، فتكلم نحوا من كلام صاحبه؛ فقام يزيد بن الحارث الشيباني فحصبهما أول الناس، ثم حصبهما الناس بعد، ثم قال: أنحن نبايع لابن مرجانة؟
لا ولا كرامة! ورجع الوفد إلى البصرة، فأعلم الناس الخبر، فقالوا: أهل الكوفة يخلعونه، وأنتم تولونه وتبايعونه؟ فوثب به الناس؛ فاستجار بمسعود بن عمرو الأزدي فأجاره ومنعه، ثم خرج إلى الشام في خفارة رجال من الأزد وبكر بن وائل.
"تاريخ الطبري ٧: ٣٠"
стр. 1342
٣٢٣- خطبة الأحنف بن قيس
واستخلف ابن زياد مسعود بن عمرو الأزدي على البصرة، فقالت بنو تميم وقيس: لا نولى إلا رجلا ترضاه جماعتنا، فقال مسعود: قد استخلفني، فلا أدع ذلك أبدًا، وبينما هو على المنبر يبايع من أتاه، إذا رماه رجل من الخوارج فقتله، فخرجت الأزد إلى الخوارج، فقتلوا منهم وجرحوا، وطردوهم عن البصرة، وجاءهم الناس، فقالوا لهم: تعلمون أن بني تميم يزعمون أنهم قتلوا مسعود بن عمرو؟ فبعثت الأزد تسأل عن ذلك، فإذا أناس منهم يقولونه، فاجتمعت الأزد عند ذلك، وازدلفوا إلى بني تميم، وخرجت مع بني تميم قيس، وخرج مع الأزد بكر بن وائل، فالتقى القوم، واقتتلوا أشد القتال، فقتل من الفريقين قتلى كثيرة، فقالت لهم بنو تميم: اللهَ اللهَ يا معشر الأزد في دمائنا ودمائكم، بيننا وبينكم القرآن، ومن شئتم من أهل الإسلام، فإن كانت لكم علينا بينة أنا قتلنا صاحبكم، فاختاروا أفضل رجل فينا، فاقتلوه بصاحبكم، وإن لم تكن لكم بينة، فإنا نحلف بالله ما قتلنا ولا أمرنا، ولا نعلم لصاحبكم قاتلا، وإن لم تريدوا ذلك، فنحن نَدِي صاحبكم بمائة ألف درهم، فاصطلحوا، فأتاهم الأحنفُ بن قيس، فقال:
"يا معشر الأزد: أنتم جيرتنا في الدار، وإخوتنا عند القتال، وقد أتيناكم
стр. 1343
٣٢٤- خطبة روح بن زنباع الجذامي بالمدينة: ١
لما نَمَى هلاك يزيد بن معاوية إلى الحصين بن نمير، وهو على حرب ابن الزبير
стр. 1344
بمكة- انصرف بجيشه إلى الشأم؛ فلما صاروا إلى المدينة، جعل أهلها يهتفون١ بهم، ويتوعدونهم، ويذكرون قتلاهم بالحرة، فلما أكثروا من ذلك وخافوا الفتنة وهَيْجَها، صعد روح بن زنباع الجذامي على منبر رسول الله ﷺ -وكان في ذلك الجيش- فقال:
"يا أهل المدينة: ما هذا الإبعاد٢ الذي توعدوننا؟ إنا والله ما دعوناكم إلى "كلب" لمبايعة رجل منهم، ولا إلى رجل من "بَلْقَيْن"٣ ولا إلى رجل من "لَخْم" أو "جُذَام" ولا غيرهم من العرب، ولكن دعوناكم إلى هذا الحي من قريش -يعني بني أمية- ثم إلى طاعة يزيد بن معاوية، وعلى طاعته قاتلناكم، فإيانا توعدون؟ أما والله إنا لأبناء الطعن والطاعون، وفضلات الموت والمنون، فما شئتم"٤، ومضى القوم إلى الشأم.
"مروج الذهب ٢: ١٠٤، والبيان والتبيين ١: ٢٠٨"
стр. 1345
خطبة الأحنف بن قيس
...
في رحالكم، لإطفاء حشيشتكم١، وسل سخيمتكم٢، ولكم الحكم مرسلًا٣، فقولوا، على أحلامنا وأموالنا؛ فإنه لا يتعاظمنا٤ ذهاب شيء من أموالنا كان فيه صلاح بيننا"، فقالوا: أتدون صاحبنا عشر ديات؟ قال: هي لكم، فانصرف الناس واصطلحوا٥"
وروى الجاحظ وابن عبد ربه هذه الخطبة بصورة أخرى، وها هي ذي:
قال بعد حمد الله والثناء عليه: "يا معشر الأزد وربيعة، أنتم إخواننا في الدين وشركاؤنا في الصِّهر، وأشقاؤنا في النسب، وجيراننا في الدار، ويدنا على العدو، واللهِ لأزدُ البصرة أحب إلينا من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحب إلينا من تميم الشأم، فإن استشرف شنآنُكم٦، وأبى حسدُ صدوركم، ففي أموالنا، وسعة أحلامنا، لنا ولكم سعة".
"تاريخ الطبري ٨: ٣١، والبيان والتبيين ٢: ٦٨، والعقد الفريد ٢: ١٥٧"
стр. 1346
٣٢٥- خطبته يؤيد مبايعة مروان بن الحكم بالخلافة:
ولما اجتمع الرأي على البيعة لمروان بن الحكم، قام روح بن زنباع، فحمد الله وأثنى علي، ثم قال:
"أيها الناس: إنكم تذكرون عبد الله بن عمر بن الخطاب، وصحبته من رسول الله ﷺ ، وقدمه في الإسلام، وهو كما تذكرون، ولكن ابن عمر رجل ضعيف، وليس بصاحب أمة محمد الضعيف؛ وأما ما يذكر الناس من عبد الله بن الزبير، ويدعون إليه من أمره؛ فهو والله كما يذكرون، إنه لابن الزبير: حواريّ رسول الله ﷺ ، وابن أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين، وهو بعد كما تذكرون في قِدَمِه وفضله، ولكن ابن الزبير منافق، قد خلع خليفتين: يزيد وابنه معاوية بن يزيد، وسفك الدماء، وشق عصا المسلمين، وليس صاحب أمر أمة محمد ﷺ المنافق؛ وأما مروان بن الحكم، فوالله ما كان في الإسلام صَدْعٌ قطُّ، إلا كان مروان ممن يَشْعَبُ١ ذلك الصدع، وهو الذي قاتل عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان يوم الدار٢، والذي قاتل عليَّ بن أبي طالب يوم الجمل، وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير، ويستشبوا٣ الصغير -يعني بالكبير مروان بن الحكم، وبالصغير خالد بن يزيد بن معاوية-".
فأجمع رأي الناس على البيعة لمروان. ثم لخالد بن يزيد من بعده، ثم لعمرو بن سعيد بن العاص من بعد خالد.
"تاريخ الطبري ٧: ٣٨"
стр. 1347
٣٢٦- خطبة الغضبان بن القبعثرى يحضّ على قتل الحجاج:
لما هلك بشر بن مروان، وولي الحجاج العراق، بلغ ذلك أهل العراق، فقام الغضبان بن القبعثرى الشيباني بالمسجد الجامع بالكوفة خطيبًا، حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"يا أهل العراق، ويا أهل الكوفة، إن عبد الملك قد ولى عليكم من لا يقبل من محسنكم، ولا يتجاوز عن مسيئكم، الظلوم الغشوم١ الحجاج، ألا وإن لكم من عبد الملك منزلة، بما كان منكم من خذلان مصعب٢ وقتله؛ فاعترضوا هذا الخبيث في الطريق فاقتلوه، فإن ذلك لا يعد منكم خلعًا، إنه متى يعلُ على متن منبركم، وصدر سريركم، وقاعة قصركم، ثم قتلتموه عُدَّ خلعًا، فأطيعوني وتغدوا به، قبل أن يتعشى بكم".
فقال له أهل الكوفة: "جبنت يا غضبان، بل ننتظر سيرته، فإن رأينا منكرًا غيرناه" قال: ستعلمون. فلما قدم الحجاج الكوفة بلغته مقالته، فأمر به، فأقام في حبسه ثلاث سنين.
"مروج الذهب ٢: ١٤٦"
стр. 1348
٣٢٧- خطبة مطرف بن المغيرة بن شعبة:
وقدم مطرف بن المغيرة بن شعبة المدائن فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أيها الناس: إن الأمير الحجاج أصلحه الله قد ولاني عليكم، وأمرني بالحكم بالحق، والعدل في السيرة، إن عملت بما أمرني به؛ فأنا أسعد الناس، وإن لم أفعل فنفسي أوبقت، وحظَّ نفسي ضيعتُ، ألا إني جالس لكم العصرين فارفعوا إليَّ حوائجكم، وأشيروا عليّ بما يصلحكم ويصلح بلادكم، فإني لن آلوَكم خيرًا ما استطعت" ثم نزل.
"تاريخ الطبري ٧: ٢٥٩"
стр. 1349
خطبة أخرى لمطرف بن المغيرة بن شعبة
...
٣٢٨- خطبة مطرف بن المغيرة بن شعبة:
وفي سنة ٧٧هـ خرج المطرف بن المغيرة بن شعبة على الحجاج وخلع عبد الملك بن مروان -وكان الحجاج قد استعمله على المدائن- وجمع إليه رءوس أصحابه فذكر الله بما هو أهله وصلى على رسوله ثم قال لهم:
"أما بعد -فإن الله كتب الجهاد على خلقه، وأمر بالعدل والإحسان، وقال فيما أنزل علينا ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ، وإني أشهد الله أني قد خلعت عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف؛ فمن أحب منكم صحبتي وكان على مثل رأيي فليتابعني، فإن له الأسوة وحسن الصحبة، ومن أبى فليذهب حيث شاء، فإني لست أحب أن يتبعني من ليست له نية في جهاد أهل الجور، أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإلى قتال الظلمة، فإذا جمع الله لنا أمرنا كان هذا الأمر شورى بين المسلمين، يرتضون لأنفسهم من أحبوا".
"تاريخ الطبري ٧: ٢٦٢".
стр. 1350
٣٢٩- خطبة سعيد بن المجالد:
خرج الجزل بن سعيد في طلب الخوارج الشبيبية وأقبل حتى انتهى إلى النهروان فأدركوه فلزم عسكره وخندق عليه، وجاء إليه سعيد بن المجالد حتى دخل عسكر أهل الكوفة أميرًا فقام فيهم خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"يا أهل الكوفة، إنكم قد عجزتم ووهنتم وأغضبتم عليكم أميركم، أنتم في طلب هذه الأعاريب العُجْف منذ شهرين وهم قد خرّبوا بلادكم، وكسروا خراجكم، وأنتم حاذرون في جوف هذه الخنادق لا تزايلونها؛ إلا أن يبلغكم أنهم قد ارتحلوا عنكم ونزلوا بلدا سوى بلدكم، اخرجوا على اسم الله إليهم" فخرج وأخرج الناس معه.
"تاريخ الطبري ٧: ٢٢٩"
стр. 1351
فتنة ابن الأشعت
مدخل
...
فتنة ابن الأشعث:
جهز الحجاجُ عشرين ألف رجلٍ من أهل الكوفة، وعشرين ألف رجل من أهل البصرة لمحاربة رتبيل ملك الترك١، وبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ابن قيس الكندي، فخرج بهم حتى قدم سجستان "سنة ٨٠هـ" فجمع أهلها حين قدمها وخطبهم فقال:
стр. 1352
٣٣٠- خطبة ابن الأشعث بسجستان:
صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس، إن الأمير الحجاج ولّاني ثغركم، وأمرني بجهاد عدوكم الذي استباح بلادكم، وأباد خياركم، فإياكم أن يتخلف منكم رجل فيحل بنفسه العقوبة، اخرجوا إلى معسكركم فعسكروا به مع الناس".
"تاريخ الطبري ٨: ٤"
стр. 1353
٣٣١- خطبته يعرض على الجند رأي الحجاج:
فلما حاز من أرض رتبيل أرضًا عظيمة، وملأ يديه من الغنائم والأسلاب، حبس الناس عن الوغول في أرضه، وقال: نكتفي بما أصبناه العام من بلادهم، حتى نجبيها ونعرفها ويجترئ المسلمون على طرقها، ثم نتعاطى في العام المقبل ما وراءها، ثم لم نزلْ
стр. 1354
ننتقصهم في كل عام من أرضهم، ثم لا نزايل بلادهم حتى يهلكهم الله، وكتب إلى الحجاج بذلك. فورد عليه كتاب الحجاج يضعف رأيه، ويأمره بالوغول في أرضهم، ويتهدده بالعزل إن لم يفعل؛ فدعا ابن الأشعث الناس إليه.
فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس، إني لكم ناصح، ولصلاحكم مُحِبّ، ولكم -في كل ما يحيط بكم نفعه- ناظرٌ، وقد كان من رأى فيما بينكم وبين عدوكم رأي، استشرت فيه ذوي أحلامكم، وأولي التجربة للحرب منكم، فرضوه لكم رأيا. ورأوه لكم في العاجل والآجل صلاحًا، وقد كتبت إلى أميركم الحجاج؛ فجاءني منه كتاب يعجزني ويضعفني ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو، وهي البلاد التي هلك إخوانكم فيها بالأمس؛ وإنما أنا رجل منكم، أمضي إذا مضيتم، وآبي إذا أبتيم".
فثار إليه الناس، فقالوا: لا، بل نأبى على عدو الله، ولا نسمع له ولا نطيع.
"تاريخ الطبري ٨: ٨"
стр. 1355
٣٣٢- خطبة عامر بن واثلة الكناني:
فقام عامر بن واثلة الكناني -وكان أول متكلم يومئذ، وكان شاعرًا خطيبًا- فقال بعد أن حمد الله، وأثنى عليه:
"أما بعد: فإن الحجاج والله ما يرى بكم إلا ما رأى القائل الأول؛ إذ قال لأخيه: "احمل عبدك على الفرس، فإن هلك هلك، وإن نجا فلك". إن الحجاج والله ما يبالي أن يخاطر بكم، فيقحمكم بلادًا كثيرة اللهوب١ واللصوب٢؛ فإن ظفرتم فغنمتم
стр. 1356
أكل البلاد، وحاز المال، وكان ذلك زيادة في سلطانه، وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذين لا يبالي عنتهم، ولا يبقي عليهم، اخلعوا عدو الله الحجاج، وبايعوا عبد الرحمن؛ فإني أشهدكم أني أول خالع".
فنادى الناس من كل جانب: فعلنا فعلنا، قد خلعنا عدو الله.
"تاريخ الطبري ٨: ٨"
стр. 1357
٣٣٣- خطبة عبد المؤمن بن شبث بن ربعيّ:
وقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعي التميمي ثانيًا، فقال:
"عباد الله، إنكم إن أطعتم الحجاج، جعل هذه البلاد بلادكم ما يقيم، وجمركم تجمير فرعون الجنود؛ فإنه بلغني أنه أول من جمر البعوث، ولن تعاينوا الأحبة فيما أر أو يموتَ أكثركم، بايعوا أميركم، وانصرفوا إلى عدوكم، فانفوه عن بلادكم"، فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه.
"تاريخ الطبري ٨: ٨"
стр. 1358
٣٣٤- خطبة ابن الأشعث بالمربد:
ولما كانت الحرب بينه وبين الحجاج بالمربد١ خطب الناس، فقال:
"أيها الناس: إنه لم يبق من عدوكم إلا كما يبقى من ذنبِ الوزغة٢ تضرب به يمينًا وشمالًا، فما تلبث إلا أن تموت٣".
"البيان والتبيين ٢: ٨٧، وتهذيب الكامل ١: ٢١"
стр. 1359
٣٣٥- خطبته حين أراد عبد الملك أن يترضّى أهل العراق:
ولما نزل ابن الأشعث بدير الجماجم، واجتمع أهل الكوفة، وأهل البصرة، وأهل الثغور والمسالح١ بدير الجماجم والقراء من أهل المِصْرَين، واجتمعوا جميعًا على حرب الحجاج، جمعهم عليه بغضُهم وكراهيتُم له، وهم إذ ذاك مائة ألف مقاتل؛ ممن يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مواليهم، واشتد القتال بين الفريقين، بعث عبد الملك بن مروان ابنه عبد الله وأخاه محمدًا، وأمرهما أن يعرضا على أهل العراق نزع الحجاج عنهم، وأن يجري عليهم أعطياتهم، كما تجري على أهل الشام، وأن ينزل ابن الأشعث أي بلد من العراق شاء، يكون عليه واليًا ما دام حيًّا، وكان عبد الملك واليًا؛ فعرضا ذلك على أهل العراق، فقالوا: نرجع العشية، فاجتمعوا عند ابن الأشعث؛ فلم يبق قائد، ولا رأس قوم، ولا فارس إلا أتاه.
فحمد الله ابن الأشعث، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: فقد أعطيم أمرًا، انتهازكم اليوم إياه فرصة، ولا آمن أن يكون على ذي الرأي غدًا حسرة، وإنكم اليوم على النصف، وإن كانوا اعتدوا بالزاوية؛ فأنتم تعتدون عليهم بيوم تُسْتَر، فاقبلوا ما عرضوا عليكم، وأنتم أعزاءُ أقوياءُ، والقوم لكم هائبون، وأنتم لهم منتقصون، فلا واللهِ لا زلتم عليهم أجرئاء، ولا زلتم عندهم أعزاء، إن أنتم قبلتم أبدًا ما بقيتم".
فوثب الناس من كل جانب، فقالوا: إن الله قد أهلكهم؛ فأصبحوا في الأزل٢ والضنك والمجاعة والقلة والذلة، ونحن ذوو العدد الكثير، والسعر الرفيع، والمادة القريبة لا واللهِ لا نقبل، فأعادوا خلع عبد الملك ثانية، وكان ما كان مما أسلفنا لك ذكره.
"تاريخ الطبري ٨: ١٥"
стр. 1360
٣٣٦- عامر الشعبي والحجاج:
وكان عامر الشعبي١ ممن خرج مع ابن الأشعث؛ فلما أتي الحجاج بأسرى الجماجم، أتي فيهم بالشعبي موثقًا -وكان قد تقدم كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج في أسرى الجماجم أن يعرضهم على السيف، فمن أقر منهم بالكفر في خروجهم علينا فيخلى سبيله، ومن زعم أنه مؤمن فيضرب عنقه- قال الشعبي: فلما جئت باب القصر لقيني يزيد بن أبي مسلم كاتبه، فقال: إنا لله يا شعبي! لما بين دفتيك من العلم، وليس اليوم بيوم شفاعة. قلت له: فما المخرج؟ قال: بؤ٢ للأمير بالشرك والنفاق على نفسك، وبالحَرَى أن تنجوَ، ثم لقيني محمد بن الحجاج، فقال لي مثل مقالة يزيد؛ فلما دخلت على الحجاج قال لي: وأنت يا شعبي ممن ألب علينا مع ابن الأشعث؟ اشهد على نفسك بالكفر. قلت: "أصلح الله الأمير، نبا بنا المنزل٣، وأجدب بنا الجناب، واستحلَسَنا٤ الخوف، واكتحلنا السهر، وضاق المسلك، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء" قال: صدقت والله ما بررتم بخروجكم علينا ولا قويتم، خلُّوا سبيل الشيخ.
"مروج الذهب ٢: ١٤٤، والعقد الفريد ١: ١٥١-٣: ١٢"
стр. 1361
ولتسبن الحجاج، أو لأضربن عنقك، قال: أيها الأمير؛ إنما أنا رسول! قال: هو ما أقول لك، فقام وخطب وخلع عبد الملك، وشتم الحجاج، وأقام هناك؛ فلما انصرف ابن الأشعث مهزومًا، كتب الحجاج إلى عماله بالري وأصبهان وما يليهما، يأمرهم ألا يمر بهم أحد من قبل ابن الأشعث إلا بعثوا به أسيرًا إليه، وأخذ ابن القرية فيمن أخذ.
فلما أدخل على الحجاج، قال: أخبرني عما أسألك؟ قال: سلني عما شئت، قال: أخبرني عن أهل العراق، قال: أعلم الناس بحق وباطل، قال: فأهل الحجاز، قال: أسرع الناس إلى فتنة، وأعجزهم فيها، قال: فأهل الشام، قال: أطوع الناس لخلفائهم، قال: فأهل مصر، قال: عبيد لمن غلب، قال: فأهل البحرين، قال: نَبَط١ استعرَبوا، قال: فأهل عمان، قال: عَرَبٌ استنبَطُوا، قال: فأهل الموصل، قال: أشجعُ فرسان، وأقتلُ للأقران، قال: فأهل اليمن، قال: أهل سمعٍ وطاعة، ولزومٍ للجماعة، قال: فأهل اليمامة، قال: أهل جفاء، واختلاف أهواء، وأصبر عند اللقاء، قال: فأهل فارس، قال: أهل بأسٍ شديد، وشرٍّ عتيد، وريف٢ كبير، وقرى يسير، قال: أخبرني عن العرب، قال: سلني، قال: قريش قال: أعظمها أحلامًا، وأكرمها مقامًا، قال: فبنو عامر بن صعصعة، قال: أطولها رماحًا وأكرمها صباحًا، قال: فبنو سليم، قال: أعظمها مجالس، وأكرمها محابس٣، قال: فثقيف، قال: أكرمها جدودًا، وأكثرها وفودًا قال: فبنو زبيد، قال: أزلمها للرايات، وأدركها للترات٤، قال: فقضاعة، قال: أعظمها أخطارًا، وأكرمها نجارًا٥، وأبعدها آثارًا قال: فالأنصار، قال: أثبتها مقامًا، وأحسنها إسلامًا، وأكرمها أيامًا، قال: فتميم، قال: أظهرها جلدًا، وأثراها عددًا،
стр. 1362
قال: فبكر بن وائل، قال: أثبتها صفوفًا، وأحدها سيوفًا، قال: فعبد القيس، قال: أسبقها إلى الغايات، وأصبرها تحت الرايات، قال: فبنو أسد، قال: أهل عَدَ وجَلَد، وعُسْر ونَكَد، قال: فلخم، قال: ملوك، وفيهم نوك١، قال: فجذام، قال: يوقدون الحرب ويسعرونها٢، ويلقحونها ثم يمرونها٣، قال: فبنو الحارث قال: رعاة للقديم، وحماة عن الحريم، قال: فعكّ، قال: ليوث جاهدة، في قلوب فاسدة، قال: فتغلب، قال: يصدقون -إذا لقوا- ضربًا، ويسعرون للأعداء حربًا، قال: فغسان، قال: أكرم العرب أحسابًا، وأثبتها أنسابًا، قال: فأيّ العرب في الجاهلية كانت أمنع من أن تضام؟ قال قريش، كانوا أهل رهوة٤ لا يستطاع ارتقاؤها، وهضبة لا يرام انتزاؤها٥، في بلدة حمى الله ذِمارها، ومنع جارها، قال: فأخبرني عن مآثر العرب في الجاهلية، قال: كانت العرب تقول: حِمْيَر أربابُ الملْك، وكندة لُباب الملوك، ومَذْحِج أهل الطعان، وهمدان أحلاس٦ الخيل، والأزد آساد الناس، قال: فأخبرني عن الأرضين، قال: سلني، قال: الهند، قال: بحرها درّ، وجبلها ياقوت، وشجرها عُود، وورقها عِطر، وأهلها طَغَام، كقطع الحمام٧، قال: فخراسان، قال: ماؤها جامد، وعدوها جاحد، قال: فعُمان، قال: حرُّها شديد، وصيدها عتيد، قال: فالبحرين، قال: كُناسة بين المصْرَين، قال: فاليمن، قال: أصل العرب، وأهل البيوتات والحسب، قال: فمكة، قال: رجالها علماء جفاة، ونساؤها كِسَاءُ عُرَاةٍ، قال: فالمدينة، قال: رسخ العلم فيها، وظهر منها، قال: فالبصرة، قال: شتاؤها جليدٌ،
стр. 1363
وحرها شديد، وماؤها ملح، وحربها صلح، قال: فالكوفة، قال: ارتفعت عن حر البحر، وسفلت عن برد الشام؛ فطاب ليلها، وكثر خيرها، قال: فواسط، قال: جنة، بين حماة وكَنَّة، قال: وما حماتها وكنتها١؟ قال: البصرة والكوفة يحْسِدانها، وما ضرّها، ودجلةُ والزابُ٢ ويتجاريان بإفاضة الخير عليها، قال: فالشام، قال: عروس، بين نسوة جلوس، قال: ثكلتك أمك يابن القرِّية، لولا اتباعك لأهل العراق! وقد كنت أنهاك عنهم أن تتبعهم؛ فتأخذ من نفاقهم، ثم دعا بالسيف، وأومأ إلى السياف أن أمسك، فقال ابن القرية: ثلاث كلمات أصلح الله الأمير كأنهن رَكْبٌ وُقُوف، يكنَّ مثلًا بعدِي، قال: هات، قال: لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة، ولكل حليم هفوة، قال الحجاج: ليس هذا وقت المزاح، يا غلام أوجب جَرْحه، فضُرِبَ عنقه.
وقيل إنه لما أراد قتله قال له: العرب تزعم أن لكل شيء آفة، قال: صدقت العربُ، أصلح الله الأمير، قال: فا آفة الحلم؟ قال: الغضب، قال: فما آفة العقل: قال: العجب، قال: فما آفة العلم؟ قال: النسيان، قال: فما آفة السخاء؟ قال: المنّ عند البلاء٣، قال: فما آفة الكرام؟ قال: مجاورة اللئام، قال فما آفة الشجاعة؟ قال: البغْي، قال: فما آفة العبادة؟ قال: الفترة، قال: فما آفة الذهن؟ قال: حديث النفس قال: فما آفة الحديث؟ قال: الكذب، قال: فما آفة المال؟ قال: سوء التدبير، قال فما آفة الكامل من الرجال؟ قال: العدم، قال: فما آفة الحجاج بن يوسف؟ قال: أصلح الله الأمير، لا آفة لمن كرم حسبه، وطاب نسبه، وزكا فرعه، قال: امتلأت شقاقًا، وأظهرت نفاقًا، اضربوا عنقه؛ فلما رآه قتيلًا ندم، وكان قتله سنة ٨٤هـ.
стр. 1364
وفي رواية أخرى أنه لما دخل على الحجاج، قال له: يابن القرية، ما أعددت لهذا الموقف؟ قال: "أصلح الله الأمير، ثلاثة حروف؛ كأنهن ركب وقوف، دنيا وآخرة ومعروف، قال: اخرج مما قلت، قال: "أفعل، أما الدنيا فمالٌ حاضر، يأكل منه البر والفاجر، وأما الآخرة فميزانٌ عادل، ومشهد ليس فيه باطل، وأما المعروف فإن كان عليّ اعترفت وإن كان لي اغترفت١" قال: أما لي فاعترف بالسيف إذا وقع بك، قال: "أصلح الله الأمير، أقلني عثرتي وأسغني ريقي؛ فإنه لابد للجواد من كبوة، وللسيف من نبوة، وللحليم من هفوة٢؟ قال: كلا والله حتى أوردك جهنم، ألست القائل برسْتَقَاباذ: تغدَّوا الجدْيَ قبل أن يتعشاكم؟ قال: فأرحني فإني أجد حرَّها، قال: قدِّمه يا حرسي فاضرب عنقه؛ فلما نظر إليه يتشحط٣ في دمه، قال: لو كنا تركنا ابن القرية، حتى نسمع من كلامه! ثم أمر به فأخرج فرمي به٤.
"وفيات الأعيان ١: ٨٣، والبيان والتبيين ١: ١٨٩، وتاريخ الطبري ٨: ٣٧"
стр. 1365
٣٣٨- كلمة لابن القرية:
وقال ابن القرية: الناس ثلاثة: عاقل، وأحمق، وفاجر: فالعاقل الدين شريعته والحلم طبيعته، والرأي الحسن سجيته، إن سئل أجاب، وإن نطق أصاب، وإن سمع العلم وعى، وإن حدث روى؛ وأما الأحمق: فإن تكلم عجل، وإن حدث وَهِلَ١، وإن استنزل عن رأيه نزل، فإن حُمِلَ على القبيح حَمَلَ؛ وأما الفاجر فإن ائتمنتَه خَانَكَ، وإن حدثتَه شانك، وإن وثقِتَ به لم يرعك، وإن استُكتِم لم يكتم، وإن عُلّم لم يعلم، وإن حُدِّث لم يفهم، وإن فُقِّه لم يفقْه".
"زهر الآداب ٢: ٨٦"
стр. 1366
فتنة يزيد بن المهلب:
٣٣٩- أيوب بن سليمان بن عبد الملك يسأل عمه الوليد أن يؤمن يزيد بن المهلب: ١
لما فرَّ يزيدُ بن المهلب من سجن الحجاج وعذابِهِ "سنة ٩٠هـ في خلافة الوليد بن عبد الملك" نزل على أخيه سليمان متعوذًا به، وكتب سليمان إلى الوليد يطلب له الأمان؛ فكتب إليه يقسم أنه لا يؤمنه حتى يبعث به إليه؛ فأرسل ابنه أيوب معه، وكتب معه كتابًا، فلما دخل به على عمه، قال:
"يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك، لاتخفر٢ ذمة أبي، وأنت أحق من منعها، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا، لمكاننا منك، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك".
"تاريخ الطبري ٨: ٧٣"
стр. 1367
٣٤٠- خطبة يزيد بين يدي الوليد:
وتكلم يزيد، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على نبيه ﷺ ، ثم قال:
"يا أمير المؤمنين، إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء؛ فمن ينس ذلك فلسنا ناسيه، ومن يكفر فلسنا كافريه، وقد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم، والطعن في أعين أعدائكم، في المواطن العظام، في المشارق والمغارب، ما إن المنة علنا فيها عظيمة".
فأمنه الوليد وكفَّ عنه.
"تاريخ الطبري ٨: ٧٤"
стр. 1368
٣٤١- خطبة مخلد بن يزيد بن المهلب بين يدي عمر بن عبد العزيز:
ولما حبس عمر بن عبد العزيز يزيد بن المهلب١، أقبل ابنه مخلد من خراسان، ودخل على الخليفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
стр. 1369
"إن الله يا أمير المؤمنين صنع لهذه الأمة بولايتك عليها؛ فلا نكن أشقى الناس بولايتك، علام تحبس هذا الشيخ؟ أنا أتحمل ما عليه، فصالحني على ما إياه تسأل" فقال عمر: لا؛ إلا أن تحمل جميع ما نسأله إياه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كانت لك بينة فخذ بها، وإن لم تكن بينة فصدق مقالة يزيد، وإلا فاستحلفه، فإن لم يفعل فصالحه، فقال له عمر: ما أجد إلا أخذه بجميع المال".
"تاريخ الطبري ٨: ١٣٢"
стр. 1370
٣٤٢- خطبة يزيد بن المهلب يحرض أصحابه على القتال وقد سير يزيد بن عبد الملك العباس بن الوليد بن عبد الملك ومسلمة بن عبد الملك لقتاله:
قام في أصحابه فحرضهم ورغبهم في القتال، فكان فيما قال:
"إن هؤلاء القوم لن يردهم عن غيتهم إلا الطعن في عيونهم، والضرب بالمشرفية١ على هامهم ثم قال: إنه قد ذكر لي أن هذه الجرادة الصفراء -يعني مسلمة بن عبد الملك- وعاقر ناقة ثمود٢ -يعني العباس بن الوليد- "وكان العباس أزرق٣ أحمر، كانت أمه رومية" والله لقد كان سليمان أراد أن ينفيه، حتى كلمته فيه؛ فأقره على نسبه، فبلغني أنه ليس همهما إلا التماسي في الأرض، والله لو جاءوا بأهل الأرض جميعًا، وليس إلا أنا، ما برحت العَرْصة٤ حتى تكون لي أو لهم"، قالوا: نخاف أن تُعَنِّينا٥