١٨- خالد بن صفوان يرثي صديقًا له:
وقال الجاحظ: قيل لرجل –أراه خالد بن صفوان١- مات صديق لك، فقال: "رحمة الله عليه، لقد كان يملأ العين جمالًا، والأذن بيانًا، ولقد كان يرجى فلا يَخشى، ويُغشَى فلا يَغشَى، ويُعطي فلا يُعطى، قليلًا لدى الشر حضوره، سليمًا للصديق ضميره".
"البيان والتبيين ٣: ٢٣١، والأمالي ٢: ١٧٤".
стр. 1682
١٩- خالد بن صفوان يمدح رجلًا:
وذكر خالد رجلًا، فقال:
"كان والله بديع المنطق، ودلق١ الجرأة، وجزل الألفاظ، عربي اللسان، ثابت العقدة، رقيق الحواشي، خفيف الشفتين، بليل الريق، رحب الشرف، قليل الحركات، خفي الإشارات، حلو الشمائل، حسن الطلاوة٢، حييًّا جريئًا، قئولًا صموتًا، يفل الحز٣ ويصيب المفاصل، لم يكن بالمعذر٤ في منطقة، ولا بالزمن٥ في مروءته، ولا بالخرق٦ في خليفته، متبوعًا غير تابع، كأنه علم في رأسه نار".
"زهر الآداب ٣: ١٦٧".
стр. 1683
٢٠- كلمات بليغة لخالد بن صفوان:
وقال خالد بن صفوان لبعض الولاة: "قدمت فأعطيت كلًّا بقسطه من وجهك
стр. 1684
وكرامتك١، حتى كأنك من كل أحد، وحتى كأنك لست من أحد".
"الأمالي ١: ٢١٦، وزهر الآداب ٣: ٣٤٧، ١٦٧".
وقال شبيب بن شيبة لخالد بن صفوان: "من أحب إخوانك إليك؟ " قال: "من سد خللي، وغفر زللي، وقبل عللي". "الأمالي ١: ١٩٨".
وذكر شبيب عنده مرة، فقال: "ليس له صديق في السر، ولا عدو في العلانية".
قال الجاحظ: "وهذا كلام ليس يعرف قدره إلا الراسخون في هذه الصناعة".
"البيان والتبيين ١: ١٨٤، وزهر الآداب ٣: ٢٠٩".
وقال خالد: "ما الإنسان، لولا اللسان، إلا صورة ممثلة، أو بهيمة مهملة"، وقال "اتقوا مجانيق٢ الضعفاء" يريد الدعاء. "البيان والتبيين ١: ١٩٠".
وذكر المزاح بحضرة خالد بن صفوان، فقال: "ينشق أحدكم أخاه مثل الخردل، يفرغ عليه مثل المرجل، ويرميه بمثل الجندل، ثم يقول: إنما كنت أمزح! ".
"زهر الآداب ٥٢: ٨".
стр. 1685
عمارة بن حمزة والسفاح
...
٢١- عمارة بن حمزة السفاح:
وقال عمارة بن حمزة لأبي العباس السفاح- وقد أمر له بجوائز نفيسة وكسوة وصلة، وأدنى مجلسه:
"وصلك الله يا أمير المؤمنين وبرك، فوالله لئن أردنا شكرك على كنه١ صلتك، إن الشكر ليقصر عن نعمتك، كما قصرنا عن منزلتك، ثم إن الله تعالى جمل لك فضلًا علينا، بالتقصير منا، ولم تحرمنا الزيادة منك لنقص٢ شكرنا".
"زهر الآداب ٣: ٣٤٦".
стр. 1686
خطب أبي جعفر المنصور
خطبته بمكة
...
خطب أبي جعفر المنصور "توفي سنة ١٥٨هـ".
٢٢- خطبته بمكة:
خطب أبو جعفر المنصور بمكة، فقال:
"أيها الناس: إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه، وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته وإرادته، وأعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلًا، إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم، وقسم أرزاقكم، فإن شاء أن يقفلني عليها أقفلني، فارغبوا إلى الله وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم من فضله ما أعلمكم به إذ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ أن يوفقني للرشاد والصواب، وأن يلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم".
"العقد الفريد ٢: ١٤٥، وعيون الأخبار م ٢ ص٢٥١، تاريخ الطبري ٩: ٣١".
стр. 1687
٢٣- خطبته بمكة بعد بناء بغداد:
وحج بعد بناء بغداد فقام خطيبًا بمكة، فكان مما حفظ من كلامه١: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ ٢ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ ، أمر مبرم، وقول عدل، وقضاء فصل، والحمد لله الذي أفلج٣ حجته، وبعدًا للقوم الظالمين،
стр. 1688
الذين اتخذوا الكعبة غرضًا، والفيء إرثًًا، وجعلوا القرآن عضين١، لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فكم ترى من بئر معطلة٢ وقصر مشيد، أمهلهم الله حتى بدلوا السنة، واضطهدوا العترة٣ وعندوا٤ واعتدوا واستكبروا، وخاب كل جبار عنيد، ثم أخذهم فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا؟ ٥".
"تاريخ الطبري ٩: ٣١١، والكامل لابن الأثير ٦: ١٢".
стр. 1689
٢٤- خطبته بمدينة السلام:
وخطب بمدينة السلام "بغداد" فقال:
"يا عباد الله، لا تظالموا، فإنها مظلمة يوم القيامة، والله لولا يد خاطئة، وظلم ظالم، لمشيت بين أظهركم في أسواقكم، ولو علمت مكان من هو أحق بهذا الأمر مني لأتيته حتى أدفعه إليه". "تاريخ الطبري ٩: ٣١٠".
стр. 1690
٢٥- خطبته وقد أخذ عبد الله بن حسن وأهل بيته:
ولما أخذ عبد الله بن حسن١ وإخوته، والنفر الذين كانوا معه من أهل بيته، صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم صلى على النبي ﷺ ، ثم قال:
стр. 1691
"يأهل خراسان: أنتم شيعتنا وأنصارنا، وأهل دولتنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا من هو خير منا، وإن أهل بيتي هؤلاء من ولد علي بن أبي طالب، وتركناهم والله الذي لا إله إلا هو والخلافة، فلم نعرض لهم فيها بقليل ولا كثير، فقام فيها علي بن أبي طالب، فتلطخ، وحكم عليه الحكمين، فافترقت عنه الأمة، واختلفت عليه الكلمة، ثم وثبت عليه شيعته وأنصاره وأصحابه، وبطانته وثقاته فقتلوه، ثم قام من بعده الحسن بن علي، فوالله ما كان فيها برجل، قد عرضت عليه الأموال فقبلها، فدس إليه معاوية: إني أجعلك وليَّ عهدي من بعدي، فخدعه فانسلخ له مما كان فيه، وسلمه إليه، فأقبل على النساء يتزوج في كل يوم واحدة فيطلقها غدًا، فلم يزل على ذلك حتى مات على فراشه، ثم قام من بعده الحسين بن علي، فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة أهل الشقاق والنفاق والإغراق في الفتن، أهل هذه المدرة السوداء –وأشار إلى الكوفة- فوالله ما هي بحرب فأحاربها ولا سلم فأسالمها، فرق الله بيني وبينها، فخذلوه وأسلموه حتى قتل، ثم قام من بعده زيد بن علي، فخدعه أهل الكوفة وغروه، فلما أخرجوه١ وأظهروه أسلموه وقد كان أتى محمد بن علي٢، فناشده في الخروج، وسأله ألا يقبل أقاويل أهل الكوفة، وقال له: إنا نجد في بعض علمنا أن بعض أهل بيتنا يصلب بالكوفة، وأنا أخاف أن تكون ذلك المصلوب، وناشده عمي داود بن علي وحذره غدر أهل الكوفة، فلم يقبل وتم٣ على خروجه، فقتل وصلب بالكناسة٤ ثم وثب علينا بنو أمية، فأماتوا شرفنا، وأذهبوا عزنا، والله ما كانت لهم عندنا ترة٥ يطلبونها، وما كان ذلك كله إلا فيهم، وبسبب خروجهم عليهم، فنفونا من البلاد فصرنا مرة بالطائف. ومرة بالشام، ومرة بالشراة٦، حتى ابتعثكم الله لنا شيعة
стр. 1692
وأنصارنا، فأحيا شرفنا وعزنا بكم أهل خراسان، ودمغ بحقكم أهل الباطل، وأظهر حقنا، وأصار إلينا ميراثنا عن نبينا ﷺ ، فقر الحق مقره، وأظهر مناره، وأعز أنصاره، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين، فلما استقرت الأمور فينا على قرارها من فضل الله فيها وحكمه العادل لنا، وثبوا علينا ظلمًا وحسدًا منهم لنا، وبغيًا لما فضلنا الله به عليهم، وأكرمنا به من خلافته، وميراث نبيه ﷺ :
جهلًا على وجبنا عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن
فإني والله يأهل خراسان ما أتيت من هذا الأمر ما أتيت بجهالة، بلغني عنهم بعض السقم والتعرم١، وقد دسست لهم رجالا، فقلت: قم يا فلان، قم يا فلان، فخذ معك من المال كذا، وحذوت لهم مثالًا يعلمون عليه، فخرجوا حتى أتوهم بالمدينة، فدسوا إليهم تلك الأموال، فوالله ما بقي منهم شيخ ولا شاب، ولا صغير ولا كبير، إلا بايعهم بيعةً استحللت بها دماءهم وأموالهم، وحلت لي عند ذلك بنقضهم بيعتي، وطلبهم الفتنة، والتماسهم الخروج علي، فلا يرون أني أتيت ذلك على غير يقين" ثم نزل وهو يتلو على درج المنبر هذه الآية: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ .
"تاريخ الطبري ٩: ٣١٢، ومروج الذهب ٢: ٢٤١".
стр. 1693
٢٦- خطبته حين خروج محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن:
ولما خرج محمد وإبراهيم ابنا عبد الله، شن١ المنصور عليه درعه، وتقلد سيفه، صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال:
مالي أكفكف عن سعد وتشتمني؟ ... ولو شتمت بني سعد لقد سكنوا
стр. 1694
جهلًا علينا وجبنا عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن
وأما والله لقد عجزوا عما قمنا به، فما عضدوا الكافي، وما شكروا المنعم، فإذا حاولوا أشرب رنقا على غصص، وأبيت منهم على مضض، كلا والله لا أصل ذا رحم حاول قطيعتها، ولئن لم يرض بالعفو ليطلبن مالم يوجد عندي، فليبق ذو نفس على نفسه، قبل أن تمضي، فلا يبكى عليه". "مواسم الأدب ٢: ١١٩".
стр. 1695
٢٧- خطبته وقد قتل أبا مسلم الخراساني:
وخطب بالمدائن عند قتل أبي مسلم الخراساني١، فقال:
"أيها الناس: لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تسروا غش الأئمة، فإنه لم يسر أحد قط منكرة إلا ظهرت في آثار يده، وفلتات لسانه، وصفحات وجهه، وأبداها الله لإمامه، بإعزاز دينه، وإعلاء حقه، إنا لن نبخسكم حقوقكم، ولن نبخس الدين حقه عليكم، إنه من نازعنا عروة هذا القميص أجزرناه خبي هذا الغمد، وإن أبا مسلم بايعنا وبايع الناس لنا، على أنه من نكث بنا فقد أباح دمه، ثم نكث بنا، فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا، ولم تمنعنا رعاية الحق له، من إقامة الحق عليه".
"تاريخ الطبري ٩: ٣١٣، ومجمع الأمثال ١: ٣١٨، ومواسم الأدب ٢: ١٢٠ وغرر الخصائص الواضحة ٧٦".
стр. 1696
٢٨- خطبة أخرى:
وخطب فقال:
"أيها الناس، لا تنفروا أطراف النعمة بقلة الشكر، فتحل بكم النقمة، ولا تستروا غش الأئمة، فإن أحدًا لا يستر منكرًا إلا ظهر في فلتات لسانه، وصفحات وجهه، وطوالع نظره، وإنا لا نجهل حقوقكم ما عرفتم حقنا، ولا ننسى الإحسان إليكم ما ذكرتم فضلنا، ومن نازعنا هذا القميص أوطأنا أم رأسه خبء١ هذا الغمد. والسلام".
"مواسم الأدب ٢: ١٢٠".
стр. 1697
٢٩- قوله وقد قوطع في خطبته:
وخطب يوم الجمعة. فقال:
"الحمد لله أحمده. وأستعينه. وأومن به. وأتوكل عليه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: أيها الناس. اتقوا الله. فقام إليه رجل. فقال: أذكرك من ذكرتنا به يا أمير المؤمنين. فقطع الخطبة. ثم قال: "سمعًا سمعًا لمن فهم عن الله. وذكر به. وأعوذ بالله أن أكون جبارًا عنيدًا. وأن تأخذني العزة بالإثم. لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين. وأنت أيها القائل. فوالله ما أردت بها وجه الله. ولكنك حاولت أن يقال: قام فقال. فعوقب فصبر. وأهون بها! ويلك لو هممت١! فاهتبلها٢ إذ غفرت. وإياك وإياكم معشر الناس أختها فإن الحكمة علينا نزلت. ومن عندنا فصلت. فردوا الأمر إلى أهله. تورده موارده. وتصدروه مصادره. ثم عاد في خطبته. فكأنه يقرؤها من كفه. فقال: وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.....".
"تاريخ الطبري ٩: ٣١١، والعقد الفريد ٢: ١٤٥، وعيون الأخبار م ٢: ص٣٣٦، والكامل لابن الأثير ٦: ١٢، صبح الأعشى ١: ٢٦٢".
стр. 1698
٣٠- المنصور يصف خلفاء بني أمية:
واجتمع عند المنصور أيام خلافته جماعة من ولد أبيه. منهم عيسى بن موسى والعباس بن محمد وغيرهما. فتذاكروا خلفاء بني أمية. والسبب الذي به سلبوا عزهم.
فقال المنصور:
"كان عبد الملك جبارًا لا يبالي ما صنع. وكان الوليد لحانًا مجنونًا. وكان سليمان همته بطنه وفرجه. وكان عمر أعور بين عميان. وكان هشام رجل القوم. ولم يزل بنو أمية ضابطين لما مهد لهم من السلطان، يحوطونه ويصونونه ويحفظونه. ويحرسون ما وهب الله لهم منه، مع تسنمهم معالي الأمور، ورفضهم أدانيها، حتى أفضى أمرهم إلى أحداث مترفين من أبنائهم، فغمطوا١ النعمة، ولم يشكروا العافية، وأساءوا الرعاية. فابتدأت النقمة منهم، باستدراج الله إياهم، آمنين مكره، مطرحين صيانة الخلافة، مستخفين بحق الرياسة، ضعيفين عن رسوم السياسة، فسلبهم الله العزة، وألبسهم الذلة، وأزال عنهم النعمة". "شرح ابن أبي الحديد م١: ص٢١٥".
стр. 1699
٣١- المنصور يصف عبد الرحمن الداخل:
وقال المنصور يومًا لأصحابه: أخبروني عن صقر قريش، من هو؟ قالوا: أمير المؤمنين، الذي راض١ الملك، وسكن الزلازل، وحسم الأدواء. وأباد الأعداء قال: ما صنعتم شيئًا. قالوا: فمعاوية. قال: ولا هذا. قالوا: فعبد الملك بن مروان. قال: ولا هذا، قالوا: فمن يا أمير المؤمنين؟ قال عبد الرحمن بن معاوية٢، الذي عبر
стр. 1700
البحر، وقطع القفر، ودخل بلدًا أعجميًّا مفردًا، فمصر الأمصار، وجند الأجناد، ودون الدواوين، وأقام ملكًا بعد انقطاعه، وبحسن تدبيره، وشدة شكيمته. إن معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان، وذللا له صعبه، وعبد الملك ببيعة تقدم له عقدها، وأمير المؤمنين بطلب غيره واجتماع شيعته، وعبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه". "العقد الفريد ٢: ٣٠٢".
стр. 1701
وصايا المنصور لابنه المهدي:
٣٢- وصية له:
قال المنصور لابنه المهدي: "يا بني لا تبرم أمرًا حتى تفكر فيه، فإن فكرة العاقل مرآته، تريه حسناته وسيئاته. واعلم أن الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلًا من ظلم من هو دونه".
"نهاية الأرب ٦: ٤١، والعقد الفريد ١: ١٤".
стр. 1702
٣٣- وصية أخرى له:
ووصاه فقال له: "إني لم أدع شيئًا إلا قد تقدمت إليك فيه، وسأوصيك بخصال والله ما أظنك تفعل واحدة منها -وكان له سفط فيه دفاتر علمه، وعليه قفل لا يأمن على فتحه ومفتاحه أحدًا، يصر مفتاحه في كم قميصه- فقال للمهدي: انظر هذا السفط فاحتفظ به، فإن فيه علم آبائك ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، فإن أحزنك أمر فانظر في الدفتر الأكبر، فإن أصبت فيه ما تريد، وإلا فالثاني والثالث حتى بلغ سبعة، فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة، فإنك واجد فيها ما تريد، وما أظنك تفعل، وانظر هذه المدينة فإياك أن تستبدل بها، فإنها بيتك وعزك، وقد جمعت لك فيها من الأموال، ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين، كان عندك كفاية لأرزاق الجند والنفقات، وعطاء الذرية، مصلحة الثغور، فاحتفظ بها فإنك لا تزال عزيزًا ما دام
стр. 1703
بيت مالك عامرًا، وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل بيتك، أن تظهر كرامتهم وتقدمهم، وتكثر الإحسان إليهم، وتعظم أمرهم، وتوطئ الناس أعقابهم، وتوليهم المنابر، فإن عزك عزهم، وذكرهم لك، وما أظنك تفعل، وانظر مواليك فأحسن إليهم وقربهم، واستكثر منهم، فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك، وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل خراسان خيرًا، فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم في دولتك، ودماءهم دونك، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم، أن تحسن إليهم، وتتجاوز عن مسيئهم، وتكافئهم على ما كان منهم، وتخلف من مات منهم في أهله وولده، وما أظنك تفعل، وإياك أن تبني مدينة الشرقية، فإنك لا تتم بناءها، وما أظنك تفعل، وإياك أن تستعين برجل من بني سليم، وأظنك ستفعل، وإياك أن تدخل النساء في مشورتك في أمرك، وأظنك ستفعل". "تاريخ الطبري: ٩: ٣١٩".
стр. 1704
٣٤- وصية أخرى له:
ووصى المهدي أيضًا، فقال: "اتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي، يجعل لك فيما كربك وحزنك مخرجًا، ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب، احفظ يا بني محمدًا ﷺ في أمته، يحفظ الله عليك أمورك، وإياك والدم الحرام، فإنه حوب١ عند الله عظيم، وعار في الدنيا لازم مقيم، والزم الحلال، فإن فيه ثوابك في الآجل، وصلاحك في العاجل، وأقم الحدود، ولا تعتد فيها فتبور٢، فإن الله لو علم أن شيئًا أصلح لدينه، وأزجر عن معاصيه من الحدود، لأمر به في كتابه، واعلم أنه من شدة غضب الله لسلطانه أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على من سعى في الأرض فسادًا، مع ما ذخر له عنده من العذاب العظيم، فقال:
стр. 1705
﴿ِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، فالسلطان يا بني حبل الله المتين، وعروته الوثقى، ودين الله القيم، فاحفظه وحطه، وحصنه وذب عنه، وأوقع بالملحدين فيه، واقمع المارقين منه، واقتل الخارجين عنه بالعقاب لهم، والمثلات١ بهم، ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن، واحكم بالعدل ولا تشطط، فإن ذلك أقطع للشغب، وأحسم للعدو، وأنجع في الدواء، وعف عن الفيء، فليس بك إليه حاجة مع ما أخلفه لك، وافتتح عملك بصلة الرحم وبر القرابة، وإياك والأثرة، والتبذير لأموال الرعية، واشحن٢ الثغور، واضبط الأطراف، وأمن السبل وخص الواسطة٣ ووسع المعاش، وسكن العامة، وأدخل المرافق عليهم، واصرف المكاره عنهم وأعدل الأموال واخزنها. وإياك والتبذير، فإن النوائب غير مأمونة، والحوادث غير مضمونة، وهي من شيم الزمان، وأعد الرجال والكراع٤ والجند ما استطعت. وإياك وتأخير عمل اليوم إلى غد، فتتدارك عليك الأمور وتضيع، جد في إحكام الأمور النازلات لأوقاتها أولًا فأولًا، واجتهد وشمر فيها، وأعدد رجالًا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار، ورجالًا بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل، وباشر الأمور بنفسك ولا تضجر، ولا تكسل، ولا تفشل، واستعمل حسن الظن بربك، وأسئ الظن بعمالك وكتابك، وخذ نفسك بالتيقظ، وتفقد من يبيت على بابك، وسهل إذنك للناس، وانظر في أمر النزاع إليك، ووكل بهم عينا غير نائمة، ونفسا غير لاهية، ولا تنم فإن أباك لم ينم منذ ولي الخلافة، ولا دخل عينه غمض إلا وقلبه مستيقظ، هذه وصيتي إليك، والله خليفتي عليك". "تاريخ الطبري ٩: ٣٢٠".
стр. 1706
٣٥- خطبة النفس الزكية حين خرج على المنصور:
لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الملقب بالنفس الزكية١ على المنصور، قام على منبر المدينة، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: إنه قد كان من أمر هذا الطاغية أبي جعفر من بنائه القبة الخضراء، التي بناها معاندة لله في ملكه، وتصغيره الكعبة الحرام، وإنما أخذ الله فرعون حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ . وإن أحق الناس بالقيام في هذا الدين أبناء المهاجرين الأولين، والأنصار المواسين، اللهم إنهم قد أحلوا حرامك، وحرموا حلالك وعملوا بغير كتابك، وغيروا عهد نبيك ﷺ ، وأمنوا من أخفت، وأخافوا من أمنت، فأحصهم عددًا، واقتلهم بددًا٢، ولا تبق على الأرض منهم أحدًا". "ذيل الأمالي ص١٢١".
стр. 1707
٣٦- وصية عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي لابنه محمد "أو إبراهيم ":
ووصى عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ابنه محمدًا النفس الزكية "أو إبراهيم"، فقال:
"أي بني، إني مؤدٍّ حق الله في تأديبك، فأد إلي حق الله في الاستماع مني، أي بني كف الأذى، وارفض البذا١، واستعن على الكلام بطول الفكر، في المواطن التي تدعوك فيها نفسك إلى الكلام، فإن للقول ساعات يضر فيها الخطأ، ولا ينفع فيها الصواب. واحذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحًا، كما تحذر مشورة العاقل إذا كان غاشًّا؛ لأنه يرديك بمشورته. واعلم يا بني أن رأيك إذا احتجت إليه وجدته نائمًا، ووجدت هواك يقظان، فإياك أن تستبد برأيك، فإنه حينئذ هواك، ولا تفعل فعلًا إلا وأنت على يقين أن عاقبته لا ترديك، وأن نتيجته لاتجني عليك".
"زهر الآداب ١: ٩٢، والبيان التبيين ١: ١٨٠، ٢: ٨٨".
стр. 1708
٣٧- قول عبد الله بن الحسن وقد قتل ابنه محمد:
ولما قتل المنصور ابنه محمدًا -وكان عبد الله في السجن- بعث برأسه إليه مع الربيع حاجبه، فوضع بين يديه، فقال:
رحمك الله أبا القاسم، فقد كنت من: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ ، ثم تمثل:
стр. 1709
فتى كان يحميه عن الذل سيفه ... ويكفيه سوءات الأمور اجتنابها
ثم التفت إلى الربيع، فقال له: "قل لصاحبك قد مضى من بؤسنا مدة، ومن نعيمك مثلها، والموعد الله تعالى" قال الربيع: فما رأيت المنصور قط أكثر انكسارًا منه حين أبلغته الرسالة.
"زهر الآداب ١: ٩٥".
стр. 1710
٣٨- امرأة محمد بن عبد الله والمنصور:
ولما قتل المنصور محمد بن عبد الله، اعترضته امرأة معها صبيان، فقالت:
"يا أمير المؤمنين، أنا امرأة محمد بن عبد الله، وهذان ابناه، أيتمهما سيفك، وأضرعهما١ خوفك، فناشدتك الله يا أمير المؤمنين أن تصعر لهما خدك، فينأى عنهما رفدك، أو لتعطفك عليهما شوابك النسب، وأواصر٢ الرحم".
فالتفت إلى الربيع، فقال: اردد عليهما ضياع أبيهما، ثم قال: كذا والله أحب أن تكون نساء بني هاشم.
"زهر الآداب ١: ٩٦".
стр. 1711
٣٩- جعفر الصادق والمنصور:
وكان أهل المدينة لما ظهر محمد بن عبد الله، أجمعوا على حرب المنصور ونصر محمد، فلما ظفر المنصور أحضر جعفرًا الصادق١ بن محمد الباقر، فقال له: قد رأيت إطباق أهل المدينة على حربي، وقد رأيت أن أبعث إليهم من يعور٢ ويجمر٣ نخلهم، فقال له جعفر: "يا أمير المؤمنين، إن سليمان أعطى فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر،
стр. 1712
وإن يوسف قدر فغفر، فاقتد بأيهم شئت، وقد جعلك الله من نسل الذين يعفون ويصفحون"، فقال أبو جعفر: إن أحدًا لا يعلمنا الحلم، ولا يعرفنا العلم، وإنما قلت هممت، ولم ترني فعلت، وإنك لتعلم أن قدرتي عليهم تمنعني من الإساءة إليهم".
"زهر الآداب ١: ٩٦".
وروى صاحب العقد قال:
لما حج المنصور مر بالمدينة، فقال للربيع الحاجب: عليَّ بجعفر بن محمد، قتلني الله إن لم أقتله، فمطل به، ثم ألح عليه، فحضر فلما كشف الستر بينه وبينه، ومثل بين يديه، همس جعفر بشفتيه، ثم تقرب وسلم، فقال: "لا سلم الله عليك يا عدو الله، تعمل على الغوائل في ملكي؟ قتلني الله إن لم أقتلك". قال: "يا أمير المؤمنين، إن سليمان صلى الله على محمد وعليه أعطي فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، وأنت على إرث منهم، وأحق من تأسى بهم"، فنكس أبو جعفر رأسه مليًّا وجعفر واقف، ثم رفع رأسه، وقال: "إلي أبا عبد الله فأنت القريب القرابة، وذو الرحم الواشجة١، السليم الناحية، القليل الغائلة"، ثم صافحه بيمينه، وعانقه بشماله، وأجلسه معه على فراشه، وانحرف له عن بعضه، وأقبل عليه بوجهه يحادثه ويسائله، ثم قال: يا ربيع، عجل لأبي عبد الله كسوته وجائزته وإذنه. "العقد الفريد ١: ١٤٥".
стр. 1713
صفح المنصور عن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب
...
٤٠- صفح المنصور عن سفيان بن معاوية بن يزيد المهلب:
ولما داهن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب في شأن إبراهيم بن عبد الله١، وصار إلى المنصور، أمر الربيع بخلع سواده، والوقوف به على رءوس اليمانية في المقصورة يوم الجمعة، ثم قال: قل لهم:
"يقول لكم أمير المؤمنين قد عرفتم ما كان من إحساني إليه، وحسن بلائي، وقديم نعمتي عليه، والذي حاول من الفتنة، ورام من البغي، وأراد من شق العصا ومعاونة الأعداء، وإراقة الدماء، وإنه قد استحق بهذا من فعله، أليم العقاب، وعظيم العذاب، وقد رأى أمير المؤمنين إتمام بلائه الجميل لديه، ورب٢ نعمائه السابقة عنده لما يتعرفه أمير المؤمنين من حسن عائدة الله عليه، وما يؤمله من الخير العاجل والآجل، عند العفو عمن ظلم، والصفح عمن أساء، وقد وهب أمير المؤمنين مسيئهم لمحسنهم، وغادرهم لوفيهم".
"البيان والتبيين ٣: ١٨٥".
стр. 1714
٤١- استعطاف أهل الشام أبا جعفر المنصور:
ولما انهزم عبد الله بن علي١ من الشأم قدم على المنصور وفد منهم، فقام عدة منهم فتكلموا، ثم قام الحارث بن عبد الرحمن الغفاري، فقال: "يا أمير المؤمنين
стр. 1715
إنا لسنا وفد مباهاة، وإنما نحن وفد توبة، وإنا ابتلينا بفتنة استخفت كريمنا، واستفزت حليمنا، ونحن بما قدمنا معترفون، ومما سلف منا معتذرون، فإن تعاقبنا فبما أجرمنا، وإن تعف عنا فبفضلك علينا. فاصفح عنا إذ ملكت. وامنن إذ قدرت وأحسن إذ ظفرت، فطالما أحسنت إلى من أساء منا"، فقال المنصور: قد فعلت. ثم قال للحرسي: هذا خطيبهم، وأمر برد ضياعه عليه بالغوطة١.
"العقد الفريد ١: ١٤٤، تاريخ الطبري ٩: ٣٠٧، وزهر الآداب ٣: ٨٨".
стр. 1716
٤٢- استعطاف أهل الشام أبا جعفر المنصور أيضًا:
وقال عثمان بن خزيم للمنصور، حين عفا عن أهل الشأم في إجلابهم١ مع عبد الله بن علي عمه: "يا أمير المؤمنين، لقد أعطيت فشكرت وابتليت فصبرت، وقدرت فعفوت".
وقال آخر: "يا أمير المؤمنين، الانتقام عدل، والتجاوز فضل، والمتفضل قد جاوز حد المنصف، فنحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس٢ النصيبين، دون أن يبلغ أرفع الدرجتين".
وقال آخر: "من انتقم فقد شفى غيظ نفسه، وأخذ أقصى حقه، وإذا انتقمت فقد انتقصت٣، وإذا عفوت تطولت٤. ومن أخذ حقه، وشفى غيظه، لم يجب شكره، ولم يذكر في العالمين فضله. وكظم الغيظ حلم، والحلم صبر، والتشفي طرف من العجز٥، ومن رضي ألا يكون بين حاله وبين حال الظالم إلا ستر رقيق،
стр. 1717
وحجاب ضعيف، لم يجزم في تفضيل الحلم، وفي الاستيثاق من ترك دواعي الظلم، ولم تر أهل النهى. والمنسوبين إلى الحجا والتقى، مدحوا الحكام بشدة العقاب. وقد ذكروهم بحسن الصفح، وبكثرة الاغتفار، وشدة التغافل. وبعد، فالمعاقب مستعد١ لعداوة أولياء المذنب، والعافي مستدع لشكرهم. آمن من مكافأتهم٢ أيام قدرتهم؛ ولأن يثنى عليك باتساع الصدر، خير من يثنى عليك بضيق الصدر٣، على أن إقالتك عثرة عباد الله، موجب لإقالتك عثرتك من رب عباد الله. وعفوك عنهم موصول بعفو الله عنك، وعقابك لهم موصول بعقاب الله لك. قال الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ .
"البيان والتبيين ٢: ٥٥، زهر الآداب ٣: ٨٨".
стр. 1718
٤٣- أبو جعفر المنصور والربيع:
وقال سعيد بن مسلم بن قتيبة: دعا المنصور بالربيع١، فقال: سلني ما تريد، فقد سكتَّ حتى نطقت، وخففت حتى ثقلت. وقللت حتى أكثرت، فقال: "والله يا أمير المؤمنين، ما أرهب بخلك ولا أستقصر عمرك. ولا أستصغر فضلك، ولا أغتنم مالك، وإن يومي بفضلك على أحسن من أمسى، وغدك في تأميلي أحسن من يومي. ولو جاز أن يشكرك مثلي بغير الخدمة والمناصحة لما سبقني لذلك أحد" قال: صدقت، علمي بهذا منك أحلك هذا المحل، فسلني ما شئت، قال: أسألك أن تقرب عبدك "الفضل٢" وتؤثره وتحبه، قال: يا ربيع، إن الحب ليس بمال يوهب
стр. 1719
ولا رتبة تبذل، وإنما تؤكده الأسباب، قال: فاجعل لي طريقًا إليه، بالتفضل عليه، قال: صدقت. وقد وصلته بألف درهم، ولم أصل بها أحدا غير عمومتي، لتعلم ماله عندي, فيكون منه ما يستدعي به محبتي، قال: فكيف سألت له المحبة يا ربيع؟ قال؛ لأنها مفتاح كل خير، ومغلاق كل شر، تستر بها عندك عيوبه، وتصبر حسنات ذنوبه. قال: صدقت.
"زهر الآداب ٢: ١٦٣".
стр. 1720
٤٤- مقام عمرو بن عبيد بين يدي المنصور:
دخل عمرو١ بن عبيد على المنصور بعد ما بايع للمهدي، فقال له: يا أبا عثمان، هذا ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين، فقال له عمرو: يا أمير المؤمنين، أراك قد وطدت له الأمور، وهي تصير إليه. وأنت عنه مسئول، فاستعبر المنصور، وقال له: عظني يا عمرو، قال: "يا أمير المؤمنين: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منها ببعضها، وإن هذا الذي في يديك، لو بقي في يد غيرك لم يصل إليك. فاحذر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعده، فوجم أبو جعفر من قوله، فقال له الربيع: يا عمرو غممت أمير المؤمنين، فقال عمرو: إن هذا صحبك عشرين سنةً، لم ير لك عليه أن ينصحك يومًا واحدًا. وما عمل وراء بابك بشيء من كتاب الله ولا سنة نبيه، قال أبو جعفر: فما أصنع؟ قد قلت لك، خاتمي في يدك، فتعال وأصحابك فاكفني، قال عمرو: ادعنا بعدلك، تسخ أنفسنا بعونك، ببابك ألف مظلمة، اردد منها شيئًا نعلم أنك صادق".
"مروج الذهب ٢: ٢٣٤، عيون الأخبار م٢: ص٣٣٧، ووفيات الأعيان ١: ٣٨٤، والعقد الفريد ١: ٣٠٦، وشرح ابن أبي الحديد م١: ١٤٨".