٧٩- خطبة لجعفر بن يحيى البرمكي "قتل سنة ١٨٧هـ":
وهاجت العصبية بالشأم بين أهلها في عهد الرشيد "سنة١٨٠" وتفاقم أمرها، فاغتم َّلذلك الرشيد، وعقد لجعفر بن يحيى على الشأم، وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر: بل أقِيك بنفسي، فشخص في جِلَّة القواد والكُراع والسلاح، فأتاهم فأصلح بينهم، وقتل زَوَاقيلهم١ والمتلصِّصة منهم، ولم يَدْع بها رمحًا ولا فرسًا، فعاودا إلى الأمن والطُّمأنينة، وأطفأ تلك النائِرة.
стр. 1787
فلما قَدِم على الرشيد دخل عليه، فقبَّل يديه ورجليه، ثم مَثَل بين يديه، فقال: "الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي آنَسَ وحشتي، وأجاب دعوتي، ورحم تَضَرُّعِي، وأنسأ١ في أجلي، حتى أراني وجه سيدي، وأكرمني بقُرْبه، وامتن علي بتقبيل يده، وردَّنِي إلى خدمته، فوالله إن كنت لأذكر غيبتي عنه، ومخرجي والمقادير التي أزعجتني، فأعلم أنها كانت بمعاصٍ لحقتني، وخطايا أحاطت بي، ولو طال مُقَامِي عنك يا أمير المؤمنين -جعلني الله فداك- لَخِفْتُ أن يذهب عقلي، إشفاقًا على قُرْبك، وأسفًا على فراقك، وأن يعجل بي عن إذنك الاشتياقُ إلى رؤيتك، والحمد لله الذي عصمني في حال الغيبة، وأمتعني بالعافية، وعرَّفني الإجابة، ومسَّكني بالطاعة، وحال بيني وبين استعمال المعصية، فلم أشخص إلا عن رأيك، ولم أقْدَم إلا عن إذنك وأمرك، ولم يخترِ مني أجل دونك، والله يا أمير المؤمنين- فلا أعظم من اليمين بالله- لقد عاينتُ ما لو تُعَرض لي الدنيا كلها، لاخترت عليها قرَبك، وَلَمَا رأيتها عِوَضًا من المُقام معك".
ثم قال له بعقب هذا الكلام في هذا المقام:
"إن الله يا أمير المؤمنين لم يزل يُبْلِيك٢ في خلافتك، بقدر ما يعلم من نيَّتك، ويريك في رعيتك غاية أمنيتك، فيصلح لك جماعتهم، ويجمع أُلْفتهم، ويَلُمَّ شَعَثَهم، حفظًا لك فيهم، ورحمة لهم؛ وإنما هذا للتمسك بطاعتك، والاعتصام بحبل مَرْضَاتك، والله المحمود على ذلك وهو مُسْتَحِقُّه. وفارقتُ يا أمير المؤمنين أهل كُوَرِ الشأم وهم منقادون لأمرك، نادمون على ما فَرَط من معصيتهم لك، متمسكون بحبلك، نازلون على حكمك، طالبون لعفوك، واثقون بحِلْمِك، مؤمِّلون فضلك، آمنون بادرتك، حالهم في ائتلافهم كحالهم كانت في اختلافهم، وحالهم في أُلفتهم كحالهم
стр. 1788
كانت في امتناعهم، وعفو أمير المؤمنين عنهم، وتغمُّده١ لهم، سابق لمعذرتهم وصلة أمير المؤمنين لهم، وعطفهُ عليهم، متقدم عنده لمسألتهم، وايم الله يا أمير المؤمنين لئن كنتُ قد شَخَصتُ عنهم، وقد أخمد الله شرارهم، وأطفأ نارهم، ونفى مرَّاقهم٢، وأصلح دهماءهم٣، وأولاني الجميل فيهم، ورزقني الانتصار منهم، فما ذلك كله: إلا ببركتك ويمنك وريحك٤، ودوام دولتك السعيدة الميمونة الدائمة، وتخوفهم منك، ورجائهم لك. والله يا أمير المؤمنين ما تقدمت إليهم إلا بوصيتك، وما عاملتهم إلا بأمرك، ولا سِرْتُ فيهم إلا على حدِّ ما مثلته لي ورسَمْتَه، وَوَقَّفتني عليه، ووالله ما انقادوا إلا لدعوتك، وَتَوَحُّد٥ الله بالصُّنع لك، وتخوُّفهم من سطوتك. وما كان الذي كان مني، وإن كنت قد بذلت جهدي، وبلغت مجهودي، قاضيًا بعض حقِّك عليَّ، بل ما ازدادت نعمتك عليَّ عِظَمًا، إلا ازددت عن شكرك عجزًا وضعفًا، وما خلق الله أحدًا من رعيتك، أبعدَ من أن يُطْمع نفسه في قضاء حقك مني، وما ذلك إلا أن أكون باذلًا مهجتي في طاعتك، وكلِّ ما يقرب إلى موافقتك، ولكني أعرف من أياديك عندي ما لا أعرف مثلها عند غيري، فكيف بشكري! وقد أصبحت واحد أهل دهري، فيما صنعته فيَّ؟ وبيَ؟ أم كيف بشكري! وإنما أقوى على شكرك بإكرامك إياي؟، وكيف بشكرك! لو جعل الله شكري في إحصاء ما أَوْليتَنِي، لم يأت على ذلك عَدِّي؟ وكيف بشكري! وأنت كهفي دون كل كهف لي؟ وكيف بشكري! وأنت لا ترضى لي ما أرضاه لي؟ وكيف بشكري! وأنت تجدد من نعمتك عندي ما يستغرق كل ما سلف عندك لي؟ أم كيف بشكري! وأنت تُنْسينِي ما تقدم من إحسانك إليَّ، بما تجدِّده لي؟ أم كيف بشكري؟ وأنت
стр. 1789
تقَدِّمني بِطَوْلك على جميع أكفائي؟ أم كيف بشكري! وأنت وَليِّي؟ أم كيف بشكري! وأنت المكرم لي؟ أنا أسأل الله الذي رزقني ذلك منك من غير استحقاق له؛ إذ كان الشكر مقصِّرًا عن بلوغ تأدية بعضه، بل دون شِقْص١ من عُشْر عَشِيره أن يتولى مكافأتك عني، بما هو أوسع له وَأقدر عليه، وأن يقضي عَنِّي حقك، وجليل مِنَّتك، فإن ذلك بيده، وهو القادر عليه".
"تاريخ الطبري ١٠: ٦٦".
стр. 1790
٨٠- استعطاف أم جعفر بن يحيى للرشيد:
روى صاحب العقد قال:
"كانت أم جعفر بن يحيى١ -وهي فاطمة بنت محمد بن الحسين بن قَحْطبة- أرضعت الرشيد مع جعفر؛ لأنه كان رُبِّيَ في حجرها، وغُذِّيَ بِرِسْلها٢، ولأن أمه ماتت عن مهده، فكان الرشيد يشاورها مُظهِرًا لإكرامها، والتبرك برأيها، وكان آلى وهو في كفالتها أن لا يحجُبها، ولا استشفعته لأحد إلا شفَّعها، وآلت عليه أمُّ جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونًا لها، ولا شفعت لأحد مقترف ذنبًا، فكم أسير فكَّت ومُبْهم عنده فتحت، ومستغلق منه فرَّجت، واحتجب الرشيد بعد قدومه٣، فطلبت الإذن عليه من دار الباقونة، ومتَّت٤ بوسائلها إليه، فلم يأذن لها، ولا أمر بشيء فيها، فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها، واضعة لثامها، محتفية٥ في مشيها، حتى صارت بباب قصر الرشيد، فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب،
стр. 1791
فقال: ظِئْر١ أمير المؤمنين بالباب، في حالة تَقْلِب شمانة الحاسد، إلى شفقة أم الواحد؛ فقال الرشيد: ويحك يا عبد الملك! أو ساعية؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين حافية. قال: أدخلها يا عبد الملك، فرب كبد غَذَّتها، وكُرْبة فرَّجتها، وعورة سترتها، فدخلت، فلما نظر الرشيد إليها داخلة محتفية، قام محتفيا حتى تلقَّاها بين عَمَد المجلس وأكبَّ على تقبيل رأسها، ومواضع ثَدْييها، ثم أجلسها معه، فقالت: يا أمير المؤمنين أَيَعْدُو علينا الزمان، ويجفونا خوفا لك الأعوانُ، ويُحْرِدُك٢ بنا البهتان، وقد ربَّيتك في حجري، وأخذت برضاعك الأمان من عدوِّي ودهري؟ فقال لها: وما ذلك يا أم الرشيد، قالت: ظئرك يحيى، وأبوك بعد أبيك، ولا أصفه بأكثر مما عرَفه به أمير المؤمنين، من نصيحته، وإشفاقه عليه، وتعرُّضه للحتف في شأن موسى أخيه٣، قال لها: يا أم الرشيد، أمر سبق، وقضاء حمَّ٤، وغضب من الله نفَذَ، قالت: يا أمير المؤمنين ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ٥ قال: صدقت فهذا مما لم يَمْحُه الله، فقالت: الغيب محجوب عن النبيين، فكيف عنك يا أمير المؤمنين؟ فأطرق الرشيد مليًّا، ثم قال:
стр. 1792
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع١
فقالت بغير روية: ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين، وقد قال الأول٢:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذُخْرًا يكون كصالح الأعمال
هذا بعد قول الله ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . فأطرق هارون مليًّا، ثم قال: يا أمَّ الرشيد أقول:
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تُقْبَل
فقالت: يا أمير المؤمنين وأقول:
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كفٍّ تَبَدَّلُ٣
قال هارون: رضيت، قالت: فهَبْه لي يا أمير المؤمنين، فقد قال رسول الله، ﷺ : "من ترك شيئًا لله، لم يوجده٤ الله لِفَقْدِه" فأكبَّ هارون مليًّا، ثم رفع رأسه يقول: ﴿للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْل وَمِنْ بَعْد﴾ قالت: يا أمير المؤمنين ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ واذكر يا أمير المؤمنين ألِيَّتك٥ ما استشفعت إلا شفعَّتني. قال: واذكري يا أم الرشيد ألِيَّتك أن لا شفعت لمقترف ذنبًا، فلما رأته صرَّح بمنعها، ولاذ٦ عن مطلبها، أخرجت حُقًّا من زُمُرُّدة٧ خضراء، فوضعته بين يديه، فقال الرشيد: ما هذا؟ ففتحت عنه قُفلا من ذهب؛ فأخرجت منه خَفْضَته٨ وذوائبه وثناياه، قد غمست جميع ذلك في المسك، فقالت: يا أمير المؤمنين، أستشفع إليك، وأستعين بالله عليك،
стр. 1793
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع١
فقالت بغير روية: ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين، وقد قال الأول٢:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذُخْرًا يكون كصالح الأعمال
هذا بعد قول الله ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . فأطرق هارون مليًّا، ثم قال: يا أمَّ الرشيد أقول:
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تُقْبَل
فقالت: يا أمير المؤمنين وأقول:
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كفٍّ تَبَدَّلُ٣
قال هارون: رضيت، قالت: فهَبْه لي يا أمير المؤمنين، فقد قال رسول الله، ﷺ : "من ترك شيئًا لله، لم يوجده٤ الله لِفَقْدِه" فأكبَّ هارون مليًّا، ثم رفع رأسه يقول: ﴿للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْل وَمِنْ بَعْد﴾ قالت: يا أمير المؤمنين ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ واذكر يا أمير المؤمنين ألِيَّتك٥ ما استشفعت إلا شفعَّتني. قال: واذكري يا أم الرشيد ألِيَّتك أن لا شفعت لمقترف ذنبًا، فلما رأته صرَّح بمنعها، ولاذ٦ عن مطلبها، أخرجت حُقًّا من زُمُرُّدة٧ خضراء، فوضعته بين يديه، فقال الرشيد: ما هذا؟ ففتحت عنه قُفلا من ذهب؛ فأخرجت منه خَفْضَته٨ وذوائبه وثناياه، قد غمست جميع ذلك في المسك، فقالت: يا أمير المؤمنين، أستشفع إليك، وأستعين بالله عليك،
стр. 1794
٨١- خطبة يزيد بن مزيد الشيباني:
لما رضى الرشيد عن يزيد بن مَزْيد١ أذن له بالدخول عليه، فلما مَثَل بين يديه قال: "يا أمير المؤمنين، والحمد لله الذي سَهَّل لي سبيل الكرامة بلقائك، وردَّ عليَّ
стр. 1795
النعمةَ بوجه الرضا منك، وكشف عني ضبابة الكرب بإفضالك، وجزاك الله يا أمير المؤمنين في حال سُخْطك جَزَاء المحسنين المراقبين، وفي حال رضا جَزَاء المنعمين الممتنِّين المتطوِّلين، فقد جعلك الله -وله الحمد- تَثَبَّتُ١ تحرُّجًا عند الغضب، وتمتَنُّ تطولا بالنعم، وتستبقي المعروف عند الصنائع٢ تفضلًا بالعفو".
"العقد الفريد ١: ١٤١، وتاريخ الطبري ١٠: ١١٧، وزهر الآداب ٢: ٢٨٧".
стр. 1796
٨٢- خطبة عبد الملك بن صالح ١ "توفى سنة ١٩٦هـ":
أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم: ﴿أَفلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ يأهل الشأم، إن الله وصف إخوانكم في الدين، وأشباهكم في الأجسام فحذَّرهم نبيَّه محمدًا ﷺ فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ فقاتلكم الله أنَّي تُصْرَفون؟ جثث ماثلة، وقلوب طائرة، تشُبُّون٢ الفتن، وتُوَلُّون الدُّبر، إلا عن حرم الله فإنه دَرِيئَتكم٣، وحَرَم رسوله، فإنه مَغْزَاكم، وأَمَا وحُرْمَة النبوَّة والخلافة لتنفرُنَّ خفافًا وثقالًا، أو لأوسعنكم إرغامًا ونكالًا".
"العقد الفريد ٢: ١٤٦".
стр. 1797
٨٣- عبد الملك بن صالح يعزي الرشيد ويهنئه:
دخل عبد الملك بن صالح دار الرشيد، فقال له الحاجب: إن أمير المؤمنين قد أصيب الليلة بابن له، ووُلِد له آخر، فلما دخل عليه قال: "سرَّك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءك، ولا ساءك فيما سرك، وجعل هذه بهذه، مَثُوبة على الصبر، وجَزَاءً على الشكر".
"العقد الفريد ٢: ٣٥".
стр. 1798
٨٤- غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح:
ونَصَبَ١ له ابنُه "عبد الرحمن" وكاتِبُه "قُمامَة" فسعيا به إلى الرشيد، وقالا له: إنه يطلب الخلافة، ويطمع فيها، فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع، وذكروا أنه أدخل على الرشيد حين سَخَطَ عليه، فقال له الرشيد: أكفرًا بالنعمة، وجحودًا لجليل المنَّة والتكرمة؟ فقال: "يا أمير المؤمنين، لقد بُؤْتُ٢ إذن بالندم، وتعرضت لاستحلال النِّقَم، وما ذاك إلا بغيُ حاسد، نافَسَني فيك مودة القرابة، وتقديم الولاية، إنك يا أمير المؤمنين خليفة رسول -الله ﷺ في أمَّته، وأَمِينُه على عِتْرَته، لك عليها فرض الطاعة وأداء النصيحة، ولها عليك العدل في حكمها، والتثبت في حادثها، والغُفْرَان لذنوبها"، فقال له الرشيد: "أتضع لي من لسانك، وترفع لي من جنانك؟ هذا كاتبك قمامة، يخبر بغلِّك وفساد نيتك، فاسْمَع كلامه"، فقال عبد الملك: "أعطاك ما ليس في عَقْده٣، لعله لا يقدر أن يَعْضَهني٤ ولا يَبْهَتَني بما لم يَعْرِفه مني"، وأُحْضِر قمامة، فقال له الرشيد: تكلم غير هائب ولا خائف، قال: "أقول إنه عازم على الغدر بك والخلاف عليك"،
стр. 1799
فقال عبد الملك: أهو كذاك يا قمامة؟ قال قمامة: نعم، لقد أردتَ خَتْل١ أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: وكيف لا يكذب عليَّ مِن خلفي، وهو يبهتني في وجهي؟ " فقال له الرشيد: "وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بِعُتُوِّكَ، وفساد نيتك، ولو أردتُ أن أحتج عليك بحجَّة لم أجد أعدل من هذين لك، فبمَ تدفعهما عنك؟ "، فقال عبد الملك: "هو مأمور، أو عاقّ مجبور، فإن كان مأمورًا: فمعذور، وإن كان عاقًّا: ففاجر كفور، أخبر الله بعداوته، وحذَّر منه بقوله: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ ، فنهض الرشيد وهو يقول: "أما أمرك فقد وضح، ولكني لا أعجل حتى أعلم الذي يرضي الله فيك، فإنه الحَكَم بيني وبينك"، فقال عبد الملك: "رضيت بالله حَكَمًا، وبأمير المؤمنين حاكما، فإني أعلم أنه يُؤْثِر كتاب الله على ما هواه وأمر الله على رضاه".
فلما كان بعد ذلك جلس مجلسًا آخر، فسلم لما دخل، فلم يردَّ عليه، فقال عبد الملك: ليس هذا يومًا أحتجُّ فيه، ولا أجاذب منازعًا وخصمًا. قال: ولم؟ قال: لأن أوَّله جرى على غير السنة، فأنا أخاف آخره، قال: وما ذاك؟ قال: لم ترُدَّ عليَّ السلام، أنصف نَصَفة العوام، قال: السلام عليكم اقتداء بالسنة، وإيثارًا للعدل، واستعمالًا للتحية، ثم التفت نحو سليمان بن أبي جعفر فقال: وهو يخاطب بكلامه عبد الملك:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك مِنْ خليلك من مُراد
ثم قال: "أما والله لكأني أنظر إلى شُؤْبُوبِها قد هَمَع٢، وعارضها٣ قد لَمَع،
стр. 1800
وكأني بالوعيد قد أَوْرَى نارًا تَسْطَع، فأقلع عن بَرَاجِمَ١ بلا مَعَاصِم، ورءوس بلا غَلَاصِم٢ فمهلًا مهلا، فبي والله سَهُل لكم الوَعْر، وصفا لكم الكَدر، وألقت إليكم الأمور أثناء٣ أزمَّتها، فنَذار لكم نذارِ قبل حلول داهيةٍ خبوط باليد، لَبُوط٤ بالرجل". فقال عبد الملك: "اتق الله يا أمير المؤمنين فيما ولَّاك، وفي رعيته التي استرعاك، ولا تجعل الكفر مكان الشكر، ولا العقاب موضع الثواب، فقد نخلْتُ النصيحة، ومَحَضَت٥ لك الطاعة، وشددت أَوَاخِيَ٦ ملكك بأثقل من رُكْنَي يَلَمْلَم٧، وتركت عدوَّك مشتغلا٨، فالله الله في ذي رَحِمك أن تقطعه -بعد أن بَلِلْتَهُ٩-بظن أفصحَ الكتاب لي بِعَضْهِه١٠، أو ببغي باغ يَنْهَس١١ اللحم، ويَالَغُ١٢ الدَّم، فقد والله سهَّلت لك الوُعُور، وذلَّلُت لك الأمور، وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور، فكم من لَيْلِ تِمَامٍ١٣ فيك كابدتهُ، ومقامٍ ضيِّق لك قُمْتُه، كنت فيه كما قال أخو بني جعفر بن كلاب:
ومقامٍ ضيِّق وفرَّجْتُه ... بِبَناني ولساني وجَدَلْ
لو يقوم الفيل أو فَيَّاله ... زلَّ عن مثل مقامي وزَحَل١٤
فقال له الرشيد: "أما والله لولا الإبقاء على بني هاشم لضربت عنقك".
стр. 1801
ولم يزل عبد الملك محبوسا حتى تُوُفي الرشيد، فأطلقه محمد الأمين وعقد له على الشام١.
"تاريخ الطبري ١٠: ٨٩، والعقد الفريد ١: ١٤٣، والكامل لابن الأثير ٦: ٧٢، وزهر الآداب ٢: ٢٨٣".
стр. 1802
٨٥- قوله بعد خروجه من السجن:
ولما خرج من السجن وذكر الرشيد وفعله به قال:
"والله إن الْمُلك لشيءٌ ما نَوَيته، ولا تمنَّيته، ولا نصبتُ له ولا أرَدْتُه، ولو أردته لكان إليَّ أسرع من الماء إلى الحدور١، ومن النار إلى يبس العَرْفَجِ٢، وإني لمأخوذ بما لم أَجْنِ، ومسئول عما لا أَعْرِف، ولكنه حين رآني للملك قَمِينا٣، وللخلافة خطيرًا٤، ورأى لي يدا تنالها إذا مُدَّت، وتبلغها إذا بُسِطت، ونفسا تكمُل لخِصَالها، وتستحقها بفِعَالها، وإن كنت لم أختَرْ تلك الخِصَال، ولم أصْطَنع تلك الفِعَال، ولم أترشَّح لها في السِّر، ولا أشرتُ إليها في الجهر، ورآها تحِنُّ إليَّ حنين الوالدة الوالهة، وتميل إليَّ ميل الهَلُوك٥، وخاف أن ترغب إلى خير مَرْغَب، وتنزع إلى أخصب مَنْزِع، وعاقبني عقاب من سهر في طلبها، وجهد في التماسها، فإن كان إنما حبسني على أني أصلُح لها وتصلُح لي، وأليق بها وتليق بي، فليس ذلك بذنب جنيته فأتوب منه، ولا تطاولت له فأحطُّ نفسي عنه، وإن زعم أنه لا صَرْف لعقابه، ولا نجاة من عذابه، وألا بأن أخرج له من جِدِّ العلم والحلم والحَزْم، فكما لا يستطيع المضْياعُ أن يكون مصلحا، كذلك لا يستطيع العاقل أن يكون جاهلا،
стр. 1803
وسواء عليه أعاقبني على علمي وحلمي، أم عاقبني على نسبي وسني، وسواء عليه عاقبني على جَمَالي، أم عاقبني على محبة الناس لي، ولو أردتها لأعْجَلْته عن التفكير، وشَغَلْته عن التدبير، ولما كان فيها من الخطب إلا اليسير".
"العقد الفريد ١: ١٤٣".
стр. 1804
٨٦- وصية عبد الملك بن صالح لابنه:
أوصى عبد المللك بن صالح ابنا له فقال:
"أي بني احْلُم، فإن من حَلُم ساد، ومن تفهَّم ازداد، والقَ أهل الخير فإن لقاءهم عمارةٌ للقلوب، ولا تَجْمَح بك مَطِيَّة اللِّجَاجِ، وفيك من أعتبك١، والصاحب المناسب لك، والصبر على المكروه يعصم القلب، المُِزاح يورث الضغائن، وحسن التدبير مع الكَفاف خيرٌ من الكثير مع الإسراف، والاقتصاد يُثَمِّر٢ القليل، والإسراف يُبِير٣ الكثير، ونِعْمَ الحظ القناعة، وشر ما صحِب المرء الحسد، وما كل عَوْرَة تصاب، وربما أبصر العميُّ رُشْدَه، وأخطأ البصير قَصْدَه، واليأس خير من الطلب إلى الناس، والعفَّة مع الحرفة٤ خير من الغنى مع الفجور، ارْفُق في الطلب وأَجْمِل في المكسب، فإنه رب طلب، قد جرَّ إلى حَرَب٥، ليس كل طالب بمُنْجِح٦، ولا كل مُلِحٍّ بمحتاج، والمغبون من غُبِنَ نصيبه من الله، عاتب من رجوت عتباه، وفاكِهْ من أمنت بلواه، لا تكن مِضْحَاكًا من غير عجب، ولا مَشَّاء إلى غير أَرَب، ومن نأى عن الحق أضاق مذهبه، ومن اقتصر على حاله كان أنعم لباله، لا يكبُرَن عليك ظُلْمُ من ظلمك، فإنه إنما سعى في مضرته ونفعك، وعَوِّد نفسك السماح، وتخيَّر لها من كل خلق أحسنه، فإن الخير عادة، والشر لَجَاجة، والصُّدود آية المقت، والتعلل آية البخل، ومن الفقه كتمان السر، ولِقَاحُ المعرفة
стр. 1805
دراسة العلم، وطول التجارب زيادة في العقل، والقناعة راحة الأبدان، والشرف التقوى، والبلاغة معرفة رَتْق الكلام وفَتْقِه، بالعقل تستخرج الحكمة، وبالحلم يستخرج غَوْر العقل، ومن شَمَّر في الأمور، ركب البحور، شر القول ما نقض بعضُه بعضًا، ومن سعى بالنميمة حَذِره البعيد، ومَقَتَه القريب. ومن أطال النظر بإرادةٍ تامة أدرك الغاية، ومن توانى في نفسه ضاع. من أسرف في الأمور انتشرت عليه، ومن اقتصد اجتمعت له، واللَّجَاجة تورث الضَّيَاع للأمور، غِبُّ الأدب أحمد من ابتدائه، مبادرة الفهم تورث النسيان، سوء الاستماع يُعْقِب العِيّ، لا تُحْدِّث من لا يقبل بوجهه عليك، ولا تُنْصِت لمن لا يَنْمِى١ بحديثه إليك. البلادة للرجل هُجْنَة، قل مالك إلا استأثر، وقلَّ عاجز إلا تأخر، الإحجام عن الأمور يورث العجز، والإقدام عليها يورث اجتلاب الحظ، سوء الطُّعمة٢ يفسد العِرْضَ، ويُخْلِق الوجه، ويمحق الدين، والهيبة قرين الحرمان، والجسارة قرين الظفر، وَفِيُّك من أنصفك، وأخواك من عاتَبَك، وشريكك من وَفَى لك، وصَفِيُّك من آثرك، أعدى الأعداء العقوقُ، اتباع الشهوة يورث الندامة، وفوت الفرصة يورث الحسرة جميع أركان الأدب التأنِّي للرِّفق، أكْرِم نفسك عن كل دنيَّة، وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنك لا تجد بما تبذل من دينك ونفسك عوضًا، لا تساعد٣ النساء فَيَمْلَلْنك، واستبقِ من نفسك بقيَّة، فإنهن أن يرين أنك ذو اقتدار، خير من أن يطَّلعن منك على انكسار، لا تملِّك المرأة الشفاعة لغيرها، فتميل من شفعت لها عليك معها، أي بني، إني قد اخترت لك الوصية، ومَحضتك النصيحة، وأديت الحق إلى الله في تأديبك، فلا تُغْفِلَنَّ الأخذ بأحسنها، والعمل بها، والله موفقك".
"البيان والتبيين ٣: ٢٣٢".
стр. 1806
٨٧- وصية أخرى له:
عن يزيد بن عِقَال قال:
وصى عبد الملك بن صالح ابنه وهو أمير سَرِيَّة، ونحن ببلاد الروم فقال له:
"أنت تاجر الله لعباده، فكن كالمضارب الكيِّس، الذي إن وجد ربحًا تَجَر، وألا احتفظ برأس المال، ولا تطلب الغنيمة حتى تجوزَ السلامة، وكن من اجتيالك على عدوِّك، وأشدَّ خوفا من احتيال عدوك عليك١".
"البيان والتبيين ٢: ٥٤".
стр. 1807
٨٨- كلمات حكيمة لابن السَّماك:
وقال محمد بن صبح -المعروف بابن السَّماك١:
"خير الإخوان أقلُّهم مصانعة في النصيحة، وخير الأعمال أحلاها عاقبة، وخير الثناء ما كان على أفواه الأخيار، وأشرف السلطان ما لم يخالطه البَطَر، وأغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيرًا، وخير الإخوان من لم يخاصِم، وخير الأخلاق أعونها على الورع، وإنما يُخْتَبَر ذلُّ الرجال عند الفاقة والحاجة".
"زهر الآداب ٢: ٢٠٥".
стр. 1808
٨٩- ابن السَّماك والرشيد:
وذكر محمد بن هارون عن أبيه قال: حضرت الرشيد، وقال له الفضل بن الربيع يا أمير المؤمنين قد أحضرت ابن السَّماك كما أمرتني، قال: أدخله، فدخل، فقال له:
стр. 1809
عِظْني، قال: يا أمير المؤمنين: اتَّق الله وحده لا شريك له، واعلم أنك واقف غدًا بين يدي الله رَبَّك، ثم مصروفٌ إلى إحدى منزلتين، لا ثالثةَ لهما: جنة أو نار، فبكى هارون حتى اخْضَلَّتْ١ لحيته، فأقبل الفضل على ابن السَّماك، فقال: سبحان الله! وهل يتخالجُ أحدًا شكٌ في أن أمير المؤمنين مصروف إلى الجنة إن شاء الله؟ لقيامه بحق الله، وعدله في عباده، وفضله، فلم يَحْفَل بذلك ابن السَّماك من قوله، ولم يلتفت إليه وأقبل على أمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا -يعني الفضل بن الربيع- ليس والله معك ولا عندك في ذلك اليوم، فاتق الله وانظر لنفسك، فبكى هارون حتى أشفقنا عليه، وأفحم الفضل بن الربيع، فلم ينطق بحرف حتى خرجنا.
قال: دخل ابن السَّماك على الرشيد يومًا، فبينا هو عنده إذ استسقى ماء، فأُتِي بِقُلَّة من ماء، فلما أهوى بها إلى فِيِهِ ليشربها، قال له ابن السَّماك: على رِسْلك٢ يا أمير المؤمنين: بقرابتك من رسول الله ﷺ لو مُنِعَت هذه الشَّرْبة، بكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال: اشرب هنَّأَك الله، فلما شربها، قال له: أسألك بقرابتك من رسول الله ﷺ لو مُنْعِتَ خروجها من بدنك، بماذا كنت تشتريها، قال: بجميع ملكي، قال ابن السَّماك: إن ملكًا قيمته شربة ماء لجدير إلا يُنَافس فيه، فبكى هارون، وأشار الفضل بن الربيع إلى ابن السَّماك بالانصراف فانصرف".
"تاريخ الطبري ١٠: ١١٩، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص١٤٩".
стр. 1810
الفتنة بين الأمين والمأمون
مدخل
...
الفتنة بين الأمين والمأمون:
وفد الأمين إلى المأمون.
لما عزم محمد الأمين على خلع أخيه عبد الله المأمون من ولاية العهد١، كتب إليه كتابًا يستقدمه، ويُحَبِّب أن يكون بقُرْبِه -وكان المأمون على خراسان- ودفع الكتاب إلى العباس بن موسى، وإلى عيسى بن جعفر، إلى محمد بن عيسى بن نَهِيك، وإلى صالح صاحب المصلَّى، وأمرهم أن يتوجهوا به إلى المأمون، وألا يدعوا وجها من اللين والرِّفق إلا بلغوه، وسهَّلوا الأمر عليه، "وذلك سنة١٩٤ هـ" فتوجهوا بكتابه، فلما وصلوا إلى المأمون أذن لهم، فدفعوا إليه الكتاب، ثم تكلم العباس بن موسى:
стр. 1811
٩٠- خطبة العباس بن موسى
حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الأمير: إن أخاك قد تحمَّل من الخلافة ثقلًا عظيمًا، ومن النظر في أمور الناس عِبْثًا جليلًا، وقد صدقت نيته في الخير، فأعوزَه الوزراء والأعوان والكُفَاة على العدل، وقليل ما يأنَسُ بأهل بيته، وأنت أخوه
стр. 1812
وشقيقه١ وقد فزع إليك في أموره، وأمَّلَك للمُوازرة والمكانفة٢، ولسنا نستبطئك في بِرِّه، اتهامًا لنصرك له، ولا نحضّك على طاعة، تخوُّفًا لخلافك عليه، وفي قدومك عليه أُنس عظيم، وصلاح لدولته وسلطانه، فأجب أيها الأمير دعوة أخيك، وآثر طاعته وأعِنْه على ما استعانك عليه في أمره، فإن في ذلك قضاء الحق، وصِلَةَ الرحم، وصلاح الدولة وعز الخلافة، وعزم الله للأمير على الرشيد في أموره، جعل له الخِيَرة والصلاح في عواقب رأيه".
стр. 1813
٩١- خطبة عيسى بن جعفر:
وتكلم عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، فقال:
"إن الإكثار على الأمير -الله، الله- في القول خُرْق، والاقتصار في تعريفه ما يجب من حق أمير المؤمنين تقصير، وقد غاب الأمير -أكرمه الله- عن أمير المؤمنين، ولم يَسْتغنِ عن قربه من شهد غيره من أهل بيته، ولا يجد عنده غنى، ولا يجد منه خلفًا، ولا عوضًا، والأمير أولى من بَرَّ أخاه، وأطاع إمامه، فليعمل الأمير فيما كتب به إليه أمير المؤمنين بما هو أرضى وأقرب من موافقة أمير المؤمنين ومحبته، فإن القدوم عليه فضل وحظ عظيم، والإبطاء عنه وَكَف١ في الدين، وضرر ومكروه على المسلمين".
стр. 1814
٩٢- خطبة محمد بن عيسى بن نهيك:
وتكلم محمد بن عيسى بن نهيك، فقال:
"أيها الأمير إنا لا نزيدك بالإكثار والتطويل فيما أنت عليه من المعرفة بحق أمير المؤمنين، ولا نشحَذ نيتك بالأساطير والخُطَب فيما يلزمك من النظر والعناية
стр. 1815
بأمور المسلمين، وقد أعوز المؤمنين الكُفَاةُ والنصحاء بحضرته، وتناولك فزعًا إليك في المعونة والتقوية له على أمره، فإن تجب أمير المؤمنين فما دعاك إليه، فنعمة عظيمة يتلافى بها رعيتك وأهل بيتك، وإن تقعد يُغْنِ الله أمير المؤمنين عنك، ولن يضعه ذلك مما هو عليه من البرِّ بك، والاعتماد على طاعتك ونصيحتك".
стр. 1816
٩٣- خطبة صالح صاحب المصلى:
وتكلم صالح صاحب المصلى، فقال:
"أيها الأمير: إن الخلافة ثقيلة، والأعوان قليل، ومن يكيد هذه الدولة، وينطوي على غشِّها، والمعاندة لأوليائها، من أهل الخلاف والمعصية كثير، وأنت أخو أمير المؤمنين وشقيقه؟ وصلاح الأمور وفسادها راجع عليك وعليه؛ إذ أنت ولي عهده، والمشارك في سلطانه وولايته، وقد تناولك أمير المؤمنين بكتابه، ووثِق بمعاونتك على ما استعانك عليه من أموره، وفي إجابتك إياه إلى القدوم عليه صلاح عظيم وفي الخلافة، وأنس وسكون لأهل الملَّة والذمَّة، وفَّق الله الأمير في أموره، وقضى له بالذي هو أحب إليه وأنفع له".
стр. 1817
٩٤- خطبة المأمون:
فحمد الله المأمون، وأثنى عليه، ثم قال:
"قد عرَّفتموني من حق أمير المؤمنين -أكرمه الله- ما لا أنكره، ودعوتموني من الموازرة والمعونة إلى ما أوثره ولا أدفعه، وأنا لطاعة أمير المؤمنين مقدِّم، والمسارعة إلى ما سرَّه ووافقه حريص، وفي الرَّوية تبيان الرأي، وفي إعمال الرأي نصح الاعتزام، والأمر الذي دعاني إليه أمير المؤمنين أمر لا أتأخر عنه تثبُّطا ومدافعة، ولا أتقدَّم عليه
стр. 1818
اعتسافا وعجلة، وأنا في ثَغْر١ من ثغور المسلمين، كَلِب عدوه، شديد شوكته، وإن أهملت أمره لم آمن دخول الضرر والمكروه على الجنود والرعية، وإن أقمت عليه لم آمن فَوْتَ ما أحب من معونة أمير المؤمنين وموازرته وإيثار طاعته، فانصرفوا حتى أنظر في أمري، ويصحَّ الرأي فيما أعتزم عليه من مسيري إن شاء الله".
ثم بعث معهم بكتاب إلى الأمين، يسأله أن يعفيه من الشخوص إليه، وأن يقرَّه على عمله؛ إذ يرى أن ذلك أعظم غناء على المسلمين.
"تاريخ الطبري ١٠: ١٤٦".
стр. 1819
٩٥- وصية السيدة زبيدة لعلي بن عيسى بن ماهان:
ونمى الشر بين الأخوين، واستطار شرره، وبعث الأمين جيشًا كثيفًا بقيادة علي بن عيسى بن ماهان لحرب المأمون، وأعد المأمون للقائه جيشًا بقيادة طاهر بن الحسين فلما أراد عليٌّ الشخوص إلى خراسان، ركب إلى باب السيدة زُبَيدة١ والدة الأمين فودَّعها، فقالت له:
"يا عليُّ، إن أمير المؤمنين، وإن كان ولدي، إليه تناهت شفقتي، وعليه تكامل حِذْري، فإني على عبد الله منعطفة مشفقة لما يحدث عليه من مكروه وأذى، وإنما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه، وغاراه٢ على ما في يده، والكريم يؤْكل لحمه، ويميته غيره، فاعرف لعبد الله حق والده وأُخوَّته، ولا تجْبَهه٣ بالكلام، فإنك لست نظيره، ولا تقتسِره٤ اقتسار العبيد، ولا تُرْهنه بقيد ولاغُلّ٥، ولا تمنع منه جارية لا خادمًا، ولا تعنِّف عليه في السير ولا تساوره في المسير، ولا تركب قبله،
стр. 1820
ولا تستقِل على دابتك حتى تأخذ بركابه، وإن شتمك فاحتمل منه، وإن سفه عليك فلا ترادَّه".
ثم دفعت إليه قيدا من فضة، وقالت: إن صار في يدك فقيده بهذا القيد، فقال لها: سأقبل أمرك، وأعمل في ذلك بطاعتك.
"تاريخ الطبري ١٠: ١٤٩، والفخري ص١٩٥".
стр. 1821
٩٦- وصية الأمين لابن ماهان
وخرج علي بن عيسى بن ماهان من بغداد "في٧ من شعبان سنة ١٩٥هـ" وخرج معه الأمين يشيعه، وأقبل يوصيه، فقال:
"امنع جندك من العبث بالرعية، والغارة على أهل القرى، وقطع الشجر، وانتهاك النساء، وولِّ الريَّ يحيى بن علي١، واضمم إليك جندًا كثيفًا، ومُرْه ليدفع إلى جنده أرزاقهم مما يجيء من خراجها، وولِّ كل كُورة ترحل عنها رجلًا من أصحابك، ومن خرج إليك من جند أهل خراسان ووجوهها فأظهر إكرامه، وأحسن جائزته، ولا تعاقب أخًا بأخيه، وضع عن أهل خُرسان ربع الخراج، ولا تأمن أحدًا رماك بسهم، أو طعن في أصحابك برمح، ولا تأذن لعبد الله في المُقام أكثر من ثلاثة أيام، من اليوم الذي تظهر فيه عليه، فإذا أشخصته، فليكن مع أوثق أصحابك عندك، فإن غرَّه الشيطان فناصبك، فاحرص علي أن تأسره أسرًا، وإن هرب منك إلى بعض كُور خراسان، فتَوَلَّ إليه المسير بنفسك، وأفَهِمْتَ كل ما أوصيك به؟ ".
قال: نعم، أصلح الله أمير المؤمنين، قال: سر على بركة الله وعونه.
"تاريخ الطبري ١٠: ١٥٠".
стр. 1822
٩٧- استهانة ابن ماهان بأمر طاهر بن الحسين:
وخرج ابن ماهان، فلما جاز حُلْوَان، لقيته القوافل من خراسان، فكان يسألها عن الأخبار، فيقال له: إن طاهرًا مقيم بالرَّيّ، يعرض أصحابه، ويرُِمُّ١ آلته، فيضحك ثم يقول:
"وما طاهر؟ فو الله ما هو إلا شوكة من أغصاني، أو شرارة من ناري، وما مثل طاهر يتولَّى على الجيوش، ويلقى الحروب"، ثم التفت إلى أصحابه فقال: "والله ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصف، إلا أن يبلغهُ عُبُورنا عَقَبة٢ هَمَذَان، فإن السِّخال٣ لا تقوى على نِطاح الكباش، والثعالب لا صبر لها على لقاء الأسد، فإن يقم طاهر بموضعه يكن أول معرَّض لِظُبَات٤ السيوف وأسنة الرماح".
وسار حتى صار في أول بلاد الري، وأتاه صاحب مقدِّمته وقال: "لو كنت -أبقى الله الأمير- أذكَيْت العيون، وبعثت الطلائع، وارتدت موضعًا تعسكر فيه، وتتخذ خندقًا لأصحابك يأمنون به، وكان ذلك أبلغ في الرأي، وآنس للجند".
قال: "لا، ليس مثل طاهر يُسْتَعَدُّ له بالمكايد والتحفظ، وإن حال طاهر تئول إلى أحد أمرين، إما أن يتحصَّن بالري، فيَبْهَته٥ أهلها، فيكفونا مَئُونته، أو يخلِّيها ويدبر راجعًا لو قربت خيولنا وعساكرنا منه".
وأتاه يحيى بن علي، فقال: "اجمع متفرِّق العسكر، واحذر على جندك البيات، ولا تسرِّح الخيل إلا ومعها كَثْفُ٦ من القوم، فإن العساكر لا تُسَاس بالتواني،
стр. 1823
والحروب لا تدبَّر بالاغترار، والثقة أن تحترز، ولا تقل: المحارب لي طاهر، فالشرارة الخفيَّة ربما صارت ضِرَامًا١، والثُّلْمة من السيل ربما اغْتُرَّ بها وتُهُوِّن، فصارت بحرًا عظيمًا، وقد قربت عساكرنا من طاهر، فلو كان رأيه الهرب لم يتأخر إلى يومه هذا".
قال: اسكت، فإن طاهرًا، ليس في هذا الموضع الذي ترى، وإنما يتحفظ الرجال إذا لقيت أقرانها، وتستعدّ إذا كان المناوي٢ لها أكفاءَها ونظراءها".
"تاريخ الطبري ١٠: ١٥٠، ومروج الذهب ٢: ٢٩٩".
стр. 1824
٩٨- حزم طاهر وقوة عزمه:
وعسكر طاهر على خمسة فراسخ من الرّيِّ، وأتاه محمد بن العلاء، فقال: "أيها الأمير، إن جندك قد هابوا هذا الجيش، وامتلأت قلوبهم خوفًا ورعبًا منه١، فلو أقمت بمكانك، ودافعت القتال إلى أن يشامَّهم٢ أصحابُك، ويأنسوا بهم، ويعرفوا وجه المأخذ في قتالهم"، فقال:
"لا، إني أوتَى من قِلَّة تجربة وحزم، إن أصحابي قليل، والقوم عظيم سوادهم، كثير عددهم، فإن دافعت القتال، وأخَّرت المناجزة، لم آمَنْ أن يطَّلعوا على قلَّتنا وعورتنا، وأن يستميلوا من معي برغبة أو رهبة، فينفر عن أكثر أصحابي، ويخذُلني أهل الحفاظ والصبر، ولكن أُلْفّ الرجال بالرجال، وأُلْحِم٣ الخيل بالخيل، وأعتمد على الطاعة والوفاء، وأصبر صبر محتسب للخير، حريص على الفوز بفضل الشهادة، فإن
стр. 1825
يرزق الله الظفر والفَلْج١، فذلك الذي نريد ونرجو، وإن تكن الأخرى فلست أول من قاتل فقتل، وما عند الله أجزل وأفضل".
"تاريخ الطبري ١٠: ١٥١".