أبو الأسود: أصلح الله أمير المؤمنين، إنها مطلقة، ومن أكثر كلامًا من مطلقة؟ فقال لها معاوية: إذا كان رواحًا١ فتعاليْ أفصل بينك وبينه بالقضاء.
فلما كان الرواح جاءت ومعها ابنها قد احتضنته؛ فلما رآها أبو الأسود قام إليها لينتزع ابنه منها، فقال له معاوية: يا أبا الأسود، لا تعجل المرأة أن تنطق بحجتها، قال: يا أمير المؤمنين، أنا أحق بحمل ابني منها، فقال له معاوية: يا أبا الأسود دعها تقل، فقال: "يا أمير المؤمنين، حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه"، فقالت: "صدق والله يا أمير المؤمنين: حمله خِفًّا، وحملته ثِقْلًا، ووضعَه شهوة ووضعتُه كرهًا، إن بطني لوعاؤه، وإن ثديي لسقاؤه، وإن حجري لفناؤه، فقال معاوية: سبحان الله لما تأتين به! فقال أبو الأسود: إنها تقول الأبيات من الشعر فتجيدها، فقال معاوية: إنها قد غلبتك في الكلام، فتكلف لها أبياتا لعلك تغلبها؛ فأنشأ أبو الأسود يقول:
مرحبًا بالتي تجورُ علينا ... ثم سهلًا بالحامل المحمول
أغلقت بابها علي وقالت: ... إن خير النساء ذات البعول
شغلت نفسها علي فراغًا ... هل سمعتم بالفارغ المشغول؟
فأجابته وهي تقول:
ليس من قال بالصواب وبالحـ ... ق كمن جار عن منار السبيل
كان ثديي سقاءه حين يضحى ... ثم حجري فناؤه بالأصيل
لست أبغي بواحدي يا ابن حرب ... بدلًا ما علمته والخليل٢
فأجابها معاوية:
ليس من غذاء حينًا صغيرًا ... وسقاه من ثديه بخذول
стр. 1437
هي أولى به وأقرب رحمًا ... من أبيه بالوحي والتنزيل١
أمه ما حنت عليه وقامت ... هي أولى بحمل هذا الضئيل٢
فقضى لها معاوية عليه، واحتملت ابنها وانصرفت.
"بلاغات النساء ص٥٣"
стр. 1438
٣٨٣- وفد أهل البصرة إلى عبد الله بن الزبير:
لما قدم الأحنف في وجوه أهل البصرة، إلى عبد الله بن الزبير، تكلم أبو حاضر الأسيدي -وكان خطيبًا جميلًا- فقال له عبد الله بن الزبير: اسكت فوالله لوددت أن لي بكل عشرة من أهل العراق رجلًا من أهل الشام، صرف الدينار بالدرهم، قال: "يا أمير المؤمنين: إن لنا ولك مثلًا، أفتأذن في ذكره؟ " قال: "مثلنا ومثلك ومثل أهل الشام قول الأعشى؛ حيث يقول:
علقتها عَرَضًا وعلقت رَجلًا ... غيري وعلق أخرى غيرها الرجل١
أحبك أهل العراق، وأحببت أهل الشام، وأحب أهل الشام عبد الملك بن مروان".
"البيان والتبيين ١: ١٦٤"
стр. 1439
٣٨٤- كلام خطيب الأزد بين يدي عبد الملك بن مروان:
بعث الحجاج خطباء من الأحماس١ إلى عبد الملك بن مروان، فتكلموا؛ فلما انتهى الكلام إل خطيب الأزد، قام فقال:
قد علمت العرب أنا حي فعال، ولسنا بحي مقال، وأنا نجزي بفعلنا عند أحسن
стр. 1440
قولهم، إن السيوف لتعرف أكفنا، وإن الموت ليستعذب أرواحنا، وقد علمت الحرب الزبون، أنا نقرعُ جماحها، ونحلبُ صراها١" ثم جلس٢.
"الأمالي ٢: ٢٥٩"
стр. 1441
٣٨٥- سؤال عبد الملك للعجاج وما أجاب به:
ودخل العجاج١ على عبد الملك بن مروان، فقال: يا عجاج: بلغني أنك لا تقدر على الهجاء، فقال: يا أمير المؤمنين، من قدر على تشييد الأبنية، أمكنه إخراب الأخبية، قال: فما يمنعك من ذلك؟ قال: إن لنا عزًّا يمنعنا من أن نظلَم، وإن لنا حلمًا يمنعنا من أن نظلِم، فعلام الهجاء؟ فقال: لكلماتك أشعر من شعرك! فأنى لك عزٌّ يمنعك من أن تُظلَم؟ قال: الأدبُ البارعُ، والفهمُ الناصعُ، قال: فما الحلم الذي يمنعك من أن تظلِم؟ قال: الأدب المستطرف، والطبع التالد، قال: يا عجاج لقد أصبحت حكيمًا. قال: وما يمنعني وأنا بحيُّ٢ أمير المؤمنين؟ ".
"الأمالي ٢: ٤٩، وزهر الآداب ٢: ٢٦٤"
стр. 1442
٣٨٦- وفود الحجاج بإبراهيم بن محمد بن طلحة على عبد الملك بن مروان
لما ولي الحجاج بن يوسف الحرمين بعد قتله ابن الزبير، استخص إبراهيم بن محمد بن طلحة، فقربه وعظم منزله، فلم تزل تلك حاله عنده، حتى خرج إلى عبد الملك بن مروان، فخرج معه معادلا، لا يقصر له في بِرٍّ وإعظام، حتى حضر به عبد الملك، فلما
стр. 1443
دخل عليه لم يبدأ بشيء بعد السلام، إلا أن قال له: "قدمت عليك أمير المؤمنين برجل الحجاز، لم أدع له بها نظيرًا في الفضل والأدب، والمروءة، وحسن المذهب، مع قرابة الرحم، ووجوب الحق، وعظم قدر الأبوة، وما بلوت منه في الطاعة والنصيحة، وحسن المؤازرة. وهو إبراهيم بن محمد بن طلحة، وقد أحضرته بابك، ليسهل عليه إذنك، وتعرف له ما عرَّفتك". فقال: أذكرتنا رحمًا قريبة، وحقًّا واجبًا، يا غلام: ائذن لإبراهيم بن محمد بن طلحة، فلما دخل عليه أدناه عبد الملك حتى أجلسه على فراشه، ثم قال له: يابن طلحة، إن أبا محمد "الحجاج" ذكَّرنا ما لم نعرفك به من الفضل والأدب، والمروءة، وحسن المذهب، مع قرابة الرحم، ووجوب الحق، وعظم قدر الأبوة، وما بلاه منك في الطاعة والنصيحة، وحسن المؤازرة، فلا تدعن حاجة في خاصة نفسك وعامتك إلا ذكرتها. فقال: يا أمير المؤمنين، إن أول الحوائج، وأحق ما قدم بين يدي الأمور، ما كان لله فيه رضًا، ولحق نبيه ﷺ أداء، ولك فيه ولجماعة المسلمين نصيحة، وعندي نصيحة لا أجد بدًّا من ذكرها، ولا أقدر على ذلك إلا وأنا خالٍ، فأخلني يا أمير المؤمنين ترد عليك نصيحتي، قال: أدون أبي محمد؟ قال: نعم، دون أبي محمد، قال عبد الملك: للحجاج قم، فلما خطرف١ الستر أقبل على إبراهيم، فقال: يابن طلحة قل نصيحتك، قال: بالله يا أمير المؤمنين لقد عهدت إلى الحجاج في تغطرسه وتعجرفه، وبعده من الحق وقربه من الباطل، فوليته الحرمين، وهما ما هما وبهما من بهما من المهاجرين والأنصار، والموالي الأخيار، يسومهم الخسف٢ ويحكم فيهم بغير السنة، بعد الذي كان من سفك دمائهم، وما انتهك من حرمهم، ويطؤهم بطغام أهل الشام، ورعاع لا روية لهم في إقامة حق، ولا في إزاحة باطل، ثم تظن أن ذلك ينجيك من عذاب الله؟ فكيف بك إذا جاثاك محمدٌ ﷺ غدًا للخصومة بين يدي الله تعالى؟ أما والله إنك لن تنجو هناك إلا بحجة تضمن لك
стр. 1444
النجاة، فاربع على نفسك أو دع، وكان عبد الملك متكئًا، فاستوى جالسًا، وقال: كذبت ومنت١ فيما جئت به! ولقد ظن بك الحجاج ظنًّا لم نجده فيك، وقد يظن الخير بغير أهله، قم فأنت المائن الحاسد! قال: فقمت والله ما أبصر شيئًا، فلما خطرف الستر لحقني لا حق، فقال للحاجب: امنع هذا من الخروج، وأذن للحجاج، فدخل فلبث مليًّا، ولا أشكُّ أنهما في أمري، ثم خرج الإذن لي، فدخلت، فلا كشف لي الستر، إذ أنا بالحجاج خارج، فاعتنقني، وقبل ما بين عيني، وقال: أما إذا جزى الله المتواخِيَيْن خيرًا فضل تواصلهما، فجزاك الله عني أفضل الجزاء فوالله لئن سلمت لك لأرفعن ناظريك، ولأعلين كعبك، ولأتبعن الرجال غبار قدميك، قال: فقلت في نفسي إنه ليسخر بي، فلما وصلت إلى عبد الملك أدناني حتى أدناني مجلسي الأول، ثم قال: يابن طلحة: هل أعلمت الحجاج بما جرى أو شاركك أحد في نصيحتك؟ فقلت: لا والله، ولا أعلم أحدًا أظهر يدًا عندي من الحجاج، ولو كنت محابيًا أحدًا بديني لكان هو، ولكنِّي آثرتُ الله ورسوله والمسلمين، قال: قد علمت أنك لم ترد الدنيا، ولو أردتها لكانت لك في الحجاج، ولكن أردتَ الله والدار الآخرة، وقد عزلته عن الحرمين لما كرهت من ولايته عليهما، وأعلمته أنك استنزلتني له عنهما استقلالا لهما، ووليته العراقين وما هنالك من الأمور، التي لا يدحضها إلا مثله، وإنما قلت له ذلك ليؤدي ما يلزمه من ذمامك، فإنك غير ذام لصحبته مع يدك عنده، فخرجت مع الحجاج وأكرمني أضعاف إكرامه.
"العقد الفريد ١: ١٢١، وسرح العيون ص١١٩"
стр. 1445
٣٨٧- قدوم الحجاج مع أشراف المصرين على عبد الملك:
لما فرغ الحجاج من دير الجماجم، وقدم على عبد الملك ومعه أشراف أهل المصرين -البصرة والكوفة- أدخلهم عليه؛ فبينما هم عنده، إذ تذاكروا البلدان، فقال محمد بن عمير بن عطارد: "أصلح الله الأمير، إن الكوفة أرض ارتفعت عن البصرة وحرها وغمقها١، وسفلت عن الشام ووبائها، وجاورها الفرات؛ فعذب ماؤها، وطاب ثمرها"، فقال خالد بن صفوان الأهتمي: "أصلح الله الأمير، نحن أوسع منهم برية، وأسرع منهم في السرية٢، وأكثر منهم قنْدًا٣، وعاجًا، وساجًا٤، وناسًا٥، ماؤها صفو، وخيرنا عفو، لا يخرج من عندنا إلا قائدٌ وسائقٌ وناعقٌ٦"؛ فقال الحجاج: "أصلح الله أمير المؤمنين! إني بالبلدين خبيرٌ، وقد وطئتهما جميعًا"، فقال له: قل فأنت عندنا مصدق، فقال: "أما البصرة فعجوز شمطاء، دفراء، بخراء، أوتيتْ من كل حلي وزينة؛ وأما الكوفة، فشابة حسناء جميلة، لا حلي لها ولا زينة".
فقال عبد الملك: فضلت الكوفة على البصرة.
"مروج الذهب ٢: ١٤٨"
وروى الجاحظ قال:
قال خالد بن صفوان٧ -وسئل عن الكوفة والبصرة-: "نحن منابتنا قصب، وأنهارنا عجب، وسماؤنا رطب٨، وأرضنا ذهب".
стр. 1446
وقال الأحنف: "نحن أبعد منكم سريّة، وأعظم منكم تجريّة١، وأكثر منكم ذريّة، وأغذى منكم بريّة".
وقال أبو بكر الهذلي: "نحن أكثر منكم ساجًا، وعاجًا، وديباجًا، وخراجًا، ونهرًا عجاجًا٢".
"البيان والتبيين ٢: ٤٦"
стр. 1447
٣٨٨- وفود مالك بن بشير على الحجاج بقتل الأزارقة:
لما هزم المهلب بن أبي صفرة قطري بن الفجاءة: صاحب الأزارقة، بعث إلى مالك بن بشير؛ فقال له: إني موفدك إلى الحجاج، فسر؛ فإنما هو رجل مثلك، وبعث إليه بجائزة فردها، وقال: إنما الجائزة بعد الاستحقاق وتوجه؛ فلما دخل على الحجاج قال له: ما اسمك؟ قال: مالك بن بشير، قال: ملك وبشارة! كيف تركت المهلب؟ قال: أدرك ما أمل، وأمن من خاف، قال: كيف هو لجنده؟ قال: والد رءوف، قال: فكيف رضاهم عنه؟ قال: وسعهم بالفضل، وأقنعهم بالعدل، قال: فكيف تصنعون إذا لقيتم عدوكم؟ قال: نلقاهم بحدنا فنطمع فيهم، ويلقوننا بجدهم فيطمعون فينا، قال: كذلك الجد إذا لقي الجد قال: فما حال قطري؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه. قال: فما منعكم من اتباعه؟ قال: رأينا المقام من ورائه خيرًا من اتباعه، قال: فأخبرني عن ولد المهلب، قال: أعباء القتال بالليل، حماة السرح١ بالنهار، قال: أيهم أفضل؟ قال ذلك إلى أبيهم، قال: لتقولن، قال: هم كحلقة مضروة لا يعرف طرفاها، قال: أقسمت عليك هل روأت٢ في هذا الكلام؟ قال: ما أطلع الله على غيبه أحدًا، فقال الحجاج لجلسائه: هذا والله الكلام المطبوع، لا الكلام المصنوع.
"العقد الفريد ١: ١٢٢، ومروج الذهب ٢: ١٤٨"
стр. 1448
٣٨٩- وفود كعب الأشقري على الحجاج:
أوفد المهلب بن أبي صفرة كعب بن معدان الأشقري -ومعه مرة بن تليد الأزدي- إلى الحجاج بعد هزيمة الأزارقة، وقتل أميرهم عبد ربه الصغير؛ فلما دخلا عليه بدر كعب فأنشده قصيدته التي مطلعها:
يا حفص إني عداني عنكم السفر. ... وقد سرت فآذى عيني السهر
فقال له الحجاج أشاعر أم خطيب؟ قال: كلاهما، ثم أقبل عليه، فقال له:
أخبرني عن بني المهلب، قال: "المغيرة فارسهم وسيدهم، نار ذاكية١، وصعدة٢ عالية، وكفى بيزيد فارسًا شجاعًا، ليث غاب، وبحر جم عباب، وجوادهم وسخيهم قبيصة، ليث المغار٣،وحامي الذمار، ولا يستحيي الشجاع أن يفر من مدرك؛ فكيف لا يفر من الموت الحاضر، والأسد الخادر؟ وعبد الملك سم ناقع، وسيف قاطع، وحبيب الموت الزعاف، إنما هو طود شامخ، وفخر باذخ٤، وأبو عيينة البطل الهمام، والسيف الحسام، وكفاك بالمفضل نجدة، ليث هدار، وبحر موار٥، ومحمد ليث غاب، وحسام ضراب، قال: فكيف كانوا فيكم؟ قال: كانوا حماة السرح نهارًا، فإذا أَلْيَلُوا٦ ففرسان البيات، قال: فأيهم كان أنجد؟ قال: كانوا كالحلقة المفرغة: لا يُدرى أين طرفها، قال: فكيف كان لكم المهلب وكنتم له؟ قال: كان لنا منه شفقة الوالد، وله منا برُّ الولد، قال: فكيف جماعة الناس؟ قال: على أحسن حال، أدركوا ما رجوا، وأمنوا مما خافوا، وأرضاهم العدل، وأغناهم النفل٧، قال: فكيف كنتم أنتم وعدوكم؟ قال: كنا إذا أخذنا عَفَوْنا، وإذا أخذُوا يئسنا منهم،
стр. 1449
وإذا اجتهدوا واجتهدنا طمعنا فيهم، فقال الحجاج: إن العاقبة للمتقين، قال: كيف أفلتكم قطري؟ قال: كدناه ببعض ما كادنا به، فصرنا منه إلى الذي نحب، قال: فهلا اتبعتموه؟ قال: كان الحد عندنا آثر من الفل١، قال: أكنت أعددت لي هذا الجواب؟ قال: لا يعلم الغيب إلا الله؛ فقال: هكذا تكون والله الرجال، المهلب كان أعلم بك حيث وجهك، وأمر له بعشرة آلاف درهم، وحمله على فرس، وأوفده على عبد الملك بن مروان؛ فأمر له بعشرة آلاف أخرى.
"الكامل للمبرد ٢: ٢٣٢، والأغاني ١٣: ٥٥، وشرح ابن أبي الحديد م١ ص٤٠٥، وزهر الآداب ٣: ٩٣".
стр. 1450
٣٩٠- سليك بن سلكة والحجاج:
دخل على الحجاج سليك بن سلكة١، فقال:
"أصلح الله الأمير! أعرني سمعك، واغضض عني بصرك، واكفف عني حزبك؛ فإن سمعت خطأ أو زللًا فدونك والعقوبة، فقال: قل، فقال: عصى عاصٍ من عُرْض العشيرة، فَحُلِّق على اسمي، وهُدِمت داري، وحُرِمتُ عطائي، قال: هيهات، أما سمعت قول الشاعر:
جانيك من يجني عليك وربما ... تعدي الصحاحُ مبارِكُ الجُرْب٢
ولرب مأخوذ بذنب عَشِيرِه ... ونجا المقارف صاحب الذنب
стр. 1451
قال أصلح الله الأمير، سمعت الله قال غير هذا، قال: وما ذاك؟ قال: قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ .
قال الحجاج: علي بيزيد بن أبي مسلم١؛ فأتي به فمثُل بين يديه، فقال: فكك لهذا عن اسمه، واصكك٢ له بعطائه، وابن له منزله، ومر مناديًا ينادي في الناس، صدق الله، وكذب الشاعر.
"العقد الفريد ٣: ٦"
стр. 1452
٣٩١- جامع المحاربي والحجاج:
شكا الحجاج سوء طاعة أهل العراق. وتنقم مذهبهم، وتسخط طريقتهم، قال له جامع المحاربي -وكان شيخًا صالحًا خطيبًا لسنًا-: "أما إنهم لو أحبوك لأطاعوك، على أنهم ما شنئوك لنسبك، ولا لبلدك، ولا لذات نفسك، دع ما يبعدهم منك، إلى ما يقربهم إليك، والتمس العافية ممن دونك، تعطها ممن فوقك، ولكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك. قال الحجاج: "إني والله ما أرى أن أرد بني اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف"، فقال "أيها الأمير، إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار"، فقال الحجاج: "الخيار يومئذ لله"، قال: "أجل؛ ولكن لا تدر لمن يجعله الله"، فغضب الحجاج وقال: "الخيار يومئذ لله"، قال: "أجل، ولكن لا تدري لمن يجعله الله"، فغضب الحجاج وقال: "يا هناه١ إنك من محارب"، فقال جامع:
وللحرب سمينًا، وكان محاربًا ... إذا ما القنا أمسى من الطعن أحمرا
стр. 1453
فقال الحجاج: "والله لهممت أن أخلع لسانك، فأضرب به وجهك"، فقال جامع: "إن صدقناك أغضبناك، وإن غششناك أغضبنا الله، فغضب الأمير أهون علينا من غضب الله" قال: أجل وسكن، وشغل الحجاج ببعض الأمر؛ فانسل جامع، فمر بين صفوف خيل الشام، حتى جاوز إلى خيل أهل العراق- وكان الحجاج لا يخلِطهم فأبصر كبكبة١ فيها جماعة من بكر العراق، وتميم العراق، وأزد العراق، وقيس العراق؛ فلما رأوه اشرأبوا إليه، وبلغهم خروجه، فقالوا له: ما عندك؟ دافع الله لنا عن نفسك، فقال: ويحكم! عموه بالخلع كما يعمكم بالعدواة، ودعوا التعاديَ ما عاداكم؛ فإذا ظفرتم به تراجعتم وتعاقبتم، أيها التميمي: هو أعدى لك من الأزدي، وأيها القيسي: هو أعدى لك من التغلبي، وهل ظفر بمن ناوأه منكم إلا بمن بقي معه منكم؟ " وهرب جامع من فوره ذلك إلى الشام، فاستجار بزفر بن الحارث.
"البيان والتبيين ٢: ٦٨، والعقد الفريد ٢: ١٥١ - ١: ١٥٢، وعيون الأخبار م٢ ص: ٢١٢، وزهر الآداب ٣: ٢٣٠".
стр. 1454
٣٩٢- ليلى الأخيلية والحجاج:
عن مولى لعنبسة بن سعيد بن العاص قال:
كنت أدخل مع عنبسة بن سعيد بن العاص إذا دخل على الحجاج، فدخل يومًا، فدخلت إليهما، وليس عند الحجاج أحد إلا عنبسة، فأقعدني، فجيء الحجاج بطبق فيه رطب، فأخذ الخادم منه شيئًا فجاءني به، ثم جيء بطبق آخر، حتى كثرت الأطباق، وجعل لا يأتون بشيء إلا جاءني منه بشيء، حتى ظننت أن ما بين يدي أكثر مما عندهما، ثم جاء الحاجب فقال: امرأة بالباب، فقال له الحجاج: أدخلها، فدخلت؛ فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه، حتى ظننت أن ذقنه قد أصاب الأرض، فجاءت حتى قعدت
стр. 1455
بين يديه، فنظرت فإذا امرأة قد أسنت، حسنة الخلق، ومعها جاريتان لها، وإذا هي ليلى الأخيلية؛ فسألها الحجاج عن نسبها، فانتسبت له، فقال لها: يا ليلى، ما أتى بك؟ فقالت: "إخلاف النجوم١، وقالة الغيوم، وكلب البرد٢، وشدة الجهد، وكنت لنا بعد الله الرفد٣" فقال لها: صفي لنا الفجاج٤، فقالت: "الفجاج مغبرَّة والأرض مقشعرَّة، والمبرك٥ معتلّ، وذو العيال مختلّ٦، والهالك للقلّ٧، والناس مسنتون٨، رحمة الله يرجون، أصابتنا سنون مجحفة مبلطة٩، لم تدع لنا هبعًا ولا ربعًا١٠، ولا عافطة ولا نافطة١١، أذهبتِ الأموال، ومزقتِ الرجال، وأهلكتِ العيال"، ثم قالت: إني قلتُ في الأمير قولًا، قال: هاتي، فأنشأت تقول:
أحجاجُ لا يفلل سلاحك، إنها الـ ... منايا بكف الله حيث تراها١٢
أحجاجُ لا تعطِ العصاة مناهم ... ولا الله يعطي للعصاة مناها
إذا هبط الحجاج أرضًا مريضة ... تنبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها
سقاها فرواها بشرب سجاله ... دماء رجال حيث مال حشاها١٣
стр. 1456
إذا سمع الحجاج رز كتيبة ... أعد لها قبل النزول قراها١
أعد لها مسمومة فارسية ... بأيدي رجال يحلبون صراها٢
فما ولد الأبكار والعون مثله ... ببحر ولا أرض يجفء ثراها٣
قال: فلما قالت هذا البيت، قال الحجاج: قاتلها الله! والله ما أصاب صفتي شاعر مذ دخلت العراق غيرها، ثم التفت إلى عنبسة بن سعيد، فقال: والله إني لأعد للأمر عسى أن لا يكون أبدًا، ثم التفت إليها فقال: حسبك! قالت: إني قد قلت أكثر من هذا قال: حسبك ويحك! حسبك، ثم قال: يا غلام اذهب إلى فلان قل له: اقطع لسانها، فذهب بها، فقال له: يقول لك الأمير: اقطع لسانها، فأمر بإحضار الحجام، فالتفتت إليه، فقالت: ثكتك أمك! أما سمعت ما قال؟ إنما أمرك أن تقطع لساني بالصلة، فبعث إليه يستثبته، فاستشاط الحجاج غضبًا، وهم بقطع لسانه، وقال: ارددها؛ فلما دخلت عليه، قالت: كاد وأمانة الله يقطع مِقْوَلِي! ثم أنشأت تقول:
حجاج أنت الذي ما فوقه أحد ... إلا الخليفة والمستغفَرُ الصَّمَدُ٤
حجاجُ أنت شهاب الحرب إن لقحت ... وأنت للناس نورٌ في الدجَى يَقِدُ٥
ثم أقبل الحجاج على جلسائه، فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيها الأمير؛ إلا أنا لم نر قط أفصح لسانًا، ولا أحسن محاورة، ولا أملح وجهًا، ولا أرصن شعرًا منها، فقال: هذه ليلي الأخيلية، والتي مات توبةُ الخفاجي من حبها، ثم التفت إليها فقال: أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة، قالت: نعم أيها الأمير هو الذي يقول:
وهل تبكِيَنْ ليلى إذا متُّ قبلها ... وقام على قبري النساءُ النوائح؟
стр. 1457
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها ... وجاد لها دمع من العين سافح١
وأغبط من ليلى بما لا أناله ... بلى كل ما قرت به العين طائح
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني جندل وصفائح٢
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح٣
فقال: زيدينا من شعره يا ليلى، قالت: هو الذي يقول:
حمامة بطن الوادييْن ترنمي ... سقاك من الغر الغوادي مطيرها٤
أبيني لنا لا زال ريشك ناعما ... ولا زلت في خضراء غض نضيرها
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها
وقد رابني منها صدود رأيته ... وإعراضها عن حاجتي وبسورها٥
وأشرِفُ بالقور اليفاع لعلني ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها٦
يقول رجال: لا يضيرك نأيها ... بلى، كل ما شف النفوس يضيرها
بلى، قد يضير العين أن تكثر البكا ... ويمنع منها نومها وسرورها
وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
فقال الحجاج: يا ليلى، ما الذي رابه من سفورك؟ فقالت: أيها الأمير، كان يلم بي كثيرًا، فأرسل إلي يومًا: إني آتيك، وفطن الحيّ، فأرصدوا له، فلما أتاني سفرت عن وجهي، فعلم أن ذلك لشر، فلم يزد على التسليم والرجوع، فقال: لله درك!
стр. 1458
فهل رأيت منه شيئًا تكرهينه؟ فقالت: لا والله الذي أساله أن يصلحك، إنه قال مرة قولًا ظننت أنه قد خضع لبعض الأمر؛ فأنشأت أقول:
وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل
فلا والله الذي أسأله أن يصلحك، ما رأيت منه شيئًا، حتى فرق الموت بيني وبينه، قال: ثم مه؟ قالت: ثم لم يلبث أن خرج في غزاة له؛ فأوصى ابن عم له، إذا أتيت الحاضر من بني عبادة فناد بأعلى صوتك:
عفا الله عنها، هل أبيتن ليلة ... من الدهر لا يسري إلي خيالها؟
وأنا أقول:
وعنه عفا ربي وأحسن حاله ... فعزت علينا حاجة لا ينالها
قال: ثم مه؟ قالت: ثم لم يلبث أن مات؛ فأتانا نعيُه، فقال: أنشدينا بعض مراثيك فيه، فأنشدت:
لتبك العذارى من خفاجة نسوة ... بماء شئون العبرة المتحدر١
قال لها: فأنشدينا، فأنشدته:
كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ ... قلائص يفصحن الحصى بالكراكر٢
فلما فرغت من القصيدة، قال محصن الفقعسي: -وكان من جلساء الحجاج-
стр. 1459
من الذي تقول هذه هذا فيه؟ فوالله إني لأظنها كاذبة؛ فنظرت إليه، ثم قالت: أيها الأمير إن هذا القائل لو رأى توبة لسَرَّهُ أن لا تكون في داره عذراء إلا هي حامل منه، فقال الحجاج: هذا وأبيك الجواب، وقد كنت عنه غنيًّا، ثم قال لها: سلي يا ليلى تعطيْ، قالت: أعطِ؛ فمثلُك أعطى فأحسَنَ، قال: لك عشرون، قالت: زد فمثلُك زاد فأجمَلَ، قال: لك أربعون، قالت: زد؛ فمثلُك زاد فأكمَلَ، قال: لك ثمانون، قالت: زِد، فمثلُك زاد فتمم، قال: لك مائة، واعلمي أنها غنم، قالت: معاذ الله أيها الأمير، أنت أجود جودًا، وأمجد مجدًا، وأوى زندًا، من أن تجعلها غنمًا، قال: فما هي؟ ويحك يا ليلى؟ قالت: مائة من الإبل برعاتها، فأمر لها بها، ثم قال: ألك حاجة بعدها؟ قالت: تدفع إلي النابغة الجعدي، قال: قد فعلت، وقد كانت تهجوه ويهجوها، فبلغ النابغة ذلك، فخرج هاربًا عائذًا بعبد الملك، فاتبعته إلى الشام، فهرب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان، فاتبعته على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة، فماتت بقومس١، ويقال بحلوان.
"الأمالي ١: ٨٦، وزهر الآداب ٣: ٢٦٥"
стр. 1460
٣٩٣- الغضبان بن القبعثري والحجاج:
ورد على الحجاج كتاب من عبد الملك، يأمره أن يبعث إليه بثلاثين جارية، عشرًا من النجائب، وعشرًا من قَعَد النكاح، وعشرًا من ذوات الأحلام؛ فلما نظر إلى الكتاب لم يدر ما وصفه من الجواري؛ فعرضه على أصحابه فلم يعرفوه، فقال له بعضهم: أصلح الله الأمير، ينبغي أن يعرف هذا من كان في أوليه بدويًّا، فله معرفة أهل البدو، ثم غزا فله معرفة أهل الغزو، ثم شرب الشراب؛ فله بذاء أهل الشراب، قال: وأين هذا؟ قيل: في حبسك، قال: ومن هو؟ قيل الغضبان الشيباني، فأُحضِر
стр. 1461
فلما مثل بين يديه، قال: أنت القائل لأهل الكوفة يتغدون بي قبل أن أتعشى بهم١؟ قال: أصلح الله الأمير: ما نفعت من قالها، ولا ضرت من قيلت فيه، قال: إن أمير المؤمنين كتب إلي كتابًا لم أدر ما فيه؛ فهل عندك شيء منه؟ قال: يقرأ علي؛ فقرئ عليه، قال: هذا بَيِّنٌ. قال: وما هو؟ قال: "أما النجيبة من النساء: فالتي عظمت هامتها، وطال عنقها، وبعد ما بين منكبيها وثدييها، واتسعت راحتها، وتخنت ركبتها؛ فهذه إذا جاءت بالولد جاءت به كالليث؛ وأما قعد النكاح؛ فهن ذوات الأعجاز، منكسرات الثدي، كثيرات اللحم يقرب بعضهن من بعض، فأولئك يشنين القَرِم٢ ويرْ وِبن الظمآن؛ وأما ذوات الأحلام، فبنات خمس وثلاثين إلى الأربعين٣.
قال الحجاج: أخبرني بشرِّ النساء، قال: أصلح الله الأمير: شرهن الصغيرة النقبة٤، الحديدة الركبة، السريعة الوثبة، الواسطة٥ في نساء الحي، التي إذا غضبت غضب لها مائة، وإذا سمعت كلمة قالت لا والله لا أنتهي حتى أقرها قرارها، التي في بطنها جارية، ويتبعها جارية، وفي حجرها جارية، قال الحجاج: على هذه لعنة الله، ثم قال: ويحك، فأخبرني بخير النساء، قال: خيرهن القريبة القامة من السماء الكثيرة الأخذ من الأرض، الودود الولود، التي في بطنها غلام، وفي حجرها غلام، ويتبعها غلام، قال: ويحك فأخبرني بشر الرجال، قال: شرهم السنوط الربوط٦، المحمود في حرم الحي، الذي إذا سقط لإحداهن دلو في بئر انحط عليه حتى يخرجه،
стр. 1462
فهن زينة الخير، ويقلن عافى الله فلانًا، قال: على هذا لعنة الله، فأخبرني بخير الرجال؟ قال: خيرهم الذي يقول فيه الشماخ التغلبي:
فتى ليس بالراضي بأدنى معيشة ... ولا في بيوت الحي بالمتولج١
فتى يملأ الشيزى ويُروي سنانه ... ويضرب في رأس الكمي المدجج٢
فقال له: حسبك، كم حبسنا عطاءك؟ قال: ثلاث سنين، فأمر له بها وخلى سبيله.
"مروج الذهب ٢: ١٤٧"
стр. 1463
٣٩٤- ابن القرّية يعدد مساوئ المزاح:
وقال الحجاج بن يوسف لابن القرّية: ما زالت الحكماء تكره المزاح وتنهى عنه، فقال: "المزاح من أدنى منزلته إلى أقصاها عشرة أبواب: المزاح أوله فرح وآخره ترح، المزاح نقائض السفهاء كالشعر نقائض الشعراء، والمزاح يوغر صدر الصديق، وينفر الرفيق، والمزاح يبدي السرائر؛ لأنه يظهر المعاير، والمزاح يسقط المروءة، ويبدي الخنا، لم يجرَّ المزاح خيرًا وكثيرًا ما جرَّ شرًّا، الغالب بالمزاح واتر، والمغلوب به ثائر، والمزاح يجلب الشتم صغيرُه، والحربَ كبيرُه، وليس بعد الحرب إلا عفو بعد قدرة"، فقال الحجاج: "حسبك، الموت خيرٌ من عفوٍ معه قدرة".
"زهر الآداب ٢: ٨٥"
стр. 1464
٣٩٥- يزيد بن أبي مسلم وسليمان بن عبد الملك:
لما ولي سليمان بن عبد الملك، أتي بيزيد بن أبي مسلم: مولى الحجاج، في جامعة١، وكان رجلًا دميمًا تقتحمه٢ العين؛ فلما رآه سليمان قال: لعن الله امرأ أجرك رسنك٣، وولى مثلك، فقال: يا أمير المؤمنين، إنك رأيتني والأمر عني مدبر، ولو رأيتني والأمر علي مقبل، لاستعظمت من أمري ما استصغرت، ولاستجللت ما استحقرت، فقال له سليمان: "أين ترى الحجاج، أيهوي في النار، أم قد استقر في قعرها؟ "، فقال: "يا أمير المؤمنين: لا تقل هذا، إن الحجاج قمع لكم الأعداء، ووطأ لكم المنابر، وزرع لكم الهيبة في قلوب الناس، وبعد فإنه يأتي يوم القيامة عن يمين أبيك، وشمال أخيك الوليد، فضعه من النار حيث شئت"، فصاح سليمان: اخرج إلى لعنة الله، ثم التفت إلى جلسائه، فقال: قبحه الله ما كان أحسن ترتيبه لنفسه ولصاحبه، ولقد أحسن المكافأة، أطلقوا سبيله.
"أمالي السيد المرتضى ١: ٢١٥، والعقد الفريد ١: ١٥٠، ومروج الذهب ٢: ١٦٤، والبيان والتبيين ١: ٢١٠"
стр. 1465
٣٩٦- وفود العراق على سليمان بن عبد الملك:
وقدمت وفود العراق على سليمان بن عد الملك بعد ما استخلف؛ فأمرهم بشتم الحجاج، فقاموا يشتمونه، فقال بعضهم: "إن عدو الله الحجاج كان عبدًا زبابًا١، قنور بن قنور٢ لا نسب له في العرب" قال سليمان: أي شتم هذا! إن عدو الله
стр. 1466
الحجاج كتب إلي: "إنما أنت نقطة من مداد، فإن رأيت في ما رأى أبوك وأخوك كنت لك كما كنت لهما؛ وإلا فأنا الحجاج وأنت النقط’، فإن شئت محوتك، وإن شت أثبتك" فالعنوه لعنه الله، فأقبل الناس يلعنونه، فقام ابن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري فقال: "يا أمير المؤمنين، إنا نخبرك عن عدو الله بعلم" قال: هات، قال: "كان عدو الله يتزين تزين المومسة١، ويصعد المنبر فيتكلم بكلام الأخيار، فإذا نزل عمل عمل الفراعنة، وأكذب في حديثه من الدجال"، فقال سليمان لرجاء بن حيوة: "هذا وأبيك الشتم، لا ما تأتي به السفلة٢".
"البيان والتبيين ١: ٢١١"
стр. 1467
٣٩٧- كلام أبي حازم لسليمان بن عبد الملك:
حج سليمان بن عبد الملك؛ فلما قدِمَ المدينة للزيارة بعث إلى أبي حازم الأعرج، وعنده ابن شهاب؛ فلما دخل قال: تكلم يا أبا حازم. قال: فيم أتكلم يا أمير المؤمنين؟ قال: في المخرج من هذا الأمر قال: يسير إن أنت فعلته قال: وما ذاك؟ قال: لا تأخذ الأشياء إلا من حلها، ولا تضعها إلا في أهلها قال: ومن يقوى على ذلك؟ قال: من قلده الله من أمر الرعية ما قلدك، قال: عظني أبا حازم قال: اعلم أن هذا الأمر لم يصر إليك إلا بموت من كان قبلك، وهو خارج من يديك بمثل ما صار إليك. قال: يا أبا حازم أشر علي، قال إنما أنت سوق، فما نفق١عندك حمل إليك من خير أو شر، فاختر أيهما شئت قال: مالك لا تأتينا؟ قال: وما أصنع بإتيانك يا أمير المؤمنين؟ إن أدنيتني فتنتني، وإن أقصيتني أخزيتني، وليس عندك ما أرجوك له، ولا عندي
стр. 1468
ما أخافك عليه: قال: فارفع إلينا حاجتك. قال: قد رفعتها إلى من هو أقدر منك عليها، فما أعطاني منها قبلت، وما منعني منها رضيت.
"العقد الفريد ١: ٣٠٦، والبيان والتبيين ٣: ٧٢"
стр. 1469
٣٩٨- أبو حازم وسليمان بن عبد الملك أيضًا:
ودخل عليه أبو حازم الأعرج، فقال: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنكم عمرتم دنياكم، وأخربتم آخرتكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب، قال: فأخبرني، كيف القدوم على الله؟ قال: أما المحسن؛ فكالغائب يأتي أهله مسرورًا؟ وأما المسيء فكالعبد الآبق١ يأتي مولاه محزونًا، قال: فأي الأعمال أفضل؟ قال: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم، قال: فأي القول أعدل؟ قال: كلمة حق عند من تخاف وترجو، قال: فأي الناس أعقل، قال: من عمل بطاعة الله، قال: فأي الناس أجهل؟ قال: من باع آخرته بدنيا غيره، قال: عظني وأوجز، قال: يا أمير المؤمنين، نزه ربك، وعظمه أن يراك حيث نهاك، أو يفقد حيث أمرك؛ فبكى سليمان بكاء شديدًا، فقال له بعض جلسائه: أسرفت ويحك على أمير المؤمنين، فقال له أبو حازم: اسكت فإن الله أخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه، ثم خرج فلما صار إلى منزله بعث إليه سليمان بمال، فرده وقال للرسول: قل له: والله يا أمير المؤمنين ما أرضاه لك، فكيف أرضاه لنفسي؟
"مروج الذهب ٢: ١٦٤، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص١٤٧"
стр. 1470
٣٩٩- وفد أهل الحجاز عند عمر بن عبد العزيز:
لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁؛ قدم عليه وفود أهل كل بلد، فتقدم إليه وفد أهل الحجاز؛ فاشرأب منهم غلام للكلام، فقال عمر: مهلًا يا غلام، ليتكلم من هو أسن منك، فقال الغلام: مهلًا يا أمير المؤمنين؛ إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح الله العبد لسانًا لافظًا، وقلبًا حافظًا؛ فقد استجاد له الحلية، ولو كان التقدم بالسن لكان في هذه الأمة من هو أحق بمجلسك منك، فقال عمر: صدقت، تكلم، فهذا السحر الحلال، فقال: يا أمير المؤمنين، نحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة١، قدمنا إليك من بلدنا، نحمد الله الذي من بك علينا، لم يخرجنا إليك رغبة ولا رهبة، لأنا قد أمنا في أيامك ما خفنا وأدركنا ما طلبنا، فقال: عظنا يا غلام وأوجز، قال: نعم يا أمير المؤمنين، إن أناسا غرهم حلم الله عنهم، وطول أملهم، وحسن ثناء الناس عليهم، فلا يغرنك حلم الله عنك، وطول أملك، وحسن ثناء الناس عليك، فتزل قدمك، فنظر عمر في سن الغلام، فإذا هو قد أتت عليه بضع عشرة سنة٢، فأنشأ عمر يقول:
تعلم فليس المرء يولد عالمًا ... وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل
"مروج الذهب ٢: ١٦٩، وزهر الآداب ١: ٩"
стр. 1471
٤٠٠- خالد بن صفوان يعزي عمر بن عبد العزيز ويهنئه:
وعزى خالد بن صفوان عمر بن عبد العزيز وهنأه بالخلافة، فقال:
"الحمد لله الذي من على الخلق بك، والحمد لله الذي جعل موتكم رحمة، وخلافتكم عصمة، ومصائبكم أسوة، وجعلكم قدوة"
"زهر الآداب ٣: ٣٤٧"
стр. 1472
٤٠١- خطبة عبد الله بن الأهتم:
دخل عبد الله بن الأهتم على عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- مع العامة؛ فلم يفجأ عمر إلا وهو ماثل بين يديه يتكلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد، فإن الله خلق الخلق، غنيًا عن طاعتهم، آمنًا من معصيتهم، والناس يومئذ في المنازل والرأي مختلفون، والعرب بشر تلك المنازل، أهل الوتر وأهل المدر، تحتاز دونهم طيبات الدنيا ورفاغة١ عيشتها، ميتهم في النار، وحبهم أعمى، مع ما لا يحصى من المرغوب عنه، والمزهود فيه؛ فلما أراد الله أن ينشر فيهم رحمته، بعث إليهم رسولًا منهم ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ؛ فلم يمنعهم ذلك أن جرحوه في جسمه، ولقبوه في اسمه٢، ومعه كتاب من الله لا يرحل إلا بأمره ولا ينزل إلا بإذنه، واضطروه إلى بطن غار؛ فلما أمر بالعزيمة أسفر لأمر الله لونه، فأفلج٣ الله حجته، وأعلى كلمته، وأظهر دعوته، ففارق الدنيا نقيًا، صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم قام بعده أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فسلك سنته وأخذ سبيله، وارتدت العرب فلم يقبل منهم بعد رسول الله ﷺ إلا الذي كان قابلًا منهم،
стр. 1473
فانتضى السيوف من أغمادها، وأوقد النيران من شعلها، ثم ركب بأهل الحق أهل الباطل؛ فلم يبرح يفصل أوصالهم، ويُسقِي الأرض دماءهم، حتى أدخلهم في الذي خرجوا منه، وقررهم بالذي نفروا منه، وقد كان أصاب من مال الله بكرًا١ يرتوي عليه، وحبشية ترضع ولدًا له، فرأى ذلك غصة عند موته في حلقه؛ فأدى ذلك إلى الخليفة من بعده، وبرئ إليهم منه، وفارق الدنيا نقيًا تقيًا، على منهاج صاحبه، ﵁. ثم قام من بعده عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فمصر الأمصار؛ وخلط الشدة باللين، فحسر عن ذراعيه، وشمر عن ساقيه، وأعد للأمور أقرانها٢، وللحرب آلتها؛ فلما أصابه قِنّ٣ المغيرة بن شعبة، أمر ابن عباس يسأل الناس: هل يثبتون قاتله؟ فلما قيل له قن المغيرة، استهل٤ بحمد الله أن لا يكون أصابه ذو حق في الفيء، فيستحل دمه بما استحل من حقه، وقد كان أصاب من مال الله بضعًا وثمانين ألفًا، فكسر بها رباعه٥، وكره بها كفالة أهله وولده، فأدى ذلك إلى الخليفة من بعده، وفارق الدنيا نقيًا تقيًا على منهاج صاحبه، رضي الله تعالى عنهما، ثم إنا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ظُلَّع٦، ثم إنك يا عمر ابن الدنيا، ولدتك ملوكها، وألقمتك ثديها؛ فلما وليتها ألقيتها حيث ألقاها الله؛ فالحمد له الذي جلا بك حوبتها٧، وكشف بك كربتها، امض ولا تلتفت؛ فإنه لا يذل على الحق شيء، ولا يعز على الباطل شيء، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات"، ولما أن قال: "ثم إنا والله اجتمعنا بعدهما إلا على ظلع" سكت الناس كلهم إلا هشامًا فإنه قال: "كذبت".
"البيان والتبيين ٢: ٥٩. والعقد الفريد ٢: ١٤٣. وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم ص١٠٩ وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص١٣٦".
стр. 1474
٤٠٢- مقام محمد بن كعب القرظي بين يدي عمر بن عبد العزيز:
قام محمد بن كعب القرظي بين يدي عمر بن عبد العزيز، فقال:
"إنما الدنيا سوق من الأسواق؛ فمنها خرج الناس بما ينفعهم وبما يضرهم، وكم نقوم قد غرهم مثل الذي أصبحنا فيه، حتى أتاهم الموت فاستوعبهم، فخرجوا من الدنيا مرملين١، لم يأخذوا لما أحبوا من الآخرة عدة، ولا لما كرهوا جنة، واقتسم ما جمعوا من لم يحمدهم، وصاروا إلى من لا يعذرهم؛ فانظر الذي تحب أن يكون معك إذا قدمت، فقدمه بين يديك حى تخرج إليه، وانظر الذي تكره أن يكون معك إذا قدمت، فابتغ به البدل، حيث يجوز البدل، ولا تذهبن إلى سلعة قد بارت على غيرك، ترجو جوازها عنك. يا أمير المؤمنين، افتح الأبواب، وسهل الحجاب، وانصر المظلوم، ورد الظالم".
"عيون الخبار م٢ ص٣٤٣، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص١٣٤"
стр. 1475
٤٠٣- وفد أهل الحجاز على هشام بن عبد الملك:
وفد أهل الحجاز من قريش على هشام بن عبد الملك بن مروان، وفيهم محمد ابن أبي الجهم١ بن حذيفة العدوي، وكان أعظمهم قدرا، وأكبرهم سنا، وأفضلهم رأيًا وحلمًا، فقام متوكئًا على عصا، فقال:
أصلح الله أمير المؤمنين، إن خطباء قريش قد قالت فيك فأطنبت، وأثنت عليك فأحسنت، ووالله ما بلغ قائلهم قدرك، ولا أحصى مثنيهم فضلك، أفتأذن لي في الكلام؟ قال: تكلم، قال: أفأوجز أم أطنب؟ قال: بل أوجز، قال: "تولاك الله أمير المؤمنين