← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

٢٦٣- وفود العرب ومعاوية: عن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان، قال: عقمتِ النساءُ أن يلدنَ مثل عمِّي! شهدته يومًا، وقد قدمت عليه وفود العرب، فقضى حوائجهم، وأحسن جوائزهم؛ فلما دخلوا عليه ليشكروه، سبقهم إلى الشكر، فقال لهم: "جزاكم الله يا معشر العرب عن قريش أفضل الجزاء، بتقدمكم إياهم في الحرب، وتقديمكم لهم في السلم، وحقنكم دمائهم بسفكِها منكم، أما والله لا يُؤثِر عليكم غيرَكم منهم حازمٌ كريمٌ، ولا يرغبُ عنكم منهم إلا عاجزٌ لئيمٌ، شجرةٌ قامت على ساق، فتفرع أعلاها، واجتمع أصلُها، عَضَدَ الله من عَضَدَها، فيالها كلمةً لو اجتمعت! وأيدٍ لو ائتلفت! ولكن كيف بإصلاح ما يريد الله إفسادَه؟ ". "العقد الفريد ٢: ٤١"

стр. 1402

٣٦٤- وفود عبد العزيز بن زرارة على معاوية: وفد عبد العزيز١ بن زرارة على معاوية، وهو سيد أهل الكوفة؛ فلما أذن له وقف بين يديه، وقال: "يا أمير المؤمنين: لم أزل أَهُزُّ ذوائب٢ الرحال إليك، إذا لم أجِد معولًا إلا عليك، أمتطي الليل بعد النهار، وأسم المجاهلَ بالآثار، يقودني إليك أمل، وتسوقني بلوى، والمجتهد يعذر، وإذا بلغتُك فَقَطْنِي٤"، فقال معاوية: احْطُطْ عن راحلتك رَحْلَها. وروى الجاحظ هذا القول بصورة أخرى، فقال: "ولما وصل عبد العزيز بن زرارة إلى معاوية قال: "يا أمير المؤمنين، لم أزل أتسدل بالمعروف عليك، وأمتطي النهار إليك؛ فإذا ألوى٥ بي الليل، فقبض البصر، وعفَّى الأثر، أقام بدني، وسافر أملي، والنفس تلوم، والاجتهاد يعذر، وإذ بلغتك فَقَطْنِي". وخرج عبد العزيز بن زرارة مع يزيد بن معاوية إلى الصائفة٦، فهلك هناك، فكتب يزيد إلى أبيه معاوية بذلك، فقالت معاوية لزرارة: أتاني اليوم نعي سيد شباب العرب، قال زرارة: يا أمير المؤمنين هو ابني أو ابنك؟ قال: بل ابنك، قال: للموت ما تلد الوالدة. "العقد الفريد ١: ١١٨، وصبح الأعشى ١: ٢٥٧، والبيان والتبيين ٢: ٣٧، والأمالي ١: ٢٠١"

стр. 1403

وفود زيد بن منية على معاوية ... ٣٦٥- وفود زيد ابن مُنْيَة على معاوية: قدم زيد ابن منية على معاوية من البصرة، "وهو أخو يَعْلَى ابن منية١ صاحب جمل عائشة، ومتولّي تلك الحروب، ورأس أهل البصرة، وكان عتبة بن أبي سفيان قد تزوج ابنة يعلى ابن منية"؛ فلما دخل على معاوية شكا إليه دينًا لَزِمَه، فقال: يا كعب أعطه ثلاثين ألفًا، فلما ولَّى قال: وليومِ الجملِ ثلاثين ألفًا أخرى، ثم قال له: الحق بصهرك، "يعني عتبة، وكان يومئذ عامل مصر" فقدم عليه مصر، فقال: "إني سرت إليك شهرين أخوض فيهما المتالف، ألبس أردية الليل مرة، وأخوض في لجج السراب٢ أخرى، موقرًا٣ من حسن الظن بك، وهاربًا من دهر فطم٤، ودين لزم٥، بعد غنًى جدعنا به أنوف الحاسدين؛ فلم أجد إلا إليك مهربًا، وعليك معولًا"، فقال عتبة: "مرحبًا بك وأهلًا، إن الدهر أعاركم غِنًى وخلطكم بنا، ثم استرد ما أمكنه أخذه، وقد أبقى لكم منا ما لا ضيقة٦ معه، وأنا واضع يدي ويدك بيد الله"؛ فأعطاه ستين ألفًا كما أعطاه معاوية. "العقد الفريد ١: ١١٨، وصبح الأعشى ١: ٢٥٧".

стр. 1404

٣٦٦- وفود ضرار بن حمزة الصدائي على معاوية: دخل ضرار بن حمزة الصدائي١ "وكان من خواص علي كرم الله وجهه" على معاوية وافدًا؛ فقال له: يا ضرار، صف لي عليًّا، قال: أعفِني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه، قال: "أما إذ لا بد من وصفه؛ فكان والله بعيد المدى٢، شديد القوى، يقول فضلًا، ويحكم عدلًا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يُقَلِّبُ كفِّه، ويخاطب نفسه، يعجبُه من اللباس ما قَصُرَ، ومن الطعام ما خَشُنَ، كان فينا كأحدِنا، يجيبُنا إذا سألناه، ويُنبئنا إذا استنبأناه، ونحن مع تقريبه إيانا، وقربه منا، لا نكاد نكلمه لهيبته، ولا نبتدئه لعظمته، يعظم أهل الدين ويحب المساكين؛ لا يطمع القوي في باطله، ولا ييئس الضعيفُ من عدله. وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله٣، وغارت نجومُه، وقد مثل في محرابه قابضًا على لحيته، يتململُ تململَ السليم٤، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غُرِّي غَيْرِي، ألي تعرضتِ، أم إليَّ تشوفتِ؟ هيهاتَ هيهاتَ! قد باينتك ثلاثًا لا رجعة فيها؛ فعمرك قصيرٌ، وخَطَرُك٥ حقيرٌ، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق! " فبكى معاويةُ وقال: رحم الله أبا الحسن، فلقد كان كذلك، فكيف حزنُك عليه يا ضرار؟ قال: حُزْنُ من ذُبِحَ واحدُها في حِجْرِها. "الأمالي ٢: ١٤٩، ومروج الذهب ٢: ٤٧، وشرح ابن أبي الحديد م٤: ص٢٧٦، وزهر الآداب ١: ٤٧"

стр. 1405

الوافدات على معاوية: ٣٦٧- وفود سودة بنت عمارة على معاوية: وفدت سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان؛ فاستأذنت عليه فأذن لها، لما دخلت عليه سلمت، فقال لها: كيف أنت يا ابنة الأشتر؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، قال لها: أنت القائلة لأخيك يوم صفين؟: شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة ... يوم الطعان وملتقى الأقران وانصر عليًّا والحسين ورهطه ... واقصد لهند وابنها بهوان إن الإمام أخو النبي محمد ... علم الهدى ومنارة الإيمان فَقُدِ الجيوشَ وسر أمام لوائه ... قدمًا بأبيضَ صارم وسنان١ قالت: إي والله، ما مثلي من رغب عن الحق، أو اعتذر بالكذب، قال لها: فما حملك على ذلك؟ قالت: حب علي ﵇، واتباع الحق، قال: فوالله ما أرى عليك من أثر عليٍّ شيئًا، قالت: أنشدك الله يا أمير المؤمنين وإعادة ما مضى، وتذكار ما قد نُسِيَ، قال: هيهات! ما مثل مقام أخيك ينسي، وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك، قالت: صدقت والله يا أمير المؤمنين ما كان أخي خفي المقام ذليل المكان؛ ولكن كما قالت الخنساء: وإن صخرًا لتأتمُ الهداةُ به ... كأنه علم في رأسه نار٢

стр. 1406

قال: صدقت، لقد كان كذلك، فقالت: مات الرأس وبتر الذنب، وبالله أسأل أمير المؤمنين إعفائي؛ مما استعفيت منه، قال: قد فعلت، قولي حاجتك، قالت: يا أمير المؤمنين، إنك أصبحت للناس سيدًا، ولأمورهم متقلدًا، والله سائلك عن أمرنا وما افترض عليك من حقنا، ولا تزال تقدم علينا من ينهض بعزك، ويبسط سلطانك، فيحصدنا حصاد السنبل، ويدوسنا دياس١ البقر، ويسومنا٢ الخسيسة، ويسلبنا الجليلة، هذا ابن أرطأة٣ قدم بلادي، وقتل رجالي، وأخذ مالي، ولولا الطاعة لكان فينا عزٌّ ومنعة؛ فإما عزلته عنا فشكرناك، وإما لا فعرفناك، فقال معاوية: إياي تهددين بقومك؟ والله لقد هممت أن أحملك على قَتَبٍ٤ أشرس فأردَّكِ إليه، ينفذ فيك حكمَه، فأطرقتْ تبكي، ثم أنشأت تقول: صلى الإله على روحٍ تَضَمَّنَه ... قبرٌ فأصبح فيه العدلُ مدفونا قد حالفَ الحقَّ لا يبغِي به ثمنًا ... فصار بالحق والإيمان مقرونا قال: ومن ذلك؟ قالت: عليّ بن أبي طالب، رحمه الله تعالى، قال: وما صنع بك حتى صار عندك كذلك؟ قالت: أتيته يومًا في رجل ولاه صدقاتنا؛ فكان بيننا وبينه ما بين الغث٥ والسمين، فوجدته قائمًا يصلي، فانفتل من الصلاة، ثم قال برأفة

стр. 1407

وتعطف: ألكِ حاجة؟ فأخبرته خبر الرجل؛ فبكى ثم رفع يديه إلى السماء، فقال: اللهم إنك أنت الشاهد عليَّ وعليهم، إني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا ترك حقك، ثم أخرج من جيبه قطعة من جراب، فكتب فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ١ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا ٢ فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ ، إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا، حتى يأتي من يقبضه منك والسلام". فأخذته منه والله ما خَزَمَه بِخِزام، ولا ختمه بختام٣ فقرأته، فقال معاوية: اكتبوا لها بالإنصاف لها، والعدل عليها؛ فقالت: أليّ خاصة، أم لقومي عامة؟ قال: وما أنت وغيرك؟ قالت: هي والله إذن الفحشاء واللؤم، إن لم يكن عدلًا شاملًا، وإلا يسعني ما يسع قومي، قال: هيهات! لَمَّظَكم٤ ابن أبي طالب الجرأة على السلطان فبطيئًا ما تفطمون، وغرَّكم قوله: فلو كنت بوابًا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام وقوله: ناديت همدان والأبواب مُغْلَقَةٌ ... ومثل همدان سَنَّى فتحة الباب٥ كالهندواني لم تفلل مضاربه ... وجه جميل وقلب غير وجاب٦ اكتبوا لها ولقومها. "العقد الفريد ١: ١٢٩، وبلاغات النساء ص٣٥"

стр. 1408

٣٦٨- وفود أم سنان بنت خيثمة على معاوية: حبس مروان بن الحكم، وهو والي المدينة، في خلافة معاوية، غلامًا من بني ليث في جناية جناها؛ فأتته جدة الغلام، وهي أم سنان بنت خيثمة١ المذحجية؛ فكلمته في الغلام فأغلظ لها مروان، فخرجت إلى معاوية، فدخلت عليه فانتسبت فعرفها، فقال لها: مرحبًا بك يا بنة خيثمة، ما أقدمك أرضنا، وقد عهدتك تشتميننا٢ وتحضين علينا عدوَّنا؟ قالت: إن لبني عبد مناف أخلاقًا طاهرة، وأعلامًا ظاهرة، وأحلامًا وافرة، لا يجهلون بعد علم، ولا يسفهون بعد حلم، ولا ينتقمون بعد عفو، وإن أولى الناس باتباع ما سن آباؤه لأنت، قال: صدقت، نحن كذلك، فكيف قولك؟ عَزَبَ الرقادُ، فمقلتي لا ترقد ... والليل يصدر بالهموم ويورد٣ يا آل مذحج لا مقامَ فشمروا ... إن العدوَّ لآل أحمد يقصد هذا عليٌّ كالهلال تحفُّه ... وسط السماء من الكواكب أسعُد٤ خير الخلائق وابن عم محمد ... إن يهدكم بالنور منه تهتدوا ما زال مذ شهد الحروب مظفرا ... والنصر فوق لوائه ما يفقد قالت: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين، وأرجو أن تكون لنا خلفًا بعده؛ فقال رجل من جلسائه. كيف يا أمير المؤمنين؟ وهي القائلة: إما هلكت أبا الحسين فلم تزل ... بالحق تعرف هاديًا مهديّا فاذهب -عليك صلاة ربك- ما دعت ... فوق الغصون حمامة قمريّا٥

стр. 1409

قد كنت بعد محمد خلفًا كما ... أوصى إليك بنا، فكنت وفيّا واليوم لا خلفٌ يؤمل بعده ... هيهات نأمل بعده إنسيّا قالت: يا أمير المؤمنين لسان نطق، وقول صدق، ولئن تحقق فيك ما ظنناه، لحظك الأوفر، والله ما أورثك الشنآنُ١ في قلوب المسلمين إلا هؤلاء؛ فأدحض مقالتهم، وأبعد منزلتهم، فإنك إن فعلت ذلك تزدد من الله قربًا، ومن المؤمنين حبًّا، قال: وإنك لتقولين ذلك؟ قالت: يا سبحان الله، والله ما مثلك من مدح بباطل، ولا اعتذر إليه بكذب، وإنك لتعلم ذلك من رأينا، وضمير قلوبنا، كان والله عليٌّ أحبَّ إلينا منك، وأنت أحب إلينا من غيرك قال: ممن؟ قالت: من مروان بن الحكم وسعيد بن العاص. قال: وبم استحققتُ ذلك عندك؟ قالت بسعة حلمك، وكريم عفوك، قال: وإنهما يطمعان في ذلك؟ قالت: هما والله لك من الرأي على مثل ما كنت عليه لعثمان بن عفان رحمه الله تعالى٢. قال: والله لقد قاربت، فما حاجتك؟ قالت: يا أمير المؤمنين إن مروان تَبَنَّكَ٣ بالمدينة تبنك من لا يريد منها البراح، لا يحكم بعدلٍ. ولا يقضي بسنةٍ، يتتبع عثراتِ المسلمين، ويكشف عوراتِ المؤمنين، حبس ابن ابني؛ فأتيتُه، فقال: كيت وكيت، فألقمته أخشن من الحجر، وألعقته أمر من الصبر، ثم رجعت إلى نفسي باللائمة، وقلت: لم لا أصرف ذلك إلى من هو أولى بالعفو منه، أتيتك يا أمير المؤمنين لتكون في أمري ناظرًا، وعليه معديًا٤، قال: صدقت، لا أسألك عن ذنبه ولا عن القيام بحجته، اكتبوا لها بإطلاقه. قالت: يا أمير المؤمنين، وأنَّى لي بالرجعة، وقد نفد زادي، وكلت راحلتي، فأمر لها براحلة موطأة، وخمسة آلاف درهم. "العقد الفريد ١: ١٣١، وصبح الأعشى ١: ٢٥٧، وبلاغات النساء ص٦٧"

стр. 1410

٣٦٩- وفود بكارة الهلالية على معاوية: استأذنت بكارة الهلالية على معاوية بن أبي سفيان، فأذن لها وهو يومئذ بالمدينة، فدخلت عليه، كانت امرأة قد أسنت، وعشي١ بصرها، وضعفت قوتها، ترعش بين خادمين لها، فسلمت وجلست فرد عليها معاوية السلام، وقال: كيف أنت ياخالة؟ فقالت: بخير يا أمير المؤمنين، قال: غيرك الدهر، قالت: كذلك هو ذو غير٢، من عاش كبر، ومن مات قبر، قال عمرو بن العاص: هي والله القائلة يا أمير المؤمنين: يا زيدُ دونك فاحتقر من دارنا ... سيفًا حسامًا في التراب دفينا قد كنت أذخره ليوم كريهة ... فاليوم أبرزه الزمان مصونًا قال مروان: وهي والله القائلة يا أمير المؤمنين: أترى ابن هند للخلافة مالكًا! ... هيهاتَ، ذاك -وإن أراد- بعيدُ مَنَّتْكَ نفسُك في الخلاء ضلالة ... أغراك عمرو للشقا وسعيد قال سعيد بن العاص هي والله القائلة: قد كنت أطمع أن أموت ولا أرى ... فوق المنابر من أمية خاطبا فالله أخر مدتي فتطاولت ... حتى رأيت من الزمان عجائبا في كل يوم للزمان خطيبهم ... بين الجميع لآل أحمد عائبا ثم سكت القوم؛ فقالت بكارة: نبحتني كلابُك يا أمير المؤمنين واعتورتني، فقصُر محجني٣، وكثر عجبي، وعشي بصري، وأنا والله قائلة ما قالوا، لا أدفع ذلك بتكذيب، وما خفي عليك مني أكثر، فامض لشأنك، فلا خير في العيش بعد

стр. 1411

أمير المؤمنين، فضحك معاوية وقال: ليس يمنعنا ذلك من برك، اذكري حاجتك، قالت: أما الآن فلا. وقيل: إنه قد قضى حوائجها وردها إلى بلدها. "العقد الفريد ١: / ١٣٠، وبلاغات النساء ص٣٩"

стр. 1412

٣٧٠- وفود أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية: دخلت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية وهي عجوز كبير؛ فلما رآها معاوية قال: مرحبًا بك وأهلًا يا عمة، فكيف كنتِ بعدنا؟ فقالت: "يابن أخي، لقد كفرتَ يد النعمة، وأسأتَ لابن عمِك الصحبة، وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك من غير بلاء كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة في الإسلام، ولقد كفرتم بما جاء به محمد ﷺ ؛ فأتعس الله منكم الجدود١، وأضرع٢ منكم الخدود، ورد الحق إلى أهله، ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا، ونبينا ﷺ هو المنصور؛ فوليتم علينا من بعده -وتحتجون بقرابتكم من رسول الله ﷺ ، أقرب إليه منكم، وأولى بهذا الأمر- فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب ﵀ بعد نبينا ﷺ بمنزلة هارون من موسى٣؛ فغايتنا الجنة، وغايتكم النار". فقال لها عمرو بن العاص: كفى أيتها العجوز الضالّة، وأقصري من قولك، وغضي

стр. 1413

من طَرْفك قالت: ومن أنت، لا أمَّ لك؟ قال: عمرو بن العاص، قالت: يابن اللخناء١ النابغة تتكلم، وأمك كانت أَشْهَرَ امرأة تغنِّي بمكة، وآخَذَهُنّ لأجرة! ارْبَع على ظَلْعِك، واعنَ بشأنِ نفسك؛ فوالله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها، ولا كريم منصبها، ولقد ادعاك خمسة٢ نفر من قريش، كلهم يزعم أنه أبوك؛ فسئلت أمك عنهم، فقالت: كلهم أتاني، فانظروا أشبههم به، فألحقوه به، فغلب عليك شبه العاص بن وائل، فلحقت به، ولقد رأيت أمك أيام مِنًى بمكة مع كل عبدٍ عاهر٣، فَأْتَمَّ بهم فإنكَ بهم أشبَهُ. فقال مروان: كفى أيتها العجوزُ، وأقصرِي لما جئت له، ساخ بصرُك مع ذهاب عقلِك، فلا تجوز شهادتُك، فقالت: وأنت أيضًا يابن الزرقاء تتكلم؟ فوالله لأنت إلى سفيانِ بن الحارث بن كلدة أشبه منك بالحكم، وإنك لَشَبْهُه في زرقة عينيك، وحمرة شعرِك، مع قصرِ قامته، وظاهرِ دمامته٤، ولقد رأيتُ الحكمَ مادّ٥ القامة، ظاهر الإمّة٦، سبط٧ الشعر، وما بينكما قرابة إلا كقرابة الفرسِ الضامر من الأتان المُقْرِب٨؛ فاسأل أمك تخبرك بشأن أبيك إن صدقتْ، ثم التفتتْ إلى معاوية، فقالت: والله ما جَرَّأَ علي هؤلاء غيرُك، وإن أمَّكَ لَلْقائلُة يومَ أحدٍ في قتل حمزةَ رحمة الله عليه: نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحربُ بعد الحرب ذاتُ سُعر٩ ما كان عن عتبَةَ لي من صَبْر ... أبي وعمي وأخي وصهري١٠

стр. 1414

شفيتَ وحشيُّ غليل صدري ... شفيت نفسي وقضيت نذري١ فشكرُ وحشيٍّ علي دهري ... حتى تَرِمَّ أعظمي في قبري٢ فأجبتها: يا بنت جبار عظيم الكفر ... خزيت في بدر وغير بدر صبحك الله قبيل الفجر ... بالهاشميين الطوال الزهر٣ بكل قطاع حسامٍ يفري ... حمزة ليثي، وعليٌّ صقري فقال معاوية لمروان وعمرو: ويلكما! أنتما ءضتماني لها، وأسمعتماني ما أكره، ثم قال لها: يا عمة اقصدي قصد حاجتك، ودعي عنك أساطير النساء، قالت تأمر لي بألفي دينار، وألفي دنيار، وألفي دينار، قال: ما تصنعين يا عمة بألفي دينار؟ قالت: أشتري بها عينًا خرخارة٤ في أرض خوارة٥، تكون لولد الحارث بن عبد المطلب, قال نعم الموضع وضعتها، فما تصنعين بألفي دينار؟ قالت: أزوج بها فتيان عبد المطلب من أكفائهم، قال: نعم الموضع وضعتها، فما تصنعين بألفي دينار؟ قالت: أستعين بها على عسر المدينة، وزيارة بيت الله الحرام، قال: نعم الموضع وضعتها، هي لك نَعْمٌ وكرامة٦، ثم قال: أما والله لو كان عليٌّ ما أمر لك بها، قالت: صدقت، إن عليًّا أدى الأمانة، وعمل بأمر الله، وأخذ به، وأنت ضيعتَ أمانتك، وخنتَ الله في ماله، فأعطيت مال الله من لا يستحقه، وقد فرض الله في كتابه الحقوق لأهلها وبينها؛ فلم تأخذ بها، ودعانا "أي عليٌّ" إلى أخذ حقنا، الذي فرض

стр. 1415

الله لنا فشُغِلَ بحربِك عن وضع الأمور مواضعَها، وما سألتك شيئًا فتمن به؛ إنما سألتك من حقنا، ولا نرى أخذ شيء غير حقنا، أتذكر عليًّا؟ فض الله فاك١، وأجهد بلاءك، ثم علا بكاؤها وجعلت تندب عليًّا؛ فأمر لها بستة آلاف دينار، وقال لها: يا عمة: أنفقي هذه فيما تحبين، فإذا احتجت فاكتبي إلى ابن أخيك يحسن صفدك٢ ومعونتك، إن شاء الله. "العقد الفريد ١: ١٣٤، بلاغات النساء ص٣٢"

стр. 1416

٣٧١- أم البراء بنت صفوان ومعاوية: استأذنت أم البراء بنت صفوان على معاوية فأذن لها؛ فدخلت عليه وعليها ثلاثة دروع١ "برود" تسحبها ذراعًا، قد لاثت٢ على رأسها كورًا كالمنسف، فسلمت وجلست، فقال لها معاوية: كيف أنت يا بنة صفوان؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، قال: كيف حالك؟ قالت ضَعُفْتُ بعد جلد، وكسِلت بعد نشاط، قال: شتان بينك اليوم وحين تقولين: يا زيد دونك صارمًا ذا رونق ... عضب المهزة ليس بالخوار٣ أسرج جوادك مسرعًا ومشمرًا ... للحرب غير معرد لفرار٤ أجِب الإمامَ وذبَّ تحت لوائه ... والقَ العدو بصارمٍ بتار يا ليتني أصبحت لست قعيدة ... فأذب عنه عساكرَ الفجارِ قالت: قد كان ذلك، ومثلك من عفا، والله تعالى يقول: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ قال: هيهات، أما والله لو عاد لعدتِ؛ ولكنه

стр. 1417

اخترم١ منك، قالت: أجل، والله إني لعلى بينة من ربي، وهدى من أمري، قال: كيف كان قولك حين قتل؟ قالت: أنسيته، قال بعض جلسائه: هو والله حين تقول: يا للرجال لعُظْم هَوْل مصيبة ... فَدَحَت فليس مصابها بالحائل٢ الشمس كاسفة لفقد إمامنا ... خير الخلائق والإمام العادل يا خير من ركب المَطِيَّ ومن مشى ... فوق التراب لمحتف أو ناعل حاشا النبي لقد هددت قواءنا ... فالحق أصبح خاضعًا للباطل٣ فقال معاوية: قاتلك الله! فما تركت مقالا لقائل، اذكري حاجتك، قالت: أما الآن فلا، وقامت فعثرت؛ فقالت: تعس شانئ عليٍّ٤، فقال: زعمت أن لا، قالت: هو كما علمت؛ فلما كان من الغد بَعَثَ إليها بجائزة، وقال: إذا ضيعت الحلم، فمن يحفظه؟ "صبح الأعشى ١: ٢٦١ بلاغات النساء ص٧٨"

стр. 1418

٣٧٢- دارمية الحجونية ومعاوية: وحج معاوية سنة من سنيه، فسأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل بالحجون١، يقال لها: دارمية الحجونية، وكانت سوداء كثيرة اللحم، فأخبر بسلامتها، فبعث إليها، فجيء بها، فقال: ما حالك يابنة حامٍ؟ فقالت: لست لحامٍ إن عبتني، إنما أنا امرأة من بني كنانة، ثمتَ من بني أبيك، قال: صدقت، أتدرين لم بعثتُ إليك؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله، قال: بعثت إليك لأسألك: علام أحببتِ عليًّا وأبغضتني، وواليته وعاديتني؟ قالت: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك،

стр. 1419

قالت: "أما إذ أبيت؛ فإني أحببت عليًّا على عدله في الرعية، وقسمه بالسوية، وأبغضتك على قتال من هو أولى منك بالأمر، وطلبتك١ ما ليس لك بحق؛ وواليت عليًّا على ما عقد له رسول الله ﷺ من الولاء٢، وعلى حبه المساكين، وإعظامه لأهل الدين؛ وعاديتك على سفكك الدماء، وشقك العصا، وجورك في القضاء، وحكمك بالهوى". قال: فلذلك انتفخ بطنك، وعظم ثدياك، وربت عجيزتك، قالت: يا هذا بهند٣ والله كان يضرب المثل في ذلك لا بي، قال معاوية: يا هذه اربعي٤، فإنا لم نقل إلا خيرًا، إنه إذا انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها، وإذا عظم ثدياها تروى٥ رضيعها، وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها، فرجعت وسكنت، فقال لها: يا هذه هل رأيت عليًّا؟ قالت: إي والله لقد رأيته، قال: فكيف رأيته؟ قالت: رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك، ولم تشغله النعمة التي شغلتك، قال: فهل سمعت كلامه؟ قالت: نعم والله، فكان يجلو القلوب من العمى، كما يجلو الزيت الطست من الصدأ، قال. صدقت، فهل لك من حاجة؟ قالت. أو تفعل إذا سألتك؟ قال. نعم، قالت. تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها، قال: تصنعين بها ماذا؟ قالت: أغذو بألبانها الصغار، وأستحيي بها الكبار، وأكتسب بها المكارم، وأصلح بها بين العشائر، قال: فإن أعطيتك ذلك، فهل أحل عندك محل علي بن أبي طالب؟ قالت: ماءٌ ولا كَصَدّاء٦،

стр. 1420

ومرعى ولا كالسعدان١، وفتى ولا كمالك٢، سبحان الله أو دونه، فأنشأ معاوية يقول: إذا لم أعد بالحلم مني عليكم ... فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم خذيها هنيئًا، واذكري فعل ماجد ... جزاك على حرب العداوة بالسلم ثم قال: أما والله لو كان عليٌّ حيًّا ما أعطاك منها شيئًا، قالت: لا والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين. "العقد الفريد ١: ١٣٢ وصبح الأعشى ١: ٢٥٩ وبلاغات النساء ص٦٧".

стр. 1421

٣٧٣- شداد بن أوس ومعاوية: وأمر معاوية شداد بن أوس الطائي أن يتنقّص عليًّا، فقام فقال: "الحمد لله الذي افترض طاعته على عباده، وجعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا خلقِه، على ذلك مضى أولهم، وعليه يمضي آخرهم، أيها الناس: إن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، وإن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، وإن السامع المطيع لله لا حجة عليه، وإن السامع العاصي لله لا حجة له. وإن الله إذا أراد بالعباد صلاحًا عَمِلَ عليهم صلحاؤهم، وقضى بينهم فقهاؤهم، وملك المال سمحاؤهم، وإذا أراد بهم شرًّا، عَمِلَ عليهم سفهاؤهم، وقضى فيهم جهلاؤهم،

стр. 1422

وملك المال بخلاؤهم، وإن من صلاح الولاة أن يصلح قرناؤها، ونصح لك يا معاوية من أسخطك بالحق، وغشك من أرضاك بالباطل". قال: اجلس رحمك الله قد أمرنا لك بمال، قال: "إن كان من مالك الذي تعهدت جمعه مخافة تبعته، فأصبته حلالا، وأنفقته إفضالا، فنعم، وإن كان مما شاركك فيه المسلمون، فاحتجنته١ دونهم، فأصبته اقترافًا، وأنفقته إسرافًا، فإن الله يقول في كتابه: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ . "البيان والتبيين ٣: ٢٢٠" وروي أن معاوية قال له: "يا شداد، أنا أفضل، أم عليٌّ؟ وأينا أحب إليك؟ "، فقال: "علي أقدم هجرة، وأكثر مع رسول الله إلى الخير سابقة، وأشجع منك قلبًا، وأسلم منك نفسًا، وأما الحب، فقد مضى عليٌّ، فأنت اليوم عند الناس أرجى منه". "عيون الأخبار م٢: ص٢١١"

стр. 1423

٣٧٤- معاوية ورجل من أهل سبأ: وقال معاوية لرجل من أهل سبأ: "ما كان أجهل قومك، حين ملكوا عليهم امرأة"، فقال: "بل قومك أجهل، قالوا حين دعاهم رسول الله ﷺ إلى الحق، وأراهم البينات: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ، ألا قالوا: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له! ". "البيان والتبيين ٣: ٢٢٠".

стр. 1424

٣٧٥- حديث معاوية مع عبد الله بن عبد الحجر بن عبد المدان: سأل معاوية بعد الاستقامة١ عبد الله بن عبد الحجر بن عبد المدان فقال له: كيف علمك بقومك؟ قال: كعلمي بنفسي، قال: ما تقول في مُرَاد؟ قال: مدركوا الأوتار، وحماة الذمار، ومحرزو الخطار٢، قال: فما تقول في النخع؟ قال: مانعو السرب٣، ومسعرو الحرب، وكاشفو الكرب، قال: وما تقول في بني الحارث بن كعب؟ قال: فراجو اللكاك، وفرسان العراك، ولزاز الضكاك، تراك٤ تراك، قال: فما تقول في سعد العشيرة؟ قال: مانعو الضيم، وبانو الريم، وشافو الغيم٥ قال: ما تقول في جعفيٍّ؟ قال: فرسان الصباح٦، ومعلمو الرماح، ومبارزو الرياح، قال: ما تقول في بني زبيد؟ قال: كماة أنجاد٧، سادات أمجاد، وُقُرٌ عند الذياد٨ صُبُرٌ عند الطراد، قال: ما تقول في جنب؟ قال: كفاة يمنعون عن الحريم، ويفرجون عن الكظيم٩، قال: فما تقول في صداء؟ قال: سمام الأعداء،

стр. 1425

ومساعير الهيجاء١، قال: فما تقول في رهاء؟ قال: ينهنهون٢ عادية الفوارس، ويرِدُون الموت ورد الخوامس٣ قال: أنت أعلم بقومك. "الأمالي ١: ١٦٠".

стр. 1426

٣٧٦- حديث الخيار بن أوفى النهدي مع معاوية: دخل الخيار بن أوفى النهدي على معاوية، فقال له: يا خيار كيف تجدك، وما صنع بك الدهر؟ فقال: يا أمير المؤمنين، صدع الدهر قناتي، وأثكلني لداتي١ وأوهى عمادي، وشيب سوادي، وأسرع في تلادي٢، ولقد عشت زمنًا أُصْبِي الكَعاب٣، وأسُرّ الأصحاب، وأجيد الضراب٤، فبان ذلك عني، ودنا الموتُ مني، وأنشأ يقول: غبرتُ زمانًا يرهبُ القرن جانبي ... كأني شنيمٌ باسلُ القلب خادر٥ يخاف عدوي صولتي ويهابني ... ويكرمني قرني وجاري المجاورُ وتصبي الكعاب لمَّتي وشمائلي ... كأني غصن ناعم النبت ناضر٦ فبان شبابي واعترتني رثية ... كأني قناةٌ أَطَّرَتها المآطر٧ أدبُّ إذا رمت القيام كأنني ... لدى المشي قرم قيده متقاصر٨ وقصر الفتى شيب وموت كلاهما ... له سائق يسعى بذاك وناظر وكيف يلذُ العيشُ من ليس زائلا ... رهين أمور ليس فيها مصادر

стр. 1427

فقال معاوية: أحسنت القول! واعلم أن لها مصادر، فنسأل الله أن يجعلنا من الصادرين بخير، فقد أوردْنا أنفسنا موارد نرغب إلى الله أن يصدرنا عنها وهو راضٍ. "الأمالي ٢: ٩٤".

стр. 1428

٣٧٧- حديث عرابة بن أوس بن حارثة مع معاوية: قال معاوية لعرابة بن أوس بن حارثة الأنصاري: بأي شيء سدت قومك يا عرابة؟ قال: أخبرك يا معاوية بأني كنت لهم كما كان حاتم لقومه، قال: وكيف كان؟ فأنشده: وأصبحت في أمر العشيرة كلها ... كذي الحلم يرضى ما يقول ويعرف وذاك لأني لا أعادي سراتهم ... ولا عن أخي ضرائهم أتنكف١ وإني لأعطي سائلي، ولربما ... أكلف ما لا أستطيع فَأَكْلَفُ وإني لمذمومٌ إذا قيل: حاتم ... نبا نبوة إن الكريم يعنف ووالله إني لأعفو عن سفيههم، وأحلم عن جاهلهم، وأسعى في حوائجهم، وأعطي سائلهم، فمن فعل فعلي فهو مثلي، ومن فعل أحسن من فعلي فهو أفضل مني، ومن قصر عن فعلي فأنا خير منه، فقال معاوية: لقد صدق الشماخ حيث يقول فيك: رأيت عَرَابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين "الأمالي ١: ٢٧٧".

стр. 1429

٣٧٨- سعيد بن عثمان بن عفان ومعاوية: دخل سعيد بن عثمان بن عفان ﵁ على معاوية، وابنه يزيد إلى جانبه؛ فقال له: "ائتمنك أبي واصطنعك، حتى بلغك باصطناعه إياك المدى الذي لا يجارى والغاية التي لا تسامى، فما جازيت أبي بآلائه، حتى قدمت هذا علي، وجعلت له الأمر دوني -وأومأ إلى يزيد- والله لأبي خير من أبيه، وأمي خير من أمه، ولأنا خير منه"؛ فقال معاوية: "أما ما ذكرت يابن أخي من تواتر آلائكم علي، وتظاهر نعمائكم لدي، فقد كان ذلك، ووجب علي المكافأة والمجازاة، وكان شكري إياه أن طلبت بدمه، حتى كابدت أهوال البلاء، وغشيت عساكر المنايا، إلى أن شفيت حزازات الصدور، وتجلت تلك الأمور، ولست لنفسي باللائم في التشمير، ولا الزاري١ عليها في التقصير، وذكرت أن أباك خير من أبي هذا -وأشار بيده إلى يزيد- فصدقت، لعمر الله لعثمان خير من معاوية، أكرم كريمًا وأفضل قديمًا، وأقرب على محمد ﷺ رحمًا، وذكرت أن أمك خير من أمه؛ فلعمري إن امرأة من قريش خير من امرأة من بني كلب، وذكرت أنك خير من يزيد، فوالله يا بن أخي ما يسرني أن الغوطة٢ عليها رجال مثل يزيد. فقال له يزيد: "مه يا أمير المؤمنين، ابن أخيك اسعمل الدالة عليك، واستعتبك لنفسه، واستزاد منك فزده، وأجمل له في ردك، واحلم على نفسك وَوَلِّهِ خراسان بشافعتي، وأعنه بمال يظهر به موروثه"، فولاه معاوية خراسان، وأجازه بمائة ألف درهم فكان ذلك أعجب ما ظهر من حلم يزيد. "صبح الأعشى ١: ٢٥٦ والإمامة والسياسة ١: ١٣٩"

стр. 1430

٣٧٩- مصقلة بن هبيرة ومعاوية: مرض معاوية مرضًا شديدًا، فأرجف به مصقلة بن هبيرة، وساعده قوم على ذلك ثم تماثل١، وهم في إرجافهم، فحمل زياد مصقلة إلى معاوية، وكتب إليه أنه يجمع مُرّاقًا من مراق العراق، فيرجفون بأمير المؤمنين، وقد حملته إليه ليرى رأيه فيهن فقدم مصقلة، وجلس معاوية للناس؛ فلما دخل عليه قال: ادن مني، فدنا منه، فأخذ بيده فجذبه فسقط مصقلة، فقال معاوية: أَبْقَى الحوادثُ من خَليـ ... لِكَ مثلَ جَنْدَلَةِ المَراجِمْ٢ صُلْبًا إذا خَارَ الرّجا ... لُ أَبَلّ مُمْتَنِعَ الشّكائِمْ قد رَامَني الأعداءُ قَبْـ ... لكَ فامتنعتُ عَنِ المظالمْ٣ فقال مصقلة: "يا أمير المؤمنين، قد أبقى الله منك ما هو أعظم من ذلك بطشًا وحلمًا راجحًا، وكلأ ومرعًى لأوليائك، وسُمًّا ناقعًا لأعدائك، كانت الجاهلية فكان أبوه سيد المشركين، وأصبح الناس مسلمين وأنت أمير المؤمنين" وقام، فوصله معاوية، وأذن له في الانصراف إلى الكوفة، فقيل له: كيف تركت معاوية؟ فقال: زعمتم أنه كبر وضعف، والله لقد غمزني غمزة كاد يحطمني، وجذبني جذبة كاد يكسر عضوًا مني. "زهر الآداب ١: ٥٧ والآمالي ٢: ٣١٥"

стр. 1431

٣٨٠- روح بن زنباع ومعاوية: وولّى معاوية روح بن زنباع، فعتب عليه في جناية، فكتب إليه بالقدوم، فلما قدم أمر بضربه بالسياط، فلما أقيم ليضرب قال: "نشدت الله يا أمير المؤمنين أن تهدم مني ركنًا أنت بنيته، أو أن تضع مني خسيسة أنت رفعتها أو تشمت بي عدوًا أنت

стр. 1432

وقمته١، وأسألك بالله إلا أتى حلمك وعفوك دون إفساد صنائعك"، فقال معاوية: "إذا اللهُ سَنَّى عقدَ أمرٍ تَيَسَّرَا" خَلُّوا سبيله. "الأمالي ٢: ٢٥٩، وزهر الآداب ٢: ١٩٤"

стр. 1433

٣٨١- مخاصمة أبي الأسود الدؤلي وامرأته بين يدي زياد بن أبيه: جرى بين أبي الأسود الدؤلي وبين امرأته كلام، في ابن كان لها منه، وأراد أخذه منها، فسار إلى زياد وهو والي البصرة. فقالت المرأة: "أصلح الله الأمير، هذا ابني، كان بطني وعاءه، وحجري فناءه، وثديي سقاءه١، أكلؤه٢ إذا نام، وأحفظه إذا قام، فلم أزل بذلك سبعة أعوام، حتى إذا استوفى فصاله٣، وكملت خصاله، واستوكعت٤ أوصاله، وأملت نفعه ورجوت دفعه، أراد أن يأخذه مني كرهًا٥، فآدني٦ أيها الأميرن فقد رام قهري. وأراد قسري٧". فقال أبو الأسود: "أصلحك الله، هذا ابني حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، وأنا أقوم عليه في أدبه، وأنظر في أوده، وأمنحه علمي، وألهمه حلمي، حتى يكمل عقله، ويستحكم فتله". فقالت المرأة: "صدق أصلحك الله، حمله خِفًّا٨، وحملته ثِقْلًا، ووضعَه شهوة، ووضعتُه كرهًا". قال له زياد: اردد على المرأة ولدها، فهي أحق به منك، ودعني من سجعك أو قال: "إنها امرأة عاقلة يا أبا الأسود، فادفع ابنها إليها، فأخلقْ أن تحسنَ أدبَه". "الأمالي ٢: ١٤، وأمالي السيد المرتضى ١: ٢١٤"

стр. 1434

٣٨٢- صورة أخرى: وروى أحمد بن أبي طاهر طيفور هذا الخبر بصورة أطول وهاكها: قال أبو محمد القشيريّ: كان أبو الأسود الدؤلي من أكبر الناس عند معاوية بن أبي سفيان، وأقربهم مجلسًا، وكان لا ينطق إلا بعقل، ولا يتكلم إلا بعد فهم؛ فبينا هو ذات يوم جالس، وعنده وجوه قريش وأشراف العرب، إذ أقبلت امرأة الأبي الأسود الدؤلي، حتى حاذت معاوية، وقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ إن الله جعلك خليفة في البلاد، ورقيبًا على العباد، يستسقى بك المطر، ويستنبت بك الشجر، وتؤلف بك الأهواء، ويأمن بك الخائف، ويردع بك الجانف١، فأنت الخليفة المصطفى، والإمام المرتضى، فأسأل الله لك النعمة في غير تغيير، والعافية من غير تعذير٢. قد ألجأني إليك يا أمير المؤمنين أمر ضاق علي فيه المنهج، وتفاقم علي منه المخرج، لأمر كرهت عاره٣، لما خشيت إظهاره، فلينصفني أمير المؤمنين من الخصم؛ فإني أعوذ بِعقْوَته٤ من العار الوبيل، والأمر الجليل، الذي يشتد على الحرائر، ذوات البعول الأجائر٥، فقال لها معاوية: ومن بعلك هذا الذي تصفين من أمره المنكر، ومن فعله المشهَّر٦؟ فقالت: هو أبو الأسود الدؤلي، فالتفت إليه فقال: يا أبا الأسود: ما تقول هذه المرأة؟ فقال أبو الأسود: هي تقول من الحق بعضًا، ولن يستطيع أحد عليها نقصًا؛ أما ما ذكرتْ من طلاقها فهو حق، وأنا مخبر أمير المؤمنين عنه بالصدق، والله يا أمير المؤمنين ما طلقتها عن ريبة

стр. 1435

ظهرت، ولا لأي هفوة حضرت؛ ولكني كرهت شمائلها، فقطعتُ عني حبائلها، فقال معاوية: وأي شمائلها يا أبا الأسود كرهتَ؟ قال: يا أمير المؤمنين: إنك مهيجها علي بجواب عتيد١، ولسان شديد، فقال معاوية: لا بد لك من محاورتها، فارددْ عليها قولها عند مراجعتها، فقال أبو الأسود: "يا أمير المؤمنين، إنها كثيرة الصخب، دائمة الذرب٢، مهينة للأهل، مؤذية للبعل، مسيئة إلى الجار، مظهرة للعار، إن رأت خيرًا كتمته، وإن رأت شرًّا أذاعته"، قالت: "والله لولا مكان أمير المؤمنين، وحضور من حضره من المسلمين، لرددت عليك بوادر كلامك، بنوافذ أقرع بها كل سهامك٣، وإن كان لا يجمل بالمرأة الحرة أن تشتم بعلًا، ولا أن تظهر لأحد جهلًا"، فقال معاوية: عزمت عليك لما أجبته، فقالت: "يا أمير المؤمنين، ما علمته إلا سئولًا جهولًا، ملحًا بخيلًا٤، إن قال فشرُّ قائل، وإن سكتَ فذو دغائل٥، ليثٌ حين يأمن، وثعلبٌ حين يخاف، شحيحٌ حين يضاف٦، إن ذكر الجودُ انقمعَ٧، لما يعرِف من قِصَرِ رشائه٨، ولؤم آبائه، ضيفُه جائعٌ، وجارُه ضائعٌ، لا يحفظُ جارًا ولا يحمى ذمارًا، ولا يدرك نارًا، أكرم الناس عليه من أهانَه، وأهونهم عليه من أكرمَه"، فقال معاوية: سبحان الله لما تأتي به هذه المرأة من السجع! فقال

стр. 1436

أبو الأسود: أصلح الله أمير المؤمنين، إنها مطلقة، ومن أكثر كلامًا من مطلقة؟ فقال لها معاوية: إذا كان رواحًا١ فتعاليْ أفصل بينك وبينه بالقضاء. فلما كان الرواح جاءت ومعها ابنها قد احتضنته؛ فلما رآها أبو الأسود قام إليها لينتزع ابنه منها، فقال له معاوية: يا أبا الأسود، لا تعجل المرأة أن تنطق بحجتها، قال: يا أمير المؤمنين، أنا أحق بحمل ابني منها، فقال له معاوية: يا أبا الأسود دعها تقل، فقال: "يا أمير المؤمنين، حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه"، فقالت: "صدق والله يا أمير المؤمنين: حمله خِفًّا، وحملته ثِقْلًا، ووضعَه شهوة ووضعتُه كرهًا، إن بطني لوعاؤه، وإن ثديي لسقاؤه، وإن حجري لفناؤه، فقال معاوية: سبحان الله لما تأتين به! فقال أبو الأسود: إنها تقول الأبيات من الشعر فتجيدها، فقال معاوية: إنها قد غلبتك في الكلام، فتكلف لها أبياتا لعلك تغلبها؛ فأنشأ أبو الأسود يقول: مرحبًا بالتي تجورُ علينا ... ثم سهلًا بالحامل المحمول أغلقت بابها علي وقالت: ... إن خير النساء ذات البعول شغلت نفسها علي فراغًا ... هل سمعتم بالفارغ المشغول؟ فأجابته وهي تقول: ليس من قال بالصواب وبالحـ ... ق كمن جار عن منار السبيل كان ثديي سقاءه حين يضحى ... ثم حجري فناؤه بالأصيل لست أبغي بواحدي يا ابن حرب ... بدلًا ما علمته والخليل٢ فأجابها معاوية: ليس من غذاء حينًا صغيرًا ... وسقاه من ثديه بخذول

стр. 1437

هي أولى به وأقرب رحمًا ... من أبيه بالوحي والتنزيل١ أمه ما حنت عليه وقامت ... هي أولى بحمل هذا الضئيل٢ فقضى لها معاوية عليه، واحتملت ابنها وانصرفت. "بلاغات النساء ص٥٣"

стр. 1438

٣٨٣- وفد أهل البصرة إلى عبد الله بن الزبير: لما قدم الأحنف في وجوه أهل البصرة، إلى عبد الله بن الزبير، تكلم أبو حاضر الأسيدي -وكان خطيبًا جميلًا- فقال له عبد الله بن الزبير: اسكت فوالله لوددت أن لي بكل عشرة من أهل العراق رجلًا من أهل الشام، صرف الدينار بالدرهم، قال: "يا أمير المؤمنين: إن لنا ولك مثلًا، أفتأذن في ذكره؟ " قال: "مثلنا ومثلك ومثل أهل الشام قول الأعشى؛ حيث يقول: علقتها عَرَضًا وعلقت رَجلًا ... غيري وعلق أخرى غيرها الرجل١ أحبك أهل العراق، وأحببت أهل الشام، وأحب أهل الشام عبد الملك بن مروان". "البيان والتبيين ١: ١٦٤"

стр. 1439

٣٨٤- كلام خطيب الأزد بين يدي عبد الملك بن مروان: بعث الحجاج خطباء من الأحماس١ إلى عبد الملك بن مروان، فتكلموا؛ فلما انتهى الكلام إل خطيب الأزد، قام فقال: قد علمت العرب أنا حي فعال، ولسنا بحي مقال، وأنا نجزي بفعلنا عند أحسن

стр. 1440

قولهم، إن السيوف لتعرف أكفنا، وإن الموت ليستعذب أرواحنا، وقد علمت الحرب الزبون، أنا نقرعُ جماحها، ونحلبُ صراها١" ثم جلس٢. "الأمالي ٢: ٢٥٩"
следующие страницы →