← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

٤٢- استعطاف أهل الشام أبا جعفر المنصور أيضًا: وقال عثمان بن خزيم للمنصور، حين عفا عن أهل الشأم في إجلابهم١ مع عبد الله بن علي عمه: "يا أمير المؤمنين، لقد أعطيت فشكرت وابتليت فصبرت، وقدرت فعفوت". وقال آخر: "يا أمير المؤمنين، الانتقام عدل، والتجاوز فضل، والمتفضل قد جاوز حد المنصف، فنحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس٢ النصيبين، دون أن يبلغ أرفع الدرجتين". وقال آخر: "من انتقم فقد شفى غيظ نفسه، وأخذ أقصى حقه، وإذا انتقمت فقد انتقصت٣، وإذا عفوت تطولت٤. ومن أخذ حقه، وشفى غيظه، لم يجب شكره، ولم يذكر في العالمين فضله. وكظم الغيظ حلم، والحلم صبر، والتشفي طرف من العجز٥، ومن رضي ألا يكون بين حاله وبين حال الظالم إلا ستر رقيق،

стр. 1717

وحجاب ضعيف، لم يجزم في تفضيل الحلم، وفي الاستيثاق من ترك دواعي الظلم، ولم تر أهل النهى. والمنسوبين إلى الحجا والتقى، مدحوا الحكام بشدة العقاب. وقد ذكروهم بحسن الصفح، وبكثرة الاغتفار، وشدة التغافل. وبعد، فالمعاقب مستعد١ لعداوة أولياء المذنب، والعافي مستدع لشكرهم. آمن من مكافأتهم٢ أيام قدرتهم؛ ولأن يثنى عليك باتساع الصدر، خير من يثنى عليك بضيق الصدر٣، على أن إقالتك عثرة عباد الله، موجب لإقالتك عثرتك من رب عباد الله. وعفوك عنهم موصول بعفو الله عنك، وعقابك لهم موصول بعقاب الله لك. قال الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ . "البيان والتبيين ٢: ٥٥، زهر الآداب ٣: ٨٨".

стр. 1718

٤٣- أبو جعفر المنصور والربيع: وقال سعيد بن مسلم بن قتيبة: دعا المنصور بالربيع١، فقال: سلني ما تريد، فقد سكتَّ حتى نطقت، وخففت حتى ثقلت. وقللت حتى أكثرت، فقال: "والله يا أمير المؤمنين، ما أرهب بخلك ولا أستقصر عمرك. ولا أستصغر فضلك، ولا أغتنم مالك، وإن يومي بفضلك على أحسن من أمسى، وغدك في تأميلي أحسن من يومي. ولو جاز أن يشكرك مثلي بغير الخدمة والمناصحة لما سبقني لذلك أحد" قال: صدقت، علمي بهذا منك أحلك هذا المحل، فسلني ما شئت، قال: أسألك أن تقرب عبدك "الفضل٢" وتؤثره وتحبه، قال: يا ربيع، إن الحب ليس بمال يوهب

стр. 1719

ولا رتبة تبذل، وإنما تؤكده الأسباب، قال: فاجعل لي طريقًا إليه، بالتفضل عليه، قال: صدقت. وقد وصلته بألف درهم، ولم أصل بها أحدا غير عمومتي، لتعلم ماله عندي, فيكون منه ما يستدعي به محبتي، قال: فكيف سألت له المحبة يا ربيع؟ قال؛ لأنها مفتاح كل خير، ومغلاق كل شر، تستر بها عندك عيوبه، وتصبر حسنات ذنوبه. قال: صدقت. "زهر الآداب ٢: ١٦٣".

стр. 1720

٤٤- مقام عمرو بن عبيد بين يدي المنصور: دخل عمرو١ بن عبيد على المنصور بعد ما بايع للمهدي، فقال له: يا أبا عثمان، هذا ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين، فقال له عمرو: يا أمير المؤمنين، أراك قد وطدت له الأمور، وهي تصير إليه. وأنت عنه مسئول، فاستعبر المنصور، وقال له: عظني يا عمرو، قال: "يا أمير المؤمنين: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منها ببعضها، وإن هذا الذي في يديك، لو بقي في يد غيرك لم يصل إليك. فاحذر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعده، فوجم أبو جعفر من قوله، فقال له الربيع: يا عمرو غممت أمير المؤمنين، فقال عمرو: إن هذا صحبك عشرين سنةً، لم ير لك عليه أن ينصحك يومًا واحدًا. وما عمل وراء بابك بشيء من كتاب الله ولا سنة نبيه، قال أبو جعفر: فما أصنع؟ قد قلت لك، خاتمي في يدك، فتعال وأصحابك فاكفني، قال عمرو: ادعنا بعدلك، تسخ أنفسنا بعونك، ببابك ألف مظلمة، اردد منها شيئًا نعلم أنك صادق". "مروج الذهب ٢: ٢٣٤، عيون الأخبار م٢: ص٣٣٧، ووفيات الأعيان ١: ٣٨٤، والعقد الفريد ١: ٣٠٦، وشرح ابن أبي الحديد م١: ١٤٨".

стр. 1721

٤٥- مقام رجل من الزهاد بين يدي المنصور: بينما المنصور يطوف ليلًا إذ سمع قائلًا يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع، فخرج المنصور، فجلس ناحية من المسجد، وأرسل إلى الرجل يدعوه، فصلى الرجل ركعتين، واستلم الركن وأقبل مع الرسول، فسلم عليه بالخلافة، فقال المنصور: ما الذي سمعتك تذكر من ظهور البغي والفساد في الأرض؟ وما الذي يحول بين الحق وأهله من الطمع؟ فوالله لقد حشوت مسامعي ما أرمضني١، قال: يا أمير المؤمنين إن أمنتني على نفسي، أنبأتك بالأمور من أصولها. وإلا احتجزت منك. واقتصرت على نفسي، ففيها لي شاغل، فقال: أنت آمن على نفسك فقل، فقال: يا أمير المؤمنين إن الذي دخله الطمع، حتى حال بينه وبين ما ظهر من البغي والفساد لأنت، قال: ويحك، وكيف يدخلني الطمع، والصفراء والبيضاء٢ في قبضتي، والحلو والحامض عندي؟ قال: وهل دخل أحدًا من الطمع ما دخلك؟ إن الله ﵎ استرعاك المسلمين وأموالهم، فأغفلت أمورهم، واهتممت بجمع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم حجابًا من الجص والآجر. وأبوابًا من الحديد. وحجبة معهم السلاح، ثم سجنت نفسك فيها عنهم، وبعثت عمالك في جباية الأموال وجمعها، وقويتهم بالرجال والسلاح والكراع، وأمرت بألا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان، نفر سميتهم، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف، ولا الجائع العاري، ولا الضعيف الفقير، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، وأمرت إلا يحجبوا عنك، تجبي الأموال وتجمعها ولا تقسمها، قالوا: هذا

стр. 1722

قد خان الله، فما بالنا لا نخونه وقد سجن لنا نفسه؟ فأتمروا بألا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل، فيخالف أمرهم إلا قصبوه١ عندك ونفوه، حتى تسقط منزلته، ويصغر قدره، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم، أعظمهم الناس هابوهم، فكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال، ليقووا بها على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك، لينالوا به ظلم من دونهم فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيًا وفسادًا، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك، وأنت غافل، فإن جاء متظلم حيل بينه وبين دخول مدينتك، فإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك، وجدك قد نهيت عن ذلك، وأوقفت للناس رجلًا ينظر في مظالمهم، فإن جاءك ذلك الرجل، فبلغ بطانتك خبرة، سألوا صاحب المظالم ألا يرفع مظلمته إليك، فإن المتظلم منه له بهم حرمة، فأجابهم خوفًا منهم، فلا يزال المظلوم يختلف إليه، ويلوذ به، ويشكو ويستغيث، وهو يدفعه ويعتل عليه، فإذا أجهد وأحرج وظهرت، صرخ بين يديك، فضرب ضربًا مبرحًا ليكون نكالًا لغيره، وأنت تنظر فلا تنكر، فما بقاء الإسلام على هذا؟ وقد كنت أمير المؤمنين أسافر إلى الصين فقدمتها مرة، وقد أصيب ملكها بسمعه، فبكى يومًا بكاءً شديدًا، فحثه جلساؤه على الصبر، فقال: أما إني لست أبكي للبلية النازلة بي، ولكني أبكي لمظلوم بالباب يصرخ، ولا أسمع صوته، ثم قال: أما إذا ذهب سمعي، فإن بصري لم يذهب، نادوا في الناس ألا يلبس ثوبًا أحمر إلا متظلم، ثم كان يركب الفيل طرفي نهاره، وينظر هل يرى مظلومًا؟ فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله، غلبت رأفته بالمشركين شح نفسه، وأنت مؤمن بالله، ثم من أهل بيت نبيه، لا تغلب رأفتك بالمسلمين على شح نفسك؟ فإن كنت إنما تجمع المال لولدك، فقد أراك الله عبرًا في الطفل، يسقط من بطن أمه،

стр. 1723

وما له على الأرض مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه، فلا يزال الله يلطف بذلك الطفل، حتى تعظم رغبة الناس إليه، ولست بالذي تعطي، بل الله يعطي من يشاء ما شاء، وإن قلت إنما أجمع المال لتشديد السلطان، فقد أراك الله عبرًا في بني أمية، ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة، وأعدوا من الرجال والسلاح والكراع، حتى أراد الله بهم ما أراد، وإن قلت إنما أجمع لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنا فيها فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة، لا تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه يا أمير المؤمنين، هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل؟ قال المنصور: لا، فكيف تصنع بالملك الذي خولك ملك الدنيا، وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل؟ ولكن بالخلود في العذاب الأليم، قد رأى ما قد عقد عليه قلبك، وعملته جوارحك، ونظر إليه بصرك، واجترحته١ يداك، ومشت إليه رجلاك، هل يغني عنك ما شححت عليه من ملك الدنيا إذا انتزعه من يدك، ودعاك إلى الحساب؟ فبكى المنصور وقال: يا ليتني لم أخلق، ويحك! فكيف أحتال لنفسي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن للناس أعلامًا يفزعون إليهم في دينهم، ويرضون بهم، فاجعلهم بطانتك يرشدوك، وشاروهم في أمرك يسددوك، قال: قد بعثت إليهم فهربوا مني، قال: خافوا أن تحملهم على طريقتك، ولكن افتح بابك، وسهل حجابك، وانصر المظلوم، واقمع الظالم، وخذ الفيء والصدقات مما حل وطاب، واقسمه بالحق والعدل على أهله، وأنا الضامن عنهم أن يأتوك ويسعدوك على صلاح الأمة"، وجاء المؤذنون، فسلموا عليه، فصلى وعاد إلى مجلسه، وطلب الرجل فلم يوجد. "عيون الأخبار م ٢: ص٣٣٣، والعقد الفريد ١: ٣٠٤".

стр. 1724

٤٦- مقام الأوزاعي بين يدي المنصور: قال الأوزاعي١: دخلت على المنصور، فقال لي: ما الذي بطأ بك عني؟ قلت: يا أمير المؤمنين، وما الذي تريد مني؟ فقال: الاقتباس منك، قلت: انظر ما تقول، فإن "مكحولًا٢" حدثني عن عطية بن بشير أن رسول الله ﷺ قال: "من بلغه عن الله نصيحة في دينه، فهي رحمة من الله سيقت إليه، فإن قبلها من الله بشكر، وإلا كانت حجة من الله عليه، ليزداد إثمًا، وليزداد عليه غضبًا، وإن بلغه شيء من الحق فرضي فله الرضا، وإن سخط له السخط، ومن كرهه فقد كره الله؛ لأن الله هو الحق المبين" فلا تجهلن، قال: وكيف أجهل؟ قال: تسمع ولا تعمل بما تسمع، قال الأوزاعي: فسل على الربيع السيف، وقال: تقول لأمير المؤمنين هذا؟ فانتهره المنصور وقال: أمسك، ثم كلمة الأوزاعي، وكان في كلامه أن قال: "إنك قد أصبحت من هذه الخلافة بالذي أصبحت به، والله سائلك عن صغيرها وكبيرها، وفتيلها ونقيرها٣، ولقد حدثني عروة بن رويم أن رسول الله ﷺ قال: "ما من راع يبيت غاشًّا لرعيته إلا حرم الله عليه رائحة الجنة" فحقيق على الوالي أن يكون لرعيته ناظرًا، ولما استطاع من عوراتهم ساترًا، وبالقسط

стр. 1725

فيما بينهم قائمًا، لا يتخوف محسنهم منه رهقًا١، ولا مسيئهم عدوانًا، فقد كانت بيد رسول الله ﷺ جريدة يستاك بها، ويردع عنه المنافقين، فأتاه جبريل فقال: "يا محمد، ما هذه الجريدة بيدك! اقذفها لا تملأ قلوبهم رعبًا" فكيف من سفك دماءهم، وشقق أبشارهم، وأنهب٢ أموالهم؟ يا أمير المؤمنين: إن المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، دعا إلى القصاص من نفسه بخدش خدشه أعرابيًّا لم يتعمده، فهبط جبريل، فقال: "يا محمد، إن الله لم يبعثك جبارًا تكسر قرون أمتك" واعلم أن كل ما في يدك لا يعدل شربة من شراب الجنة، ولا ثمرة من ثمارها، قال رسول الله ﷺ : "لقاب ٣ قوس أحدكم من الجنة، أوقذة ٤ خير له من الدنيا بأسرها" إن الدنيا تنقطع ويزول نعيمها، ولو بقي الملك لمن قبلك لم يصل إليك يا أمير المؤمنين، ولو أن ثوبًا من ثياب أهل النار علق بين السماء والأرض لآذاهم. فكيف من يتقمصه؟ ولو أن ذنوبًا٥ من صديد أهل النار صب على ماء الأرض لآجنه٦، فكيف بمن يتجرعه؟ ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لذاب، فكيف من سلك٧ فيها، ويرد فضلها على عاتقه؟ وقد قال عمر بن الخطاب: "لا يقوم أمر الناس إلا حصيف٨ العقدة، بعيد الغرة٩ لا يطلع الناس من على عورة، ولا يخنق في الحلق على جرة١٠، ولا تأخذه في الله لومة لائم". واعلم أن السلطان أربعة: أمير يظلف١١ نفسه وعماله، فذلك له أجر المجاهد في سبيل الله، وصلاته سبعون ألف صلاة، ويد الله بالرحمة على رأسه ترفرف، وأمير رتع ورتع عماله، فذلك يحمل أثقاله وأثقالًا مع أثقاله، وأمير يظلف نفسه،

стр. 1726

ويرتع عماله، فذلك الذي باع آخرته بدنيا غيره، وأمير يرتع ويظلف عماله، فذالك شر الأكياس. واعلم يا أمير المؤمنين أنك قد ابتليت بأمر عظيم، عرض على السموات والأرض والجبار، فأبين أن يحملنه وأشفقن منه، وقد جاء عن جدك في تفسير قول الله : ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَ ا﴾ أن الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك، وقال: فما ظنكم بالكلام وما عملته الأيدي؟ فأعيذك بالله أن يخيل إليك أن قرابتك برسول الله ﷺ تنفع مع المخالفة لأمره، فقد قال رسول الله ﷺ : "يا صفية عمة محمد، ويا فاطمة بنت محمد، استوهبا أنفسكما من الله، إني لا أغني عنكما من الله شيئًا "، وكان جدك الأكبر سأل رسول الله ﷺ إمارة، فقال: "أي عم، نفس تحييها، خير لك من إمارة لا تحصيها" نظرًا لعمه، وشفقة عليه أن يلي فيجوز عن سنته جناح بعوضة، فلا يستطيع له نفعًا، ولا عنه دفعًا، هذه نصيحتي إن قبلتها فلنفسك عملت، وإن رددتها فنفسك بخست، والله الموفق للخير والمعين عليه، قال: بلى، نقبلها ونشك عليها، وبالله نستعين. "العقد الفريد ١: ٣٠٥، وعيون الأخبار م ٢: ص ٣٣٨".

стр. 1727

٤٧- نصيحة يزيد بن عمر بن هبيرة للمنصور: ودخل يزيد بن عمر بن هبيرة١ على أمير المؤمنين المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين: توسع توسعًا قرشيًّا، ولا تضق ضيقًا حجازيًّا. ويروى أنه دخل يومًا، فقال له المنصور حدثنا، فقال: "يا أمير المؤمنين:

стр. 1728

إن سلطانكم حديث، وإمارتكم جديدة، فأذيقوا الناس حلاوة عدلها، وجنبوهم مرارة جورها، فوالله يا أمير المؤمنين، لقد محضت١ لك النصيحة" ثم نهض فنهض معه سبعمائة من قيس، فأتأره٢ المنصور بصره، ثم قال: لا يعز ملك يكون فيه مثل هذا!. "تهذيب الكامل ١: ٢٨".

стр. 1729

٤٨- معن بن زائدة والمنصور: ودخل معن١ بن زائدة الشيباني على أبي جعفر المنصور وقد أسن، فقارب في خطوه، فقال له المنصور: لقد كبرت سنك يا معن، قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين، قال: وإنك لجلد، قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين، قال: وإن فيك لبقية، قال: هي لك يا أمير المؤمنين، قال: فأي الدولتين أحب إليك، هذه أم دولة بني أمية؟ قال: ذلك إليك يا أمير المؤمنين، إن زاد برك على برهم كانت دولتك أحب إلي. "البيان والتبيين ٣: ٢٢٩، ووفيات الأعيان ٢: ١٠٩، وزهر الآداب ٣: ١٦١".

стр. 1730

٤٩- معن بن زائدة وأحد زوّاره: ودخل رجل على معن بن زائدة، فقال: ما هذه الغيبة؟ فقال: "أيها الأمير، ما غاب عن العين من يذكره القلب وما زال شوقي إلى الأمير شديدًا، وهو دون

стр. 1731

ما يجب له، وذكرى له كثيرًا وهو دون قده، ولكن جفوة الحجاب، وقله بشر الغلمان، منعاني من الإكثار"، فأمر بتسهيل حجابه، وأجزل صلته. "زهر الآداب ٣: ١٦١".

стр. 1732

٥٠- المنصور وأحد الأعراب: ودخل أعرابي على المنصور فتكلم، فأعجب بكلامه، فقال له: سل حاجتك، فقال: يبقيك الله، ويزيد في سلطانك، فقال: سل حاجتك، فليس في كل وقت تؤمر بذلك، قال: "ولم يا أمير المؤمنين، فوالله ما أستقصر عمرك، ولا أخاف بخلك، ولا أغتنم مالك، وإن سؤالك لشرف، وإن عطاءك لزين، وما بامرئ بذل وجهه إليك نقص ولا شين". فأحسن جائزته وأكرمه. "الصناعتين ص٤١، العقد الفريد: ١٣٩".

стр. 1733

٥١- أعرابية تعزي المنصور وتهنئه: وروى القلقشندي قال: تعرضت أعرابية للمنصور في طريق مكة بعد وفاة أبي العباس السفاح، فقالت: "يا أمير المؤمنين، احتسب الصبر، وقدم الشكر، فقد أجزل الله لك الثواب في الحالين، وأعظم عليك المنة في الحادثين، وسلبك خليفة الله، وأفادك خلافة الله، فسلم فيما سلبك، واشكر فيما منحك، وتجاوز الله عن أمير المؤمنين، وخار لك فيما ملكت من أمر الدنيا والدين".

стр. 1734

وروى الجاحظ قال: عزت امرأة المنصور عن أبي العباس مقدمه من مكة، قالت: "أعظم الله أجرك، فلا مصيبة أجل من مصيبتك، ولا عوض أعظم من خلافتك". "صبح الأعشى ٩: ٢٧٨، والبيان والتبيين ٢:٥٥".

стр. 1735

٥٢- خطبة محمد بن سليمان ١ يوم الجمعة: "وكان لا يغيرها". الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأومن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، من يعتصم بالله ورسوله، فقد اعتصم بالعروة الوثقى، وسعد في الأولى والآخرة، "ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا بعيدًا وخسر خسرانًا مبينًا، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه، ويتجنب سخطه، فإنما نحن له وبه. وأوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على طاعة الله، وأرضى لكم ما عند الله، فإن تقوى الله أفضل ما تحاث الناس عليه، وتداعوا إليه، وتواصوا به، فاتقوا الله ما استطعتم، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون". "البيان والتبيين ٢: ٦٥".

стр. 1736

٥٣- وصية مسلم بن قتيبة: وقال مسلم بن قتيبة١: "لا تطلبن حاجتك إلى واحد من ثلاثة: لا تطلبها إلى الكذاب، فإنه يقربها وهي بعيدة، ويبعدها وهي قريبة؛ ولا تطلبها إلي الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك وهو يضرك، ولا تطلبها إلى رجل له عند قوم مأكلة، فإنه يجعل حاجتك وقاء لحاجته". "الأمالي: ٢: ١٩٠".

стр. 1737

٥٤- خطبة المهدي "توفي سنة ١٦٩هـ": الحمد لله ارتضى الحمد لنفسه، ورضي به من خلقه، أحمده على آلائه١، وأمجده لبلائه٢، وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه توكل راض بقضائه، وصابر لبلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى٣، ورسوله إلى خلقه وأمينه على وحيه، أرسله بعد انقطاع الرجاء، وطموس٤ العلم، واقتراب من الساعة، إلى أمة جاهلية، مختلفة أمية، أهل عداوة وتضاغن، وفرقة وتباين، قد استهوتهم شياطينهم، وغلب عليهم قرناؤهم٥، فاستشعروا الردى، وسلكوا العمى، يبشر من أطاعه بالجنة وكريم ثوابها، ويندر من عصاه بالنار وأليم عقابها، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإن الاقتصار عليها سلامة، والترك لها ندامة، وأحثكم على إجلال عظمته، وتوقير كبريائه وقدرته، والانتهاء إلى ما يقرب من رحمته وينجِّي من سخطه، وينال به ما لديه، من كريم الثواب، وجزيل المآب، فاجتنبوا ما خوفكم الله من شديد العقاب، وأليم العذاب، ووعيد الحساب، يوم توقفون بين يدي الجبار، وتعرضون فيه على النار: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ

стр. 1738

مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، يَوْم لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ، يَوْم لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ ، فإن الدنيا دار غرور، وبلاء وشرور، واضمحلال وزوال، وتقلب وانتقال، قد أفنت من كان قبلكم، وهي عائدة عليكم وعلى من بعدكم، من ركن إليها صرعته، ومن وثق بها خانته، ومن أملها١ كذبته، ومن رجاها خذلته، عزها ذل، وغناها فقر، والسعيد من تركها، والشقي فيها من آثرها، والمغبون فيها من باع حظه من دار آخرته بها، فالله الله عباد الله، والتوبة مقبولة، والرحمة مبسوطة، وبادروا بالأعمال الزكية٢، في هذه الأيام الخالية، قبل أن يؤخذ بالكظم٣، وتندموا فلا تنالون الندم، في يوم حسرة وتأسف، وكآبة وتلهف، يوم ليس كالأيام، وموقف ضنك المقام. إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله، يقول الله ﵎: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ -إلى آخر السورة- أوصيكم عباد الله بما أوصاكم الله به، وأنهاكم عما نهاكم عنه، وأرضى لكم طاعة الله، وأستغفر الله لي ولكم". "العقد الفريد ٢: ١٤٦".

стр. 1739

مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان مدخل ... مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان: روى ابن عبد ربه قال: "هذا ما تراجع فيه المهدي ووزراؤه، وما دار بينهم من تدبير الرأي في حرب خراسان، وأيام تحاملت عليهم العمال وأعنقت، فحملتهم الدالة وما تقدم لهم من المكانة، على أن نكثوا بيعتهم، ونقضوا موثقهم، وطردوا العمال، والتووا بما عليهم من الخراج، وحمل المهدي ما يحب من مصلحتهم، ويكره من عنتهم، على أن أقال عثرتهم، واغتفر زلتهم، واحتمل دالتهم، تطولًا بالفضل، واتساعًا بالعفو، وأخذًا بالحجة، ورفقًا بالسياسة، ولذلك لم يزل مد حمله الله أعباء الخلافة، وقلده أمور الرعية، رفيقًا بمدار سلطانه، بصيرًا بأهل زمانه، باسطًا للمعدلة في رعيته، تسكن إلى كنفه، وتأنس بعفوه، وتثق بحلمه. فإذا وقعت الأقضية اللازمة، والحقوق الواجبة. فليس عنده هوادة، ولا إغضاء، ولا مداهنة، أثرة للحق، وقيامًا بالعدل، وأخذًا بالحزم، فدعا أهل خراسان الاغترار بحلمه، والثقة بعفوه، أن كسروا الخراج، وطردوا العمال وسألوا ما ليس لهم من الحق، ثم خلطوا احتجاجًا بالاعتذار، وخصومة بإقرار، وتنصلًا باعتلال، فلما انتهى ذلك إلى المهدي، خرج إلى مجلس خلائه، وبعث إلى نفر من لحمته١ ووزرائه، فأعلمهم الحال، واستنصحهم للرعية، ثم أمر الموالي٢ بالابتداء، وقال للعباس٣ بن محمد: أي عم تعقب قولنا، وكن حكمًا بيننا، وأرسل إلى ولديه موسى وهارون، فأحضرهما الأمر، وشاركهما في الرأي، وأمر محمد بن الليث بحفظ مراجعتهم، وإثبات مقالتهم في كتاب.

стр. 1740

٥٥- مقال سلام صاحب المظالم: فقال سلام صاحب المظالم: "أيها المهدي: إن في كل أمر غاية، ولكل قوم صناعة، استفرغت رأيهم، واستغرقت أشغالهم، واستنفدت أعمارهم، وذهبوا بها، وذهبت بهم، وعرفوا بها، وعرفت بهم، ولهذه الأمور التي جعلتنا فيها غاية، وطلبت معونتنا عليها أقوام من أبناء الحرب وساسة الأمور، وقادة الجنود، وفرسان الهزاهز١، وإخوان التجارب، وأبطال الوقائع، الذين رشحتهم سجالها٢، وفيأتهم ظلالها، وعضتهم شدائدها، وقرمتهم نواجذها٣، فلو عجمت ما قبلهم، وكشفت ما عندهم، لوجدت نظائر تؤيد أمرك، وتجارب توافق نظرك، وأحاديث تقوي قلبك. فأما نحن معاشر عمالك. وأصحاب دواوينك. فحسن بنا، وكثير منا أن نقوم بثقل ما حملتنا من عملك، واستودعتنا من أمانتك، وشغلتنا به من إمضاء عدلك، وإنفاذ حكمك، وإظهار حقك". فأجابه المهدي: "إن في كل قوم حكمه. ولكل زمان سياسة. وفي كل حال تدبير. يبطل الآخر الأول. ونحن أعلم بزماننا، وتدبير سلطاننا". قال نعم: أيها المهدي: أنت متسع الرأي، وثيق العقدة، قوي المنة٤، بليغ الفطنة، معصوم النية، محضور الروية، مؤيد البديهة، موفق العزيمة، معان بالظفر، مهدي إلى الخير. إن هممت ففي عزمك مواقع الظن، وإن اجتمعت صدع فعلك

стр. 1741

ملتبس الشك. فاعزم يهد الله إلى الصواب قلبك. وقل ينطق الله بالحق لسانك. فإن جنودك جمة. وخزائنك عامرة. ونفسك سخية. وأمرك نافذ". فأجابه المهدي: "المشاورة والمناظرة بَابَا رحمةٍ ومفتاحَا بركةٍ. لا يهلك عليهما رأي، ولا يتفيل١ معهما حزم، فأشيروا برأيكم، وقولوا بما يحضركم، فإني من ورائكم، وتوفيق الله من وراء ذلك".

стр. 1742

٥٦- مقال الربيع بن يونس ١: وقال الربيع: أيها المهدي: إن تصاريف وجوه الرأي كثيرة. وإن الإشارة ببعض معاريض القول يسيرة. ولكن خراسان أرض بعيدة المسافة. متراخية الشقة٢. متفارقة السبل فإذا ارتأيت من محكم التدبير. ومبرم التقدير. ولباب الصواب، رأيًا قد أحكمه نظرك، وقلبه تدبيرك. فليس وراءه مذهب طاعن. ولا دونه معلق لخصومة عائب. ثم خبت البرد٣ به، وانطوت الرسل عليه، كان بالحرى أن لا يصل إليهم محكمه. إلا وقد حدث منهم ما ينقضه. فما أيسر أن ترجع إليك الرسل. وترد عليك الكتب بحقائق أخبارهم، وشوارد آثارهم، ومصادر أمورهم، فتحدث رأيًا غيره، وتبتدع تدبيرًا سواه، وقد انفرجت الحلق، وتحللت العقد، واسترخى الحقاب٤، وامتد الزمان. ثم لعلم موقع الآخرة كمصدر الأولى. ولكن الرأي أيها المهدي وفقك الله. أن تصرف إجالة النظر، وتقليب الفكر فيما جمعتنا له، واستشرتنا فيه من التدبير لحربهم، والحيل في أمرهم، إلى الطلب لرجل ذي دين فاضل، وعقل كامل، وورع

стр. 1743

واسع. ليس موصوفًا بهوًى في سواك، ولا متهمًا في أثرة عليك، ولا ظنينًا١ على دخله٢ مكروهة. ولا منسوبًا إلى بدعة محذورة. فيقدح في ملكك، ويريض٣ الأمور لغيرك، ثم تستند إليه أمورهم. وتفوض إليه حربهم، وتأمره في عهدك ووصيتك إياه. بلزوم أمرك ما لزمه الحزم. وخلاف نهيك إذا خالفه الرأي، عند استحالة الأمور، واشتداد الأحوال التي ينقض أمر الغائب عنها، ويثبت رأي الشاهد لها، فإنه إذا فعل ذلك، فواثب أمرهم من قريب، وسقط عنه ما يأتي من بعيد، تمت الحيلة، وقويت المكيدة. ونفذ العمل. وأحد النظر إن شاء الله".

стр. 1744

٥٧- مقال الفضل بن العباس: قال الفضل بن العباس: "أيها المهدي: إن ولي الأمور، وسائس الحروب، ربما نحى جنوده، وفرق أمواله في غير ما ضيق أمر حزبه١، ولا ضغطه حال اضطرته، فيقعد عند الحاجة إليها، وبعد التفرقة لها، عديمًا منها. فاقدًا لها. لا يثق بقوة، ولا يصول بعدة، ولا يفزع إلى ثقة. فالرأي لك أيها المهدي وفقك الله، أن تعفي خزائنك من الإنفاق للأموال، وجنودك من مكابدة الأسفار، ومقارعة الأخطار، وتغرير القتال، ولا تسرع للقوم في الإجابة إلى ما يطلبون، والعطاء لما يسألون، فيفسد عليك أدبهم، وتجرئ من رعيتك غيرهم، ولكن اغزهم بالحيلة، وقاتلهم بالمكيدة، وصارعهم باللين، وخاتلهم٢ بالرفق، وأبرق٣ لهم بالقول، وأرعد نحوهم بالفعل، وابعث البعوث،

стр. 1745

وجنِّد الجنود، وكتِّب الكتائب، واعقد الألويةَ، وانصِب الرَّايات، وأظهِر أنك مُوَجِّهٌ إليهم الجيوشَ مع أحْنَقِ قُوَّادك عليهم، وأسوَئِهم أثرًا فيهم، ثم ادْسُس الرسل، وابثُث الكتب، وضع بعضهم على طمعٍ من وعدك، وبعضًا على خوف من وعيدك، وأوقِد بذلك وأشباهه نيرَانَ التحاسد فيهم، واغرِس أشجار التنافس بينهم، حتى تُملأ القلوبُ من الوَحْشة، وتنطوي الصدور على البِِغْضة، ويدخل كلًا من كلٍّ الحذرُ والهيبة، فإن مَرَامَ الظفَر بالغِيلة، والقتالَ بالحَيلة، والمناصبة١ بالكتب، والمكايَدة بالرسل، والمقارَعَة بالكلام اللطيف المَدْخَل في القلوب، القويِّ المَوْقِع من النفوس، المعقود بالحجج، الموصول بالحِيَل، المبني على اللين الذي يستميل القلوب، ويسترقُّ العقول والآراء، ويستميلُ الأهواء، ويستدعي المُواتاة٢، أنفذُ من القتال بظبُات السيوف، وأسنَّة الرماح، كما أن الوالي الذي يستنزل طاعة رعيته بالحِيَل. ويفرِّق كلمة عدوِّه بالمكايَدَة، أحكَمُ عملًا، وألطف منظرًا، وأحسن سياسة من الذي لا ينال ذلك إلا بالقتال، والإتلاف للأموال. والتغرير والخِطار٣. ولِيَعْلم المهدي أنه إن وَجَّه لقتالهم رجلًا لم يَسِر لقتالهم إلا بجنود كثيفة، تخرج من حال شديدة، وتُقْدِمُ على أسفارٍ ضيقة، وأموال متفرقة، وقود غَشَشَة، إن ائتمنهم استنفذوا ماله، وإن استنصحهم كانوا عليه لا له". قال المهدي: "هذا رأي قد أسفر نُوره، وأبرق ضوءه، وتمثَّل صوابُهُ للعيون، ويجسد حقه في القلوب، ولكن فوق كل ذي علم عليم"، ثم نظر إلى ابنه عليٍّ، فقال: ما تقول؟

стр. 1746

٥٨- مقال علي بن المهدي: قال عليُّ بن المهدي: "أيها المهدي: إن أهل خُرَاسان لم يَخْلَعُوا عن طاعتك، ولم ينصبوا من دونك أحدًا، يقدح في تغيير ملكك، ويُريض الأمور لفساد دولتك، ولو فعلوا لكان الخَطْبُ أيسر، والشأن أصغر، والحال أدَلّ؛ لأن الله مع حقه الذي لا يخذُله، وعند موعده الذي لا يُخْلِفُه، ولكنهم قوم من رعيتك، وطائفة من شيعتك، الذين جعلك الله عليهم واليًا، وجعل العدل بينك وبينهم حاكمًا، طلبوا حقًا، وسألوا إنصافًا، فإن أجبت إلى دعوتهم، ونفَّست عنهم قبل أن يتلاحَم منهم حال، ويحدُث من عندهم فَتْق أطعتَ أمر الرب، وأطفأْتَ نائرة الحرب، ووفَّرت خزائن المال، وطرحت تغرير القتال، وحمل الناس مَحْمَل ذلك على طبيعة جودك، وسجيَّة حلمك، وإسجاح١ خليقتك، ومَعْدَِلة نظرك، فأَمِنت أن تُنْسَبَ إلى ضعف، وأن يكون ذلك فيما بقي دُرْبه، وإن منعتهم ما طلبوا، ولم تُجِبْهُم إلى ما سألوا، اعتدلت بك وبهم الحالُ، وساويتهم في ميدان الخطاب، فما أَرَبُ المهدي أن يعمِد إلى طائفة من رعيته مقرِّين بمملكته، مُذْعنين بطاعته، لا يخرجون أنفسهم عن قدرته، ولا يبرئونها من عبوديته، فيملِّكهم أنفسهم، ويخلع نفسه عنهم، ويقف على الحيل معهم، ثم يجازيهم السوء في حَدِّ المقارعة ومضمار المخاطرة. أيريد المهدي -وفقه الله- الأموالَ؟ فلعمري لا ينالها ولا يَظْفَر بها إلا بإنفاق أكثر منها مما يطلب منهم وأضعاف ما يَدَّعِي قِبَلَهُم، ولو نَالَهَا فَحُمِلَتْ إليه، ووُضِعَتْ بِخَرَائِطِهَا٢ بين يديه

стр. 1747

ثم تجافى لهم عنها، وطال عليهم بها، لكان إليهم مما يُنْسَب، وبه يعرف، من الجود الذي طبعه الله عليه، وجعل قُرَّة عينه، ونَهْمة١ نفسه فيه، فإن قال المهدي: هذا رأيٌ مستقيم سديد، في أهل الخراج الذين شَكَوْا ظلم عمالنا، وتحامل وُلَاتنا؛ فأما الجنود الذين نقضوا مواثيق العهود، وأنطقوا لسان الإرجاف، وفتحوا باب المعصية، وكسروا قيد الفتنة، فقد ينبغي لهم أن أجعلهم نَكالا لغيرهم، عِظة لسواهم، فيعلم المهدي أنه لو أُتِيَ بهم مغلولين في الحديد، مُقَرَّنين٢ في الأصفاد٣، ثم اتسع لِحَقْنِ دمائهم عفوُه، ولإقالة عثرتهم صَفْحُه، واستبقاهم لما هم فيه من حربه، أو لمن بإزائهم من عدوه، لما كان بِدْعًا من رأيه، ولا مستنكرًا من نظره، لقد علمت العرب أنه أعظم الخلفاء والملوك عفوًا، وأشدها وقعا، وأصدقها صولة، وأنه لا يتعاظمه٤ عفو، لا يتكاءَده٥ صفح، وإن عظُم الذنب، وجَلَّ الخطبُ، فالرأي للمهدي -وفقه الله تعالى- أن يَحُل عقدة الغيظ، بالرجاء لحسن ثواب الله في العفو عنهم، وأن يذكر أولى حالاتهم، وضَيْعَةَ عيالاتهم، بِرًّا بهم، وتوسعًا لهم، فإنهم إخوان دولته، وأركان دعوته، وأساس حقه الذين بعزتهم يصول، وبحجَّتهم يقول، وإنما مثلهم فيما دخلوا فيه من مَسَاخِطه، وتعرَّضوا له من معاصيه، وانطَوَوْا فيه عن إجابته، ومَثَلُه في قلة ما غير ذلك من رأيه فيهم، أو نُقِل من حاله لهم، أو تغير من نعمته بهم، كمثل رجلين أخوين متناصرين متوازرين، أصاب أحدها خَبَلٌ عارض، ولهو حادث، فنهض إلى أخيه بالأذى، وتحامل عليه بالمكروه، فلم يزدد أخوه إلا رِقَّةً له، ولطفًا به، واحتيالا لمداواة مرضه، ومراجعة حاله، عطفا عليه، وبِرًّا به، ومَرْحَمَةً له".

стр. 1748

فقال المهدي: أما عليّ فقد نوى سمت اللِّيان١، وفَضَّ القلوب في أهل خراسان، ولكل نبأ مستقر، فقال: ما ترى يا أبا محمد يعنى موسى ابنهُ "الهادي".

стр. 1749

٥٩- مقال موسى بن المهدي: فقال موسى: "أيها المهدي: لا تَسْكُن إلى حلاوة ما يجري من القول على ألسنتهم، وأنت ترى الدماء تسيل من خلَلَ فعلهم، الحال من القوم ينادي بِمَضْمَرَة شر، وخَفِيَّةِ حِقْد، قد جعلوا المعاذير عليها سترًا، واتخذوا العلل من دونها حجابا، رجاء أن يدافعوا الأيام بالتأخير، والأمور بالتطويل، فيكْسِرُوا حيل المهدي فيهم، ويُفنوا جنوده عنهم، حتى يتلاحم أمرهم، وتتلاحق مادتهم، وتستفحل حربهم، وتستمر الأمور بهم والمهدي من قولهم في حال غِرَّة، ولباس أمنة، قد فَتَرَ لها، وأنس بها، وسكن إليها. ولولا ما اجتمعت به قلوبهم، وبردت عليه جلودهم من المناصبة بالقتال، والإضمار للقراع، عن داعية ضلال، أو شيطان فساد، لَرَهِبُوا عواقب أخبار الولاة، وغِبّ بسكون الأمور، فليشدد المهدي -وفقه الله- أزره١ لهم، ويكتّب كتائبه نحوهم، وليضع الأمر على أشد ما يحضره فيهم، وليوقن أنه لا يعطيهم خُطَّةً يريد بها صلاحهم، إلا كانت دُرْبَة إلى فسادهم، وقوة على معصيتهم، وداعية إلى عودتهم، وسببًا لفساد من بحضرته من الجنود، ومن ببابه من الوفود الذين إن أقرَّهم وتلك العادة، وأجراهم على ذلك الأرَب، لم يبرح في فَتْقٍ حادث، وخلاف حاضر، لا يصلح عليه دين، ولا تستقيم به دنيا، وإن طلب تغييره بعد استحكام العادة، واستمرار الدُّرْبِة، لم يصل

стр. 1750

إلى ذلك إلا بالعقوبة المُفْرطة. والمئُونة الشديدة. والرأي للمهدي -وفقه الله- أن لا يُقيل عثرتهم. ولا يقبل معذرتهم. حتى تطأهم الجيوش. وتأخذهم السيوف. ويستَحِرّ١ بهم القتلُ. ويُحْدِق بهم الموت. ويحيط بهم البلاء. ويطبق عليهم الذل. فإن فعل المهدي بهم ذلك. كان مقطعة لكل عادة سوء فيهم. وهزيمة لكل بادرة شر منهم. واحتمال المهديّ في مئونة غزوتهم هذه. تضع عنه غزوات كثيرة. ونفقات عظيمة". فقال المهدي: "قد قال القوم. فاحكم يا أبا الفضل".

стр. 1751

٦٠- مقال العباس بن محمد فقال العباس بن محمد: "أيها المهدي: أما الموالي فأخذوا بفروع الرأي، وسلكوا جنبات الصواب، وتعدّوا أمورًا قصّر بنظرهم عنها، وأَنِه لم تأتِ تجاربهم عليها. وأما الفضل فأشار بالأموال ألا تُنْفَق، والجنودِ ألا تُفَرَّق، وبأن لا يُعْطَى القوم ما طلبوا، ولا يُبْذَل لهم ما سألوا. وجاء بأمر بين ذلك استصغارًا لأمرهم، واستهانةً بحربهم. وإنما يهيج جَسيمات الأمور صغارُها. وأما عليّ فأشار باللين وإفراط الرِّفْق. وإذا جَرَّد الوالي لمن غِمَط أمره وسَفِه حقَّه، اللين بَحْتًا، والخير محضًا. لم يخلطهما بشدة تعطِف القلوب عن لينه. ولا بشر يَخْبِسهم إلى خيره. فقد ملَّكهم الخلعَ لعذرهم. ووسع لهم الفُرْجة لِثَنْي أعناقهم. فإن أجابوا دعوته. وقبلوا لينه من غير خوف اضطرهم ولا شدة. فَنَزْوَة١ في رءوسهم يستدعون بها البلاءَ إلى أنفسهم. ويستصرخون بها رأي المهدي فيهم. وإن لم يقبلوا دَعْوَتَه. ويسرعوا لإجابته باللين المحض، والخير الصُّراح. فذلك ما عليه الظن بهم، والرأيُ فيهم، وما قد يشبه أن يكون من مثلهم. لأن الله تعالى خلق الجنة. وجعل فيها

стр. 1752

من النعيم المقيم. والملك الكبير. ما لا يخطر على قلب بشر. ولا تدركه الفِكَر. ولا تعلمه نفس، ثم دعا الناس إليها، ورغَّبهم فيها. فلولا أنه خلق نارًا جعلها لهم رحمةً يسوقهم بها إلى الجنة لما أجابوا ولا قبلوا. وأما موسى فأشار بأن يُعْصَبُوا بشدة لا لين فيها. وأن يُرْمَوا بشر لا خير معه وإذا أضمر الوالي لمن فارق طاعته. وخالف جماعته. الخوف مُفْرَدًا. والشر مجرّدًا. وليس معهما طمع. ولا لين يثنيهم. اشتدت الأمور بهم. وانقطعت الحال منهم إلى أحد أمرين. إما أن تدخلهم الحمِيَّة من الشدة. والأنفةُ من الذلة. والامتعاض من القهر. فيدعوهم ذلك إلى التَّمادي في الخلاف. والاستبسال في القتال. والاستسلام للموت. وإما أن ينقادوا بالكُرْه. ويُذْعنوا بالقهر على بِغْضة لازمة. وعداوة باقية. تُورث النفاق. وتُعقب الشقاق. فإذا أمكنتهم فرصة أو ثابَت١ لهم قدرة. أو قويت لهم حال. عاد أمرهم إلى أصعب وأغلظ وأشدَّ مما كان. وقال في قول أبي الفضل: أيها المهدي أكفى دليل. وأوضح برهان. وأبين خبر بأن قد أجمع رأيه. وحَزُم نظره على الإرشاد ببعثة الجيوش إليهم. وتوجيه البعوث نحوهم. مع إعطائهم ما سألوا من الحق. وإجابتهم إلى ما سألوه من العدل". قال المهدي: ذلك رأي.

стр. 1753

٦١- مقال هارون بن المهدي: قال هرون: "خلطْتَ الشدة أيها المهدي باللين. فصارت الشدة أمرَّ فِطام لما تكره وعاد اللين أهدى قائد إلى ما تحب. ولكن أرى غير ذلك". قال المهدي: "لقد قلت قولا بديعًا. وخالفت فيه أهل بيتك جميعا. والمرء

стр. 1754

مؤتمن بما قال. وظنين بما ادَّعى. حتى يأتي ببينة عادلة. وحجة ظاهرة. فاخرج عما قلت" قال هارون: "أيها المهدي. إن الحرب خُدعة١. والأعاجم قوم مَكَرة. وربما اعتدلت الحال بهم. واتفقت الأهواء منهم. فكان باطن ما يُسِرُّون على ظاهر ما يعلنون. وربما افترقت الحالان. وخالف القلب اللسان. فانطوى القلب على محجوبة تُبْطَن. واستسرَّ بمدخولة لا تعلَن. والطبيب الرفيق بطبّه. البصير بأمره. العالم بمُقدَّم يده. وموضع مِيسمه٢ لا يتعجل بالدواء. حتى يقع على معرفة الداء. فالرأى للمهدي -وفقه الله- أن يفرّ٣ باطن أمرهم فَرَّ المُسِنَّة. ويمخَض ظاهر حالهم مخض السقاء. بمتابعة الكتب. ومظاهرة الرسل. وموالاة العيون. حتى تُهتك حُجُب عيونهم. وتكشف أغطية أمورهم. فإن انفرجت الحال وأفضت الأمور به إلى تغيير حال. أو داعية ضلال اشتملت الأهواء عليه. وانقاد الرجال إليه. وامتدت الأعناق نحوه بدين يعتقدونه. وإثم يستحلونه. عصبهم بشدة لا لين فيها. ورماهم بعقوبة لا عفو معها. وإن انفرجت العيون. واهتُصِرت الستور. ورفعت الحُجُب. والحال فيهم مَرِيعة٤. والأمور بهم معتدلة. في أرزاق يطلبونها. وأعمال ينكرونها. وظلامات يدّعونها. وحقوق يسألونها. بماتَّةِ سابقتهم. ودالة مناصحتهم. فالرأي للمهدي -وفقه الله- أن يتسع لهم بما طلبوا. ويتجافى لهم عما كرهوا. ويَشْعَب٥ من أمرهم ما صَدَعوا. ويرتُق من فَتْقِهم ما قطعوا. ويولِّي عليهم من أحبوا. ويداوي بذلك مرض قلوبهم وفساد أمورهم. فإنما المهدي وأمته. وسواد أهل مملكته. بمنزلة الطبيب الرفيق. والوالد الشفيق. والراعي المجرِّب الذي يحتال لِمَرَابِض غنمه. وضَوَالّ رعيته. حتى يُبْرِئ المريضة من داء علتها. ويردَّ الصحيحة إلى أنس جماعتها. ثم إن خراسان بخاصَّة

стр. 1755

الذين لهم دالَّة محمولة. وماتَّة مقبولة. ووسيلة معروفة. وحقوق واجبة. لأنهم أيدي دولته. وسيوف دعوته. وأنصار حقه. وأعوان عدله. فليس من شأن المهدي الاضطغان عليهم. ولا المؤاخذة لهم. ولا التوعُّر١ بهم. ولا المكافأة بإساءتهم. لأن مبادرة حسم الأمور ضعيفة قبل أن تقوى، ومحاولة قطع الأصول ضئيلةً قبل أن تغلُظ، أحزمُ في الرأي وأصح في التدبير من التأخير لها والتهاون بها حتى يلتئم قليلها بكثيرها، وتجتمع أطرافها إلى جمهورها". قال المهدي: "ما زال هارون يقع وَقْعَ الحَيَا٢ حتى خرج خروج القَدَح من الماء وانسلَّ انسلال السيف فيما ادّعى فدعوا ما سبق موسى فيه أنه هو الرأي، وثنَّى بعده هارون، ولكن مَنْ لِأَعنّة الخيل وسياسة الحرب وقيادة الناس إن أمعن بهم اللِّجاج وأَفْرَطَتْ بهم الدَّالَّة".
следующие страницы →