← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

٩٦- وصية الأمين لابن ماهان وخرج علي بن عيسى بن ماهان من بغداد "في٧ من شعبان سنة ١٩٥هـ" وخرج معه الأمين يشيعه، وأقبل يوصيه، فقال: "امنع جندك من العبث بالرعية، والغارة على أهل القرى، وقطع الشجر، وانتهاك النساء، وولِّ الريَّ يحيى بن علي١، واضمم إليك جندًا كثيفًا، ومُرْه ليدفع إلى جنده أرزاقهم مما يجيء من خراجها، وولِّ كل كُورة ترحل عنها رجلًا من أصحابك، ومن خرج إليك من جند أهل خراسان ووجوهها فأظهر إكرامه، وأحسن جائزته، ولا تعاقب أخًا بأخيه، وضع عن أهل خُرسان ربع الخراج، ولا تأمن أحدًا رماك بسهم، أو طعن في أصحابك برمح، ولا تأذن لعبد الله في المُقام أكثر من ثلاثة أيام، من اليوم الذي تظهر فيه عليه، فإذا أشخصته، فليكن مع أوثق أصحابك عندك، فإن غرَّه الشيطان فناصبك، فاحرص علي أن تأسره أسرًا، وإن هرب منك إلى بعض كُور خراسان، فتَوَلَّ إليه المسير بنفسك، وأفَهِمْتَ كل ما أوصيك به؟ ". قال: نعم، أصلح الله أمير المؤمنين، قال: سر على بركة الله وعونه. "تاريخ الطبري ١٠: ١٥٠".

стр. 1822

٩٧- استهانة ابن ماهان بأمر طاهر بن الحسين: وخرج ابن ماهان، فلما جاز حُلْوَان، لقيته القوافل من خراسان، فكان يسألها عن الأخبار، فيقال له: إن طاهرًا مقيم بالرَّيّ، يعرض أصحابه، ويرُِمُّ١ آلته، فيضحك ثم يقول: "وما طاهر؟ فو الله ما هو إلا شوكة من أغصاني، أو شرارة من ناري، وما مثل طاهر يتولَّى على الجيوش، ويلقى الحروب"، ثم التفت إلى أصحابه فقال: "والله ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصف، إلا أن يبلغهُ عُبُورنا عَقَبة٢ هَمَذَان، فإن السِّخال٣ لا تقوى على نِطاح الكباش، والثعالب لا صبر لها على لقاء الأسد، فإن يقم طاهر بموضعه يكن أول معرَّض لِظُبَات٤ السيوف وأسنة الرماح". وسار حتى صار في أول بلاد الري، وأتاه صاحب مقدِّمته وقال: "لو كنت -أبقى الله الأمير- أذكَيْت العيون، وبعثت الطلائع، وارتدت موضعًا تعسكر فيه، وتتخذ خندقًا لأصحابك يأمنون به، وكان ذلك أبلغ في الرأي، وآنس للجند". قال: "لا، ليس مثل طاهر يُسْتَعَدُّ له بالمكايد والتحفظ، وإن حال طاهر تئول إلى أحد أمرين، إما أن يتحصَّن بالري، فيَبْهَته٥ أهلها، فيكفونا مَئُونته، أو يخلِّيها ويدبر راجعًا لو قربت خيولنا وعساكرنا منه". وأتاه يحيى بن علي، فقال: "اجمع متفرِّق العسكر، واحذر على جندك البيات، ولا تسرِّح الخيل إلا ومعها كَثْفُ٦ من القوم، فإن العساكر لا تُسَاس بالتواني،

стр. 1823

والحروب لا تدبَّر بالاغترار، والثقة أن تحترز، ولا تقل: المحارب لي طاهر، فالشرارة الخفيَّة ربما صارت ضِرَامًا١، والثُّلْمة من السيل ربما اغْتُرَّ بها وتُهُوِّن، فصارت بحرًا عظيمًا، وقد قربت عساكرنا من طاهر، فلو كان رأيه الهرب لم يتأخر إلى يومه هذا". قال: اسكت، فإن طاهرًا، ليس في هذا الموضع الذي ترى، وإنما يتحفظ الرجال إذا لقيت أقرانها، وتستعدّ إذا كان المناوي٢ لها أكفاءَها ونظراءها". "تاريخ الطبري ١٠: ١٥٠، ومروج الذهب ٢: ٢٩٩".

стр. 1824

٩٨- حزم طاهر وقوة عزمه: وعسكر طاهر على خمسة فراسخ من الرّيِّ، وأتاه محمد بن العلاء، فقال: "أيها الأمير، إن جندك قد هابوا هذا الجيش، وامتلأت قلوبهم خوفًا ورعبًا منه١، فلو أقمت بمكانك، ودافعت القتال إلى أن يشامَّهم٢ أصحابُك، ويأنسوا بهم، ويعرفوا وجه المأخذ في قتالهم"، فقال: "لا، إني أوتَى من قِلَّة تجربة وحزم، إن أصحابي قليل، والقوم عظيم سوادهم، كثير عددهم، فإن دافعت القتال، وأخَّرت المناجزة، لم آمَنْ أن يطَّلعوا على قلَّتنا وعورتنا، وأن يستميلوا من معي برغبة أو رهبة، فينفر عن أكثر أصحابي، ويخذُلني أهل الحفاظ والصبر، ولكن أُلْفّ الرجال بالرجال، وأُلْحِم٣ الخيل بالخيل، وأعتمد على الطاعة والوفاء، وأصبر صبر محتسب للخير، حريص على الفوز بفضل الشهادة، فإن

стр. 1825

يرزق الله الظفر والفَلْج١، فذلك الذي نريد ونرجو، وإن تكن الأخرى فلست أول من قاتل فقتل، وما عند الله أجزل وأفضل". "تاريخ الطبري ١٠: ١٥١".

стр. 1826

٩٩- طاهر يشد عزيمة جنده: وكتَّب طاهر بن الحسين كتائبه، وكرْدَسَ كراديسه١، وسوى صفوفه، وجعل يمر بقائد قائد، وجماعة جماعة، فيقول: "يا أولياء الله، وأهل الوفاء والشكر، إنكم لستم كهؤلاء الذين ترون من أهل النَّكْث والغدر، إن هؤلاء ضيَّعوا ما حفظتم، وصغَّروا ما عظمتم، ونكثوا الأيمان التي رَعَيتم، وإنما يطلبون الباطل، ويقاتلون على الغدر والجهل، أصحاب سلب ونهب، فلو قد غَضَضْتم الأبصار، وأثْبَتُّم الأقدام، قد أنجز الله وعده، وفتح عليكم أبواب عزِّه ونصره، فجالِدُوا طواغيت الفتنة، ويَعَاسِيب النار٢ عن دينكم، ودافعوا بحقكم باطِلَهم، فإنما هي ساعة واحدة، حتى يحكم الله بينكم وهو خير الحاكمين". ونشِب القتال بين الفريقين، ودارت الدائرة على جيش ابن ماهان وقُتِل٣. ووجَّه الأمين بعد ذلك لحرب طاهر جيشًا بقيادة عبد الرحمن بن جَبَلة، فهزم وقتل أيضًا. "تاريخ الطبري ١٠: ١٥٢".

стр. 1827

١٠٠- وصف الفضل بن الربيع غفلة الأمين: وندب أسد بن يزيد بن مزيد لقتال طاهر وبعث الفضل بن الربيع بعد مقتل عبد الرحمن بن جَبَلة إلى أسد بن يزيد بن مَزْيَد، قال: فأتيته، فلما دخلت عليه وجدته قاعدًا في صَحْن داره، وفي يده رُقعة قد قرأها، واحمرَّت عيناه، واشتد غضبه، وهو يقول: "ينام نوم الظَّرِبان١، وينتبه انتباه الذئب، همَّتُه بطنه، ولذَّته فرجه، لا يفكِّر في زوال نعمته، ولا يُرَوِّي في إمضاء رأي ولا مكيدة، قد ألهاه كأسه، وشغله قدحه، فهو يجري في لهوه، والأيام تسرع٢ في هلاكه، قد شمَّر عبد الله له عن ساقه، وفوَّق له أصْيَب٣ أسهمه، يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ، والموت القاصد٤، قد عبَّى له المنايا على متون الخيل، وناط٥ له البلاء في أسنة الرماح، وشِفار السيوف". ثم استرجع وتمثل بأبيات للبعيث٦، ثم التفت إليَّ فقال: "يا أبا الحارث، إنا وإياك لنجري إلى غاية، وإن قَصَّرنا عنها ذُمِمْنا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا، وإنما نحن شُعَب من أصل، إن قويَ قوينا، وإن ضَعُف ضعُفْنا، إن هذا قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوَكْفاء٧، يشاور النساء، ويعتمد على الرؤيا. وقد أمكن أهل اللهو والخسارة من سمعه، فهم يَعِدُونه الظفَرَ، ويمنُّونه عُقْب٨ الأيام،

стр. 1828

والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان١ الرمل، وقد خشيت والله أن يهلك بهلاكه، ونعطَب بعطَبه. وأنت فارس العرب وابن فارسها، وقد فَزِع إليك في لقاء هذا الرجل "طاهر"، وأطمعه فيما قبلك أمران؛ أمَّا أحدهما فصدق طاعتك، وفضل نصيحتك؛ والثاني يمن نَقِيبتك٢، وشدة بأسك، وقد أمرني بإزاحة علتك، وبسط يدك فيما أحببت، غير أن الاقتصاد رأس النصيحة، ومفتاح اليمن والبركة، فأنجز حوائجك، وعَجِّل المبادرة إلى عدوك، فإني أرجو أن يوليك الله شرف الفتح، ويَلُمّ بك شعث هذه الخلافة والدولة". فأجاب بالسمع والطاعة، غير أنه طلب مطالب لم تَرُقْ في عين الأمين فغضب عليه، وأمر بسجنه. "تاريخ الطبري ١٠: ١٥٨ وزهر الآداب ٢: ١٥٨".

стр. 1829

١٠١- وصية الأمين لأحمد بن مزيد: ثم ندب عمه أحمد بن مزيد، فلما أراد الشخوص دخل على الأمين، فقال: أوصني أكرم الله أمير المؤمنين، فقال: "أوصيك بخصال عدة، إياك والبغي فإنه عِقَال١ النصر، ولا تقدِّم رجلًا إلا باستخارة، ولا تشهر سيفًا إلا بعد إعذار، ومهما قدرت عليه باللين، فلا تتعدَّه إلى الخَرَق والشَّرَه، وأحسن صحابة من معك من الجند، وطالعني بأخبارك في كل يوم، ولا تخاطر بنفسك في طلب الزُّلْفَة٢ عندي، ولا تستقها فيما تَخَوَّف رجوعه علي، وكن لعبد الله أخًا مصافيا، وقرينًا برًّا، وأحسن مجامعته، وصحبته ومعاشرته، ولا تخذله إن استنصرك، ولا تبطئ عنه إذا استصرخك، ولتكن أيديكما٣ واحدة، وكلمتكما متفقة".

стр. 1830

وتوجه أحمد بن مَزْيد في عشرين ألف من الأعراب، وعبد الله بن حميد بن قَحْطَبة في عشرين ألفًا من الأبناء، حتى نزلا خانقين -قريبًا من حُلْوان- ولم يزل طاهر يحتال في وقوع الاختلاف والشَّغب بينهم، حتى اختلفوا، وانتقض أمرهم، وقاتل بعضهم بعضًا، فأخلوا خانقين ورجعوا عنها، دون أن يَلْقَوا طاهرًا. "تاريخ الطبري ١٠: ١٥٩".

стр. 1831

١٠٢- مقال عبد الملك بن صالح للأمين: وكان عبد الملك بن صالح يشكر للأمين تخلية سبيله، ويوجب بذلك على نفسه طاعته ونصيحته، فلما قوي طاهر، واستعلى أمره، وهزم من هزم من قواد الأمين وجيوشه، ودخل عبد الملك على الأمين، فقال: "يا أمير المؤمنين: إني أرى الناس قد طَمِعوا فيك، وأهل العسكرين قد اعتمدوا ذلك، وقد بذلت سماحتك، فإن تممْتَ على أمرك أفسدتهم وأبطرتهم، وإن كففت أمرك عن العطاء والبذل أسخطَتْهم وأغضبتهم، وليس تملك الجنود بالإمساك، ولا يبقى ثبوت الأموال على الإنفاق والسَّرَف، ومع هذا فإن جندك قد رعبتهم الهزائم ونَهِكَتهم، وأضعفتهم الحرب والوقائع، وامتلأت قلوبهم هيبة لعدوهم، ونكولا١ عن لقائهم ومناهضتهم، فإن سيرتهم إلى طاهر، غلب بقليل من معه كثيرهم، وهزم بقوة نيته ضعف نصائحهم ونيَّاتهم، وأهل الشأم قوم قد ضرَّستهم٢ الحرب، وأدَّبتهم الشدائد، وجلُّهم منقاد إليَّ، مسارع إلى طاعتي، فإن وجهني أمير المؤمنين اتخذت له منهم جندًا يعظم نِكايتهم في عدوه، ويؤيِّد الله بهم أولياءه وأهل طاعته". فقال الأمين: "فإني مُوليك أمرهم، ومقويك بما سألت من مال وعُدَّة، فعجِّلْ الشخوص إلى ما هنالك، فاعمل عملًا يظهر أثَرُه، ويُحْمَد بركته، برأيك ونظرك فيه إن شاء الله، فولاه الشام والجزيرة. "تاريخ الطبري ١٠: ١٦١، والكامل لابن الأثير ٦: ١٠٣".

стр. 1832

١٠٣- الشغب في جيش عبد الملك بن صالح: ولي عبد الملك بن صالح، فلما قدم الرَّقَّة١، كتب إلى رؤساء أجناد الشأم ووجوه الجزيرة، لم يبقَ أحد ممن يُرْجَى، ويذكر بأسه وغناؤه إلا وعده، وبسط له في أمله وأمنته، فقدموا عليه رئيسا بعد رئيس، وجماعة بعد جماعة، فكان لا يدخل عليه أحد إلا أجازه، وخلع عليه وحمله، فأتاه أهل الشأم، والزَّوَاقيل والأعراب من كل فج، واجتمعوا عنده حتى كثروا، بَيْدَ أنه شبت نار الفتنة بين جند أهل خراسان وبين الزَّوَاقيل٢، وأفضى الأمر إلى تلاحمهم واقتتالهم، ثم قام رجل من أهل حِمْص، فقال: "يا أهل حمص، الهرب أهون من العَطَب، والموت أهون من الذل، إنكم بَعُدتم عن بلادكم، وخرجتم من أقاليمكم، ترجون الكثرة بعد القلة، والعزة بعد الذلة؛ إلا وفي الشر وقعتم، وإلى حَوْمَة الموت أُنِخْتُم، إن المنايا في شوارب المسوِّدَة٣ وقلانِسِهم، النفير النفير٤ قبل أن ينقطع السيل، وينزل الأمر الجليل، ويفوت المطلب، ويعسر المذهب، ويبعد العمل، ويقترب الأجل". وقام رجل من كلب، فقال: "يا معشر كلب، إنها الراية السوداء، والله ما وَلَت ولا عَدَلت، ولا ذلَّ

стр. 1833

نصرها، ولا ضعف وليُّها، وإنكم لتعرفون مواقع سيوف أهل خراسان في رقابكم، وآثار أسنَّتهم في صدوركم، واعتزلوا الشر قبل أن يعظم، تخطَّوه قبل أن يضطرم، شأمَكم، دارَكم دارَكم، الموت الفَِلَسْطِينِي خير من العيش الجَزَرِي، إلا وإني راجع فمن أراد الانصراف فلينصرف معي". ثم سار وسار معه عامة أهل الشأم، وأقبلت الزَّوَاقيل حتى أضرموا ما كان جُمِع من الأعلاف بالنار، "وكان ذلك في سنة ١٩٦هـ". "تاريخ الطبري ١٠: ١٦٢".

стр. 1834

١٠٤- خطبة الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان: يدعو إلى خلع الأمين ومات عبد الملك بن صالح بالرَّقَّة، وكان معه الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، فأقفل الجند من الجزيرة إلى بغداد، فتلقاه أهلها بالتكرِمة والتعظيم، وضربوا له القباب، واستقبله القواد والرؤساء والأشراف، ثم اجتمع إليه الناس فقام فيهم فقال: "يا معشر الأبناء، إن خلافة الله لا تُجَاوَز بالبطر، ونعمه لا تستصحب بالتجبُّر والتكبُّر، وإن محمدًا يريد أن يُوتِغ١ أديانكم، وينكُث بيعتكم، ويفرِّق جمعكم، وينقل عزكم إلى غيركم، وهو صاحب الزَّوَاقيل بالأمس، بالله إن طالت به مدة، وراجعه من أمره قوَّةٌ، ليرجِعَنَّ وبال ذلك عليكم، وليُعْرَفن ضرره ومكروهه في دولتكم ودعوتكم، فاقطعوا أثره قبل أن يقطع آثاركم، وضعوا عزه قبل أن يضع عزكم، فوالله لا ينصره منكم ناصر إلا خُذِل، ولا يمنعه مانع إلا قُتِل، وما عند الله لأحد هوادة، ولا يراقب على الاستخفاف بعهوده، والحنث بأيمانه". وخلع الحسين بن علي محمدًا الأمين وحبسه٢، وأخذ البيعة لعبد الله المأمون. "تاريخ الطبري ١٠: ١٦٣".

стр. 1835

١٠٥- خطبة محمد بن أبي خالد: في فض الناس عن اتباع الحسين بن علي بن عيسى فلما أصبح الناس من الغد، طلبوا من الحسين بن علي الأرزاق، وماج الناس بعضهم في بعض، وقام محمد بن أبي خالد، فقال: "أيها الناس، والله ما أدري، بأي سبب يتأمر الحسين بن علي علينا، ويتولى هذا الأمر دوننا؟ ما هو بأكبرنا سنا، ولا أكرمنا حسبا، ولا أعظمنا منزلة، وإن فينا من لا يرضى بالدنيَّة، ولا يقاد بالمخادعة، وإني أوَّلُكم، نقض عهده، وأظهر التغيير عليه، والإنكار لفعله، فمن كان رأيه رأيي، فليعتزل معي". "تاريخ الطبري ١٠: ١٦٤".

стр. 1836

١٠٦- إطلاق الأمين من سجنه ورده إلى مجلس الخلافة: وقام أسد الحربِيّ، فقال: "يا معشر الحربية، هذا يوم له ما بعده، إنكم قد نِمْتُم وطال نومكم، وتأخرتم فقدِّم عليكم غيركم، وقد ذهب أقوام بذكر خلع محمد وأسره فاذهبوا بذكر فكِّه وإطلاقه". فأقبل شيخ كبير من أبناء الكفاية على فرس، فصاح بالناس: اسكتوا، فسكتوا، فقال: "أيها الناس، هل تعتدُّون على محمد بقطع منه لأرزاقكم؟ قالوا: لا. قال: فهل قصر بأحد منكم، أو من رؤسائكم وكبرائكم؟ قالوا: ما علمنا، قال: فهل عزل أحدا من قوَّادكم؟ قالوا: معاذ الله أن يكون فعل ذلك، قال: فما بالكم خذلتموه، وأعنتم عدوه على اضطهاده وأسره؟ أما والله ما قتل قوم خليفتهم قطّ، وألا سلط الله عليهم السيف القاتل، والحتف الجارف، وانهضوا إلى خليفتكم وادفعوا عنه، وقاتلوا من أراد خلعه والفتك به".

стр. 1837

فنهضوا معه وقاتلوا الحسين بن عليّ وأصحابه قتالًا شديدًا، وأكثروا في أصحابه الجراح، وأسروا الحسين، ودخل أسد الحربي على محمد فكسر قيوده وأقعده في مجلس الخلافة. وأتى الأمين بالحسين بن علي، فلامه على خلافه وقال له: ألم أُقَدِّم أباك على الناس وأولِّهِ أَعِنَّة الخيل، وأملأ يده من الأموال، وأشرِّف أقداركم في أهل خراسان، وأرفع منازلكم على غيركم من القوَّاد؟ قال: بلى، قال: فما الذي استحققتُ به منك أن تخلع طاعتي، وتُؤَلِّب الناس عليَّ، وتَنْدُبهم إلى قتالي؟ قال: الثقة بعفو أمير المؤمنين وحسن الظن بصفحه وتفضله، قال: فإن أمير المؤمنين، قد فعل ذلك بك، وولاك الطلب بثأرك، ومن قتل من أهل بيتك، ثم دعا له بخلعه، فخلعها عليه، وحمله على مراكِبَ، وأمره بالمسير إلى حُلْوان، وخرج الحسين، فهرب في نَفَر من خدمه ومواليه، فنادى محمد في الناس، فركبوا في طلبه فأدركوه وقتلوه. "تاريخ الطبري ١٠: ١٦٤".

стр. 1838

١٠٧- خطبة داود بن عيسى يدعو إلى خلع الأمين: وقام داود بن عيسى١ والى مكة والمدينة -وكان خطيبًا فصيحًا جَهِير الصوت- يدعو إلى خلع الأمين ومبايعة المأمون، فقال:

стр. 1839

"الحمد لله مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قائمًا بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالدين، وختم به النبيين، وجعله رحمة للعالمين، صلى الله عليه في الأولين والآخرين. أما بعد: يا أهل مكة، فأنتم الأصل والفرع، والعشيرة والأسرة، والشركاء في النعمة، إلى بلدكم يفد وفد الله١، وإلى قبلتكم يأتم المسلمون، وقد علمتم ما أخذ عليكم الرشيد هارون -رحمة الله عليه وصلاته- حين بايع لابنيه محمد وعبد الله بين أظهركم من العهد والميثاق، لتَنْصُرُنَّ المظلوم منهما على الظالم، والمبغي عليه على الباغي، والمغدور به على الغادر، إلا وقد علمتم وعلمنا أن محمد بن هارون قد بدأ بالظلم والبغي والغدر، وخالف الشروط التي أعطاها من نفسه في بطن البيت الحرام، وقد حلَّ لنا ولكم خلْعُه من الخلافة وتصييرها إلى المظلوم المبغي عليه، المغدور به، إلا وإني أشهدكم أني قد خلعت محمد بن هارون من الخلافة، كما خلعت قَلَنْسُوتي هذه من رأسي وخلع قلنسوته عن رأسه، فرمى بها إلى بعض الخدم تحته، وكانت من بُرُودٍ وحِبَرَة٢ مسلسلة حمراء، وأتى بقلنسوة سوداء هاشميَّة فلبسها -ثم قال: قد بايعت لعبد لله المأمون أمير المؤمنين بالخلافة، إلا فقوموا إلى البيعة لخليفتكم"، فصعد جماعة من الوجوه إليه إلى المنبر رجل فرجل، فبايعه لعبد لله المأمون بالخلافة وخلع محمدا. "تاريخ الطبري ١٠: ١٧٠".

стр. 1840

١٠٨- خطبة الأمين وقد تولى الأمر عنه: ولما رأى الأمين الأمر قد تولَّى عنه، وأنصاره يتسلَّلون فيخرجون إلى طاهر، أمر بإحضاره كلُّ من كان معه في المدينة من القواد والجند، فأشرف عليهم وقال: "الحمد لله الذي يرفع ويضع، ويعطي ويمنع، ويقبض ويبسط، إليه المصير، أحمده على نوائب الزمان، وخذلان الأعوان، وتشتت الرجال، وذهاب الأموال، وحلول النوائب، وتوفد المصائب، حمدا يدَّخِر لي به أجزل الجزاء، ويَرْفِدني١ أحسن العزاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كما شهد لنفسه، وشهدت له ملائكته، وأن محمدا عبده الأمين، ورسوله إلى المسلمين ﷺ ، آمين رب العالمين. أما بعد: يا معشر الأبناء، وأهل السَّبْقِ إلى الهدى، فقد علمتم غفلتي كانت أيام الفضل بن الربيع وزير علي ومشير، فمادَّت٢ به الأيام بما لَزِمَني به من الندامة في الخاصة والعامة، إلى أن نبَّهتموني فانتبهت، واستعنتموني في جميع ما كرهتم من نفسي وفيكم، فبذلت لكم ما حواه ملكي، ونالته مقدرتي مما جمعته وورثته عن آبائي فقوَّدت٣ من لم يجز، واستكفيت من لم يَكْفِ، واجتهدت -عَلِمَ الله- في طلب رضاكم بكل ما قدرت عليه، واجتهدتم -عَلِمَ الله- في مساءتي في كل يوم ما قَدِرْتُم عليه، من ذلك توجيهي إليكم علي بن عيسى شيخكم وكبيركم، وأهل الرأفة بكم، والتحنُّن عليكم، فكان منكم ما يطول ذكره، فغفرت الذنب، وأحسنت واحتملت وعزيت نفسي عند معرفتي بشذوذ الظفَر، وحرصي على مُقَامكم مَسْلحةً٤ بحلوان مع ابن كبير صاحب دعوتكم، ومَنْ على يدي أبيه٥ كان فخركم، وبه تمت طاعتكم

стр. 1841

عبد الله بن حميد بن قحطبة، فصرتم من التألب عليه إلى ما لا طاقة له به، ولا صبر عليه، يقودكم رجل منكم وأنتم عشرون ألفًا إليَّ عامين، وعلى سيدكم متوثِّبين، مع سعيد الفرد، سامعين له مطيعين، ثم وثبتم مع الحسين عَلَيَّ، فخلعتموني وشتمتموني، وانتهبتموني وحبستموني وقيدتموني، وأشياء منعتموني من ذكرها، حِقْدَ قلوبكم وتلكِّي١ طاعتكم أكبر وأكثر، فالحمد لله حمد من أسلم لأمره، ورَضِيَ بقدره، والسلام". وكانت عاقبة أمره أن قتل سنة ١٩٨هـ وحمل رأسه إلى المأمون بخراسان. "تاريخ الطبري ١٠: ٢٠٥، ومروج الذهب ٢: ٣٠٥".

стр. 1842

استعطاف الفضل بن الربيع للمأمون ... ١٠٩- استعطاف الفضل بن الربع للمأمون: وقال المأمون للفضل بن الربيع١ لما ظَفِر به: "يا فضل، أكان من حَقِّي عيك وحق آبائي ونعمهم عند أبيك وعندك أن تَثْلِبَنِي٢ وتَسُبَّني وتُحَرِّض علي دمي؟ أتحب أن أفعل بك ما فعلته بي؟ ". فقال: "يا أمير المؤمنين، إن عذري يُحْقِدك إذا كان واضحًا جميلًا، فكيف إذا حفَّتْه٣ العيوب، وقبَّحته الذنوب، فلا يضيق عني من عفوك ما وسع غيري منك فأنت كما قال الشاعر٤ فيك: صفوح عن الأجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما وليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما "زهر الآداب ٢: ١٦٣".

стр. 1843

١١٠- خطبة طاهر بن الحسين ببغداد بعد مقتل الأمين: ودخل طاهر بن الحسين بغداد يوم الجمعة بعد قتل الأمين، فصلى بالناس وخطبهم خطبة بليغة، وقد حضره من بني هاشم والقواد وغيرهم وجماعة كثيرة قال: "الحمد لله مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين، إن ظهور غلبتنا لم يكن من أيدينا ولا كيدنا، بل اختار الله للخلافة؛ إذ جعلها عمادًا لدينه، وقوامًا لعباده، وضبط الأطراف، وسدِّ الثغور، وإعداد العُدَّة، وجمع الفئ، وإنفاذ الحكم، ونشر العدل، وإحياء السنة بعد إِذْبال البطالات، والتلذذ بِمُوبِق الشهوات، والمُخْلِد إلى الدنيا مستحسن لداعي غرورها، محتلب دِرَّة١ نعمها، وأَلِفٌ لزهرة روضتها، كَلِفٌ برونق بهجتها، وقد رأيتم من وفاء موعود الله لمن بغى عليه، وما أحل به من بأسه ونقمته، لما نكَب٢ عن عهده، وارتكب معصيته، وخالف أمره، وَغِيَره ناهية، وعظته مؤدِّبة، فتمسكوا بدقائق عُصُمِ٣ الطاعة، واسلكوا مناحِي سبيل الجماعة، واحذروا مصارع أهل الخلاف والمعصية، الذين قَدَحُوا زناد الفتنة، وصدعوا شعب الأُلْفَة، فأعقبهم الله خَسَارَ الدنيا والآخرة". "تاريخ الطبري ١٠: ٢٠٦"، والعقد الفريد ٢: ١٥٥".

стр. 1844

خطب المأمون خطبته وقد ورد عليه نعي الرشيد ... خطب المأمون "توفي سنة ٢١٨هـ": ١١١- خطبته وقد ورد عليه نعي الرشيد: خطب الناس بِمَرْو حين ورد عليه نَعْي الرشيد، فقال: "إن ثمرة الصَّبْر الأجر، وثمرة الجَزَع الوِزْر، والتسليم لأمر الله عز، فائدة جليلة، وتجارة مُرْبِحة، فالموت حوض مورود، وكأس مشروب، وقد أتي على خليفتكم ما أتي على نبيكم ﷺ ، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فما كان إلا عبدا دُعِيَ فأجاب، وأُمِرَ فأطاع، وقد سد أمير المؤمنين ثَلْمه، وقام مَقَامَه، وفي أعناقكم من العهد ما قد عرفتم، فأحسنوا العزاء على إمامكم الماضي، واغتبطوا بالنعماء والوفاء في خليفتكم الباقي، يأهل الدنيا: الموتُ نازل، والأجل طالبٌ، وأمسِ واعظٌ، واليوم مغتنَم، وغَدٌ منتظرٌ".

стр. 1845

خطبته وقد سلم الناس عليه بالخلافة ... ١١٢- خطبته وقد سلم الناس عليه الخلافة: ولما بلغه بخراسان قتل أخيه، وأقبل الناس للتسليم عليه بالخلافة، صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على نبيه، ثم قال: "أيها الناس: إني جعلت الله على نفسي، إن استرعاني أموركم أن أُطِيعَه فيكم، ولا أسفك دما عمْدا لا تُحله حدوده، وتسفِكه فرائضه، ولا آخذ لأحد مالا، ولا أثاثا، ولا نحلة١ تحرم عليَّ، ولا أحكم بهَوَاي، في غَضَبي ولا رضاي، وألا ما كان

стр. 1846

في الله وله، جعلت كلَّه لله عهدا مؤكدا، وميثاقا مشدَّدا، إني أفي رغبة في زيادته إياي في نعمتي، ورهبة من مسألته إياي عن حقه وخَلْقه، فإن غيَّرت أو بدَّلت كنت للغِيَرِ مستأهلا، وللنكال مُعَرَّضا، وأعوذ بالله من سخطه، وأرغب إليه في المعونة على طاعته، وأن يحول بيني وبين معصيته".

стр. 1847

١١٣- خطبته يوم الجمعة الحمد لله مستخلص الحمد لنفسه، ومستوجبِه على خَلْقه، أحمد هـ وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأوصيكم عباد لله بتقوى الله وحده، والعمل لما عنده، والتنجُّز لوعده، والخوف لوعيده، فإنه لا يَسْلَم إلا من اتقاه ورجاه، وعمل له وأرضاه، فاتقوا الله عباد الله، وبادروا آجالكم بأعمالكم، وابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم، وترحلوا فقد جُدَّ بكم، واستعدُّوا للموت فقد أظلَّكم، وكونوا قوما صِيح بهم فانتبهوا، وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا، فإن الله لم يخلقكم عبثا، ولم يترككم سدى، وما بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت أن ينزل به، وإن غاية تنقصها اللحظة، وتهدمها الساعة الواحدة، لجديرة بقصر المدة، وإن غائبًا يحدوه١ الجديدان: الليل والنهار لَحَرِىٌّ بسرعة الأوْبة، وإن قادما يُحِلُّ بالفوز أو بالشِّقوة لمستحقٌ لأفضل العُدَّة، فاتقى عبد ربه، ونصح نفسه، وقدَّم توبته، وغلب شهوته، فإن أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكل به، يزيِّن له المعصية ليركبها، ويمنِّيه التوبة ليسوِّفها، حتى تهجُم عليه منيته، أغفل ما يكون عنها، فيا لها حسرة على ذي غفلة، أن يكون عمره عليه حجة، أو تؤدِّيَه أيامه إلى شِقوة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن لا تُبطرُه نعمة، ولا تقصِّر به عن طاعته غفلة، ولا تحلّ به بعد الموت فَزْعة، إنه سميع الدعاء، وبيده الخير، وإنه فعَّال لما يريد". "عيون الأخبار م٢: ص٢٥٣، والعقد الفريد ٢: ١٤٨".

стр. 1848

خطبته يوم الأضحى ... ١١٤- خطبة يوم الأضحى: قال بعد التكبير والتحميد: إن يومكم هذا يوم أبان الله فضله، وأوجب تشريفه، وعظم حرمته، ووفق له من خلقه صفوته، وابتلى فيه خليله، وفدى فيه من الذَّبح نبيه، وجعله خاتم الأيام المعلومات من العَشْر، ومتقدم الأيام المعدودات من النَّفْر١، يوم حرام، من أيام عظام، في شهر حرام، يوم الحج الأكبر، يوم دعا الله إلى مشهده، ونزل القرآن بتعظيمه، قال الله جل وعز: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَألا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ ٢. فتقرَّبوا إلى الله في هذا اليوم بذبائحكم، وعظموا شعائر الله، واجعلوها من طيِّب أموالكم، وبصحة التقوى من قلوبكم، فإنه يقول: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا ولا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ ٣، ثم التكبير والتحميد والصلاة على النبي والوصية

стр. 1849

بالتقوى، ثم قال بعد ذكر الجنة والنار، عظُمَ قدرُ الدارين، وارتفع جزاء العملين١، وطالت مدة الفريقين، الله الله، فوالله إنه الجِدُّ لا اللعب، وإنه الحق لا الكذب، وما هو إلا الموت والبعث، والميزان والحساب والقصاص والصراط، ثم العقاب والثواب، فمن نجا يومئذ فقد فاز، ومن هوى يومئذ فقد خاب، الخير كله في الجنة، والشر كله في النار". "عيون الأخبار م٢: ص٢٥٤، والعقد الفريد ٢: ١٤٨".

стр. 1850

١١٥- خطبته يوم الفطر: قال بعد التكبير والتحميد: إن يومكم هذا يوم عيد وسُنَّة، وابتهال ورغبة، يوم خَتَمَ الله به صيام شهر رمضان، وافتتح به حج بيته الحرام، فجعله خاتمة الشهر، وأوَّل أيام شهور الحج، وجعله معقِّبًا لمفروض صومكم، ومتنفَّل قيامكم، أحلَّ فيه الطعام لكم، وحرم فيه الصيام عليكم، فاطلبوا إلى الله حوائجكم، واستغفروه لتفريطكم، فإنه يقال: "لا كبير مع استغفار، ولا صغير مع إصرار" ثم التكبير والتحميد، وذكر النبي ﵊، والوصية بالتقوى، ثم قال: فاتقوا الله عباد الله، وبادروا الأمر الذي اعتدل فيه يقينكم، ولم يحتضر١ الشك فيه أحدا منكم، وهو الموت المكتوب عليكم، فإنه لا تستقال بعده عَثْرَة، ولا تحظر قبله توبة، واعلموا أنه لا شيء قبله إلا دونه، ولا شيء بعده إلا فوقه، ولا يعين على جَزَعه وعَلَزه٢ وكُرَبه. ولا يعين على القبر وظلمته، وضيقه ووحشته، وهول مطلعه ومسألة ملائكته، إلا العمل الصالح الذي أمر الله به، فمن زلَّت عند الموت قدمه، فقد ظهرت ندامته، وفاتته استقالته، ودعا من الرَّجعة إلى ما لا يجاب إليه، وبذل من الفدية ما لا يُقْبَل منه، فالله الله عباد الله، وكونوا قوما سألوا الرجعة فأعطوها؛ إذ منعها الذين طلبوها،

стр. 1851

فإنه ليس يتمنى المتقدمون قبلكم إلا هذا المَهَل المبسوط لكم، واحذروا ما حذَّركم الله، واتقوا اليوم الذي يجمعكم الله فيه لوضع موازينكم، ونشر صُحُفِكم الحافظة لأعمالكم، فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقُل به، وما يُمِلُّ١ في صحيفته الحافظة لما عليه وله، فقد حكى الله لكم ما قال المفرِّطون عندها؛ إذ طال إعراضهم عنها، قال: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ ، وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ٢ ولست أنهاكم عن الدنيا بأعظم مما نهتكم الدنيا عن نفسها، فإن كل ما بها ينهى عنها، وكل ما فيها يدعو إلى غيرها، وأعظم مما رأته أعينكم من عجائبها ذم كتاب الله لها، ونهي الله عنها، فإنه يقول: ﴿فلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ولا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ ، وقال: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ولا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ ، فانتفعوا بمعرفتكم بها، وبإخبار الله عنها، واعلموا أن قوما من عباد الله أدركتهم عصمة الله فحذِروا مَصَارِعها، وجَانَبوا خَدَائِعَها، وآثَروا طاعة الله فيها، فأدركوا الجنة بما تركوا منها". "عيون الأخبار م٢: ص٢٥٥، والعقد الفريد ٢: ١٤٨".

стр. 1852

١١٦- خطبة ابن طباطبا العلوي: وخطب محمد١ بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، حين انتهب قائد جيوشه أبو السرايا السَّرِيُّ ابن منصور قصر العباس بن موسى بن عيسى، فقال:

стр. 1853

"أما بعد: فإنه لا يزال يبلغني أن القائل منكم يقول: إن بني العباس فيء لنا، ونخوض في دمائهم، ونَرْتَع في أموالهم، ويُقْبَل قولنا فيهم، وتصدَّق دعوانا عليهم، حُكْم بلا علم، وعزم بلا رويَّة! عجبًا لمن يطلق بذلك لسانه، ويحدِّث به نفسه! أبكتاب الله تعالى حكم، أم لسنة نبيه ﷺ اتَّبَع؟ أفي مَيْلِي١ معه طَمِع، أم بسط يدي له بالجود أَمَّلَ؟ هيهات! فاز ذو الحق بما نوى، وأخطأ ذو الباطل بما تمنى، حق كل ذي حق في يده، وكل مدع على حجته، ويل لمن اغتصب حقا، وادعى باطلا، أفلح من رَضِيَ بحكم الله، وخاف من أرغم الحقُّ أنفه، العدل أولى بالأثرة وإن رغم الجاهلون، حق لمن أمر بالمعروف أن يجتنب المنكر، ومن سلك سبيل العدل أن يصبر على مرارة الحق، وكل نفس تسمو إلى هِمَّتها، ونعم الصاحب القناعة. أيها الناس، إن أكرم العباد الوَرَع، وأفضل الزاد التقوى، واعملوا في دنياكم، وتزوَّدُوا لآخرتكم، واتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون، وإياكم والعصبيَّة وحميَّة الجاهلية، فإنهما يمحقان الدين، ويورثان النفاق، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، يصلح لكم دينكم، وتحسن المقالة فيكم. الحق أبلج، والسبيل منهج، والباطل لَجْلَج٢، والناس مختلفون، ولكلًّ في الحق سعة، ومن حاربنا حاربناه،

стр. 1854

ومن سالَمَنَا سالمناه، والناس جميعًا آمنون إلا رجلًا نصب لنا نفسه، وأعان علينا بماله، ولو شئت أن أقول: ورجل قال فينا يتناول من أعراضنا: لقلت، وكفى، وحَسْبُ كل امرئ ما يَصْنَعه، وسيُكْفَي الظالمون". "مواسم الآدب ٢: ١١٣".

стр. 1855

١١٧- استعطاف إبراهيم بن المهدي المأمون: لما ظفِر المأمون بعمه إبراهيم بن المهدي١ أمر بإدخاله عليه، فجيء بإبراهيم يحجُِل٢ في قيوده، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له المأمون: لا سلَّم الله عليك، ولا حَفِظك، ولا رعاك، ولا كلأَكَ٣ يا إبراهيم، فقال له إبراهيم: على رِسْلِك٤ يا أمير المؤمنين، وليُّ٥ الثأرِ محكَّم في القصاص، والعَفْوُ أقرب للتقوى، ومن مُدَّ له الاغترار في الأمل، هجمت به الأناة على التلف٦ وقد أصبح ذنبي فوق كل ذنب، كما أن عفوك فوق كل٧ عفو، فإن تعاقب فبحقِّك، وإن تعفُ فبفضلك"، ثم قال: ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه فخذ بحقك أو لا ... فاصفح بفضلك عنه إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فَكُنه فأطرق المأمون مليًّا، ثم رفع رأسه فقال: إني شاورت أبا إسحاق٨ والعباس

стр. 1856

في قتلك فأشار عليَّ به، قال: فما قلت لهما يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت لهما: بدأنا له بإحسان، ونحن نستأمره فيه، فإن غيَّره فالله يغيِّر ما به، قال: إما أن يكونا قد نصحاك في عِظَم قدر الملك، وما جَرَت عليه عادة السياسة قد فعلا، ولكن أبيتَ أن تستجلب النصر إلا من حيث عوَّدك الله، ثم استعبر باكيًا، فقال له المأمون: ما يُبْكِيك؟ قال: جَذَلًا؛ إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام، ثم قال: يا أمير المؤمنين إنه وإن كان جُرْمِي يبلغ سَفْكَ دمي، فحلم أمير المؤمنين وتفضله يبلغانني عفوه، ولي بعدهما شفاعة الإقرار بالذنب، وحُرْمَةُ الأب بعد الأب، قال المأمون: " القدرة تذهب الحَفِيظَة١، والندم توبة، وعفو الله بينهما، وهو أكبر ما يحاول، يا إبراهيم: لقد حَبَّبْت إليَّ العفو، حتى خفتُ أن لا أوجر عليه، أما لو علم الناس ما لنا في العفو من اللذة، لتقربوا إلينا بالجنايات، لا تثريب٢ عليك، يغفر الله لك، ولو لم يكن من حق نسبك ما يبلِّغ الصفح عن زلتك، لبلَّغك ما أمَّلْت حسن توصلك، ولطيف تنصُّلك". ثم أمر بردِّ ماله وضياعه، فقال: رددت مالي، ولم تبخل عليَّ به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمي فأُبْتُ منك -وما كافأتها- بيدٍ ... هما الحياتان من وفر ومن عدم٣ وقام علمك بي فاحتجَّ عندك لي ... مقام شاهد عدل غير مُتَّهم فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمالَ، حتى أسُلَّ النعل من قَدَمي ما كان ذاك سوى عاريّةٍ رََجَعَتْ ... إليك، لو لم تَهَبْها كنت لم تُلَمِ "الأغاني ٩: ٥٧، والعقد الفريد ١: ١٤٢، الأمالي ١: ٢٠٢، وزهر الآداب ٣: ١٩١".

стр. 1857

١١٨- إبراهيم بن المهدي وبختيشوع الطبيب: تنازع إبراهيم بن المهدي هو وبختيشوع الطبيب بين يدي أحمد بن داود القاضي، في مجلس الحكم، في عقار بناحية السَّواد١، فزرى عليه٢ ابن المهدي، وأغلظ له بين يدي أحمد بن دواد، فأحفظه٣ ذلك، فقال: يا إبراهيم إذا نازعت أحدا في مجلس الحكم، فلا أَعْلَمَنَّ أنك رفعت عليه صوتا، ولا أشرت بيد، وليكن قصدك أمَمًا٤، وطريقك نهجًا٥، وريحك ساكنة، وكلامك معتدلا، ووفِّ مجالس الحكومة حقوقها، من التوقير والتعظيم والاستكانة والتوجه إلى الواجب، فإن ذلك أشبه بك وأشكل لمذهبك في مَحْتِدك٦، وعظيم خطرك٧، ولا تعجل، فرب عجلة تَهَبُّ رَيْثًا٨، والله يعصمك من الزلل، وخَطَل القول والعمل، ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل، إن ربك حكيم عليم". قال إبراهيم: "أصلحك الله أمرت بسداد، وحضَضْت على رشاد، ولست بعائد إلى ما يَثْلِم٩ مروءتي عندك، ويسقطني من عينك، ويخرجني من مقدار الواجب إلى الاعتذار، فهَأَنَا معتذر إليك من هذه البادرة، اعتذار مُقِرّ بذنبه، باخعٍ بجرمه١٠، فإن الغضب لا يزال يستفزُّني بموادِّه، فيردني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندنا منك، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وقد هبت حقي من هذا العقار لبختيشوع، فليت ذلك اليوم يعول١١ بأَرْش١٢ الجناية، ولم يتلف مال أفاد موعظة وبالله التوفيق". "العقد الفريد ١: ٢٧، وزهر الآداب ١: ٣٣٢".

стр. 1858

١١٩- استعطاف إسحاق بن العباس المأمون: وقال المأمون لإسحاق بن العباس: "لا تحسبنِّي أغفلت إجلابك مع ابن المهدي، وتأييدك لرأيه، وإيقادك لناره، قال: "يا أمير المؤمنين، ولرَحِمِي أمس من أرحامهم وقد قال لهم كما قال يوسف لإخوته: ﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ١، وأنت يا أمير المؤمنين أحق وارثٍ لهذه المنة، وممتثل٢ لخلال العفو والفضل". قال: هيهات! تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام، جُرْمك جرم في إسلامك وفي دار خلافتك. قال: "يا أمير المؤمنين فوالله للمسلم أحق بإقالة العَثْرَة، وغفران الزَّلة من الكافر، هذا كتاب الله بيني وبينك. يقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فهي للناس يا أمير المؤمنين سُنَّة دخل فيها المسلم والكافر، والشريف والمشروف" قال: صدقت، اجلس، وَرِيَت بك زِنادي، ولا بَرِحْتُ أرى من أهلك أمثالك. "العقد الفريد ١: ١٤٢، وزهر الآداب ٢: ١٩٣".

стр. 1859

١٢٠- أحد وجوه بغداد يمدح المأمون حين دخلها: لما دخل المأمون بغداد، تلقَّاه وجوه أهلها، فقال له رجل منهم: "يا أمير المؤمنين، بارك الله لك في مَقْدَمِك، وزاد في نعمتك، وشكرك عن رعيتك، تقدمتَ َمْن قَبْلَك، وأتبعت من بعدك١، وآيَسْتَ أن يُعَاين مِثْلُك، أما فيما مضى فلا نعرفه،

стр. 1860

وأما فيما بقى فلا نرجوه، فنحن جميعًا ندعو لك، ونُثْنِي عليك، خَصِب لنا جَنَابُك، وعذُب ثوابك، وحسنت نظرتك، وكرمت مقدرتك، وجبرت الفقير، وفككت الأسير، فإنك يا أمير المؤمنين كما قال الأول: ما زلت في البذل والنَّوال وإطـ ... ـلاقٍ لعان بجُرْمِه غَلِق١ حتى تمنى البِرَاء أنهم ... عندك أسرى في القيد والحلق٢ "العقد الفريد ١: ١٣٧".
следующие страницы →