فتنة يزيد بن المهلب:
٣٣٩- أيوب بن سليمان بن عبد الملك يسأل عمه الوليد أن يؤمن يزيد بن المهلب: ١
لما فرَّ يزيدُ بن المهلب من سجن الحجاج وعذابِهِ "سنة ٩٠هـ في خلافة الوليد بن عبد الملك" نزل على أخيه سليمان متعوذًا به، وكتب سليمان إلى الوليد يطلب له الأمان؛ فكتب إليه يقسم أنه لا يؤمنه حتى يبعث به إليه؛ فأرسل ابنه أيوب معه، وكتب معه كتابًا، فلما دخل به على عمه، قال:
"يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك، لاتخفر٢ ذمة أبي، وأنت أحق من منعها، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا، لمكاننا منك، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك".
"تاريخ الطبري ٨: ٧٣"
стр. 1367
٣٤٠- خطبة يزيد بين يدي الوليد:
وتكلم يزيد، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على نبيه ﷺ ، ثم قال:
"يا أمير المؤمنين، إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء؛ فمن ينس ذلك فلسنا ناسيه، ومن يكفر فلسنا كافريه، وقد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم، والطعن في أعين أعدائكم، في المواطن العظام، في المشارق والمغارب، ما إن المنة علنا فيها عظيمة".
فأمنه الوليد وكفَّ عنه.
"تاريخ الطبري ٨: ٧٤"
стр. 1368
٣٤١- خطبة مخلد بن يزيد بن المهلب بين يدي عمر بن عبد العزيز:
ولما حبس عمر بن عبد العزيز يزيد بن المهلب١، أقبل ابنه مخلد من خراسان، ودخل على الخليفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
стр. 1369
"إن الله يا أمير المؤمنين صنع لهذه الأمة بولايتك عليها؛ فلا نكن أشقى الناس بولايتك، علام تحبس هذا الشيخ؟ أنا أتحمل ما عليه، فصالحني على ما إياه تسأل" فقال عمر: لا؛ إلا أن تحمل جميع ما نسأله إياه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كانت لك بينة فخذ بها، وإن لم تكن بينة فصدق مقالة يزيد، وإلا فاستحلفه، فإن لم يفعل فصالحه، فقال له عمر: ما أجد إلا أخذه بجميع المال".
"تاريخ الطبري ٨: ١٣٢"
стр. 1370
٣٤٢- خطبة يزيد بن المهلب يحرض أصحابه على القتال وقد سير يزيد بن عبد الملك العباس بن الوليد بن عبد الملك ومسلمة بن عبد الملك لقتاله:
قام في أصحابه فحرضهم ورغبهم في القتال، فكان فيما قال:
"إن هؤلاء القوم لن يردهم عن غيتهم إلا الطعن في عيونهم، والضرب بالمشرفية١ على هامهم ثم قال: إنه قد ذكر لي أن هذه الجرادة الصفراء -يعني مسلمة بن عبد الملك- وعاقر ناقة ثمود٢ -يعني العباس بن الوليد- "وكان العباس أزرق٣ أحمر، كانت أمه رومية" والله لقد كان سليمان أراد أن ينفيه، حتى كلمته فيه؛ فأقره على نسبه، فبلغني أنه ليس همهما إلا التماسي في الأرض، والله لو جاءوا بأهل الأرض جميعًا، وليس إلا أنا، ما برحت العَرْصة٤ حتى تكون لي أو لهم"، قالوا: نخاف أن تُعَنِّينا٥
стр. 1371
كما عنَّانا عبد الرحمن بن محمد١، قال: إن عبد الرحمن فضح الذمار٢ وفضح حسبه، وهل كان يعدو أجله؟ "، ثم نزل.
"تاريخ الطبري ٨: ١٥٢"
стр. 1372
٣٤٣- خطبة أخرى له من هنا أبدأ:
ورويت له خطبة أخرى في هذا الغرض، وهاكها:
عن خالد بن صفوان قال: خطبنا يزيد بن المهلب بواسط، حمد الله، وأثنى عليه، وصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم قال:
"أيها الناس: إني أسمع قول الرعاع، قد جاء العباس، قد جاء مسلمة، قد جاء أهل الشام! وما أهل الشام إلا تسعة أسياف، منها سبعة معي، واثنان علي، وما مسلمة إلا جرادة صفراء، وأما العباس فنسطوس١ بن نسطوس، أتاكم في برابرة وصقالبة٢ وجرامقة وجراجمة٣، وأقباط وأنباط٤، وأخلاط من الناس؛ إنما أقبل إليكم الفلاحون والأوباش كأشلاء٥ اللحم، والله ما لقوا قطّ حدًّا كحدكم، ولا حديدَ كحديدكم، أعيروني سواعدكم ساعة من نهار تصفقون بها خراطيمهم٦؛ فإنما هي غدوة أو روحة، حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين".
"البيان والتبيين ١: ١٦٠، العقد الفريد ٢: ١٥٥، ومروج الذهب ٢: ١٧٧"
стр. 1373
٣٤٤- خطبة ثالثة له:
وقال مقاتل: سمعت يزيد بن المهلب يخطب بواسط، فقال:
"يا أهل العراق، يا أهل السبق والسباق، ومكارم الأخلاق، وإن أهل الشام في أفواههم لقمة دسمة، قد رتبت١ لها الأشداق، وقاموا لا على ساق، وهم غير تاركيها لكم بالمراء والجدال، فالبسوا لهم جلود النمور٢".
"البيان والتبيين ١: ٢١٨"
стр. 1374
٣٤٥- خطبة الحسن البصري يثبط الناس عن يزيد بن المهلب:
وكان مروان بن المهلب وهو بالبصرة، يحث الناس على حرب أهل الشام، ويسرحهم إلى يزيد، وكان الحسن البصري يثبط الناس عنه، وكان يقول في تلك الأيام:
"أيها الناس: الزموا رحالكم، وكفوا أيديكم، واتقوا الله مولاكم، ولا يقتل بعضكم بعضًا على دنيا زائلة، وطمع فيها يسير، ليس لأهلها بباق، وليس الله عنهم فيما اكتسبوا براض، إنه لم يكن فتنة إلا كان أكثر أهلها الخطباء والشعراء والسفهاء، وأهل التيه والخيلاء، وليس يسلم منها إلى المجهول الخفي، والمعروف التقي؛ فمن كان منكم خفيًّا فليلزم الحقَّ، وليحبس نفسه عما يتنازع الناس فيه من الدنيا، فكفاه والله بمعرفة الله إياه بالخير شرفًا، وكفى له به من الدنيا خلفًا؛ ومن كان منكم معروفًا شريفًا، فترك ما يتنافس فيه نظراؤه من الدنيا -إرادة الله بذلك- فواهًا لهذا، ما أسعدَه وأرشدَه، وأعظمَ أجرَه، وأهدَى سبيلَه! فهذا غدًّا -يعني يوم القيامة- القرير عينًا، الكريم عند الله مآبًا".
"تاريخ الطبري ٨: ١٥٣"
стр. 1375
٣٤٦- خطبة مروان بن المهلب:
فلما بلغ ذلك مروان بن المهلب، قام خطيبًا كما يقوم؛ فأمر الناس بالجِدِّ والاحتشاد ثم قال لهم:
"قد بلغني أن هذا الشيخَ الضالَّ المرائي -ولم يسمِّه- يثبط الناس، والله لو أن جاره نزع من خُصِّ داره قصبةً؛ لظل يرعف١ أنفُه، أينكرُ علينا، وعلى أهل مصرِنا، أن نطلب خيرَنا، وأن نُنكرَ مظلمتَنا؟ أما والله ليكفَّنَّ عن ذكرنا، وعن جمعه إلينا سُقّاط الأُبُلّة٢، وعلوج فراتِ البصرة، قومًا ليسوا من أنفسنا، ولا ممن جرت عليه النعمة من أحدٍنا منا، أو لأنْحِيَنَّ عليه مِبْرَدًا خشنًا".
فلما بلغ ذلك الحسن، قال: والله ما أكره أن يكرمني الله بهوانه؛ فقال ناس من أصحابه: لو أرادك ثم شئت لمنعناك، فقال لهم: قد خالفتكم إذن إلى ما نهيتكم عنه، آمركم ألا يقتل بعضكم مع غيري، وأدعوكم إلى أن يقتل بعضكم بعضًا دوني؟ فبلغ ذلك مروان بن المهلب، فاشتدَّ عليهم وأخافهم، وطلبهم حتى تفرقوا، ولم يَدَعِ الحسنُ كلامَه ذلك، وكفَّ عنه مروان.
"تاريخ الطبري ٨: ٥١٣"
стр. 1376
خطب الأحنف بن قيس التميمي: ١
٣٤٧- الأحنف ومعاوية:
كان الأحنف بن قيس، قد شهد مع الإمام علي، كرم الله وجهه، وقعة صفين؛ فلما استقر الأمر لمعاوية، دخل عليه يومًا، فقال له معاوية: "والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حزازة٢ في قلبي إلى يوم القيامة".
فقال له الأحنف:
"يا أمير المؤمنين لم تَرُدَّ الأمور على أعقابها؟ أما والله إن القلوبَ التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوفَ التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن مددت بشبرٍ من غدر، لتمدن باعًا من ختر٣، ولئن شئت لتستصفين كدرَ قلوبنا بصفو حلمك"، قال معاوية: فإني أفعل ثم قام وخرج، وكانت أخت معاوية من وراء حجاب تسمع كلامه، فقالت: يا أمير المؤمنين: من هذا الذي يتهدد ويتوعد؟ قال: هذا الذي إذا غضب، غضب لغضبه مائة ألف من بني تميم، لا يدرون فيم غضب.
"وفيات الأعيان لابن خلكان ١: ٢٣٠، ونهاية الأرب ٧: ٢٣٧، والعقد الفريد ٢: ١١٨"
стр. 1377
٣٤٨- الأحنف ومعاوية أيضًا:
جلس معاوية يومًا، وعنده وجوه الناس وفيهم الأحنف، فدخل رجل من أهل الشام، فقام خطيبًا؛ فكان آخر كلامه أن لعن عليًّا ﵁، فأطرق الناس وتكلم الأحنف، فقال:
"يا أمير المؤمنين: إن هذا القائل ما قال آنفًا، لو علم أن رضاك في لعن المرسلين لَلَعَنَهُمْ، فاتَّقِ اللهَ، ودعْ عليًّا، فقد لقي اللهَ، وأفرد في حفرته، وخلا بعمله، وكان والله -ما عَلِمنا- المبرَّزَ بشقِّهِ١، الطاهر في خُلُقِهِ، الميمونَ النقيبة٢ العظيمَ المصيبة".
قال معاوية: "يا أحنف، لقد أغضيت العين على القذى، وقلت بغير ما ترى، وايم الله لتصعدن المنبرَ فلتلعننه طائعًا أو كارهًا" فقال الأحنف: "إن تعفني فهو خيرٌ، وإن تجبرني على ذلك؛ فوالله لا تجري به شفتاي"، فقال معاوية: قم فاصعد. قال: "أما والله لأنصفنك في القول والفعل"، قال معاوية: وما أنت قائل إن أنصفتني؟ "، قال: "أصعد فأحمد الله، وأثني عليه وأصلي على نبيه، ثم أقول: "أيها الناس: إن معاوية أمرني أن ألعن عليًّا؛ ألا وإن عليًّا ومعاوية اختلفا واقتتلا، وادعى كل واحد أنه مبغِيٌّ عليه وعلى فئته؛ فإذا دعوت فأمنوا رحمكم الله"! ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغِيَ منهما على صاحبه، والفئةَ الباغيةَ على المبغِيِّ عليها، اللهم العنْهُم لعنًا كبيرًا، أمنوا، رحمكم الله"، يا معاوية لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه حرفًا، ولو كان فيه ذهابُ نفسِي.
فقال معاوية: "إذن نعفيك يا أبا بحر".
"نهاية الأرب ٧: ٢٣٧، والعقد الفريد ٢: ١١٨"
стр. 1378
٣٤٩- قوله في مدح الولد:
ودخل الأحنف على معاوية، ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجابًا به، فقال: يا أبا بحر ما تقول في الولد؟ فعلم ما أراد، فقال: "يا أمير المؤمنين، هم عماد ظهورنا، وثمر قلوبنا، وقرة أعيننا١، بهم نصول على أعدائنا، وهم الخلف منا لمن بعدنا؛ فكن لهم أرضًا ذليلة، وسماء ظليلة، إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتهم٢، لا تمنعهم رفدك٣، فيملوا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستبطئوا وفاتك".
فقال: لله درك يا أبا بحر! هم كما وصفت
"الأمالي ٢: ٤٣"
стр. 1379
٣٥٠- شفاعته لدى مصعب بن الزبير:
وأتى مصعب بن الزبير يكلمه في قوم حبسهم، فقال: "أصلح الله الأمير، إن كانوا حبسوا في باطل؛ فالحق يخرجهم، وإن كانوا حبسوا في حق، فالعفو يسعهم" فخلاهم١.
"نهايةالأرب ٧: ٢٣٨"
٣٥٢- خطبته في قوم كانوا عنده:
وحدث رجل من بني تميم قال: حضرت مجلس الأحنف بن قيس، وعنده قوم مجتمعون في أمر لهم؛ فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"إن الكرم يمنعُ الحُرَم١، ما أقربَ النقمةَ من أهلِ البغِي، لا خيرَ في لذة تُعْقِبُ ندمًا، لن يهلك من قَصَدَ٢، ولن يفتقِرَ من زهد، رُبَّ هزل قد عاد جِدًّا، من أمن الزمان خانَه، ومن تعظَّم عليه أهانَه، دعُوا المزاحَ؛ فإنه يُورِثُ٣ الضغائنَ، وخيرُ القولِ ما صَدَّقَهُ الفعلُ، احتملوا لمن أدلَّ عليكم، واقبلوا عذرَ من اعتذرَ إليكم. أطعْ أخاك وإن عصاك، وَصِلْهُ وإن جفاك، أنصفْ من نفسِك قبل أن يُنتصفَ منك، وإياكم ومشاورةَ النساء، واعلم أن كفر النعمةِ لؤمٌ، وصحبةَ الجاهلِ شؤمٌ، ومن الكرم الوفاء بالذمم، ما أقبح القطيعةَ بعد الصلة، والجفاءَ بعد اللَّطَف٥، والعداوةَ بعد الود! لا تكونن على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا إلى البخل أسرع منك إلى البذل، واعلم أن لك من دنياك ما أصلحت به مثواك٦؛ فأنفق في حق، ولا تكونن خازنا لغيرِك، وإذا كان الغدرُ في الناس موجودًا، فالثقة بكل أحد عجز، اعرف الحقد لمن عرفه لك، واعلم أن قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل".
"الأمالي ٢: ٢٢"
стр. 1382
٣٥٣- كلمات حكيمة للأحنف:
قال: فيَّ ثلاثُ خصالٍ ما أقولهن إلا ليعتبرَ معتبرٌ: ما دخلت بين اثنين قط حتى يدخلاني بينهما، ولا أتيت باب أحد من هؤلاء -يعني الملوك- ما لم أدعَ إليه، وما حللت حبوتي١ إلى ما يقوم الناس إليه". وقال: "ألا أدلكم على المحمدة بلا مرزئة٢؟ الخُلُق السجيحُ٣ والكفُّ عن القبيح، ألا أخبركم بأدوء الداء؟ الخلق الدنيّ، واللسان البذيّ"، وقال: "ما خان شريف، ولا كذب عاقل، ولا اغتاب مؤمن". وقال: "ما ادخرتِ الآباءُ للأبناء، ولا أبقتِ الموتى للأحياء، أفضل من اصطناع معروف عند ذوي الأحساب والآداب"، وقال: "كثرة الضحك تذهب الهيبة، وكثرة المزاح تذهب المروءة، ومن لزم شيئًا عُرِف به". وسمع رجلًا يقول: ما أبالي أمدحت أم ذممت. فقال له: "لقد استرحت من حيث تعب الكرام"، وقال: "جنبوا مجلسنا ذكر الطعام والنساء، فإني لأبغض الرجلَ يكون وصافًا فرجه وبطنه، وإن المروءة أن يترك الرجل الطعامَ وهو يشتهيه". وكان يقول: إذا عجب الناس من حلمه: إني لأجد ما تجدون ولكني صبور". وكان يقول: "وجدت الحلم أنصر لي من الرجال". وقال: "الكذوب لا حيلة له، والحسود لا راحة له، والبخيل لا مروءة له، والملول لا وفاء له، ولا يسود سيء الأخلاق، ومن المروءة إذا كان الرجل بخيلا أن يكتم ذلك ويتجمل". وقال: "أربع من كن فيه كان كاملًا، ومن تعلق بخصلة منهن كان من صالحي قومه: دين يرشده، أو عقل يسدده، أو حسب يصونه، أو حياء يقناه٤". وقال: "المؤمن بين أربع: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يجاهده،
стр. 1383
وشيطان يفتنه؛ وأربع ليس أقل منهن: اليقين، والعدل، ودرهم حلال، وأخ في الله وقال: "لأن أُدعَى من بعيد، أحبُّ إلي من أن أُقصَى من قريب". وكان يقول: "إياك وصدر المجلس، وإن صدرك صاحبه؛ فإنه مجلس قلعة١". وقال: "من لم يصبر على كلمة سمع كلمات". وقال: "رب غيظ تجرعته مخافة ما هو أشد منه". وقال: "من كثر كلامه كثر سقطه ومن طال صمته كثرت سلامته، وقال: "ثلاث لا أناة فيهن عندي". قيل: "وما هن يا أبا بحر؟ ". قال: المبادرة بالعمل الصالح، وإخراج ميتك، وأن تنكح الكفء أيمك٢". وكان يقول: "لأفعى تحكك في ناحية بيتي، أحب إلي من أيم رددت عنها كفئًا".
"وفيات الأعيان ١: ٢٣١، ومجمع الأمثال للميداني ١: ١٤٨؛ والأمالي ١: ٢٣٦، والبيان والتبيين ٢: ص٣٧، ٥٨، ١٠١، ١٠٤، ١٠٥"
стр. 1384
٣٥٤- صفية بنت هشام المنقرية تؤبن الأحنف:
وروي أنه لما حملت جنازة الأحنف، ودلي في قبره، أقبلت ابنة عمه صفية بنت هشام المنقرية على نجيب لها مختصرة١، فوقفت على قبره، فقالت:
"لله درك من مُجَنٍّ في جُنَن٢، ومدرجٍ٣ في كفن! إنا لله وإنا إليه راجعون!
стр. 1385
نسأل الله الذي فجعنا بموتك، وابتلانا بفقدك، أن يوسع لك في قبرك، وأن يغفر لك يوم حشرك، وأن يجعل سبيل الخير سبيلك، ودليل الرشاد دليلك، ثم أقبلت بوجهها على الناس، فقال: "معشر الناس، إن أولياء الله في بلاده شهود على عباده، وإنا قائلون حقًّا، ومُثْنُونَ صدقًا، وهو أهلٌ لحسن الثناء، وطيب الدعاء؛ أما والذي كنت من أجله في عدة، ومن المضمار١ إلى غاية، ومن الحياة إلى نهاية، الذي رفع عملك، عند انقضاء أجلك، لقد عشت حميدًا مودودًا، ولقد مت فقيدًا سعيدًا، وإن كنت لعظيم السلم، فاضل الحلم، صحيح الأديم٢، منيع الحريم، واري الزناد، رفيع العماد، وإن كنت في المحافل لشريفًا، وعلى الأرامل لعطوفًا، وفي العشيرة مسودًا، وإلى الخلفاء موفدًا، ولقد كانوا لقولك مستمعين، ولرأيك متبعين".
ثم انصرفت.
"ذيل الأمالي ص٢٨، وبلاغات النساء ص٥٥، والبيان والتبيين ٢: ١٦٠"
стр. 1386
خطب الوفود وما ألقي بحضرة الخلفاء والأمراء والرؤساء
وفود الأحنف بن قيس والنمر بن قطبة على معاوية
...
خطب الوفود وما ألقي بحضرة الخلفاء والأمراء والرؤساء الوافدون على معاوية:
٣٥٥- وفود الأحنف بن قيس والنمر بن قطبة على معاوية:
دخل الأحنف بن قيس على معاوية وافدًا لأهل البصرة، ودخل معه النمر بن قطبة، وعلى النمر عباءة قطوانية١، وعلى الأحنف مدرعة٢ صوف وشملة٣؛ فلما مثلا بين يدي معاوية اقتحمتهما٤ عينُه، فقال النمر: يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك، وإنما يكلمك من فيها، فأومأ إليه فجلس، ثم أقبل على الأحنف، فقال: ثم مه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أهل البصرة عدد يسير، وعظم كسير، مع تتابع من المُحُول٥، واتصال من الذُّحُول٦؛ فالمكثر فيها قد أطرق، والمقل قد أملق، وبلغ منه المخنق، فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعش الفقير، ويجبر الكسير، ويسهل العسير، ويصفح عن الذحول، ويداوي المحول، ويأمر بالعطاء، ليكشف البلاء، ويزيل اللأواء٧، وإن السيد من يعم ولا يخص، ومن يدعو الجفلى٨ ولا يدعو النقرى، إن أُحسِن إليه شَكَرَ،
стр. 1387
وإن أُسِيء إليه غَفَرَ، ثم يكون من وراء ذلك لرعيته عمادًا، يدفع عنهم الملمات، ويكشف عنهم المعضلات"؛ فقال له معاوية: ها هنا يا أبا بحر، ثم تلا: "ولتعرفنهم في لحن القول١".
"زهر الآداب ١: ٥٧"
стр. 1388
٣٥٦- وفد أهل العراق على معاوية وفيهم الأحنف:
ولما قدم وفد أهل العراق على معاوية، وفيهم الأحنف، خرج الآذن، فقال: إن أمير المؤمنين يعزم عليكم ألا يتكلم أحد إلا لنفسه؛ فلما وصلوا إليه قال الأحنف:
"لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته أن دافة١ دفت، ونازلة نزلت، ونائبة نابت، ونابتة نبتت، وكلهم بهم حاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبره"، فقال: حسبك يا أبا بحر فقد كفيت الغائب والشاهد.
"نهاية الأرب ٧: ٢٣٧، والبيان والتبيين ٢: ٤٣"
стр. 1389
وفد أهل العراق على معاوية ومعهم زياد وفيهم الأحنف:
وفد أهل العراق على معاوية، ومعهم زياد بن أبيه، وفيهم الأحنف بن قيس، فقال زياد:
стр. 1390
خطبة زياد
...
٣٥٧- خطبة ياد:
"يا أمير المؤمنين: أشخصت إليك أقوامًا الرغبةُ، وأقعدَ عنك آخرينَ العذرُ؛ فقد جعل اللهُ تعالى في سعةِ فضلك ما يجبرُ به المتخلَّفُ، ويكافأ به الشاخصُ".
стр. 1391
٣٥٨- خطبة معاوية:
فقال معاوية: "مرحبًا بكم يا معشر العرب، أما والله لئن فرقت بينكم الدعوة، لقد جمعتكم الرحم، إن الله اختاركم من الناس ليختارنا منكم، ثم حفظ عليكم نسبكم بأن تخير لكم بلادًا يجتاز عليها المنازل، حتى صفاكم من الأمم كما تصفى الفضة البيضاء من خبثها، فصونوا أخلاقكم، ولا تدنسوا أنسابكم وأعراضكم، فإن الحسن منكم أحسن لقربكم منه، والقبيح منكم أقبح لبعدكم عنه".
стр. 1392
٣٥٩- خطبة الأحنف بن قيس:
فقال الأحنف: "والله يا أمير المؤمنين ما نعدم منكم قائلًا جزيلًا١، ورأيًا أصيلًا، ووعدًا جميلًا، وإن أخاك زيادًا لمتبع آثارك فينا، فنستمتع الله بالأمير والمأمور؛ فإنكم كما قال زهير -فإنه ألقى على المداحين فصول القول-:
وما يكُ من خير أتوه فإنما ... توارثه آباءُ آبائهم قبلُ
وهل ينبت الخطَّيَّ إلا وشيجُه ... وتغرس إلا في منابتها النخلُ"٢
"زهر الآداب ١: ٥٨"
стр. 1393
٣٦٠- وفد العراق على معاوية وفيهم دغفل النسابة:
قدم وفد العراق على معاوية، وفيهم دغفل١؛ فقال له معاوية: يا دغفل أخبرني عن ابني نزار: ربيعة ومضر، أيهما كان أعز جاهلية وعالمية؟ فقال: يا أمير المؤمنين مضر بن نزار كان أعز جاهلية وعالمية. قال معاوية: وأي مضر كان أعز؟ قال:
стр. 1394
بنو النضر بن كنانة، كانوا أكثر العرب أمجادًا، وأرفعهم عمادًا وأعظمهم رمادًا. قال: فأي بني كنانة كان بعدهم أعزّ؟ قال: بنو مالك بن كنانة، كانوا يعلون من ساماهم، ويكفون من ناوأهم، ويصدقون من عاداهم. قال: فمن بعدهم؟ قال: بنو الحرب بن عبد مناة بن كنانة، كانوا أعزّ بنيه وأمنعهم، وأجودهم وأنفعهم. قال: ثم من بعدهم؟ قال: بنو بكر بن عبد مناة، كان بأسهم مرهوبًا، وعدوهم منكوبًا، وثأرهم مطلوبًا. قال: فأخبرني عن مالك بن عبد مناة بن كنانة، وعن مرة وعامر ابني عبد مناة. قال: كانا أشرافًا كرامًا، وليس للقوم أكفاء ولا نظراء. قال: فأخبرني عن بني أسد؟ قال: كانوا يطعمون السديف١، ويكرمون الضيوف، ويضربون في الزحوف٢، قال: فأخبرني عن هذيل، قال: كانوا قليلًا أكياس٣، أهل منعة وباس، ينتصفون من الناس، قال: فأخبرني عن بني ضبة؟ قال: كانوا جمرة من جمرات العرب الأربع٤، لا يُصطَلَى بنارهم، ولا يفاتون بثارهم، قال: فأخبرني عن مزينة، قال: كانوا في الجاهلية أهل منعة، وفي الإسلام أهل دِعَة. قال: فأخبرني عن تميم، قال: كانوا أعزّ العرب قديمًا، وأكثرها عظيمًا، وأمنعها حريمًا، قال: فأخبرني عن قيس، قال: كانوا لا يفرحون إذا أُدِيلوا٥، ولا يجزعون إذا ابتلوا، ولا يبخلون إذا سئلوا، قال: فأخبرني عن أشرافهم في الجاهلية، قال: غطفان بن سعد وعامر بن صعصعة وسليم بن منصور؛ فأما غطفان فكانوا كرامًا سادة، وللخميس٦
стр. 1395
قادةٌ، وعن البَيْض ذادَةٌ١؛ وأما بنو عامر فكثيرٌ سادتهم، مخشيةٌ سَطوتُهم، ظاهرة نجدتُهم؛ وأما بنو سليم فكانوا يدركون الثار، ويمنعون الجار، ويعظمون٢ النار، قال: فأخبرني عن قومك بكر بن وائل واصدقْني، قال: كانوا أهل عز قاهر، وشرف ظاهر، ومجد فاخر، قال: فأخبرني عن إخوتهم تغلب، قال: كانوا أسودًا تُرهب، وسمامًا٣ لا تُقرب، وأبطالًا لا تكذب، قال: فأخبرني كم أُدِيلوا عليكم في قتلكم كليبًا؟ قال: أربعين سنة، لا ننتصف منهم في موطن نلقاهم فيه، حتى كان يوم التحاليق، يوم الحارث من عُباد بعد قِتلة ابنه بجير، وكان أرسله في الصلح بين القوم فقتله مهلهل، وقال: بُؤْ بشِسْعِ٤ نعلِ كليب، فقال الغلام: إن رضيَت بهذا بنو بكر رضيتُ؛ فبلغ الحارث، فقال: نعم القتيل قتيلًا إن أصلح الله به بين بكر وتغلب وباء بكليب، فقيل له: إنما قال مهلهل ما قال "الكلمة٥"، فتشمر الحرث للحرب، وأمرنا بحلق رءوسنا أجمعين، وهو يوم التحاليق، وله خبر طول، وقال:
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال٦
لم أكن من جناتها -علم الله- ... وإني بحرها اليوم صالي
قربا مربط النعامة مني ... إن بيع الكرام بالشسع غالي
فأدلنا عليهم يومئذ؛ فلم نزل منهم ممتنعين إلى يومنا هذا. قال: فمن ذهب يذكر ذلك اليوم؟ قال: الحارث بن عباد، أسر مهلهلًا في ذلك اليوم، وقال له: دلني على مهلهل بن ربيعة، قال: مالي إن دللتك عليه؟ قال: أطلقك، قال: على الوفاء؟ قال: نعم، قال له: أنا مهلهل، قال: ويحك! دُلَّني على كفءٍ كريم، قال: امرؤ القيس٧
стр. 1396
وأشار بيده إليه عن قرب؛ فأطلقه الحارث، وانطلق إلى امرئ القيس فقتله، وبكر كلها صبرت وأبلت فحسن بلاؤها؛ إلا ما كان من ابني لُجَيم: حذيفة وعِجْل، ويشكر بن بكر، فإن سعد بن مالك بن ضبيعة جد طرفة بن العبد، هجاهم في ذلك اليوم، فقال:
إن لجيمًا عجزت كلها ... أن يرفدوني فارسًا واحدا١
ويشكر العام على خترها ... لم يسمع الناس لهم حامدا٢
وقال فيهم أيضًا:
يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا٣
إنا وإخوتنا غدًا ... كثمود حجر يوم طاحو٤
بالمشرفية لا نفرّ ... ولا نباح ولن تباحوا٥
من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح٦
فقال معاوية: أنت والله يا دغفل أعلم الناس قاطبة بأخبار العرب".
"ذيل الأمالي ٢٦"
стр. 1397
٣٦١- دغفل وجماعة من الأنصار:
ووقف جماعة من الأنصار على دغفل بعد ما كفّ؛ فسلموا عليه، فقال: من القوم؟ قالوا: سادة اليمن، فقال: "أمن أهل مجدها القديم، وشرفها العميم، كندة؟ قالوا: لا، قال: "فأنتم الطوال قصبًا، والممحصون نسبًا، بنو عبد المدان؟ " قالوا: لا، قال: "فأنتم أقودها للزحوف، وأخرقها للصفوف، وأضربها بالسيوف، رهط عمر بن معد يكرب؟ " قالوا: لا، قال: "فأنتم أحضرها قراء١، وأطيبها فناء، وأشدها لقاء، رهط حاتم بن عبد الله؟ " قالوا: لا، قال: فأنتم الغارسون للنخل، والمطعمون في المحل٢، والقائلون بالعدل، الأنصار؟ " قالوا: نعم.
"الأمالي ٢: ٢٨٧"
стр. 1398
دغفل أهل العراق على معاوية وفيهم صعصعة بن صوحان
...
٣٦٢- وفد أهل العراق على معاوية وفيهم صعصعة بن صوحان:
قال عبد الملك بن مروان يومًا لجلسائه: خبروني عن حي من أحياء العرب، فيهم أشد الناس، وأسخى الناس، وأخطب الناس، وأطوع الناس في قومه، وأحلم الناس، وأحضرهم جوابًا.
قالوا: يا أمير المؤمنين ما نعرف هذه القبيلة؛ ولكن ينبغي لها أن تكون في قريش، قال: لا، قالوا: ففي حمير وملوكها، قال: لا، قالوا: ففي مضر، قال: لا، قال مصقلة بن رقية العبدي: فهي إذن في ربيعة، ونحن هم، قال: نعم، قال جلساؤه: ما نعرف هذا في عبد القيس إلا أن تخبرنا به يا أمير المؤمنين، قال: نعم.
أما أشد الناس؛ فحكيم بن جبل، كان مع علي بن أبي طالب ﵁-
стр. 1399
فقطعت ساقه؛ فضمها إليه، حتى مرَّ به الذي قطعها، فرماه بها فجدله١ عن دابته، ثم جثا إليه فقتله واتكأ عليه، فمر به الناس، فقالوا له: يا حكيم، من قطع ساقك؟ قال: وسادى٢ هذا، وأنشأ يقول:
يا ساق لا تراعي ... إن معي ذراعي
أحمي بها كراعي٣
وأما أسخى الناس فعبد الله بن سوار، استعمله معاوية على السند؛ فسار إليها في أربعة آلاف من الجند، وكانت توقد معه نار حيثما سار، فيطعم الناس، فبينما هو ذات يوم إذ أبصر نارًا، فقال: ما هذه؟ قالوا: أصلح الله الأمير، اعتل بعض أصحابنا، فاشتهى خبيصًا٤، فعملنا له، فأمر خبازه ألا يطعم الناس إلا الخبيص، حتى صاحوا وقالوا: أصلح الله الأمير، ردنا إلى الخبز واللحم، فسمي مطعم الخبيص.
وأما أطوع الناس في قومه؛ فالجارود بن بشر بن العلاء؛ فإنه لما قبض رسول الله ﷺ وارتدت العرب، خطب قومه؛ فقال:
"أيها الناس: إن كان محمد قد مات، فإن الله حي لا يموت، فاستمسكوا بدينكم، فمن ذهب له في هذه الردة دينار أودرهم أو بعير أو شاة، فله عليَّ مِثْلاه" فما خالفه منهم رجل.
وأما أحضر الناس جوابًا، فصعصة بن صوحان، دخل على معاوية في وفد أهل العراق، فقال معاوية: مرحبًا بكم يا أهل العراق، قدمتم أرض الله المقدسة، منها المنشر، وإليها المحشر، قدمتم على خير أمير يَبَرُّ كبيرَكم، ويرحمُ صغيرَكم، ولو أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماءَ عقلاءَ؛ فأشار الناس إلى صعصعة فقام:
فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال:
стр. 1400
"أما قولك يا معاوية: إنا قدمنا الأرض المقدسة؛ فلعمري، ما الأرض تقدس الناس، ولا يقدس الناسَ إلا أعمالهُم، وأما قولك: منها المنشرُ، وإليها المحشرُ، فلعمري، ما ينفعُ قربُها، ولا يضرُّ بُعدُها مؤمنًا، وأما قولك: لو أن الناسَ كلَّهم ولدُ أبي سفيان لكانوا حلماءَ عقلاءَ؛ فقد وَلَدَهُم خيرٌ من أبي سفيان آدمُ صلوات الله عليه، فمنهم الحليمُ والسفيهُ، والجاهلُ والعالمُ".
وأما أحلمُ الناس، فإن ولد عبد القيس قدموا على النبي ﷺ بصدقاتهم وفيهم الأشج١، ففَرَّقَها رسول الله ﷺ ، وهو أول عطاء فَرَّقَه في أصحابه، ثم قال: يا أشجُّ ادنُ مني؛ فَدَنَا منه، فقال: "إن فيك خلتين يحبهما الله: الأناة، والحلم" وكفى برسول الله ﷺ شاهدًا، ويقال: إن الأشج لم يغضبْ قطُّ٢.
"العقد الفريد ٢: ٥٦"
стр. 1401
٢٦٣- وفود العرب ومعاوية:
عن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان، قال:
عقمتِ النساءُ أن يلدنَ مثل عمِّي! شهدته يومًا، وقد قدمت عليه وفود العرب، فقضى حوائجهم، وأحسن جوائزهم؛ فلما دخلوا عليه ليشكروه، سبقهم إلى الشكر، فقال لهم: "جزاكم الله يا معشر العرب عن قريش أفضل الجزاء، بتقدمكم إياهم في الحرب، وتقديمكم لهم في السلم، وحقنكم دمائهم بسفكِها منكم، أما والله لا يُؤثِر عليكم غيرَكم منهم حازمٌ كريمٌ، ولا يرغبُ عنكم منهم إلا عاجزٌ لئيمٌ، شجرةٌ قامت على ساق، فتفرع أعلاها، واجتمع أصلُها، عَضَدَ الله من عَضَدَها، فيالها كلمةً لو اجتمعت! وأيدٍ لو ائتلفت! ولكن كيف بإصلاح ما يريد الله إفسادَه؟ ".
"العقد الفريد ٢: ٤١"
стр. 1402
٣٦٤- وفود عبد العزيز بن زرارة على معاوية:
وفد عبد العزيز١ بن زرارة على معاوية، وهو سيد أهل الكوفة؛ فلما أذن له وقف بين يديه، وقال:
"يا أمير المؤمنين: لم أزل أَهُزُّ ذوائب٢ الرحال إليك، إذا لم أجِد معولًا إلا عليك، أمتطي الليل بعد النهار، وأسم المجاهلَ بالآثار، يقودني إليك أمل، وتسوقني بلوى، والمجتهد يعذر، وإذا بلغتُك فَقَطْنِي٤"، فقال معاوية: احْطُطْ عن راحلتك رَحْلَها.
وروى الجاحظ هذا القول بصورة أخرى، فقال:
"ولما وصل عبد العزيز بن زرارة إلى معاوية قال: "يا أمير المؤمنين، لم أزل أتسدل بالمعروف عليك، وأمتطي النهار إليك؛ فإذا ألوى٥ بي الليل، فقبض البصر، وعفَّى الأثر، أقام بدني، وسافر أملي، والنفس تلوم، والاجتهاد يعذر، وإذ بلغتك فَقَطْنِي".
وخرج عبد العزيز بن زرارة مع يزيد بن معاوية إلى الصائفة٦، فهلك هناك، فكتب يزيد إلى أبيه معاوية بذلك، فقالت معاوية لزرارة: أتاني اليوم نعي سيد شباب العرب، قال زرارة: يا أمير المؤمنين هو ابني أو ابنك؟ قال: بل ابنك، قال: للموت ما تلد الوالدة.
"العقد الفريد ١: ١١٨، وصبح الأعشى ١: ٢٥٧، والبيان والتبيين ٢: ٣٧، والأمالي ١: ٢٠١"
стр. 1403
وفود زيد بن منية على معاوية
...
٣٦٥- وفود زيد ابن مُنْيَة على معاوية:
قدم زيد ابن منية على معاوية من البصرة، "وهو أخو يَعْلَى ابن منية١ صاحب جمل عائشة، ومتولّي تلك الحروب، ورأس أهل البصرة، وكان عتبة بن أبي سفيان قد تزوج ابنة يعلى ابن منية"؛ فلما دخل على معاوية شكا إليه دينًا لَزِمَه، فقال: يا كعب أعطه ثلاثين ألفًا، فلما ولَّى قال: وليومِ الجملِ ثلاثين ألفًا أخرى، ثم قال له: الحق بصهرك، "يعني عتبة، وكان يومئذ عامل مصر" فقدم عليه مصر، فقال:
"إني سرت إليك شهرين أخوض فيهما المتالف، ألبس أردية الليل مرة، وأخوض في لجج السراب٢ أخرى، موقرًا٣ من حسن الظن بك، وهاربًا من دهر فطم٤، ودين لزم٥، بعد غنًى جدعنا به أنوف الحاسدين؛ فلم أجد إلا إليك مهربًا، وعليك معولًا"، فقال عتبة: "مرحبًا بك وأهلًا، إن الدهر أعاركم غِنًى وخلطكم بنا، ثم استرد ما أمكنه أخذه، وقد أبقى لكم منا ما لا ضيقة٦ معه، وأنا واضع يدي ويدك بيد الله"؛ فأعطاه ستين ألفًا كما أعطاه معاوية.
"العقد الفريد ١: ١١٨، وصبح الأعشى ١: ٢٥٧".
стр. 1404
٣٦٦- وفود ضرار بن حمزة الصدائي على معاوية:
دخل ضرار بن حمزة الصدائي١ "وكان من خواص علي كرم الله وجهه" على معاوية وافدًا؛ فقال له: يا ضرار، صف لي عليًّا، قال: أعفِني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه، قال: "أما إذ لا بد من وصفه؛ فكان والله بعيد المدى٢، شديد القوى، يقول فضلًا، ويحكم عدلًا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يُقَلِّبُ كفِّه، ويخاطب نفسه، يعجبُه من اللباس ما قَصُرَ، ومن الطعام ما خَشُنَ، كان فينا كأحدِنا، يجيبُنا إذا سألناه، ويُنبئنا إذا استنبأناه، ونحن مع تقريبه إيانا، وقربه منا، لا نكاد نكلمه لهيبته، ولا نبتدئه لعظمته، يعظم أهل الدين ويحب المساكين؛ لا يطمع القوي في باطله، ولا ييئس الضعيفُ من عدله. وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله٣، وغارت نجومُه، وقد مثل في محرابه قابضًا على لحيته، يتململُ تململَ السليم٤، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غُرِّي غَيْرِي، ألي تعرضتِ، أم إليَّ تشوفتِ؟ هيهاتَ هيهاتَ! قد باينتك ثلاثًا لا رجعة فيها؛ فعمرك قصيرٌ، وخَطَرُك٥ حقيرٌ، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق! " فبكى معاويةُ وقال: رحم الله أبا الحسن، فلقد كان كذلك، فكيف حزنُك عليه يا ضرار؟ قال: حُزْنُ من ذُبِحَ واحدُها في حِجْرِها.
"الأمالي ٢: ١٤٩، ومروج الذهب ٢: ٤٧، وشرح ابن أبي الحديد م٤: ص٢٧٦، وزهر الآداب ١: ٤٧"
стр. 1405
الوافدات على معاوية:
٣٦٧- وفود سودة بنت عمارة على معاوية:
وفدت سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان؛ فاستأذنت عليه فأذن لها، لما دخلت عليه سلمت، فقال لها: كيف أنت يا ابنة الأشتر؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، قال لها: أنت القائلة لأخيك يوم صفين؟:
شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة ... يوم الطعان وملتقى الأقران
وانصر عليًّا والحسين ورهطه ... واقصد لهند وابنها بهوان
إن الإمام أخو النبي محمد ... علم الهدى ومنارة الإيمان
فَقُدِ الجيوشَ وسر أمام لوائه ... قدمًا بأبيضَ صارم وسنان١
قالت: إي والله، ما مثلي من رغب عن الحق، أو اعتذر بالكذب، قال لها: فما حملك على ذلك؟ قالت: حب علي ﵇، واتباع الحق، قال: فوالله ما أرى عليك من أثر عليٍّ شيئًا، قالت: أنشدك الله يا أمير المؤمنين وإعادة ما مضى، وتذكار ما قد نُسِيَ، قال: هيهات! ما مثل مقام أخيك ينسي، وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك، قالت: صدقت والله يا أمير المؤمنين ما كان أخي خفي المقام ذليل المكان؛ ولكن كما قالت الخنساء:
وإن صخرًا لتأتمُ الهداةُ به ... كأنه علم في رأسه نار٢