٦٠- مقال العباس بن محمد
فقال العباس بن محمد:
"أيها المهدي: أما الموالي فأخذوا بفروع الرأي، وسلكوا جنبات الصواب، وتعدّوا أمورًا قصّر بنظرهم عنها، وأَنِه لم تأتِ تجاربهم عليها. وأما الفضل فأشار بالأموال ألا تُنْفَق، والجنودِ ألا تُفَرَّق، وبأن لا يُعْطَى القوم ما طلبوا، ولا يُبْذَل لهم ما سألوا. وجاء بأمر بين ذلك استصغارًا لأمرهم، واستهانةً بحربهم. وإنما يهيج جَسيمات الأمور صغارُها.
وأما عليّ فأشار باللين وإفراط الرِّفْق. وإذا جَرَّد الوالي لمن غِمَط أمره وسَفِه حقَّه، اللين بَحْتًا، والخير محضًا. لم يخلطهما بشدة تعطِف القلوب عن لينه. ولا بشر يَخْبِسهم إلى خيره. فقد ملَّكهم الخلعَ لعذرهم. ووسع لهم الفُرْجة لِثَنْي أعناقهم. فإن أجابوا دعوته. وقبلوا لينه من غير خوف اضطرهم ولا شدة. فَنَزْوَة١ في رءوسهم يستدعون بها البلاءَ إلى أنفسهم. ويستصرخون بها رأي المهدي فيهم. وإن لم يقبلوا دَعْوَتَه. ويسرعوا لإجابته باللين المحض، والخير الصُّراح. فذلك ما عليه الظن بهم، والرأيُ فيهم، وما قد يشبه أن يكون من مثلهم. لأن الله تعالى خلق الجنة. وجعل فيها
стр. 1752
من النعيم المقيم. والملك الكبير. ما لا يخطر على قلب بشر. ولا تدركه الفِكَر. ولا تعلمه نفس، ثم دعا الناس إليها، ورغَّبهم فيها. فلولا أنه خلق نارًا جعلها لهم رحمةً يسوقهم بها إلى الجنة لما أجابوا ولا قبلوا.
وأما موسى فأشار بأن يُعْصَبُوا بشدة لا لين فيها. وأن يُرْمَوا بشر لا خير معه وإذا أضمر الوالي لمن فارق طاعته. وخالف جماعته. الخوف مُفْرَدًا. والشر مجرّدًا. وليس معهما طمع. ولا لين يثنيهم. اشتدت الأمور بهم. وانقطعت الحال منهم إلى أحد أمرين. إما أن تدخلهم الحمِيَّة من الشدة. والأنفةُ من الذلة. والامتعاض من القهر. فيدعوهم ذلك إلى التَّمادي في الخلاف. والاستبسال في القتال. والاستسلام للموت. وإما أن ينقادوا بالكُرْه. ويُذْعنوا بالقهر على بِغْضة لازمة. وعداوة باقية. تُورث النفاق. وتُعقب الشقاق. فإذا أمكنتهم فرصة أو ثابَت١ لهم قدرة. أو قويت لهم حال. عاد أمرهم إلى أصعب وأغلظ وأشدَّ مما كان.
وقال في قول أبي الفضل: أيها المهدي أكفى دليل. وأوضح برهان. وأبين خبر بأن قد أجمع رأيه. وحَزُم نظره على الإرشاد ببعثة الجيوش إليهم. وتوجيه البعوث نحوهم. مع إعطائهم ما سألوا من الحق. وإجابتهم إلى ما سألوه من العدل".
قال المهدي: ذلك رأي.
стр. 1753
٦١- مقال هارون بن المهدي:
قال هرون: "خلطْتَ الشدة أيها المهدي باللين. فصارت الشدة أمرَّ فِطام لما تكره وعاد اللين أهدى قائد إلى ما تحب. ولكن أرى غير ذلك".
قال المهدي: "لقد قلت قولا بديعًا. وخالفت فيه أهل بيتك جميعا. والمرء
стр. 1754
مؤتمن بما قال. وظنين بما ادَّعى. حتى يأتي ببينة عادلة. وحجة ظاهرة. فاخرج عما قلت" قال هارون: "أيها المهدي. إن الحرب خُدعة١. والأعاجم قوم مَكَرة. وربما اعتدلت الحال بهم. واتفقت الأهواء منهم. فكان باطن ما يُسِرُّون على ظاهر ما يعلنون. وربما افترقت الحالان. وخالف القلب اللسان. فانطوى القلب على محجوبة تُبْطَن. واستسرَّ بمدخولة لا تعلَن. والطبيب الرفيق بطبّه. البصير بأمره. العالم بمُقدَّم يده. وموضع مِيسمه٢ لا يتعجل بالدواء. حتى يقع على معرفة الداء. فالرأى للمهدي -وفقه الله- أن يفرّ٣ باطن أمرهم فَرَّ المُسِنَّة. ويمخَض ظاهر حالهم مخض السقاء. بمتابعة الكتب. ومظاهرة الرسل. وموالاة العيون. حتى تُهتك حُجُب عيونهم. وتكشف أغطية أمورهم. فإن انفرجت الحال وأفضت الأمور به إلى تغيير حال. أو داعية ضلال اشتملت الأهواء عليه. وانقاد الرجال إليه. وامتدت الأعناق نحوه بدين يعتقدونه. وإثم يستحلونه. عصبهم بشدة لا لين فيها. ورماهم بعقوبة لا عفو معها. وإن انفرجت العيون. واهتُصِرت الستور. ورفعت الحُجُب. والحال فيهم مَرِيعة٤. والأمور بهم معتدلة. في أرزاق يطلبونها. وأعمال ينكرونها. وظلامات يدّعونها. وحقوق يسألونها. بماتَّةِ سابقتهم. ودالة مناصحتهم. فالرأي للمهدي -وفقه الله- أن يتسع لهم بما طلبوا. ويتجافى لهم عما كرهوا. ويَشْعَب٥ من أمرهم ما صَدَعوا. ويرتُق من فَتْقِهم ما قطعوا. ويولِّي عليهم من أحبوا. ويداوي بذلك مرض قلوبهم وفساد أمورهم. فإنما المهدي وأمته. وسواد أهل مملكته. بمنزلة الطبيب الرفيق. والوالد الشفيق. والراعي المجرِّب الذي يحتال لِمَرَابِض غنمه. وضَوَالّ رعيته. حتى يُبْرِئ المريضة من داء علتها. ويردَّ الصحيحة إلى أنس جماعتها. ثم إن خراسان بخاصَّة
стр. 1755
الذين لهم دالَّة محمولة. وماتَّة مقبولة. ووسيلة معروفة. وحقوق واجبة. لأنهم أيدي دولته. وسيوف دعوته. وأنصار حقه. وأعوان عدله. فليس من شأن المهدي الاضطغان عليهم. ولا المؤاخذة لهم. ولا التوعُّر١ بهم. ولا المكافأة بإساءتهم. لأن مبادرة حسم الأمور ضعيفة قبل أن تقوى، ومحاولة قطع الأصول ضئيلةً قبل أن تغلُظ، أحزمُ في الرأي وأصح في التدبير من التأخير لها والتهاون بها حتى يلتئم قليلها بكثيرها، وتجتمع أطرافها إلى جمهورها".
قال المهدي: "ما زال هارون يقع وَقْعَ الحَيَا٢ حتى خرج خروج القَدَح من الماء وانسلَّ انسلال السيف فيما ادّعى فدعوا ما سبق موسى فيه أنه هو الرأي، وثنَّى بعده هارون، ولكن مَنْ لِأَعنّة الخيل وسياسة الحرب وقيادة الناس إن أمعن بهم اللِّجاج وأَفْرَطَتْ بهم الدَّالَّة".
стр. 1756
٦٣- مقال صالح بن عليّ ١:
قال صالح: "لسنا نبلغ أيها المهدي بدوام البحث وطول الفِكْر أدنى فِرَاسة رأيك وبعض لَحَظَات نظرك، وليس ينفضّ عنك من بيوتات العرب ورجالات العجم، ذو دين فاضل ورأي كامل، وتدبير قوي، تقلِّده حربك، وتستودعه جندَك، ممن يحتمل الأمانة العظيمة ويَضْطَلع بالأعباء الثقيلة وأنت بحمد الله ميمون النَّقيبة٢، مبارك العزيمة، مَخْبور التجارب، محمود العواقب معصوم العزم، فليس يقع اختيارك ولا يقف نظرك على أحد تُوليه أمرك، وتُسند إليه ثَغْرك، إلا أراك الله ما تحب، وجمع لك منه ما تريد". قال المهدي: "إني لأرجو ذلك لقديم عادة الله فيه وحسن معونته عليه ولكن أحب الموافقة على الرأي، والاعتبار للمشاورة في الأمر المُهِمَّ".
стр. 1757
٦٣- مقال محمد بن الليث:
قال محمد بن الليث:
"أهل خراسان أيها المهدي قوم ذوو عزة ومنعة، وشياطين خَدَعة، زروع الحمية فيهم نابتة، وملابس الأَنَفة عليهم ظاهرة، فالرويَّة عنهم عازبة والعجلة فيهم حاضرة، تسبق سيولهم مطرهم، وسيوفهم عَذْلهم، لأنهم بين سِفْلة. لا يعدو مبلغ عقولهم منظر عيونهم، وبين رؤساء لا يُلْجَمُون إلا بشدة ولا يُفْطَمُون إلا بالمُرِّ، وإن ولَّى المهدي عليهم وضيعًا لم تَنْقَد له العظماء، وإن ولَّى أمرهم شريفا تحامل على الضعفاء وإن أخر المهدي أمرهم، ودافع حربهم، حتى يصيب لنفسه من حشمه ومواليه أو بني عمه أو بني أبيه ناصحا، يتفق عليه أمرهم، وثقة تجتمع له أملاؤهم١ بلا أَنَفة تَلْزَمهم. ولا حمية تدخُلهم، ولا مصيبة تنفِّرهم، تنفَّست الأيام بهم، وتراخت الحال بأمرهم. فدخل بذلك من الفساد الكبير، والضياع العظيم، ما لا يتلافاه صاحب هذه الصفة وإن جَدَّ، ولا يستصلحه وإن جهد، إلا بعد دهر طويل، وشر كبير، وليس المهدي -وفقه الله- فاطما عاداتهم، ولا قارعًا صَفَاتهم٢، بمثل أحد رجلين لا ثالث لهما، ولا عِدْل٣ في ذلك بهما، أحدهما لسان ناطق موصول بسمعك، ويد مُمَثِّلة لعينك، وصخرة لا تُزَعْزَع، وبُهْمَة٤ لا تُثْنَى، وبازل٥ لا يفزعه صوت الجُلجُل، نقيّ العرض، نزيه النفس، جليل الخطر٦ اتَّضعت الدنيا عن قدره، وسما نحو الآخرة
стр. 1758
بهمَّته، وجعل الغرض الأقصى لعينه نصبًا، والغرض الأدنى لقدمه موطئًا، فليس يقبل عملًا، ولا يتعدى أملًا، وهو رأس مواليك، وأنصح بني أبيك، رجل قد غُذِّي بلطيف كرامتك، ونبت في ظل دولتك، ونشأ على قوائم أدبك، فإن قلدته أمرهم وحمَّلته ثقلهم، وأسندت إليه ثغرهم، كان قُفْلًا فتحه أمرك، وبابًا أغلقه نَهْيُك. فجعل العدل عليه وعليهم أميرًا، والإنصاف بينه وبينهم حاكمًا، وإذا أحكم المَنْصَفة. وملك المَعْدَلة، فأعطاهم ما لهم، وأخذ منهم ما عليهم، غرس لك في الذي بين صدورهم وأسكن لك في السُّوَيْدَاء، داخل قلوبهم، طاعة راسخة العروق، باسقة الفروع، متماثلة في الحواشي عوامِّهم، متمكنة من قلوب خواصهم، فلا يبقى فيهم ريب إلا نفوه ولا يلزمهم حق إلا أدَّوه، وهذا أحدهما، والآخر عُودٌ من غَيْضَتك١، ونَبْعة من أرومتك، فَتِيّ السن، كَهْلَ الحلم، راجح العقل، محمود الصرامة، مأمون الخلاف. يجرِّد فيهم سيفه، ويبسط عليهم خيره، بقدر ما يستحقون، وعلى حسب ما يستوجبون وهو فلان أيها المهدي، فسلِّطه -أعزك الله- عليهم، ووجِّهه بالجيوش إليهم، ولا تمنَعْك ضراعة٢ سِنِّة، وحداثة مولده، فإن الحلم والثقة مع الحداثة، خير من الشك والجهل مع الكهولة، وإنما أحداثكم أهل البيت فيما طبعكم الله عليه، واختصكم به من مكارم الأخلاق، ومحامد الفعال، ومحاسن الأمور، وصواب التدبير، وصرامة الأنفس، كفِراخِ عِتاق الطير، المحكمة لأخذ الصيد بلا تدريب، والعارفة لوجوه النَّفْع بلا تأديب. فالحلم والعلم، والعزم والحزم، والجود والتُّؤَدة، والرفق، ثابت في صدوركم، مزروع في قلوبكم، مستَحْكِم لكم، متكامل عندكم بطبائع لازمة، وغرائز ثابتة".
стр. 1759
٦٤- مقال معاوية بن عبد الله:
قال معاوية بن عبد الله:
"أَفْتاءُ١ أهلِ بيتك أيها المهدي في الحِلْم على ما ذُكِر، وأهل خراسان في حال عز على ما وُصِف، ولكن إن ولَّى المهدي عليهم رجلًا ليس بقديم الذكر في الجنود. ولا بنبيه الصوت في الحروب، ولا بطويل التجربة للأمور، ولا بمعروف السياسة للجيوش، والهيبة في الأعداء دخل ذلك أمران عظيمان، وخطران مَهُولان، أحدهما أن الأعداء يغتمزونها منه، ويحتقرونها فيه، ويجترئون بها عليه في النهوض به، والمقارعة له، والخلاف عليه، قبل ما حين الاختبار لأمره، والتكشف لحاله، والعلم بطباعه؛ والأمر الآخر أن الجنود التي يقود، والجيوش التي يسوس، إذا لم يختبروا منه البأس والنجدة، ولم يعرفوه بالصوت٢ والهيبة، انكسرت شجاعتهم، وماتت نجدتهم واستأخرت طاعتهم، إلى حين اختباهم، ووقوع معرفتهم، وربما وقع البَوَار قبل الاختبار وبباب المهدي -وفقه الله- رجل مَهِيب نبيه حَنِيك٣ صَيِّت، له نسب زاكٍ. وصوت عالٍ، قد قاد الجيوش وساس الحروب، وتألَّف أهل خراسان، واجتمعوا عليه بالمِقَة، وَوَثِقُوا به كل الثقة، فلو ولَّاه المهدي أمرهم، لكفاه الله شرهم".
قال المهدي: "جانبت قصد الرَّمِيَّة، وأبيت إلا عصبية إذ رأيُ الحدث من أهل بيتنا، كرأي عشرة حلماء من غيرنا. ولكن أين تركتم ولي العهد؟ ".
قالوا: لم يمنعنا من ذكره إلا كونه شبيه جده، ونسيج وَحْدِه٤. ومن الدين وأهله. بحيث يقصر القول عن أدنى فضله، ولكن وجدنا الله حَجَب عن
стр. 1760
خلقه، وستر دون عباده، علم ما تختلف به الأيام، ومعرفة ما تجري عليه المقادير من حوادث الأمور، وريب المنون١ المُخْتَرِمة لِخَوَالي القرون، ومواضي الملوك فكرهنا شُسُوعَه٢ عن مَحَلَّة الملك، ودار السلطان، ومقر الإمامة والولاية، وموضع المدائن والخزائن، ومستقر الجنود، ومعدن الجود، ومجمع الأموال التي جعلها الله قُطبًا لمدار الملك، ومِصْيدة لقلوب الناس، ومثابة لإخوان الطمع، وثُوَّار الفتن، ودواعي البدع. وفرسان الضلال، وأبناء الموت، وقلنا إن وجَّه المهدي وليّ عهده، فحدث في جيوشه وجنوده، ما قد حدث بجنود الرسل من قبله، لم يستطعْ المهدي أن يُعَقِّبَهُم بغيره، إلا أن ينهض إليهم بنفسه، وهذا خطر عظيم، وهول شديد، إن تنفَّست الأيام بمقامه. واستدارت الحال بإمامه، حتى يقع عِوَض لا يُسْتَغْنَى عنه، أو يحدث أمر لا بدّ منه. صار ما بعده مما هو أعظم هولًا وأجل خطرًا، له تبعًا، وبه متصلًا".
стр. 1761
٦٥- مقال المهدي:
قال المهدي: "الخَطْبُ أيسر مما تذهبون إليه، وعلى غير ما تصفون الأمر عليه، نحن أهل البيت نجري من أسباب القضايا، ومواقع الأمور، على سابقٍ من العلم، ومحتوم من الأمر، قد أنبأت به الكتب، وتنبَّأَت عليه الرسل، وقد تناهى ذلك بأجمعه إلينا. وتكامل بِحَذَافِيرِه١ عندنا، فبه نُدَبِّر، وعلى الله نتوكل، إنه لا بُدّ لوليّ عهدي. ووليّ عهدٍ عقبي بعدي أن يقود إلى خراسان البعوث، ويتوجه نحوها بالجنود؛ أما الأول فإنه يُقَدم إليهم رسله، ويُعْمِل فيهم حِيَلَه. ثم يخرج نشيطًا إليهم حَنِقًا
стр. 1762
عليهم. يريد أن لا يدع أحدًا من إخوان الفتن، ودواعي البدع، وفرسان الضلال. إلا توطَّأه بحرِّ القتل، وألبسه قناع القهر. وقلَّده طوق الذل، ولا أحدًا من الذين عملوا في قصِّ جناح الفتنة، وإخماد نار البدعة، ونُصْرَة وُلَاة الحق، إلا أجرى عليهم دِيم فضله، وجداول نَهْلِهِ، فإذا خرج مُزْمِعًا به، مجمعًا عليه، لم يَسِر إلا قليلًا حتى يأتيه أن قد عملت حيله، وكَدَحَت كتبه، ونَفَذت مكايده، فَهَدَأَت نافرة القلوب. ووقعت طائرة الأهواء، واجتمع عليه المختلفون بالرضا، فيميل نظرًا لهم، وبرًّا بهم. وتعطفا عليهم، إلى عدو قد أخاف سبيلهم وقطع طريقهم، ومنع حجاجهم بيت الله الحرام، وسلب تجارهم رزق الله الحلال؛ وأما الآخر فإنه يوجِّه إليهم، ثم تعتقد له الحجة عليهم بإعطاء ما يطلبون، وبذل ما يسألون، فإذا سمحت الفِرَق بقراباتها له. وجنح أهل النواحي بأعناقهم نحوه، فأصغت إليه الأفئدة، واجتمعت له الكلمة. وقدمت عليه الوفود، قصد لأول ناحية بخعت١ بطاعتها، وألقت بأَزِمَّتِهَا، فألبسها جناح نعمته، وأنزلها ظلَّ كرامته وخصَّها بعظيم حبائه٢، ثم عمَّ الجماعة بالمَعْدِلَةِ وتعطف عليهم بالرحمة، فلا تبقى فيهم ناحية دانية، ولا فرقة قاصية، إلا دخلت عليها بركته، ووصلت إليها منفعته، فأغنى فقيرها، وجبر كسيرها، ورفع وضيعها. وزاد رفيعها، ما خلا ناحيتين، ناحية يغلب عليها الشقاء، وتستميلهم الأهواء، فتستخف بدعوته، وتبطئ عن إجابته، وتتثاقل عن حقه، فتكون آخر من يبعث وأبطأ من يوجِّه، فيصطلي عليها موجدة، ويبتغي لها عِلَّة، لا يلبث يُجِد٣ بحق يلزمهم، وأمر يجب عليهم، فتستلحمهم الجيوش، وتأكلهم السيوف، ويستحرّ بهم القتل، ويحيط بهم الأسْر، ويُفْنِيهم التتبُّع، حتى يُخَرِّب البلاد ويُؤْتِمَ الأولاد، وناحية لا يبسط لهم أمانًا، ولا يقبل لهم عهدًا، ولا يجعل لهم ذِمَّة، لأنهم أول من فتح باب الفُرقة.
стр. 1763
وتدَّرع جلباب الفتنة، وربض في شِقّ العصا، ولكنه يقتل أعلامهم، ويأسر قوادهم ويطلب هُرَّابهم، في لجَج البحار، وقُلَل الجبال، وحَمِيل١ الأودية، وبطون الأرض. تقتيلًا وتغليلًا وتنكيلا، حتى يدع الدنيا خرابًا، والنساء أيامي، وهذا أمر لا نعرف له في كتبنا وقتا، ولا نصحِّح منه غير ما قلنا تفسيرًا. وأما موسى ولي عهدي، فهذا أوان تَوَجُّهه إلى خراسان، وحلوله بجُرْجان، وما قضى الله له من الشخوص إليها. والمقام فيها، خير للمسلمين مَغَبَّةً، وله بإذن الله عاقبة من المقام بحيث يُغْمَر في لجج بحورنا، ومدافع سيولنا، ومجامع أمواجنا، فيتصاغر عظيم فضله، ويتذاءب٢ مشرق نوره، ويتقلَّل كثير ما هو كائن منه، فمن يصحبه من الوزراء، ويختار له من الناس؟ ".
стр. 1764
٦٦- مقال محمد بن الليث:
قال محمد بن الليث: "أيها المهدي: إن وليَّ عهدك أصبح لأمتك، وأهل ملتك، علما قد تثنَّت نحوه أعناقها، ومدت سَمْتَه أبصارها. وقد كان لقرب داره منك، ومحلِّ جواره لك، عُطْلَ١ الحال، غُفْلَ الأمر، واسع العذر. فأما إذا انفرد بنفسه. وخلا بنظره. وصار إلى تدبيره. فإن من شأن العامة أن تتفقَّد مخارج رأيه. وتستنصت لمواقع آثاره وتسال عن حوادث أحواله، في بِرِّه ومَرْحَمته. وإقساطه٢ ومَعْدَلته، وتدبيره وسياسته، ووزرائه وأصحابه. ثم يكون ما سبق إليه أغلب الأشياء عليهم، وأملك الأمور بهم، وألزمها لقلوبهم، وأشدها استمالةً لرأيهم، وعطفا لأهوائهم. فلا يفتأ المهدي -وفقه الله- ناظرًا له فيما يقوِّي عَمَد مملكته، ويسدِّد أركان ولايته،
стр. 1765
ويستجمع رضا أمته بأمر هو أزين لحاله. وأظهر لجماله، وأفضل مَغَبَّةً لأمره، وأجل موقعًا في قلوب رعيته، وأحمد حالًا في نفوس أهل مِلَّته. ولا أدفعَ مع ذلك باستجماع الأهواء له. وأبلغَ في استعطاف القلوب عليه، من مرحمةٍ تظهر من فعله. ومعدلة تنتشر عن أثره. ومحبة للخير وأهله، وأن يختار المهديُّ -وفقه الله- من خِيار أهل كل بلدة. وفقهاء أهلِ كل مصر، أقوامًا تسكُن العامة إليهم إذا ذكروا، وتأنس الرعية بهم إذا وُصفوا. ثم تسهِّل لهم عِمَارة سُبُل الإحسان، وفتح باب المعروف كما قد كان فتح له، وسُهِّل عليه".
قال المهدي: صدقت ونصحت. ثم بعث في ابنه موسى، فقال:
стр. 1766
٦٧- مقال المهدي:
"أي بنيَّ. إنك قد أصبحت لَسَمْت وجوه العامة نُصْبًا، ولمَثْنى أعطاف الرعية غاية، فحَسَنَتُكِ شاملة. وإساءتك نائية، وأمرك ظاهر، فعليك بتقوى الله وطاعته. فاحتمل سُخْط الناس فيهما، ولا تطلب رضاهم بخلافهما، فإن الله كافيك مَنْ أَسْخطه عليك إيثارُك رضاه. وليس بكافيك مَنْ يُسْخطه عليك إيثارُك رضا مَنْ سواه، ثم اعلم أن لله تعالى في كل زمان فترة من رسله. وبقايا من صفوة خلقه، وخبايا لنصرة حقه، يجدِّد حبل الإسلام بدعواهم، ويشيِّد أركان الدين بنصرتهم، ويتخذ لأولياء دينه أنصارًا، وعلى إقامة عدله أعوانًا. ويسُدُّون الخلل، ويقيمون المَيَل، ويدفعون عن الأرض الفساد، وإن أهل خراسان أصبحوا أيديَ دولتنا، وسيوف دعوتنا، الذين نستدفع المكاره بطاعتهم، ونستصرف نزول العظائم بمنَاصَحَتِهم. وندافع ريب الزمان بعزائمهم، ونُرَاحم ركن الدهر ببصائرهم، وهم عماد الأرض إذا أرجف كَنَفَها، وخوفُ الأعداء إذا برزت صفحتها، وحصون الرعية إذا تضايقت الحال بها، قد مضت لهم وقائع صادقات، ومواطن صالحات، أخمدت نيران
стр. 1767
الفتن، وقسمت دواعي البدع. وأذلت رقاب الجبَّارين، ولم ينفكُّوا كذلك ما جَرَوْا مع ريح دولتنا، وأقاموا في ظل دعوتنا، واعتصموا بحبل طاعتنا، التي أعزَّ الله بها ذلتهم، ورفع بها ضَعَتهم، وجعلهم بها أربابًا في أقطار الأرض، وملوكا على رقاب العالمين بعد لباس الذل، وقناع الخوف، وإطباق البلاء، ومحالفة الأسى، وجَهْْْدَ البأس والضر. فظاهر عليهم لباس كرامتك، وأنزلهم في حدائق نعمتك، ثم اعرف لهم حق طاعتهم، ووسيلة دالَّتهم، وماتَّة سابقتهم، وحُرْمة مناصحتهم، بالإحسان إليهم، والتوسعة عليهم، والإثابة لمحسنهم، والإقالة لمسيئهم.
أي بني، ثم عليك العامة. فاستدع رضاها بالعدل عليها، واستجلب مودتها بالإنصاف لها، وتحسَّن بذلك لربك، وتوثَّق به في عين رعيتك، واجعل عُمَّال العذْر وولاة الحجج مُقدَّمة بين يدي عملك، ونَصَفة منك لرعيتك، وذلك أن تأمر قاضي كل بلد وخيار أهل كل مصر، أن يختاروا لأنفسهم رجلًا توليه أمرهم، وتجعل العدل حاكمًا بينه وبينهم، فإن أحسن حُمِدت، وإن أساء عُذِرت. هؤلاء عمال العذر، وولاة الحجج، فلا يسقطنَّ عليك ما في ذلك إذا انتشر في الآفاق، وسبق إلى الأسماع من انعقاد ألسنة المرْجِفِين، وكبت قلوب الحاسدين، وإطفاء نيران الحروب، وسلامة عواقب الأمور، ولا ينفكَّنَّ في ظل كرامتك نازلًا، وبِعُرَا حبلك متعلقا، رجلان: أحدهما كريمة من كرائم رجالات العرب، وأعلام بيوتات الشرف، له أدب فاضل، وحِلْم راجح، ودين صحيح، والآخر له دين غير مغموز، وموضع غير مدخول، بصير بتقليب الكلام، وتصرف الرأي، وأنحاء العرب، ووضع الكتب، عالم بحالات الحروب، وتصاريف الخُطُوب، يضع آدابًا نافعة، وآثارًا باقية، من محاسنك وتحسين أمرك، وتَحْلِيَة ذكرك، فتستشيره في حربك، وتدخله في أمرك، فرجل أصَبْتَه كذلك، فهو يأوي إلى مَحَلَّتي، ويرعى في خضرة جناني، ولا تدع أن تختار لك من فقهاء البلدان، وخيار الأمصار، أقوامًا يكونون جيرانك وسمارك، وأهل
стр. 1768
مشاورتك فيما تُورِد، وأصحاب مناظرتك فيما تُصْدِر، فَسِرْ على بركة الله، أصحبَك الله من عونه وتوفيقه دليلًا يهدي إلى الصواب قلبك، وهاديًا ينطق بالخير لسانك".
وكُتب في شهر ربيع الآخر سنة سبعين ومائة ببغداد١.
"العقد الفريد ١: ٥٧"
стр. 1769
٦٨- ابن عتبة يعزي المهدي ويهنئه:
لما تُوفّي المنصور دخل ابن عتبة١ مع الخطباء على المهدي، فسلَّم فقال:
"آجَرَ الله أمير المؤمنين على أمير المؤمنين قبله، وبارك الله لأمير المؤمنين فيما خلَّفه له أمير المؤمنين بعده، فما مصيبةٌ أعظم من فَقْدِ أمير المؤمنين، ولا عُقْبَى أفضل من وراثة مقام أمير المؤمنين، فاقبل يا أمير المؤمنين من الله أفضل العطية، واحتسب عند الله أفضل الرَّزية".
"البيان والتبيين ٢: ١٠٣، والعقد الفريد ٢: ٣٥".
стр. 1770
٦٩- يعقوب بن داود يستعطف المهدي:
لما سَخِط المهدي على وزيره يعقوب بن داود١ أحضره، فقال: يا يعقوب، قال: لبَّيك يا أمير المؤمنين، تلبية مكروب لِمَوْجِدتك، شَرِق بغُصَّتك، قال:
стр. 1771
"ألم أرفع قدرك وأنت خامل، وأسيِّر ذكرك وأنت هامل، وأُلْبِسك من نعم الله تعالى ونعمي ما لم أجد عندك طاقة لحمله، ولا قياما بشكره؟ فكيف رأيت الله تعالى أظهَرَ١ عليك، وردَّ كيدك إليك! ".
قال: "يا أمير المؤمنين، إن كنت قلت هذا بتيقن وعلم فإني معترف، وإن كان بسعاية الباغين، ونمائم المعاندين، فأنت أعلم بأكثرها، وأنا عائذ بكرمك، وعميم شرفك".
فقال: لولا الحِنْثُ٢ في دمك لألبستك قميصا لا تشد عليه أزرارًا، ثم أمر به إلى السجن، فتولى وهو يقول: "الوفاء يا أمير المؤمنين كرم، والمودة رَحِم، وما على العفو نَدَم، وأنت بالعفو جدير، وبالمحاسن خليق"، فأقام في السجن إلى أن أخرجه الرشيد.
"زهر الآداب ٣: ٢٠٧"
стр. 1772
٧٠- رجل من أهل خراسان يخطب بحضرة المهدي:
وقَدِم على المهدي رجل من أهل خراسان، فقال: "أطال الله بقاء أمير المؤمنين، إنا قوم نَأَينَا عن العرب، وشغلتنا الحروب عن الخُطَب، وأمير المؤمنين يعلم طاعتنا، وما فيه مصلحتنا، فيكتفي منا باليسيرعن الكثير، ويقتصر على ما في الضمير، دون التفسير"، فقال المهدي: أنت أخطب من سمعته. "الصناعتين ص٤٠"
стр. 1773
٧١ - مقام صالح بن عبد الجليل بين يدي المهدي:
دخل صالح بن عبد الجليل على المهدي، فسأله أن يأذن له في الكلام، فقال: تكلم فقال:
"إنه لما سَهُل علينا ما توعَّر على غيرنا من الوصول إليك، قُمْنا مقام الأداء عنهم وعن رسول الله ﷺ بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنهي، عند انقطاع عُذْر الكتمان، ولا سيَّما حين اتسمت بميسَم التواضع، ووعدتَ الله وحَمَلَةَ كتابه إيثار الحق على ما سواه، فَجَمَعَنا وإياك مشهدٌ من مشاهد التمحيص، ليتم مؤدِّينا على موعود الأداء عنهم، وقابِلُنا على موعود القَبُول، أو يزيدنا تمحيص الله إيانا في اختلاف السر والعلانية، ويُحَلِّينا حلية الكذابين، فقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون:"من حجب الله عنه العلم، عذَّبه على الجهل، وأشد منه عذابًا مَنْ أقبل إليه العلم وأدبر عنه، ومن أهدى الله إليه علما فلم يعمل به، فقد رَغِب عن هديَّة الله وقصَّر بها"، فاقْبَل ما أهدى الله إليك من ألسنتنا، قبولَ تحقيق وعمل، لا قبولَ سُمْعَة ورياء، فإنه لا يَعْدمك منا إعلامٌ لما تجهل، أو مواطأة على ما تعلم، أو تذكير لك من غفلة، فقد وطن الله نبيه ﵊ على نزولها، وتعزيةً عما فات، وتحصينًا من التمادي، ودلالة على المخرج، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فَأَطْلِع الله على قلبك، بما ينور الله به القلوب، من إيثار الحق، ومنابذة الأهواء فإنك إن لم تفعل ذلك يُرَ أثرك وأثر الله عليك فيه، لا حول ولا قوة إلا بالله".
"العقد الفريد١: ٣٠٣، وعيون الأخبار م٢: ص٣٣٣، البيان والتبيين ٢: ١٨١.
стр. 1774
٧٢- عظة شبيب بن شيبة للمهدي:
وقال شَبيب بن شَيْبَة١ للمهدي: "يا أمير المؤمنين، إن الله إذ قَسَم الأقسام في الدنيا، جعل لك أسناها وأعلاها، فلا ترضَ لنفسك من الآخرة، إلا مثل ما رضِيَ لك به من...., فأوصيك بتقوى الله، فعليكم نزلت، ومنكم أُخِذت، وإليكم تُرَد".
"العقد الفريد ١: ٣٠٧".
стр. 1775
٧٣- خطبته في تعزية المهدي بابنته:
لما ماتت البانُوقَة بنت المهدي، جَزِع عليها جزعًا لم يُسْمع بمثله، فجلس للناس يعزونه، وأمر إلا يُحْجَب عنه أحد، فأكثر الناس في التعازي، واجتهدوا في البلاغة، وفي الناس من ينتقد هذا عليهم من أهل العلم والأدب، فأجمعوا على أنهم لم يسمعوا تعزية أوجز، ولا أبلغ من تعزية شَبيب بن شيبة، فإنه قال:
"أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رُزِئْت أجرًا، وأعقبك صبرًا، ولا أجهَد الله بلاءك بنقْمة، ولا نزع منك نعمة، ثواب الله خير لك منها، ورحمة الله خير لها منك وأحق ما صُبِر عليه ما لا يسهل إلى رده"١.
"تاريخ الطبري ١٠: ٢١".
стр. 1776
٧٤- خطبة أخرى له في مدح الخليفة:
قيل لبعض الخلفاء إن شَبيب بن شيبة يستعمل الكلام ويستعدَّ له، فلو أمرته أن يصعد المنبر فجأة لرجوت أن يفتضح، فأمر رسولا فأخذ بيده إلى المسجد فلم يفارقه حتى صَعِد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ حق الصلاة عليه، ثم قال:
стр. 1777
"ألا إن لأمير المؤمنين أشباهًا أربعة: الأسد الخادر١، والبحر الزاخر، والقمر الباهر، والربيع الناضر؛ فأما الأسد الخادر: فأشبه منه صولتهُ ومَضَاءه؛ وأما البحر الزاخر: فأشبه منه جوده وعطاءه؛ وأما القمر الباهر: فأشبه منه نوره وضياءه؛ وأما الربيع الناضر: فأشبه منه حسنه وبهاءه، ثم نزل وأنشأ يقول:
وموقف مثل حد السيف قمتُ به ... أحْمِي الذِّمار وترميني به الحَدَقُ٢
فما زَلِقَت، وما ألقيت كاذبةً ... إذا الرجال على أمثاله زِلقُوا
"العقد الفريد ٢: ١٥٨، ١: ١٣٨، زهر الآداب ٣: ٢٠٩".
стр. 1778
٧٥- كلمات لشبيب بن شيبة:
وقال شبيب: "اطلب الأدب، فإنه دليل على المروءة، وزيادة في العقل، وصاحب في الغُرْبَة، وصِلَة في المجلس".
وقال للمهدي يومًا: "أراك الله في بنيك، ما أرى أباك فيك، وأرى الله بنيك فيك، وما أراك في أبيك".
وخرج من دار الخلافة يومًا، فقال له قائل: كيف رأيت الناس؟ قال: "رأيت الداخل راجيًا، والخارج راضيًا".
"البيان والتبيين ١: ١٩٠، وزهر الآداب ٣: ١٢٩".
стр. 1779
٧٦- خطبة يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب:
يوم ولي الرشيد الخلافة
روى الطبري قال: لما كانت الليلة التي توفي فيها موسى الهادي، وأخرج هَرْثَمَة ابن أَعْيَن هارون الرشيد ليلًا، فأقعده للخلافة، فدعا هارون يحيى بن خالد بن بَرْمَك
стр. 1780
-وكان محبوسًا- وقد كان عزم موسى على قتله، وقتل هارون الرشيد في تلك الليلة١ فحضر يحيى، وتقلَّد الوزارة، ووجه إلى يوسف بن القاسم بن صُبَيح الكاتب، فأحضره وأمر بإنشاء الكتب، فلما كان غداة تلك الليلة وحضر القوَّاد، قام يوسف بن القاسم، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على محمد ﷺ ثم قال:
"إن الله بمنِّه ولطفه، منَّ عليكم معاشرَ أهل بيت نبيه، وبيت الخلافة، ومَعْدِن الرسالة، وإياكم أهل الطاعة من أنصار الدولة وأعوان الدعوة، من نعمه التي لا تحصى بالعدد، ولا تنقضي مدى الأبد، وأياديه التامة، أن جمع أُلفتكم، وأعلى أمركم، وشد عَضُدكم، وأوهن عدوكم، وأظهر كلمة الحق، وكنتم أولى بها وأهلها، فأعزكم الله وكان الله قويًّا عزيزًا، فكنتم أنصار دين الله المرتضَى، والذَّابِّين بسيفه المنتضى، عن أهل بيت نبيه ﷺ وبكم استنقذهم من أيدي الظلمة أئمة الجور، والناقضين عهد الله، والسافكين الدم الحرام، والآكلين الفيء والمستأثرين به، فاذكروا ما أعطاكم الله من هذه النعمة، واحذروا أن تغيِّروا فيغيِّر بكم، وإن الله -جل وعز- استأثر بخليفته موسى الهادي الإمام، فقبضه إليه، وولى بعده رشيدًا مرضيًّا أمير المؤمنين بكم رءوفًا رحيما، من محسنكم قبولًا، وعلى مسيئكم بالعفو عطوفًا، وهو، أمتعه الله بالنعمة، وحفظ له ما استرعاه إياه من أمر الأمة، وتولَّاه بما تولى به أولياءه وأهل طاعته –بَعِدكم من نفسه الرأفة بكم، والرحمة لكم، وقَسْم أعطياتِكم فيكم عند استحقاقكم، ويَبْذُل لكم من الجائزة، مما أفاء الله على الخلفاء، مما في بيوت المال ما ينوب عن رزق كذا وكذا شهرًا، غير مُقَاضٍ لكم بذلك فيما تستقبلون من أعطياتكم وحاملًا باقي ذلك للدَّفع عن حريمكم، وما لعلَّه أن يحدث في النواحي والأقطار من
стр. 1781
العصاة المارقين، إلى بيوت الأموال، حتى تعود الأموال إلى جمامها١ وكثرتها، والحال التي كانت عليها، فاحمدوا الله وجدِّدُوا شكرًا يُوجِب لكم المزيد من إحسانه إليكم، بما جدَّدَ لكم من رأي أمير المؤمنين، وتفضل به عليكم، وأيَّده الله بطاعته، وارغبوا إلى الله له في البقاء، ولكم به في إدامة النَّعماء، لعلكم ترحمون، وأعطوا صَفْقة إيمانكم، وقوموا إلى بيعتكم، حاطكم الله وحاط عليكم، وأصلح بكم وعلى أيديكم، وتولاكم ولاية عباده الصالحين".
"تاريخ الطبري ١٠: ٤٨"
стр. 1782
٧٧- خطبة هارون الرشيد "توفي سنة ١٩٣هـ":
"الحمد لله نحمده على نعمه، ونستعينه على طاعته، ونستنصرُه على أعدائه، ونؤمن به حقًّا، ونتوكل عليه، مفوِّضين إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، بعثه على فترة من الرسل، ودُرُوسٍ١ من العلم، وإدبار من الدنيا، وإقبال من الآخرة، بشيرًا بالنعيم المقيم، ونذيرًا بين يدي عذاب أليم، فبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة، وجاهد في الله، فأدَّى عن الله وعده ووعيده، حتى أتاه اليقين، فعلى النبي من الله صلاة ورحمة وسلام.
أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإن في التقوى تكفيرَ السيئات، وتضعيفَ الحسنات، وفوزًا بالجنة، ونجاة من النار، وأحَذِّركم يومًا تشخص٢ فيه الأبصار، وتُعْلَن فيه الأسرار، يوم البعث، ويوم التغابن٣، ويوم التَّلاق، ويوم التَّناد، يوم لا يُسْتَعْتَب من سيئة، ولا يُزْداد من حسنة، ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ ٤ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ٥
стр. 1783
وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ .
عباد الله: إنكم لم تُخْلَقُوا عبثًا، ولن تُتْركوا سدىً، حصِّنُوا إيمانكم بالأمانة، ودينكم بالورع، وصلاتكم بالزكاة، فقد جاء في الخبر أن النبي ﷺ قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له، ولا صلاة لمن لا زكاة له". إنكم سفر١ مجتازون، وأنتم عن قريب تنقلون من دار فناء إلى دار بقاء، فسارعوا إلى المغفرة بالتوبة، وإلى الرحمة بالتقوى، وإلى الهدى بالأمانة، فإن الله تعالى ذكره أوجب رحمته للمتقين، ومغفرته للتائبين، وهداه للمنيبين. قال وقوله الحق: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ، وقال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ، وإياكم والأمانيَّ، فقد غرَّت وأرْدَت٢، وأوبَقَت كثيرًا، حتى أكذبتهم مناياهم، فتناوشوا٣ التوبة من مكان بعيد، ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ، فأخبركم ربكم عن المَثُلَات فيهم وصرَّف الآيات، وضرب الأمثال، فرغَّب بالوعد، وقدّم إليكم الوعيد، وقد رأيتم وقائعهم بالقرون الخوالي جيلًا فجيلا، وعَهِدتم الآباء والأبناء والأحبة والعشائر، باختطاف الموت إياهم من بيوتكم، ومن بين أظْهُركم، لا تدفعون عنهم، ولا تحولون دونهم، فزالت عنهم الدنيا، وانقطعت بهم الأسباب، فأَسْلَمَتْهم إلى أعمالهم عند المواقف والحساب والعقاب، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ . إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله؛ يقول الله ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
стр. 1784
اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ .
آمركم بما أمركم الله به، وأنهاكم عما نهاكم عنه، وأستغفر الله لي ولكم.
"العقد الفريد ٢: ١٤٧".
стр. 1785
٧٨- وصية الرشيد لمؤَدِّب ولده الأمين:
ووصى الرشيد مؤدب ولده الأمين، فقال:
"يا أحمر١، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه، فصيِّر يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، أَقْرِئه القرآن، وعرِّفه الأخبار، وروِّه الأشعار، وعلمه السنن، وبصِّره بمواقع الكلام وبَدْئِه، وامْنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورَفْع مجالس القوَّاد إذا حضروا مجلسه، ولا تَمُرَّنَّ بك ساعة إلا وأنت مُغْتَنِم فائدة تفيده إياها، من غير أن تُحْزِنه، فتميت ذهنه، ولا تُمْعِن في مسامحته، فيستحلِيَ الفراغ ويأْلَفه، وقَوِّمُه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغِلْظَة".
"مقدمة ابن خلدون ص٦٣٢".
стр. 1786
٧٩- خطبة لجعفر بن يحيى البرمكي "قتل سنة ١٨٧هـ":
وهاجت العصبية بالشأم بين أهلها في عهد الرشيد "سنة١٨٠" وتفاقم أمرها، فاغتم َّلذلك الرشيد، وعقد لجعفر بن يحيى على الشأم، وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر: بل أقِيك بنفسي، فشخص في جِلَّة القواد والكُراع والسلاح، فأتاهم فأصلح بينهم، وقتل زَوَاقيلهم١ والمتلصِّصة منهم، ولم يَدْع بها رمحًا ولا فرسًا، فعاودا إلى الأمن والطُّمأنينة، وأطفأ تلك النائِرة.
стр. 1787
فلما قَدِم على الرشيد دخل عليه، فقبَّل يديه ورجليه، ثم مَثَل بين يديه، فقال: "الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي آنَسَ وحشتي، وأجاب دعوتي، ورحم تَضَرُّعِي، وأنسأ١ في أجلي، حتى أراني وجه سيدي، وأكرمني بقُرْبه، وامتن علي بتقبيل يده، وردَّنِي إلى خدمته، فوالله إن كنت لأذكر غيبتي عنه، ومخرجي والمقادير التي أزعجتني، فأعلم أنها كانت بمعاصٍ لحقتني، وخطايا أحاطت بي، ولو طال مُقَامِي عنك يا أمير المؤمنين -جعلني الله فداك- لَخِفْتُ أن يذهب عقلي، إشفاقًا على قُرْبك، وأسفًا على فراقك، وأن يعجل بي عن إذنك الاشتياقُ إلى رؤيتك، والحمد لله الذي عصمني في حال الغيبة، وأمتعني بالعافية، وعرَّفني الإجابة، ومسَّكني بالطاعة، وحال بيني وبين استعمال المعصية، فلم أشخص إلا عن رأيك، ولم أقْدَم إلا عن إذنك وأمرك، ولم يخترِ مني أجل دونك، والله يا أمير المؤمنين- فلا أعظم من اليمين بالله- لقد عاينتُ ما لو تُعَرض لي الدنيا كلها، لاخترت عليها قرَبك، وَلَمَا رأيتها عِوَضًا من المُقام معك".
ثم قال له بعقب هذا الكلام في هذا المقام:
"إن الله يا أمير المؤمنين لم يزل يُبْلِيك٢ في خلافتك، بقدر ما يعلم من نيَّتك، ويريك في رعيتك غاية أمنيتك، فيصلح لك جماعتهم، ويجمع أُلْفتهم، ويَلُمَّ شَعَثَهم، حفظًا لك فيهم، ورحمة لهم؛ وإنما هذا للتمسك بطاعتك، والاعتصام بحبل مَرْضَاتك، والله المحمود على ذلك وهو مُسْتَحِقُّه. وفارقتُ يا أمير المؤمنين أهل كُوَرِ الشأم وهم منقادون لأمرك، نادمون على ما فَرَط من معصيتهم لك، متمسكون بحبلك، نازلون على حكمك، طالبون لعفوك، واثقون بحِلْمِك، مؤمِّلون فضلك، آمنون بادرتك، حالهم في ائتلافهم كحالهم كانت في اختلافهم، وحالهم في أُلفتهم كحالهم
стр. 1788
كانت في امتناعهم، وعفو أمير المؤمنين عنهم، وتغمُّده١ لهم، سابق لمعذرتهم وصلة أمير المؤمنين لهم، وعطفهُ عليهم، متقدم عنده لمسألتهم، وايم الله يا أمير المؤمنين لئن كنتُ قد شَخَصتُ عنهم، وقد أخمد الله شرارهم، وأطفأ نارهم، ونفى مرَّاقهم٢، وأصلح دهماءهم٣، وأولاني الجميل فيهم، ورزقني الانتصار منهم، فما ذلك كله: إلا ببركتك ويمنك وريحك٤، ودوام دولتك السعيدة الميمونة الدائمة، وتخوفهم منك، ورجائهم لك. والله يا أمير المؤمنين ما تقدمت إليهم إلا بوصيتك، وما عاملتهم إلا بأمرك، ولا سِرْتُ فيهم إلا على حدِّ ما مثلته لي ورسَمْتَه، وَوَقَّفتني عليه، ووالله ما انقادوا إلا لدعوتك، وَتَوَحُّد٥ الله بالصُّنع لك، وتخوُّفهم من سطوتك. وما كان الذي كان مني، وإن كنت قد بذلت جهدي، وبلغت مجهودي، قاضيًا بعض حقِّك عليَّ، بل ما ازدادت نعمتك عليَّ عِظَمًا، إلا ازددت عن شكرك عجزًا وضعفًا، وما خلق الله أحدًا من رعيتك، أبعدَ من أن يُطْمع نفسه في قضاء حقك مني، وما ذلك إلا أن أكون باذلًا مهجتي في طاعتك، وكلِّ ما يقرب إلى موافقتك، ولكني أعرف من أياديك عندي ما لا أعرف مثلها عند غيري، فكيف بشكري! وقد أصبحت واحد أهل دهري، فيما صنعته فيَّ؟ وبيَ؟ أم كيف بشكري! وإنما أقوى على شكرك بإكرامك إياي؟، وكيف بشكرك! لو جعل الله شكري في إحصاء ما أَوْليتَنِي، لم يأت على ذلك عَدِّي؟ وكيف بشكري! وأنت كهفي دون كل كهف لي؟ وكيف بشكري! وأنت لا ترضى لي ما أرضاه لي؟ وكيف بشكري! وأنت تجدد من نعمتك عندي ما يستغرق كل ما سلف عندك لي؟ أم كيف بشكري! وأنت تُنْسينِي ما تقدم من إحسانك إليَّ، بما تجدِّده لي؟ أم كيف بشكري؟ وأنت
стр. 1789
تقَدِّمني بِطَوْلك على جميع أكفائي؟ أم كيف بشكري! وأنت وَليِّي؟ أم كيف بشكري! وأنت المكرم لي؟ أنا أسأل الله الذي رزقني ذلك منك من غير استحقاق له؛ إذ كان الشكر مقصِّرًا عن بلوغ تأدية بعضه، بل دون شِقْص١ من عُشْر عَشِيره أن يتولى مكافأتك عني، بما هو أوسع له وَأقدر عليه، وأن يقضي عَنِّي حقك، وجليل مِنَّتك، فإن ذلك بيده، وهو القادر عليه".
"تاريخ الطبري ١٠: ٦٦".
стр. 1790
٨٠- استعطاف أم جعفر بن يحيى للرشيد:
روى صاحب العقد قال:
"كانت أم جعفر بن يحيى١ -وهي فاطمة بنت محمد بن الحسين بن قَحْطبة- أرضعت الرشيد مع جعفر؛ لأنه كان رُبِّيَ في حجرها، وغُذِّيَ بِرِسْلها٢، ولأن أمه ماتت عن مهده، فكان الرشيد يشاورها مُظهِرًا لإكرامها، والتبرك برأيها، وكان آلى وهو في كفالتها أن لا يحجُبها، ولا استشفعته لأحد إلا شفَّعها، وآلت عليه أمُّ جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونًا لها، ولا شفعت لأحد مقترف ذنبًا، فكم أسير فكَّت ومُبْهم عنده فتحت، ومستغلق منه فرَّجت، واحتجب الرشيد بعد قدومه٣، فطلبت الإذن عليه من دار الباقونة، ومتَّت٤ بوسائلها إليه، فلم يأذن لها، ولا أمر بشيء فيها، فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها، واضعة لثامها، محتفية٥ في مشيها، حتى صارت بباب قصر الرشيد، فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب،