← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

٤٠٠- خالد بن صفوان يعزي عمر بن عبد العزيز ويهنئه: وعزى خالد بن صفوان عمر بن عبد العزيز وهنأه بالخلافة، فقال: "الحمد لله الذي من على الخلق بك، والحمد لله الذي جعل موتكم رحمة، وخلافتكم عصمة، ومصائبكم أسوة، وجعلكم قدوة" "زهر الآداب ٣: ٣٤٧"

стр. 1472

٤٠١- خطبة عبد الله بن الأهتم: دخل عبد الله بن الأهتم على عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- مع العامة؛ فلم يفجأ عمر إلا وهو ماثل بين يديه يتكلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فإن الله خلق الخلق، غنيًا عن طاعتهم، آمنًا من معصيتهم، والناس يومئذ في المنازل والرأي مختلفون، والعرب بشر تلك المنازل، أهل الوتر وأهل المدر، تحتاز دونهم طيبات الدنيا ورفاغة١ عيشتها، ميتهم في النار، وحبهم أعمى، مع ما لا يحصى من المرغوب عنه، والمزهود فيه؛ فلما أراد الله أن ينشر فيهم رحمته، بعث إليهم رسولًا منهم ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ؛ فلم يمنعهم ذلك أن جرحوه في جسمه، ولقبوه في اسمه٢، ومعه كتاب من الله لا يرحل إلا بأمره ولا ينزل إلا بإذنه، واضطروه إلى بطن غار؛ فلما أمر بالعزيمة أسفر لأمر الله لونه، فأفلج٣ الله حجته، وأعلى كلمته، وأظهر دعوته، ففارق الدنيا نقيًا، صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم قام بعده أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فسلك سنته وأخذ سبيله، وارتدت العرب فلم يقبل منهم بعد رسول الله ﷺ إلا الذي كان قابلًا منهم،

стр. 1473

فانتضى السيوف من أغمادها، وأوقد النيران من شعلها، ثم ركب بأهل الحق أهل الباطل؛ فلم يبرح يفصل أوصالهم، ويُسقِي الأرض دماءهم، حتى أدخلهم في الذي خرجوا منه، وقررهم بالذي نفروا منه، وقد كان أصاب من مال الله بكرًا١ يرتوي عليه، وحبشية ترضع ولدًا له، فرأى ذلك غصة عند موته في حلقه؛ فأدى ذلك إلى الخليفة من بعده، وبرئ إليهم منه، وفارق الدنيا نقيًا تقيًا، على منهاج صاحبه، ﵁. ثم قام من بعده عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فمصر الأمصار؛ وخلط الشدة باللين، فحسر عن ذراعيه، وشمر عن ساقيه، وأعد للأمور أقرانها٢، وللحرب آلتها؛ فلما أصابه قِنّ٣ المغيرة بن شعبة، أمر ابن عباس يسأل الناس: هل يثبتون قاتله؟ فلما قيل له قن المغيرة، استهل٤ بحمد الله أن لا يكون أصابه ذو حق في الفيء، فيستحل دمه بما استحل من حقه، وقد كان أصاب من مال الله بضعًا وثمانين ألفًا، فكسر بها رباعه٥، وكره بها كفالة أهله وولده، فأدى ذلك إلى الخليفة من بعده، وفارق الدنيا نقيًا تقيًا على منهاج صاحبه، رضي الله تعالى عنهما، ثم إنا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ظُلَّع٦، ثم إنك يا عمر ابن الدنيا، ولدتك ملوكها، وألقمتك ثديها؛ فلما وليتها ألقيتها حيث ألقاها الله؛ فالحمد له الذي جلا بك حوبتها٧، وكشف بك كربتها، امض ولا تلتفت؛ فإنه لا يذل على الحق شيء، ولا يعز على الباطل شيء، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات"، ولما أن قال: "ثم إنا والله اجتمعنا بعدهما إلا على ظلع" سكت الناس كلهم إلا هشامًا فإنه قال: "كذبت". "البيان والتبيين ٢: ٥٩. والعقد الفريد ٢: ١٤٣. وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم ص١٠٩ وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص١٣٦".

стр. 1474

٤٠٢- مقام محمد بن كعب القرظي بين يدي عمر بن عبد العزيز: قام محمد بن كعب القرظي بين يدي عمر بن عبد العزيز، فقال: "إنما الدنيا سوق من الأسواق؛ فمنها خرج الناس بما ينفعهم وبما يضرهم، وكم نقوم قد غرهم مثل الذي أصبحنا فيه، حتى أتاهم الموت فاستوعبهم، فخرجوا من الدنيا مرملين١، لم يأخذوا لما أحبوا من الآخرة عدة، ولا لما كرهوا جنة، واقتسم ما جمعوا من لم يحمدهم، وصاروا إلى من لا يعذرهم؛ فانظر الذي تحب أن يكون معك إذا قدمت، فقدمه بين يديك حى تخرج إليه، وانظر الذي تكره أن يكون معك إذا قدمت، فابتغ به البدل، حيث يجوز البدل، ولا تذهبن إلى سلعة قد بارت على غيرك، ترجو جوازها عنك. يا أمير المؤمنين، افتح الأبواب، وسهل الحجاب، وانصر المظلوم، ورد الظالم". "عيون الخبار م٢ ص٣٤٣، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص١٣٤"

стр. 1475

٤٠٣- وفد أهل الحجاز على هشام بن عبد الملك: وفد أهل الحجاز من قريش على هشام بن عبد الملك بن مروان، وفيهم محمد ابن أبي الجهم١ بن حذيفة العدوي، وكان أعظمهم قدرا، وأكبرهم سنا، وأفضلهم رأيًا وحلمًا، فقام متوكئًا على عصا، فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، إن خطباء قريش قد قالت فيك فأطنبت، وأثنت عليك فأحسنت، ووالله ما بلغ قائلهم قدرك، ولا أحصى مثنيهم فضلك، أفتأذن لي في الكلام؟ قال: تكلم، قال: أفأوجز أم أطنب؟ قال: بل أوجز، قال: "تولاك الله أمير المؤمنين

стр. 1476

بالحسنى، وزينك بالتقوى، وجمع لك خير الآخرة والأولى، إن لي حوائج أفأذكرها؟ قال: هاتها، قال: كبرت سني، وضعفت قواي، واشتدت حاجتي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسري، وينفي فقري"، قال: يا ابن أبي الجهم، وما الذي يجبر كسرك، وينفي فقرك؟ قال: ألف دينار، وألف دينار، وألف دينار، فأطرق هشام طويلا، ثم قال: هيهات يا بن أبي الجهم، بيت المال لا يحتمل ما سألت! فقال: أما إن الأمر لواحد؛ ولكن الله آثرك لمجلسك، فإن تعطنا فحقنا أديت، وإن تمنعنا نسأل الذي بيده ما حويت، إن الله جعل العطاء محبة، والمنع مبغضة، ولأن أحبك أحب إلي من أن أبغضك، قال: فألف دينار لماذا؟ قال: أقضي بها دينًا قد حم١ قضاؤه، وفدحني٢ حمله، وأرهقني٣ أهله، قال: نعم المسلك أسلكتها، دينًا قضيت، وأمانة أديت، وألف دينار لماذا؟ قال: أزوج بها من أدرك من ولدي، فأشد بهم عضدي ويكثر بهم عددي قال: ولا بأس أغضضت طرفًا، وحصنت فرجا، وأمرت٤ نسلًا، وألف دينار لماذا؟ قال: أشتري بها أرضًا يعيش بها ولدي، وأستعين بفضلها على نوائب دهري، وتكون ذخرًا لمن بعدي، قال: ولا بأس، أردت ذخرًا، ورجوت أجرًا، ووصلت رحما، قد أمرنا لك بما سألت، قال: فالمحمود الله على ذلك، وجزاك الله يا أمير المؤمنين والرحم خيرا، وخرج، فقال هشام: تالله ما رأيت رجلا ألطف في سؤال، ولا أرفق في مقال من هذا، هكذا فليكن القرشي، وإنا لنعرف الحق إذا نزل، ونكره الإسراف والبخل، وما نعطي تبذيرًا، ولا نمنع تقتيرًا، وما نحن إلا خزان الله في بلاده، وأمناؤه على عباده، فإن أذن أعطينا، وإذا منع أبينا؛ ولو كان كل قائل يصدق، وكل سائل يستحق، ما جبهنا٥ قائلًا، ولا رددنا سائلًا، فنسأل الذي بيده ما استحفظنا أن يجريه على أيدينا، فإنه يبسط الرزق لمن يشاء

стр. 1477

ويقدر١، إنه كان بعباده خبيرًا بصيرًا، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لقد تكلمت فأبلغت، وما بلغ في كلامه ما قصصت، فقال: إنه مبتدي، وليس المبتدي كالمقتدي. "صبح الأعشى ١: ٢٦٤، والأمالي ١: ١٤٧، والعقد الفريد ٢: ٢٨٥"

стр. 1478

٤٠٤- مقام خالد بن صفوان بين يدي هشام: قال خالد بن صفوان: وفدت على هشام فوجدته قد بدأ يشرب الدهن؛ وذلك في عام باكر وسميه، وتتابع وليه١، وأخذت الأرض زخرفها، فهي كالزرابي٢ المبثوثة، والقباطي٣ المنشوة، وثراها كالكافور، ولو وضعت به بضعة٤ لم تُترب٥، وقد ضربت له سرادقات حبر٦، بعث بها إليه يوسف بن عمر من اليمن، تتلألأ كالعقيان٧؛ فأرسل إلي، فدخلت عليه، ولم أنزل واقفًا، ثم نظر إلي كالمستنطق لي؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، أتم الله عليك نعمه، ودفع عنك نقمه، وجعل ما قلدك من هذا الأمر رشدًا، وعاقبة ما يئول إليه حمدًا، وأخلصه لك بالتقى، وكثرة لك بالنما ولا كدر عليك منه ما صفا، ولا خالط سروره بالردى؛ فلقد أصبحت للمؤمنين ثقة ومستراحًا، إليك يقصدون في مظالمه، ويفزعون في أمورهم، هذا مقام زين الله به ذكري، وأطاب به بشري٨، إذ أراني وجه أمير المؤمنين، ولا أرى لمقامي هذا شيئًا هو أفضل من أن أنبه أمير المؤمنين لفضل نعمة الله عليه، ليحمد الله على ما أعطاه،

стр. 1479

ولا شيء أحضر من حديث سلف لملك من ملوك العجم، إن أذن لي فيه حدثته به، قال: هات، قلت: "كان رجل من ملوك الأعاجم جمع له فتاء١ السن، وصحة الطباع، وسعة الملك، وكثرة المال، وذلك بالخورنق؛ فأشرف يومًا، فنظر ما حوله، فقال لمن حضره: هل علمتم أحدًا أوتي مثل الذي أوتيت؟ فقال رجل من بقايا حملة الحجة: إن أذنت لي تكلمت. قال: قل، فقال: أرأيت ما جمع لك، أشيء هو لك، لم يزل ولا يزول، أم هو شيء كان لمن قبلك زال عنه، وصار إليك، وكذلك يزول عنك؟ قال: لا بل شيء كان لمن قبلن فزال عنه، وصار إلي، وكذلك يزول عني، قال: فسررت شيء تذهب لذته، وتبقى تبعته، تكون فيه قليلًا، وترتهن به طويلًا؟ فبكى وقال: أين المهرب؟ قال إلى أحد أمرين: إما أن تقيم في ملك؛ فتعمل فيه بطاعة ربك، وإما أن تلقي عليك أمساحًا٢، ثم تلحق بجبل، تعبد فيه ربك. حتى يأتي عليك أجلك، قال: فمالي إذا أنا فعلت ذلك؟ قال: حياة لا تموت، وشباب لا يهرم، وصحة لا تسقم، وملك جديد لا يبلى، قال: فإذا كان السحر فاقرع علي بابي، فإني مختار أحد الرأيين، فإن اخترت ما أنا فيه، كنت وزيرًا لا يعصى، وإن اخترت فلوات الأرض وقفر البلاد، كنت رفيقا لا يخالف، فقرع عليه عند السحر بابه، فإذا هو قد وضع تاجه، وخلع أطماره، ولبس أمساحه، وتهيأ للسياحة، فلزما والله الجبل، حتى أتاهما أجلهما"، وأنشده قول عدي بن زيد: وتفكر رب الخورنق ... إذ أصبح يومًا وللهدى تفكير سره حاله وكثرة ... ما يملك والبحر معرضًا والسدير٣ فارعوى قلبه، فقال: ... وما غبطة حي إلى الممات يصير؟ ٤ فبكى هشام وقام ودخل، فقال لي حاجبه: لقد كسبت نفسك شرا، دعاك أمير المؤمنين

стр. 1480

لتحدثه وتلهيه، وقد عرفت علته، فما زدت على أن نعيت إليه نفسه؛ فأقمت أيامًا أتوقع الشر، ثم أتاني حاجبه، قال: قد أمر لك بجائزة، وأذن لك في الانصراف. "عيون الأخبار م٢: ص٣٤١؛ الأغاني ٢: ٣٣"

стр. 1481

٤٠٥- خالد بن صفوان يصف جريرًا والفرزدق والأخطل: قال هشام بن عبد الملك لشيبة بن عقال -وعنده جرير والفرزدق والأخطل، وهو يومئذ أمير- ألا تخبرني عن هؤلاء الذين قد مزقوا أعراضهم، وهتكوا أستارهم، وأغروا بين عشائرهم، في غير خير ولا بر ولا نفع، أيهم أشعر؟ فقال شيبة: "أما جرير فيغرف من بحر، وأما الفرزدق فينحت من صخر، وأما الأخطل فيجيد المدح والفخ"، فقال هشام: ما فسرت لنا شيئًا نحصله، فقال: ما عندي غير ما قلت. فقال لخالد بن صفوان: صفهم لنا يابن الأهتم؛ فقال: "أما أعظمهم فخرًا، وأبعدهم ذكرًا، وأحسنهم عذرا، وأسيرهم مثلًا، وأقلهم غزلًا، وأحلاهم عللًا، الطامي إذا زخر، والحامي إذا زأر١، والسامي إذا خطر، الذي إن هدر قال، وإن خطر سال، الفصيح اللسان، الطويل العنان، فالفرزدق؛ وأما أحسنهم نعتًا، وأمدحهم بيتًا، وأقلهم فوتًا، الذي إن هجا وضع، وإن مدح رفع، فالأخطل؛ وأما أغزرهم بحرًا، وأرقهم شعرا، وأهتكهم لعدوه سترًا، الأغر الأبلق، الذي إن طلب لم يسبق، وإن طلب لم يلحق، فجرير، وكلهم ذكي الفؤاد، رفيع العماد، واري الزناد". فقال له مسلمة بن عبد الملك: ما سمعنا بمثلك يا خالد في الأولين، ولا رأينا الآخرين، وأشهد أنك أحسنهم وصفا، وألينهم عطفًا، وأعفهم مقالًا، وأكرمهم فعلًا". فقال خالد: "أتم الله عليكم نعمه، وأجزل لديكم قسمه، وآنس بكم الغربة،

стр. 1482

وفرج بكم الكربة، وأنت والله ما علمت أيها الأمير كريم الغراس، عالم بالناس، جواد في المحل١، بسام في البذل، حليم عند الطيش، في ذروة قريش، ولباب عبد شمس، ويومك خير من أمس". فضحك هشام وقال: "ما رأيت كتخلصك يابن صفوان في مدح هؤلاء ووصفهم، حتى أرضيتهم جميعا، وسلمت منهم". "الأغاني ٧: ٦٩، وزهر الآداب ٢: ٢٦٣"

стр. 1483

٤٠٦- خالد بن صفوان وبلال بن أبي بردة: قال أبو المنذر هشام بن محمد السائب الكلبي: كان بلال بن أبي بردة١ جلدًا حين ابتلي، أحضره يوسف بن عمر في قيوده، لبعض الأمر، وهم بالحيرة؛ فقام خالد بن صفوان، فقال ليوسف: "أيها الأمير، إن عدو الله بلالًا ضربني وحبسني، ولم أفارق جماعة، ولا خلعت يدًا من طاعة"، ثم التفت إلى بلال فقال: "الحمد لله الذي أزال سلطانك، وهد أركانك، وأزال جمالك، وغير حالك، فوالله لقد كنت شديد الحجاب، مستخفًا بالشريف، مظهرًا للعصبية٢". فقال بلال: "يا خالد، إنما استطلت علي بثلاث، هن معك علي، الأمير مقبل عليك، وهو عني معرض؛ وأنت مطلق، وأنا مأسور؛ وأنت في طينتك وأنا غريب"، فأفحمه. وكان سبب ضرب بلال خالدًا في ولايته، أن بلالًا مر بخالد في موكب عظيم، فقال خالد: سحابة صيف عن قليل تقشع٣، فسمعه بلال، فقال: والله لا تقشع أو يصببك منها شؤبوب٤ برد، وأمر بضربه وحبسه. "زهر الآداب ٣: ١٩٠"

стр. 1484

٤٠٧- خطبة الكميت بن زيد بين يدي هشام يستعطفه: روى صاحب العقد قال: كان الكميت بن زيد الأسدي يمدح بني هاشم ويعرض ببني أمية؛ فطلبه هشام، فهرب منه عشرين سنة١، لا يستقر به القرار، من خوف هشام، وكان مسلمة بن عبد الملك له على هشام حاجة في كل يوم يقضيها له، ولا يرده فيها؛ فلما خرج مسلمة يومًا إلى بعض صيوده، أتى الناس يسلمون عليه، وأتاه الكميت بن زيد فيمن أتى، فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أما بعد: قف بالديار وقوف زائر ... وتأن إنك غير صاغر٢ حتى انتهى إلى قوله: يا مسلم بن أبي الوليد ... لميتٍ إن شئت ناشر٣ علقت حبالي من حبا ... لك ذمة الجار المجاور فالآن صرت إلى أمية، ... والأمور إلى المصاير والآن كنت به المصيب ... كمهتد، بالأمس حائر فقال مسلمة: سبحان الله! من هذا الهندكي٤ الجلحاب٥، الذي أقبل من أخريات الناس، فبدأ بالسلام، ثم أما بعد، ثم الشعر؟ قيل له: هذا الكميت بن زيد، فأعجب به لفصاحته وبلاغته، فسأله مسلمة عن خبره، وما كان فيه طول غيبته، فذكر له سخط أمير المؤمنين عليه، فضمن له مسلمة أمانه، وتوجه به حتى أدخله على هشام -وهشام لا يعرفه- فقال الكميت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته،

стр. 1485

الحمد لله، قال هشام: نعم. الحمد لله، ما هذا؟ قال الكميت: مبتدئ الحمد ومبتدعه، الذي خص بالحمد نفسه، وأمر به ملائكته، جعله فاتحة كتابه، ومنتهى شكره، وكلام أهل جنته، أحمده حمد من علم يقينًا، وأبصر مستبينًا، وأشهد له بما شهد به لنفسه "قائمًا بالقسط١" وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه العربي، ورسولُه الأميّ، أرسله والناس في هفوات حيرة، ومدلهمات ظلمة، عند استمرار أبهة٢ الضلال؛ فبلغ عن الله ما أمر به، ونصح لأمته، وجاهد في سبيله، وعَبَدَ ربَّه، حتى أتاه اليقين، ﷺ . ثم إني يا أمير المؤمنين، تهت في حيرة، وحرت في سكرة، ادلأم٣ بي خطرها، وأهاب٤ بي داعيها، وأجابني غاويها، فاقطوطيت٥ إلى الضلالة، وتسكعت٦ في الظلمة والجهالة، جائرًا عن الحق، قائلًا بغير صدق؛ فهذا مقام العائذ٧، ومنطق التائب، ومبصر الهدى بعد طول العمى، يا أمير المؤمنين كم من عاثر أقلتم عثرته، ومجترم٨ عفوتم عن جرمه". فقال له هشام -وأيقن أنه الكميت- ويحك! من سن لك الغواية، وأهاب بك في العماية٩؟ قال: الذي أخرج أبي آدم من الجنة: فنسي ولم يجد له عزمًا، وأمير المؤمنين كريح رحمة أثارت سحابًا متفرقًا، فلفقت١٠ بعضه إلى بعض، حتى التحم فاستحكم هدرُ١١ رعده، وتلألؤ برقه، فنزل الأرض فرويت، واخضلت١٢

стр. 1486

واخضرت، وأسقيت، فروي ظمآنها، وامتلأ عطشانها؛ فكذلك نعدك أنت يا أمير المؤمنين، أضاء الله بك الظلمة الداجية١ بعد العموس٢ فيها، وحقن بك دماء قوم أشعر خوفك قلوبهم٣، فهم يبكون لما يعلمون من حزمك وبصيرتك، وقد علموا أنك الحرب وابن الحرب إذا احمرت الحدق، وعضت المغافير٤ بالهام، عز بأسك، واستربط جأشك٥، مسعار هتان، وكاف٦ بصير بالأعداء، مغري الخيل بالنكراء٧، مستغن برأيه عن رأي ذوي الألباب، برأي أريب، وحلم مصيب؛ فأطال الله لأمير المؤمنين البقاء، وتمم عليه النعماء، ودفع به الأعداء"، فرضي عنه هشام وأمر له بجائزة. وروى صاحب الأغاني خطبة الكميت٨ فقال:

стр. 1487

حمد الله، وأثنى عليه، وصلى على نبيه ثم قال: "أما بعد: فإني كنت أتدهدى، في غمرة،١ وأعوم في بحر غواية، أخنى علي خطلها، واستفزني وهلها٢، فتحيرت في الضلالة، وتسكعت في الجهالة، مهرعًا عن الحق، جائرًا عن القصد، أقول الباطل ضلالًا، وأفوه بالبهتان وبالًا، وهذا مقام العائذ، مبصر الهدى، ورافض العماية؛ فاغسل عني يا أمير المؤمنين الحوبة٣ بالتوبة، واصفح عن الزلة، واعف عن الجرمة٤"، ثم قال: كم قال قائلكم لعًا ... لك عند عثرته لعاثر٥ وغفرتم لذوي الذنوب ... من الأكابر والأصاغر

стр. 1488

أبني أمية: إنكم ... أهل الوسائل والأوامر ثقتي لكل ملمة ... وعشيرتي دون العشائر أنتم معادن للخلافة ... كابرًا من بعد كابر بالتسعة المتتابعين ... خلائفًا وبخير عاشر١ وإلى القيامة لا تزال ... لشافع منكم وواتر ثم قطع الإنشاد، وعاد إلى خطبته فقال: "إغضاء أمير المؤمنين وسماحته وصباحته٢، ومناط المنتجعين بحبله، من لا تحل حبوته لإساءة المذنبين، فضلًا عن استشاطة غضبه بجهل الجاهلين، فقال له: ويلك يا كميت! من زين لك الغواية، ودلاك في العماية؟ قال: الذي أخرج أبانا من الجنة، وأنساه العهد؛ فلم يجد له عزمًا" فرضي عنه، وأمر له بجائزة "العقد الفريد ١: ١٥٤، والأغاني ١٥: ١١٣"

стр. 1489

٤٠٨- مخاصمة عدي بن أرطأة لامرأته عند شريح القاضي: دخل عدي بن أرطأة على شريح١القاضي يخاصم امرأة له؛ فقال: السلام عليكم، قال: وعليكم، قال: استمع مني، قال: قل أسمع، قال: إني رجل من أهل الشام، قال: من مكان سحيق، قال: وإني قدمت إلى بلدكم هذا، قال: خير مقدم، قال: وإني تزوجت امرأة، قال: بالرفاء٢ والبنين، قال: وإنها ولدت غلامًا، قال: ليهنك الفارس، قال: وقد كنت شرطت لها صداقها، قال: الشرط أملك، قال:

стр. 1490

وقد أردت الخروج بها إلى بلدي، قال: الرجل أحق بأهله، قال: ناقض بيننا. قال: قد فعلت، قال: فعلى من حكمت؟ قال: على ابن أمك، قال: بشهادة من؟ قال بشهادة ابن أخت خالتك. "البيان والتبيين ٣: ٢٣٤، ووفيات الأعيان ١: ٢٢٤"

стр. 1491

٤٠٩- كلمة لعمرو بن عتبة بن أبي سفيان: وقد تشاح بنو هاشم، وبنو أمية في ميراث بينهم عن سفيان بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان قال: وقع ميراث بين بني هاشم وبين بني أمية، تشاحوا فيه، وتضايقوا؛ فلما تفرقوا أقبل علينا أبونا عمرو، فقال: "يا بني: إن لقريش درجًا تزل عنها أقدام الرجال، وأفعالًا تخشع لها رقاب الأموال، وغايات تقصر عنها الجياد المسومة١، وألسنا تك عنها الشفار المشحوذة ولو اختلفت الدنيا ما تزينت إلا بهم، ولو كانت لهم ضاقت بسعة أخلاقهم، ثم إنه ليخيل إلى أن منهم ناسًا تخلقوا بأخلاق العوام؛ فصار لهم رفق في اللؤم، وخرق٢ في الحر، ولو أمكنهم لقاسموا الطير في أرزاقها، إن خافوا مكروها تعجلوا له الفقر، وإن عجلت لهم نعمة أخروا عليها الشكر، أولئك أنضاء٣ الفكر، وعجزة حملة الشكر" "الأمالي ٢: ٢٣٨، والعقد الفريد ٢: ٤٠"

стр. 1492

٤١٠- خطبة دينار: وكان سماك بن عبيد العبسي في حصار نهاوند "سنة ٢١هـ" أسر رجلًا من أهلها يسمى دينار فأتى -حذيفة بن اليمان فصالحه على الخراج- فنسبت إليها ماه. وكان يواصل سماكا ويهدي له ويوافي الكوفة؛ كلما كان عمله إلى عامل الكوفة فقدم الكوفة في إمارة معاوية فقام في الناس بالكوفة فقال: "يا معشر أهل الكوفة: أنتم أول ما مررتم بنا، كنتم خيار الناس، فعمرتم بذلك زمان عمر وعثمان؛ ثم تغيرتم وفشت فيكم خصال أربع: بخل وخِب١ وغدر وضيق، ولم يكن فيكم واحدة منهن، فرمقتكم فإذا ذلك في مولديكم؛ فعلمت من أين أتيتم، فإذا الخب من قبل النبط، والبخل من قبل فارس، والغدر من قبل خراسان، والضيق من قبل الأهواز". "تاريخ الطبري ٤: ٢٤٥"

стр. 1493

٤١١- رجل يمدح خالد بن عبد الله القسري: وقال رجل لخالد بن عبد الله القسري: "والله إنك لتبذل ما جل، وتجبر ما انفل، وتكثر ما قل، ففضلك بديع، ورأيك جميع، تحفظ ما شذ، وتؤلف ما ند". "زهر الآداب ٣: ١٦٧"

стр. 1494

خطب الخوارج وما يتصل بها: ٤١٢- خطبة حيان بن ظبيان السلمي: روى ابن جرير الطبري في تاريخه قال: كان حيان بن ظبيان السلمي يرى رأي الخوارج -وكان ممن ارتُثّ١ يوم النهروان؛ فعفا عنه علي ﵇، في الأربعمائة الذين كان عفا عنهم، من المرتثين يوم النهر- فكان في أهله وعشيرته: لبث شهرا أو نحوه، ثم إنه خرج إلى الري، في رجال كانوا يرون ذلك الرأي؛ فلم يزالوا مقيمين بالري حتى بلغهم قتل علي كرم الله وجهه، دعا أصحابه أولئك، وكانوا بضعة عشر رجلًا، فأتوه، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الإخوان من المسلمين: إنه قد بلغني أن أخاكم ابن ملجم أخا مراد قعد لقتل علي بن أبي طالب عند أغباش٢ الصبح، مقابل السدة٣ التي في المسجد مسجد الجماعة؛ فلم يبرح راكدًا ينتظر خروجه، حتى خرج عليه حين أقام المقيم الصلاة: صلاة الصبح، فشد عليه، فضرب رأسه بالسيف، فلم يبق إلا ليلتين حتى مات". فقال سالم بن ربيعة العبسي: لا يقطع الله يمينًا علت قَذَالَه٤ بالسيف؛ فأخذ القوم يحمدون الله على قتله ﵇، ورضي الله عنه ولا رضي عنهم ولا رحمهم، ثم إن حيان بن ظبيان قال لأصحابه:

стр. 1495

"إنه والله ما يبقى على الدهر باق، وما يلبث الليالي والأيام، والسنون والشهور على ابن آدم، حتى تذيقه الموت، فيفارق الأخوان الصالحين، ويدع الدنيا التي لا يبكي عليها إلا العجزة، ولم تزل ضارة لمن كانت له هما وشجنًا١، فانصرفوا بنا رحمكم الله إلى مصرنا، فلنأت إخواننا، فلندعهم إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإلى جهاد الأحزاب؛ فإنه لا عذر لنا في القعود، وولاتنا ظلمة، وسنة الهدى متروكة، وثأرنا٢ الذين قتلوا إخواننا في المجالس آمنون، فإن يظفرنا الله بهم نعمد بعد إلى التي هي أهدى وأرضى وأقوم، ويشفى الله بذلك صدور قوم مؤمنين، وإن نقتل فإن في مفارقة الظالمين راحة لنا، ولنا بأسلافنا أسوة". فقالوا له: كلنا قائل ما ذكرت، وحامد رأيك الذي رأيت، فرد بنا المصر، فإنا معك راضون بهداك وأمرك، فخرج وخرجوا معه مقبلين إلى الكوفة، حتى نزلها، فلم يزل بها حتى قدم معاوية، وبعث المغيرة بن شعبة واليا على الكوفة. "تاريخ الطبري ٦: ٩٩"

стр. 1496

ائتمار الخوارج مدخل ... ائتمار الخوارج: ثم إن الخوارج في أيام المغيرة فزعوا إلى ثلاثة نفر منهم: المستورد بن علفة التيمي، وحيان بن ظبيان السلمي، ومعاذ بن جوبن بن حصين الطائي؛ فاجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان، فتشاوروا فمين يولون عليهم، فقال لهم المستورد:

стр. 1497

٤١٣- مقال المستورد بن علفة: "يا أيها المسلمون والمؤمنون، أراكم الله ما تحبون، وعزل عنكم ما تكرهون، ولو عليكم من أحببتم؛ فوالذي يعلم خائنة الأعين١ وما تخفي الصدور، ما أبالي من كان الوالي علي منكم، وما شرف الدنيا نريد، وما إلى البقاء فيها من سبيل، وما نريد إلا الخلود في دار الخلود".

стр. 1498

٤١٤- مقال حيان بن ظبيان: فقال حيان بن ظبيان: "أما أنا فلا حاجة لي فيها، وأنا بك وبكل امرئ من إخواني راض؛ فانظروا من شئتم منكم فسموه، فأنا أول من يبايعه".

стр. 1499

٤١٥- مقال معاذ بن جوين: فقال لهم معاذ بن جوين: "إذا قلتما أنتما هذا، وأنتما سيد المسلمين، وذوا أنسابهم، في صلاحكما ودينكما وقدركما؛ فمن يرأس المسلمين؟ وليس كلكم يصلح لهذا الأمر؛ وإنما ينبغي أن يلي على المسلمين -إذا كانوا سواء في الفضل- أبصرهم بالحرب، وأفقههم في الدين، وأشدهم اضطلاعًا١ بما حمل، وأنتما بحمد الله ممن يُرتضَى لهذا الأمر؛ فليتوله أحدكما": قالا: فتوله أنت: فقد رضيناك، فأنت -والحمد لله- الكامل في دينك ورأيك، فقال لهما: أنتما أسن مني؛ فليتوله أحدكما، فقال حينئذ جماعة من حضر: قد رضينا بكم أيها الثلاثة، فولوا أيكم أحببتم، وكانت خاتمة ذلك النقاش أن بايعوا المستورد، واتعدوا أن يتجهزوا ويستعدوا، ثم يخرجوا هلال شعبان سنة ٤٣هـ "تاريخ الطبري ٦: ١٠٠"

стр. 1500

٤١٦- خطبة المغيرة بن شعبة أمير الكوفة يحذر أهلها من إيواء الخوراج ونصرتهم: ونمى إلى المغيرة بن شعبة أن الخوارج خارجة عليه؛ فقام في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فقد علمتم أيها الناس أني لم أزل أحب لجماعتكم العافية، وأكف عنكم الأذى، وإني والله لقد خشيت أن يكون ذلك أدب سوء لسفهائكم؛ فأما الحلماء الأتقياء فلا، وايم الله لقد خشيت أن لا أجد بدًا من أن يعصب الحليم التقي، بذنب

стр. 1501

السفيه الجاهل، فكفوا أيها الناس سفهاءكم، قبل أن يشمل البلاء عوامكم، وقد ذكر لي أن رجالًا منكم يريد أن يظهروا في المصر بالشقاق والخلاف، وايم الله لا يخرجون في حي من أحياء العرب في هذا المصر إلا أبدتهم، وجعلتهم نكالًا لمن بعدهم؛ فنظر قوم لأنفسهم قبل الندم، فقد قمت هذا المقام إرادة الحجة والإعذار". ثم نزل، وبعث إلى رؤساء الناس فدعاهم، ثم قال لهم: "إنه قد كان من الأمر ما قد علمتم، وقد قلت ما قد سمعتم؛ فليكفني كل امرئ من الرؤساء قومه؛ وإلا فوالذي لا إله غيره لأتحولن عما كنتم تعرفون، إلى ما تنكرون وعما تحبون إلى ما تكرهون، فلا يلم لائم إلا نفسه، وقد أعذر من أنذر". فخرجت الرؤساء إلى عشائرهم، فناشدوهم الله والإسلام إلا دلوهم على من يرون أنه يريد أن يهيج فتنة، أو يفارق جماعة، وجاء صعصعة بن صوحان، فقام في عبد القيس، فقال:

стр. 1502

٤١٧- خطبة صعصعة بن صوحان: "يا معشر عباد الله: إن الله -وله الحمد كثيرًا- لما قسم الفضل بين المسلمين خصكم منه بأحسن القسم؛ فأجبتم إلى دين الله، الذي اختاره الله لنفسه، وارتضاه لملائكته ورسله، ثم أقمتم عليه حتى قبض الله رسوله ﷺ ، ثم اختلف الناس بعده، فثبتت طائفة، وارتدت طائفة، وأدهنت طائفة، وتربصت طائفة، فلزمتم دين الله إيمانًا به وبرسوله، وقاتلتم المرتدين، حتى قام الدين، وأهلك الله الظالمين؛ فلم يزل الله يزيدكم بذلك خيرًا في كل شيء، وعلى كل حال، حتى اختلف الأمة بينها، فقالت طائفة: نريد طلحة والزبير وعائشة، وقالت طائفة: نريد أهل المغرب١، وقالت.

стр. 1503

طائفة: نريد عبد الله بن وهب الراسبي: راسب الأزد، وقلتم أنتم: لا نريد إلا أهل البيت، الذين ابتدأنا الله من قبلهم بالكرامة، تسديدًا من الله لكم وتوفيقًا؛ فلم تزالوا على الحق لازمين له، آخذين به، حتى أهلك الله بكم، وبمن كان على مثل هداكم ورأيكم الناكثين يوم الجمل، والمارقين يوم النهر، "وسكت عن ذكر أهل الشام لأن السلطان كان حينئذ سلطانهم"، ولا قوم أعدى لله ولكم، ولأهل بيت نبيك، ولجماعة المسلمين، من هذه المارقة الخاطئة، الذين فارقوا إمامنا١. واستحلوا دماءنا، وشهدوا علينا بالكفر؛ فإياكم أن تؤووهم في دوركم، أو تكتموا عليهم، فإنه ليس ينبغي لحي من أحياء العرب أن يكون أعدى لهذه المارقة منكم، وقد والله ذكر لي أن بعضهم في جانب من الحي، وأنا باحث عن ذلك وسائل، فإن كان حكي لي ذلك حقًا، تقربت إلى الله تعالى بدمائهم، فإن دماءهم حلال، ثم قال: يا معشر عبد القيس: إن ولاتنا هؤلاء هم أعرف شيء بكم وبرأيكم، فلا تجعلوا لهم عليكم سبيلًا، إنهم أسرع شيء إليكم وإلى أمثالكم". وأقبل أصحاب المستورد يأتونه، فليس منهم رجل إلا يخبره بما قام به المغيرة بن شعبة في الناس، وبما جاءهم رؤساؤهم وقاموا فيهم، وقالوا له: اخرج بنا فوالله ما نأمن أن نؤخذ في عشائرنا، فخرج بهم من الكوفة، ووجه المغيرة لقتالهم معقل بن قيس الرياحي؛ فلما علم المستورد بمسير معقل إليه جمع أصحابه. "تاريخ الطبري ٦: ١٠٦"

стр. 1504

٤١٨- خطبة المستورد: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: فإن هذا الخرف معقل بن قيس قد وجه إليكم، وهو من السبئية١ المفترين الكاذبين، وهو لله ولكم عدو؛ فأشيروا علي برأيكم" فقال له بعضهم: والله ما خرجنا نريد إلا الله، وجهاد من عادى الله، وقد جاءونا فأين نذهب عنهم؟ بل نقيم حتى يحكم الله بيننا وبينه وهو خير الحاكمين، وقالت طائفة أخرى: بل نعتزل ونتنحى، ندعو الناس ونحتج عليهم بالدعاء. فقال: "يا معشر المسلمين: إني والله ما خرجت ألتمس الدنيا، ولا ذكرها، ولا فخرها، ولا البقاء، وما أحب أنها لي بحذافيرها، وأضعاف ما يتنافس فيه منها بقبال٢ نعلي وما خرجت إلا التماس الشهادة، وأن يهديني الله إلى الكرامة، بهوان بعض أهل الضلالة؛ وإني قد نظرت فيما استشرتكم فيه؛ فرأيت أن لا أقيم لهم حتى يقدموا علي، وهم حامون متوافرون، ولكن رأيت أن أسير حتى أمعن؛ فإنهم إذا بلغهم ذلك خرجوا في طلبنا، فتقطعوا وتبددوا، فعلى تلك الحال ينبغي لنا قتالهم، فاخرجوا بنا على اسم الله ".

стр. 1505

فخرجوا فمضوا على شاطئ دجلة؛ فعبروه ومضوا في أرض جوخى، حتى بلغوا المذار فأقاموا فيها، وأقبل معقل بن قيس، فأقام بالمدائن ثلاثا، ثم جمع أصحابه، فقال: "تاريخ الطبري ٦: ١١٠"

стр. 1506

٤١٩- خطبة معقل بن قيس: "إن هؤلاء المارقة الضلال إنما خرجوا فذهبوا على وجوههم، إرادة أن تتعجلوا في آثارهم؛ فتتقطعوا وتتبددوا، ولا تلحقوا بهم إلا وقد تعبتم ونصبتم١، وإنه ليس شيء يدخل عليكم من ذلك إلا وقد يدخل عليهم مثله" فخرج في آثارهم حتى لحقهم بالمذار مقيمين. ودارت بينهما رحى الحرب بشدة، ودعا المستورد معقلًا للمبارزة فتبارزا، وطعنه المستورد حتى خرج سنان الرمح من ظهره، وضربه معقل بالسيف حتى خالط سيفه أم الدماغ؛ فوقع ميتًا، وقتل معقل، وشد أصحابه على الخوارج، فما لبثوهم أن قتلوهم. "تاريخ الطبري ٦: ١١١"

стр. 1507

٤٢٠- كلمات حكيمة للمستورد: كان المستورد يقول: إذا أفضيت بسري إلي صديقي فأفشاه لم ألمه؛ لأني كنت أولى بحفظه، ويقول: لا تفش إلى أحد سرًّا وإن كان مخلصًا إلا على جهة المشاورة، ويقول: كن أحرص على حفظ سر صاحبك، منك على حقن دمك، ويقول: أول ما يدل عليه عائب الناس معرفته بالعيوب، ولا يعيب إلا معيب، ويقول: المال غير باق عليك؛ فاشتر من الحمد ما يبقي عليك، ويقول: بذل المال في حقه استدعاء للمزيد من الجواد١، وكان يكثر أن يقول: لو ملكت الأرض بحذافيرها، ثم دعيت إلى أن أستفيد بها خطيئة ما فعلت. "الكامل للمبرد٢: ١٥٥، وشرح ابن أبي الحديد م١ ص٤٥٣".

стр. 1508

ائتمار الخوارج ثانية: ٤٢١- خطبة حيان بن ظبيان: فلما كانت سنة ٥٨هـ، جمع حيان بن ظبيان السلمي أصحابه إليه، ثم إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال لهم: "أما بعد، فإن الله كتب علينا الجهاد؛ فمنا من قضى نحبه١، ومنا من ينتظر، وأولئك الأبرار الفائزون بفضلهم، ومن يكن منا من ينتظر فهو من سلفنا القاضين نحبهم، السابقين بإحسان؛ فمن كان منكم يريد الله وثوابه، فليسلك سبيل أصحابه وإخوانه، يؤته الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، والله مع المحسنين".

стр. 1509

٤٢٢- خطبة معاذ بن جوين: قال معاذ بن جوبن الطائي: "يا أهل الإسلام: إنا والله لو علمنا أنا إذا تركنا جهاد الظلمة، وإنكار الجور، كان لنا به عند الله عذر؛ لكان تركه أيسر علينا وأخف من ركوبه، ولكنا قد علمنا واستيقنا أنه لا عذر لنا، وقد جعل لنا القلوب والأسماع، حتى ننكر الظلم، ونغير الجور، ونجاهد الظالمين". ثم قال ابسط يدك نبايعك؛ فبايعه، وبايعه القوم، فضربوا على يد حيان فبايعوه، وذلك في إمارة عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي١".

стр. 1510

ثم إن القوم اجتمعوا بعد ذلك بأيام إلى منزل معاذ بن جوين؛ فقال لهم حيان: عباد الله، أشيروا برأيكم، أين تأمرونني أن أخرج؟ فقال معاذ: إني أرى أن تسير بنا إلى حلوان١ حتى ننزلها؛ فإنها كورة بين السهل والجبل، وبين المصر والثغر -يعني بالثغر الري- فمن كان يرى رأينا من أهل المصر والثغر والجبل والسواد٢ لحق بنا.
следующие страницы →