٤١٩- خطبة معقل بن قيس:
"إن هؤلاء المارقة الضلال إنما خرجوا فذهبوا على وجوههم، إرادة أن تتعجلوا في آثارهم؛ فتتقطعوا وتتبددوا، ولا تلحقوا بهم إلا وقد تعبتم ونصبتم١، وإنه ليس شيء يدخل عليكم من ذلك إلا وقد يدخل عليهم مثله" فخرج في آثارهم حتى لحقهم بالمذار مقيمين.
ودارت بينهما رحى الحرب بشدة، ودعا المستورد معقلًا للمبارزة فتبارزا، وطعنه المستورد حتى خرج سنان الرمح من ظهره، وضربه معقل بالسيف حتى خالط سيفه أم الدماغ؛ فوقع ميتًا، وقتل معقل، وشد أصحابه على الخوارج، فما لبثوهم أن قتلوهم.
"تاريخ الطبري ٦: ١١١"
стр. 1507
٤٢٠- كلمات حكيمة للمستورد:
كان المستورد يقول: إذا أفضيت بسري إلي صديقي فأفشاه لم ألمه؛ لأني كنت أولى بحفظه، ويقول: لا تفش إلى أحد سرًّا وإن كان مخلصًا إلا على جهة المشاورة، ويقول: كن أحرص على حفظ سر صاحبك، منك على حقن دمك، ويقول: أول ما يدل عليه عائب الناس معرفته بالعيوب، ولا يعيب إلا معيب، ويقول: المال غير باق عليك؛ فاشتر من الحمد ما يبقي عليك، ويقول: بذل المال في حقه استدعاء للمزيد من الجواد١، وكان يكثر أن يقول: لو ملكت الأرض بحذافيرها، ثم دعيت إلى أن أستفيد بها خطيئة ما فعلت.
"الكامل للمبرد٢: ١٥٥، وشرح ابن أبي الحديد م١ ص٤٥٣".
стр. 1508
ائتمار الخوارج ثانية:
٤٢١- خطبة حيان بن ظبيان:
فلما كانت سنة ٥٨هـ، جمع حيان بن ظبيان السلمي أصحابه إليه، ثم إنه
حمد الله وأثنى عليه، ثم قال لهم:
"أما بعد، فإن الله كتب علينا الجهاد؛ فمنا من قضى نحبه١، ومنا من ينتظر، وأولئك الأبرار الفائزون بفضلهم، ومن يكن منا من ينتظر فهو من سلفنا القاضين نحبهم، السابقين بإحسان؛ فمن كان منكم يريد الله وثوابه، فليسلك سبيل أصحابه وإخوانه، يؤته الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، والله مع المحسنين".
стр. 1509
٤٢٢- خطبة معاذ بن جوين:
قال معاذ بن جوبن الطائي: "يا أهل الإسلام: إنا والله لو علمنا أنا إذا تركنا جهاد الظلمة، وإنكار الجور، كان لنا به عند الله عذر؛ لكان تركه أيسر علينا وأخف من ركوبه، ولكنا قد علمنا واستيقنا أنه لا عذر لنا، وقد جعل لنا القلوب والأسماع، حتى ننكر الظلم، ونغير الجور، ونجاهد الظالمين". ثم قال ابسط يدك نبايعك؛ فبايعه، وبايعه القوم، فضربوا على يد حيان فبايعوه، وذلك في إمارة عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي١".
стр. 1510
ثم إن القوم اجتمعوا بعد ذلك بأيام إلى منزل معاذ بن جوين؛ فقال لهم حيان:
عباد الله، أشيروا برأيكم، أين تأمرونني أن أخرج؟ فقال معاذ: إني أرى أن تسير بنا إلى حلوان١ حتى ننزلها؛ فإنها كورة بين السهل والجبل، وبين المصر والثغر -يعني بالثغر الري- فمن كان يرى رأينا من أهل المصر والثغر والجبل والسواد٢ لحق بنا.
стр. 1511
٤٢٣- رد حيان بن ظبيان:
فقال له حيان: "عدوك معاجلك قبل اجتماع الناس إليك، لعمري لا يتركونكم حتى يجتمعوا إليكم؛ ولكن قد رأيت أن أخرج معكم في جانب الكوفة والسبخة، أو زرارة٣ والحيرة، ثم نقاتلهم حتى نلحق بربنا؛ فإني والله لقد علمت أنكم لا تقدرون -وأنتم دون المائة رجل- أن تهزموا عدوكم، ولا أن يشتد نكايتكم فيهم؛ ولكن متى علم الله أنكم قد أجهدتم أنفسكم في جهاد عدوه وعدوكم، كان لكم به العذر، وخرجتم من الإثم" قالوا: رأينا رأيك.
стр. 1512
٤٣٤- مقال عتريس بن عرقوب:
فقال لهم عتريس بن عرقوب: ولكن لا أرى رأي جماعتكم؛ فانظروا في رأي لكم، إني لا إخالكم تجهلون معرفتي بالحرب، وتجربتي للأمور، فقالوا له: أجل، أنت كما ذكرت، فما رأيك؟ قال: ما أرى أن تخرجوا على الناس بالمصر، إنكم قليل في كثير، والله ما تزيدون على أن تحرزوهم١ أنفسكم، وتقروا أعينهم بقتلكم، وليس هكذا تكون المكايدة، إذا آثرتم أن تخرجوا على قومكم، فكيدوا عدوكم.
стр. 1513
ما يضرهم" قالوا: فما الرأي؟ قال: تسيرون إلى الكورة التي أشار بنزولها معاذ بن جوين، يعني حلوان، أو تسيرون بنا إلى عين التمر، فنقيم بها؛ فإذا سمع بنا إخواننا أتونا من كل جانب وأوب١".
стр. 1514
٤٢٥- رد حيان:
فقال له حيان: "إنك والله لو سرت بنا أنت وجميع أصحابك نحو أحد هذين الوجهين، ما اطمأننتم به حتى يلحق بكم خيول أهل المصر؛ فأنى تشفون أنفسكم؟ فوالله ما عدتكم بالكثيرة، التي ينبغي أن تطمعوا معها بالنصر في الدنيا على الظالمين المعتدين؛ فاخرجوا بجانب من مصركم هذا، فقاتلوا عن أمر الله من خالف طاعة الله، ولا تربصوا ولا تنتظروا؛ فإنكم إنما تبادرون بذلك إلى الجنة، وتخرجون أنفسكم بذلك من الفتنة" قالوا: أما إذا كان لا بد لنا، فإنا لن نخالفك، فاخرج حيث أحببت.
стр. 1515
٤٢٦- خطبة حيان:
ثم إن أصحاب حيان بن ظبيان اجتمعوا إليه؛ فقال لهم: يا قوم: إن الله قد جمعكم لخير، وعلى خير، والله الذي لا إله غيره ما سررت بشيء قط في الدنيا بعد ما أسلمت سروري لمخرجي هذا على الظلمة الأثمة؛ فوالله ما أحب أن الدنيا بحذافيرها لي، وأن الله حرمني في مخرجي هذا الشهادة، وإني قد رأيت أن نخرج حتى ننزل جانب دار جرير فإذا خرج إليكم الأحزاب ناجزتموهم".
فقال عتريس بن عرقوب: أما أن نقاتلهم في جوف المصر؛ فإنه يقاتلنا الرجال،
стр. 1516
وتصعد النساء والصبيان والإماء فيرموننا بالحجارة، فقال لهم رجل منهم: انزلوا بنا إذن من وراء المصر الجسر -وهو موضع زرارة؛ وإنما بنيت زرارة بعد ذلك إلا أبياتًا يسيرة كانت منها قبل ذلك- فقال لهم معاذ بن جوين: لا بل سيروا بنا فلننزل بانقيا١؛ فما أسرع ما يأتيكم عدوكم؛ فإذا كان ذلك استقبلنا القوم بوجوهنا، وجعلنا البيوت في ظهورها، فقاتلناهم من وجه واحد، فخرجوا؛ فبعث إليهم جيش، فَقُتِلُوا جميعًا.
"تاريخ الطبري ٦: ١٧٢"
стр. 1517
خطبة مسلم بن عويس حين خرج لقتال الأزارقة
...
٤٢٧- خطبة مسلم بن عبيس حين خرج لقتال الأزارقة:
لما ملك نافع بن الأزرق -زعيم الأزارقة١- بلاد الأهواز، وفشا عماله في السواد ارتاع لذلك أهل البصرة؛ فاجتمعوا إلى الأحنف بن قيس، فشكوا ذلك إليه، وقالوا: ليس بيننا وبين العدو إلا ليلتان، وسيرتهم ما ترى، فقال الأحنف: إن فعلهم في مصركم إن ظفروا به كفعلهم في سوادكم؛ فجدوا في جهاد عدوكم، فاجتمع إليه عشرة آلاف، فأتى عبد الله بن الحارث بن نوفل أمير البصرة؛ فسأله أن يؤمر عليهم فاختار لهم مسلم بن عبيس، وكان دَيِّنًا شجاعًا، فأمره عليهم وشيعه.
стр. 1518
فلما نفذ من جسر البصرة أقبل على الناس فقال: "إني ما خرجت لامتيار١ ذهب ولا فضة، وإني لأحارب قومًا إن ظفرت بهم فما وراءهم إلا سيوفهم ورماحهم؛ فمن كان شأنه الجهاد فلينهض، ومن أحب الحياة فليرجع".
فلما صاروا "بدولاب" خرج إليهم نافع، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وقتل في المعركة ابن عبيس وابن الأزرق سنة ٦٥هـ.
"الكامل المبرد ٢: ١٨٠"
стр. 1519
خطب المهلب بن أبي صفرة:
٤٢٨- خطبته في حث جنده على قتال الأزارقة:
وكان المهلب بن أبي صفرة -وهو على قتال الأزارقة- يأمر أصحابه بالتحرز ويخوفهم البيات، وإن بعد منهم العدو، ويقول: "احذروا أن تكادوا كما تكيدون، ولا تقولوا هزمنا وغلبنا؛ فإن القوم خائفون وجلون، والضرورة تفتح باب الحيلة، ثم قام فيهم خطيبًا فقال: "يا أيها الناس، إنكم قد عرفتم مذهب هؤلاء الخوارج، وأنهم إن قدروا عليكم فتنوكم في دينكم، وسفكوا دماءكم فقاتلوهم على ما قاتل عليه أولهم علي بن أبي طالب صلوات الله عليه؛ فقد لقيهم قبلكم الصابر المحتسب مسلم بن عبيس، والعجل المفرط عثمان بن عبيد الله١، والمعصيّ المخالف
стр. 1520
حارثة بن بدر؛ فقتلوا جميعًا وقتلوا؛ فالفوهم بجد وحد فإنما هم مهنتكم١ وعبيدكم، وعار عليكم، ونقص في أحسابكم وأديانكم أن يغلبكم هؤلاء على فيئكم، ويطئوا حريمكم".
"الكامل للمبرد ٢: ١٨٩؛ وشرح ابن أبي الحديد م١ ص: ٣٨٥"
стр. 1521
٤٢٩- خطبة أخرى له في جنده:
وخطب أصحابه، وقد مال الخوارج بأجمعهم على العسكر، وانهزم الناس بسولاف فقال:
"والله ما بكم من قلة، وما ذهب عنكم إلا أهل الجبن والضعف، والطمع والطبع١ ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ٢ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾
"الكامل للمبرد ٢: ١٩١، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٣٨٦"
стр. 1522
٤٣٠- نص آخر:
وروى الطبري خطبة المهلب في أصحابه يوم هزموا فقال:
ثم إن الخوارج شدت على الناس بأجمعها شدة منكرة؛ فأجفل الناس، وانصابوا١ منهزمين لا تلوي٢ أم على ولد؛ حتى بلغ البصرة هزيمة الناس! وخافوا السباء٣، وأسرع المهلب حتى سبقهم إلى مكان يفاع٤، في جانب عن سنن المنهزمين، ثم إنه نادى الناس: إلي إلي عباد الله؛ فثاب إليه جماعة من قومه؛ فاجتمع إليه منهم نحو من ثلاثة آلاف؛ فلما نظر إلى من قد اجتمع رضي جماعتهم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
стр. 1523
"أما بعد: فإن الله ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيهزمون، وينزل النصر على الجمع اليسير فيظهرون، ولعمري ما بكم الآن من قلة، إني لجماعتكم لراض، وإنكم لأنتم أهل الصبر وفرسان أهل المصر، وما أحب أن أحدًا ممن انهزم معكم؛ فإنهم لو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالًا١، عزمت على كل امرئ منكم لما أخذ عشرة أحجار٢، ثم امشوا بنا نحو عسكرهم؛ فإنهم الآن آمنون، وقد خرجت خيلهم في طلب إخوانكم؛ فوالله إني لأرجو ألا ترجع إليهم خيلهم، حتى تستبيحوا عسكرهم، وتقتلوا أميرهم".
"تاريخ الطبري ٧: ٨٨"
стр. 1524
خطبته في جنده وقد استخلف عليهم ابنه المغيرة
...
٤٣١- خطبته في جنده وقد استخلف عليهم ابنه المغير:
ولما كتب إليه مصعب بن الزبير أن اقدم علي، واستخلف ابنك المغيرة، جمع الناس فقال له: "إني قد استخلفت عليكم المغيرة، وهو أبو صغيركم: رقة ورحمة، وابن كبيركم: طاعة وبرًا وتبجيلًا، وأخو مثله: مواساة ومناصحة، فلتحسن له طاعتكم، وليلن له جانبكم، فوالله ما أردت صوابًا قط إلا سبقني إليه" ثم مضى إلى مصعب.
"الكامل للمبرد ٢: ١٩٨، ونهاية الأرب ٧: ٢٤٩، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٣٨٩".
стр. 1525
خطبة الزبير بن على في الأزارقة
...
٤٣٢- خطبة الزبير بن علي في الأزراقة:
وكان نافع بن الأزرق قبل قتله استخلف عبيد الله بن بشير بن الماحوز السليطي، وقتل ابن الماحوز يوم سلى وسلبرى١، فاجتمعت الخوارج بأرجان؛ فبايعوا الزبير بن علي السليطي، فرأى فيهم انكسارًا شديدًا، وضعفًا بينًا، فقال لهم: اجتمعوا.
فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على محمد ﷺ ، ثم أقبل عليهم فقال: "إن البلاء للمؤمنين تمحيص وأجر، وهو على الكافرين عقوبة وخزي، وإن يصب منكم أمير المؤمنين، فما صار إليه خير مما خلف، وقد أصبتم منهم مسلم ابن عبيس، وربيعا الأجذم٢، والحجاج بن باب وحارثة بن بدر، وأشجبتم المهلب، وقتلتم أخاه المعارك٣، والحجاج بن باب، وحارثة بن بدر، وأشجبتم المهلب، وقتلتم أخاه المعاك٣، والله يقول لإخوانكم من المؤمنين ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ فيوم سلى كان لكم بلاء وتمحيصًا، ويوم سولاف٤ كان لهم عقوبة ونكالًا؛ فلا تغلبن على الشكر في حينه، والصبر في وقته، وثقوا بأنكم المستخلفون في الأرض، والعاقبة للمتقين".
"الكامل للمبرد ٢: ١٩٦، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٣٨٨"
стр. 1526
٤٣٣- خطبة عتاب بن ورقاء الرياحي وقد طال عليه الحصار:
وانحط الزبير بن علي على أصفهان١؛ فحصر بها عتاب بن ورقاء الرياحي سبعة أشهر، وعتاب يحاربه في بعضهن؛ فلما طال به الحصار، وأصابه الجهد الشديد، دعا أصحابه؛ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد: أيها الناس ما نتظرون وقد أصابكم من الجهد ما قد ترون؟ فوالله إن٢ بقي مع هذا الحصار إلا أن يموت أحدكم على فراشه؛ فيجيء أخوه فيدفنه إن استطاع، وبالحري أن يضعف عن ذلك، ثم يموت هو، فلا يجد من يدفنه ولا يصلي عليه، فاتقوا الله؛ فوالله ما أنتم بالقليل الذين تهون شوكتهم على عدوهم، وإن فيكم لفرسان أهل المصر، وإنكم لصلحاء من أنتم منه، ولقد حاربتموه مرارًا فانتصفتم منهم اخرجوا بنا إلى هؤلاء القوم، وبكم حياة وقوة، قبل أن لا يستطيع رجل منكم أن يمشي إلى عدوه من الجهد، وقبل أن لا يستطيع رجل أن يمتنع من امرأة لو جاءته؛ فقاتل رجل عن نفسه وصبر وصدق، فوالله إني لأرجو إن صدقتموهم أن يظفركم الله بهم، وأن يظهركم عليهم.
فلما أصبح الغد صلى بهم الصبح، ثم خرج إلى الخوارج، وهم غارُّون؛ فلم يشعروا بهم حتى غشوهم، فقاتلوهم بجد لم ير الخوارج منهم مثله، فعقروا منهم خلقًا، وقتلوا رئيسهم الزبير بن علي، وانهزمت الخوارج.
ثم أدار الخوارج بينهم، فولوا عليهم قطري بن الفجاءة المازني وبايعوه
"تاريخ الطبري ٧: ١٦٦، والكامل للمبرد ٢: ٢٠٢، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٣٩١"
стр. 1527
٤٣٤- نصيحة عرهم العدوي لخالد بن عبد الله:
ولما بعث خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد١ أخاه عبد العزيز لقتال الأزارقة٢ قام إليه عرهم أخو بني العدوية، فقال:
"أصلح الله الأمير، إن هذا الحي من تميم تئط٣ بقريش منهم رحم دارسة ماسة، وإن الأزارقة ذؤبان العرب وسباعها، وليس صاحبهم إلا المباكر المناكر، المحرب٤ المجرب، الذي أرضعته الحرب بلبانها، وجرسته٥ وضرسته، وذلك أخو الأزد المهلب بن أبي صفرة، والله إن غثك أحب إلينا من سمينه؛ ولكني أخاف عدوات الدهر وغدره، وليس المجرب كمن لا يعلم، ولا الناصح المشفق، كالغاش المتهم"، قال له خالد: اسكت، ما أنت وذا؟ وقد هزمت الأزارفة عبد العزيز، وأحدوا امرأته٦ وفر عنها.
"ذيل الأمالي ص٣٣"
стр. 1528
٤٣٥- خطبة قطري بن الفجاءة: ١
وصعد قطري بن الفجاءة منبر الأزارقة؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: فإني أحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة٢، حفت٣ بالشهوات، وراقت٤ بالقليل، وتحببت بالعاجلة٥، وحليت٦ بالآمال، وتزينت بالغرور، لا تدوم حبرتها ٧، ولا تؤمن فجعتها، غرارة ضرارة، خوانة غدارة، وحائلة٨ زائلة، ونافذة٩ بائدة، أكالة غوالة١٠، بدالة نقالة، لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها، والرضا عنها، أن تكون كما قال الله تعالى: ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ
стр. 1529
السماء؛ فاختلط به نبات الأرض، فأصبح هشيمًا١ تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدرًا"، مع أن امرأ لم يكن منها في حبرة؛ إلا أعقبته بعدها عبر، ولم يلق من سرائها بطنًا، إلا منحته من ضرائها ظهرًا٢، ولم تطله غيثة٣ رخاء، إلا هطل٤ عليه مزنة بلاء، وحري إذا أصبحت له منتصرة، أن تمسي له خاذلة منكرة، وإن جانب منها اعذوذب واحلولى٥، أمر عليه منها جانب وأوبى٦، وإن آتت امرأ من غضارتها٧ ورفاهتها نعمًا، أرهقته من نوائبها تعبًا، ولم يمس امرؤ منها في جناح أمن؛ إلا أصبح منها على قوادم٨ خوف، غرارة غرور ما فيها، فانية، فانٍ ما عليها، لا خير في شيء من زادها إلا التقوى، من أقل منها استكثر مما يؤمنه، ومن استكثر منه استكثر مما يوبقه٩، ويطيل حزنه، ويبكي عينيه، كم واثق بها قد فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته١٠، وذي اختيال١١ فيها قد خدعته، وكم من
стр. 1530
ذي أبهة فيها قد صيرته حقيرًا، وذي نخوة قد ردته ذليلًا، وكم من ذي تاج قد كبته١ لليدين والفم، سلطانها دول؛ وعيشها رنق وعذبها أجاج، وحلوها صبر، وغذاؤها سمام٢ وأسبابها رمام٣، وقطاعها سلع٤، حبها بمرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعتها بعرض اهتضام، مليكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وسليمها منكوب، وجامعها محروب٥، مع أن وراء ذلك سكرات الموت، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ .
ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارًا، وأوضح منكم آثارًا، وأعد عديدًا، وأكثف جنودًا، وأعتد عتادًا٦، وأطول عمادًا، تعبدوا٧ للدنيا أي عبد! وآثروها أي إيثار وظعنوا عنها بالكره والصغار! فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكتهم بخطب٨؟ بل قد أرهقتهم بالفوادح٩، وضعضعتهم بالنوائب، وعقرتهم بالمصائب١٠، وقد رأيتم تنكرها.
стр. 1531
لمن دان١ لها، وأخلد إليها، حين ظعنوا عنها لفراق الأبد، إلى آخر المسند٢، هل زودتهم إلا السغب٣،وأحلتهم إلا الضنك، أو نورت لهم إلا الظلمة، أو أعقبتهم إلا الندامة؟ أفهذه تؤثرون، أم على هذه تحرصون، أم إليها تطمئنون؟ يقول الله جل ذكره: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ؛ فبئست الدار لمن لم يتهمها، ولم يكن فيها على وجل منها.
فاعلموا -وأنتم تعلمون- أنكم تاركوها لا بد؛ فإنما هي كما وصفها الله باللعب واللهو وقد قال الله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ ٤، واتعظوا فيها بالذين قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ ، حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانًا، وأنزلوا الأجداث فلا يدعون٥ ضيفانا، وجعل لهم من الصريح أكنان، ومن التراب أكفان، ومن الرفات جبران٦؛ فهم حيرة لا يجيبون داعيًا، ولا يمنعون ضيمًا، ولا يبالون مندبة٧، إن أخصبوا٨ لم يفرحوا، وإن قحطوا٩ لم يقنطوا، جمع وهم آحاد، وجبرة وهم آباد، متناهون لا يزورون ولا يزارون، حلماء قد ذهبت أضغانهم، وجهلاء
стр. 1532
قد ماتت أحقادهم، لا يخشى فجعهم، ولا يرجى دفعهم، وكما قال الله تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ ، استبدلوا بظهر الأرض بطنًا، وبالسعة ضيقًا، وبالأهل غربة، وبالنور ظلمة، ففارقوها كما دخلوها، حفاة عراة فرادى؛ غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة، وإلى خلود الأبد، يقول الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ فاحذروا ما حذركم الله، وانتفعوا بمواعظه، واعتصموا بحبله، عصمنا الله وإياكم بطاعته ورزقنا وإياكم أداء حقه".
"البيان والتبيين ١: ٦٣. وصبح الأعشى ١: ٢٢٣. والعقد الفريد ٢: ١٦٠. وعيون الأخبار م٢: ص٢٥٠. ونهاية الأرب ٧: ٢٥٠. ونهج البلاغة ١: ١٢٢. دستور معالم الحكم ص٥١"
стр. 1533
٤٣٦- خطبة عبد ربه الصغير:
ولما دبت عقارب الخلاف بين الأزارقة، ولعبت بهم يد الشقاق، خلعوا قطري بن الفجاءة، وولوا عبد ربه الصغير، فانفصل إلى عبد ربه أكثر من١ الشطر، ونشبت الحرب بينه وبين المهلب؛ فأجلت الوقعة عنه قتيلًا، وقد جمع أصحابه في الليلة التي قتل في صبيحتها، فقال:
"يا معشر المهاجرين: إن قطريًا وعبيدة٢ هربًا طلب البقاء، ولا سبيل إليه؛ فالقوا عدوكم، فإن غلبوكم على الحياة، فلا يغلبنكم على الموت، فتلقوا الرماح بنحوركم والسيوف بوجوهكم، وهبوا أنفسكم لله في الدنيا، يهبها لكم في الآخرة".
"الكامل للمبرد ٢: ٢٣١، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٤٠٥"
стр. 1534
٤٣٧- خطبة صالح بن مسرح: ١
وروى الطبري في تاريخه قال:
كان صالح بن مسرح يرى رأى الصفرية٢، وكان رجلًا ناسكًا مخبتًا٣، مصفر الوجه، صاحب عبادة، وكان بدارًا٤ وأرض الوصل والجزيرة، له أصحاب يقرئهم القرآن، ويفقههم ويقص عليهم، وكان قصصه:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ، اللهم إنا لا نعدل بك، ولا نحفد٥ إلا إليك، ولا نعبد إلا إياك، لك الخلق والأمر، ومنك النفع والضر، وإليك المصير، ونشهد أن محمدًا عبدك الذي اصطفيته، ورسولك الذي اخترته وارتضيته لتبليغ رسالاتك، ونصيحة عبادك، ونشهد أنه قد بلغ الرسالة، ونصح للأمة، ودعا إلى الحق، وقام بالقسط، ونصر الدين، وجاهد المشركين، حتى توفاه الله ﷺ .
أوصيكم بتقوى الله، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، وكثرة ذكر الموت، وفراق الفاسقين، وحب المؤمنين، فإن الزهادة في الدنيا ترغب العبد فيما عند الله،
стр. 1535
وتفرغ بدنه لطاعة الله، وإن كثرة ذكر الموت تخيف العبد من ربه، حتى يجأر١ إليه ويستكين له، وإن فراق الفاسقين حق على المؤمنين، قال الله في كتابه: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ، وإن حب المؤمنين للسبب الذي ينال به كرامة الله ورحمته وجنته، جعلنا الله وإياكم من الصادقين الصابرين؛ ألا إن من نعمة الله على المؤمنين أن بعث فيهم رسولًا من أنفسهم؛ فعلمهم الكتاب والحكمة وزكاهم وطهرهم، وفقههم في دينهم، وكان بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا، حتى قبضه الله، صلوات الله عليه، ثم ولي الأمر من بعده التقي الصديق، على الرضا من المسلمين، فاقتدى بهديه، واستن بسنته، حتى لحق بالله ﵀، واستخلف عمر فولاه الله أمر هذه الرعية؛ فعمل بكتاب الله، وأحيا سنة رسول الله ﷺ ، ولم يحنق في الحق على جرته٢، ولم يخف في الله لومة لائم؛ حتى لحق به رحمة الله عليه، وولي من بعده عثمان، فاستأثر بالفيء، وعطل الحدود، وجار في الحكم، واستذل المؤمن، وعزر المحرم؛ فسار إليه المسلمون فقتلوه، فبرئ الله منه ورسوله وصالح المؤمنين، وولي أمر الناس من بعده علي بن أبي طالب؛ فلم ينشب أن حكم في أمر الله الرجال، وشك في أهل الضلال، وركن٣ وأدهن، فنحن من علي وأشياعه براء، فتيسروا رحمكم الله لجهاد هذه الأحزاب المتحزبة، وأئمة الضلال الظلمة، وللخروج من دار الفناء إلى دار البقاء، واللحاق بإخواننا المؤمنين الموقنين الذين باعوا الدنيا بالآخرة، وأنفقوا أموالهم التماس رضوان الله في العاقبة، ولا تجزعوا من القتل في الله، فإن القتل أيسر من الموت، والموت نازل بكم -غير ما ترجم الظنون- فمفرق بينكم وبين آبائكم وأبناكم وحلائلكم ودنياكم،
стр. 1536
وإن اشتد لذلك كرهكم وجزعكم؛ ألا فبيعوا الله أنفسكم طائعين وأموالكم تدخلوا الجنة آمنين، وتعانقوا الحور العين، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين الذاكرين، الذين يهدون بالحق وبه يعدلون".
"تاريخ الطبري ٧: ٢١٧، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٤٠٩"
стр. 1537
٤٣٨- خطبة أخرى له:
وروى الطبري أيضًا قال:
"بينا أصحاب صالح يختلفون إليه؛ إذ قال لهم ذات يوم: ما أدري ما تنتظرون؟ وحتى متى أنتم مقيمون؟ هذا الجور قد فشا، وهذا العدل قد عفا، ولا تزداد هذه الولاة على الناس إلا غلوا وعتوا، وتباعدا عن الحق، وجرأة على الرب، فاستعدوا، وابعثوا إلى إخوانكم الذين يريدون من إنكار الباطل والدعاء إلى الحق، مثل الذي تريدون؛ فيأتوكم فنلتقي، وننظر فيما نحن صانعون، وفي أي وقت إن خرجنا نحن خارجون".
"تاريخ الطبري٧ ٧: ٢١٨، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٤٠٩"
стр. 1538
٤٣٩- خطبة أخرى:
وقال لأصحابه ليلة خرج: "اتقوا الله عباد الله، ولا تعجلوا إلى قتال أحد من الناس إلا أن يكونوا قومًا يريدونكم وينصبون١ لكم؛ فإنكم إنما خرجتم غضبا لله؛ حيث انتهكت محارمه؟ وعثي في الأرض، فسفكت الدماء بغير حلها، وأخذت الأموال بغير حقها، فلا تعيبوا على قوم ثم تعملوا بها، فإن كل ما أنتم عاملون،
стр. 1539
أنتم عنه مسئولون، وإن عظمكم رجالة، وهذه دواب لمحمد بن مروان في هذا الرستاق١؛ فابدءوا بها فشدوا عليها، فاحملوا أرجلكم، وتقووا بها على عدوكم".
"تاريخ الطبري ٧: ٢٢، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٤١٠"
стр. 1540
٤٤٠- خطبة زائدة بن قدامة:
وخلف على رياسة الخوارج الصفرية بعد مقتل صالح بن مسرح أحد أصحابه، وهو شبيب بن يزيد الشيباني؛ فكتب الحجاج لقتاله الكتائب، وكان أميرها في بعض الوقعات زائدة بن قدامة، وجاء شبيب حتى وقف مقابل القوم، فخرج زائدة يسير بين الميمنة والميسرة، يحرض الناس ويقول:
"عباد الله، إنكم الطيبون الكثيرون، وقد نزل بكم الخبيثون القليلون، فاصبروا جعلت لكم الفداء إنها حملتان أو ثلاث، ثم هو النصر ليس دونه شيء؛ ألا ترونهم والله لا يكونون مائتي رجل؟ إنما هم أكلة رأس، وهم السراق المراق، إنما جاءوكم ليهريقوا دماءكم، ويأخذوا فيئكم، فلا يكونوا على أخذه أقوى منكم على منعه، وهم قليل وأنتم كثير، وهم أهل فرقة، وأنتم أهل جماعة، غضوا الأبصار، واستقبلوهم بالأسنة، ولا تحملوا عليهم حتى آمركم"؛ فما برح يقاتلهم مقبلًا غير مدبر، حتى قتل.
"تاريخ الطبري ٧: ٢٣٥، شرح ابن أبي الحديد م١: ص٤١٥"
стр. 1541
٤٤١- خطبة الحجاج بن يوسف:
ولما هزم شبيب الجيش الذي كان الحجاج وجهه إليه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، أقبل نحو المدائن، وبلغ ذلك الحجاج؛ فقام في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
стр. 1542
"أيها الناس: والله لتقاتلن عن بلادكم وعن فيئكم، أو لأبعثن إلى قوم هم أطوع وأسمع، وأصبر على اللأواء والغيظ منكم، فيقاتلون عدوكم، ويأكلون فيئكم -يعني جند الشأم-".
فقام إليه الناس من كل جانب؛ فقالوا: نحن نقاتلهم، ونعتب الأمير، فليندُ بنا الأمير إليهم، فإنا حيث سره.
"تاريخ الطبري ٧: ٢٤٣، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٤١٨"
стр. 1543
٤٢٢- خطبة أخرى للحجاج:
وبعث الحجاج إلى عتاب بن ورقاء ليأتيه -وكان مع المهلب- ووجهه في جيش لقتال شبيب، وخطب الناس حين وجهه فقال:
"يا أهل الكوفة اخرجوا مع عتاب بن ورقاء بأجمعكم، لا أرخص لأحد من الناس في الإقامة إلا رجلًا قد وليناه من أعمالنا؛ ألا إن للصابر المجاهد الكرامة والأثرة، ألا وإن للناكل الهارب الهوان والجفوة، والذي لا إله غيره لئن فعلتم في هذا الموطن، كفعلكم في المواطن التي كانت، لأولينكم كنفًا خشنًا، ولأعركنكم بكلكل ثقيل"، ثم نزل.
"تاريخ الطبري ٧: ٢٤٥"
стр. 1544
٤٤٣- خطبة شبيب بن يزيد الشيباني:
وعرض شبيب أصحابه بالمدائن؛ فكانوا ألف رجل، فخطبهم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"يا معشر المسلمين: إن الله قد كان ينصركم عليهم وأنتم مائة ومائتان، وأكثر من ذلك قليلًا، وأنقص منه قليلًا، وأنتم اليوم مئون ومئون، ألا إني مصلي الظهر، ثم سائر بكم إن شاء الله".
"تاريخ الطبري ٧: ٢٤٦، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٤١٩"
стр. 1545
٤٤٤- خطبة عتاب بن ورقاء:
ولما تواقف الفريقان للقتال، جعل عتاب يسير فيما بين الميمنة إلى الميسرة، يمر بأهل راية راية؛ فيحثهم على تقوى الله ويأمرهم بالصبر، ويقص عليهم قصصًا كثيرًا منه قوله: "يا أهل الإسلام: إن أعظم الناس نصيبًا في الجنة الشهداء، وليس الله لأحد من خلقه بأحمد منه للصابرين؛ ألا ترون أنه يقول: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ؛ فمن حمد الله فعله فما أعظم درجته، وليس الله لأحد أمقت منه لأهل البغي، ألا ترون أن عدوكم هذا يستعرض المسلمين بسيفه؟ لا يرون إلا أن ذلك لهم قربة عند الله؛ فهم شرار أهل الأرض، وكلاب أهل النار".
فلم يجبه أحد، فقال: أين القصاص يقصون على الناس ويحرضونهم؟ فلم يتكلم أحد، فقال: أين من يروي شعر عنترة فيحرك الناس؟ فلم يجبه أحد، ولا رد عليه كلمة، فقال: إنا لله! والله لكأني بكم وقد فررتم عن عتاب بن ورقاء، وتركتموه تسفِي في استه الريح، وحمل عليه شبيب فتفرق عنه كثير من أصحابه وخذلوه، وثبت في عصابة قليلة صبرت معه، وقاتل حتى قتل.
"تاريخ الطبري ٧: ٢٤٦، وشرح ابن أبي الحديد م١ ص٤٢٠"