٧٨- وصية دويد بن زيد لبنيه:
لما حضرت دويد١ بن زيد الوفاة قال لبنيه:
"أوصيكم بالناس شرًّا، لا ترحموا لهم عبرة، ولا تقيلوهم عثرة٢، قصروا الأعنة، وطولوا الأسنة، واطعنوا شزرًا٣، واضربوا هبرًا٤، وإذا أردتم المحاجزة،
стр. 177
فقبل المناجزة، والمرء يعجز لا المحالة، بالجد لا بالكد، والتجلد ولا التبلد، والمنية ولا الدنية، ولا تأسوا على فائت وإن عز فقده، ولا تحنوا إلى ظاعن وإن ألف قربه، ولا تطمعوا فتطبعوا١، ولا تهنوا فتخرعوا٢. ولا يكونن لكم المثل السوء "إن الموصين بنو سهوان٣" إذا مت فأرحبوا٤ خط مضجعي، ولا تضنوا على برحب٥ الأرض، وما ذلك بمؤد إلى روحا٦، ولكن حاجة نفس خامرها الإشفاق".
قال أبو بكر بن دريد في حديث آخر إنه قال:
اليوم يبنى لدويد بيته ... يا رب نهب صالح حويته
ورب قرن بطل أرديته ... ورب غيل حسن لويته٧
ومعصم مخضب ثنيته ... لو كان للدهر بلى أبليته٨
أو كان قرني واحدًا كفيته
"أمالي السيد المرتضى ١:١٧١".
стр. 178
٧٩- وصية زهير بن جناب الكلبي:
وأوصى زهير بن جناب الكلبي١ بنيه فقال:
"يا بني: قد كبرت سني، وبلغت حرسًا٢ من دهري، فأحكمتني التجارب، والأمور تجربة واختبار، فاحفظوا عني ما أقول وعوه، إياكم والخور عند المصائب، والتواكل عند النوائب؛ فإن ذلك راعية للفهم، وشماتة للعدو، وسوء ظن بالرب، وإياكم أن تكونو بالأحداث مغترين، ولها آمنين، ومنها ساخرين؛ فإنه ما سخر قوم قط إلا ابتلوا، ولكن توقعوها؛ فإنما الإنسان في الدنيا غرض٣ تعاوره الرماة، فمقصر دونه، ومجاوز لموضعه، وواقع عن يمينه وشماله، ثم لا بد أنه مصيبه".
"أمالي السيد المرتضى ١: ١٧٣".
стр. 179
٨٠- وصية النعمان بن ثواب العبدي لبنيه .
كان للنعمان بن ثواب العبدي بنون ثلاثة: سعد وسعيد وساعدة، وكان أبوهم ذا شرف وحكمة، وكان يوصي بنيه، ويحملهم على أدبه، أما ابنه سعد فكان شجاعًا بطلاً من شياطين العرب، لا يقام لسبيله، ولم تفته طلبته قط، ولم يفر عن قرن، وأما سعيد فكان يشبه أباه في شرفه وسودده، وأما ساعدة فكان صاحب شراب وندامى وإخوان، فلما رأى الشيخ حال بنيه دعا سعدا، وكان صاحب حرب، فقال:
стр. 180
"يا بني إن الصارم ينبو، والجواد يكبو، والأثر يعفو١، فإذا شهدت حربًا، فرأيت نارها تستعر، وبطلها يخطر، وبحرها يزخر، وضعيفها ينصر، وجبانها يجسر، فأقلل المكث والانتظار، فإن الفرار غير عار، إذا لم تكن طالب ثار، فإنما ينصرون هم٢، وإياك أن تكون صيد رماحها، ونطيح نطاحها".
وقال لابنه سعيد، وكان جوادًا: "يا بني لا يبخل الجواد، فابذل الطارف والتلاد٣، وأقلل التلاح٤، تذكر عند السماح، وابل٥ إخوانك، فإن وفيهم قليل، واصنع المعروف عند محتمله".
وقال لابنه ساعدة، وكان صاحب شراب: "با بني إن كثرة الشراب، تفسد القلب، وتقلل الكسب وتجد اللعب٦، فأبصر نديمك، واحتم حريمك، وأعن غريمك٧ واعلم أن الطمأ القامح٨، خير من الري الفاضح، وعليك بالقصد فإن فيه بلاغًا".
"مجمع الأمثال ١: ٤٨".
стр. 181
٨١- وصية قيس بن زهير لبني النمر بن قاسط .:
جاور قيس بن زهير العبسي١ بعد يوم الهباءة النمر بن قاسط، وتزوج منهم، وأقام فيهم حتى ولد له؛ فلما أراد الرحيل عنهم قال:
стр. 182
"يا معشر النمر: إن لكم علي حقًا، وأنا أريد أن أوصيكم، وآمركم بخصال، وأنهاكم عن خصال، عليكم بالأناة؛ فإن بها تدرك الحاجة، وتنال القرضة، وتسويد من لا تعاون بتسويده، وعليكم بالوفاء؛ فإن به يعيش الناس وبإعطاء من تريدون إعطاءه قبل المسألة، ومنع من يريدون منعه قبل الإلحاح، وإجارة الجار على الدهر، وتنفيس المنازل عن بيوت اليتامى، وخلط الضيف بالعيال.
وأنهاكم عن الغدر؛ فإنه عار الدهر، وعن الرهان، فإني به ثكلت مالكًا أخي وعن الغي، فإنه قتل زهيرًا أبي١، وعن الإعطاء في الفضول، فتعجزا عن الحقوق، وعن السرف في الدماء، فإن يوم الهباءة٣ ألزمني العار، ومنع الحرم إلا من الأكفاء،
стр. 183
فإن لم تصيبوا لهن الأكفاء. فإن خير مناكحهن القبور، "أو خير منازلها"، واعلموا أني كنت ظالمًا مظلومًا، ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكًا أخي، وظلمتهم بأن قتلت من لاذنب له".
"العقد الفريد ٣: ٢٢٤، وآمال السيد المرتضى ١: ١٤٩، وسرح العيون ص ٩٠".
стр. 184
٨٣- وصية حصن بن حذيفة لبنيه:
وأوصى حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري بني بدر فقال:
"اسمعوا مني ما أوصيكم به: لا يتكل آخركم على أولكم؛ فإنما يدرك الآخر ما أدركه الأول، وأنكحوا الكفء الغريب؛ فإنه عز حادث، وإذا حضركم أمران، فخذوا بخيرهما صدرًا١، فإن كل مورد مغروف، وأصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم، ولا تخالفوا فيما اجتمعوا عليه، فإن الخلاف يزري بالرئيس المطاع، وإذا حادثتم فاربعوا٢، ثم قولوا الصدق؛ فإنه لا خير في الكذب، وصونوا الخيل فإنها حصون الرجال، وأطيلوا الرماح فإنها قرون الخيل، وأعزوا الكبير بالكبر؛ فإني بذلك كنت أغلب الناس، ولا تغزوا إلا بالعيون٣، ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح٤، وأعطوا على حسب المال، وأعجلوا الضيف بالقرى٥، فإن خيره أعجله، واتقوا فضيحات البغي، وفلتات المزاح، ولا تجيروا على الملوك، فإن أيديهم أطول من أيديكم".
"أمالي السيد المرتضى ٢: ١٦٨".
стр. 185
٨٣- وصية لأكثم بن صيفي:
كتب النعمان بن خميصة الباروقي إلى أكثم بن صيفي: "مثل لنا مثالًا نأخذ به١".
فقال:
"لقد حلبت الدهر أشطره٢ فعرفت حلوه ومره. عين عرفت فذرفت٣، إن أمامي ما لا أسامي٤. رب سامع بخبر لم يسمع بعذري. كل زمان لمن فيه. في كل يوم ما يكره. كل ذي نصرة سيخذل. تباروا فإن البر ينمي٥ عليه العدد وكفوا ألسننتكم فإن مقتل الرجل بين فكيه. إن قول الحق لم يدع لي صديقًا. الصدق منجاة لا ينفع مع الجزع التبقي. ولا ينفع مما هو واقع التوقي، ستساق إلى ما أنت لاق. في طلب المعالي يكون العناء. الاقتصاد في السعي أبقى للجمام٦ من لم يأس٧ على ما فاته ودع بدنه، ومن قنع بما هو فيه قرت عينه. التقدم قبل التندم٨. أصبح عند رأس الأمر أحب إلي من أن أصبح عند ذنبه. لم يهلك من مالك ما وعظك، ويل لعالم أمر من جاهله. يتشابه الأمر إذا أقبل؛ فإذا أدبر عرفه الكيس والأحمق. الوحشة ذهاب الأعلام٩. البطر عند الرخاء حمق. والعجز عند البلاء أفن١٠. لا تغضبوا
стр. 186
من اليسير؛ فربما جنى لكثير. لا تجيبوا فيما لم تسألوا عنه. ولا تضحكوا مما لا يضحك منه. حيلة من لا حيلة له الصبر. كونوا جميعًا فإن الجمع غالب، تثبتوا. ولا تسارعوا فإن أحزم الفريقين الركين. رب عجلة تهب ريثًا. ادرعوا الليل واتخذوه جملًا. فإن الليل أخفى للويل. ولا جماعة لمن اختلف. تناءوا في الديار ولا تباغضوا؛ فإنه من يجتمع يتقعقع١ عمده. ألزموا النساء المهابة٢ نعم لهو الغرة٣ المعزل. إن تعش تر ما لم تره. قد أقر صامت. المكثار كحاطب٤ ليل. من أكثر أسقط٥. لا تجعلوا سرا إلى أمة. لا تفرقوا في القبائل؛ فإن الغريب بكل مكان مظلم، عاقدوا الثروة٦. وإياكم والوشائظ٧ فإن مع القلة الذلة: لو سئلت العارية قالت أبغي لأهلي ذلًّا. الرسول مبلغ غير ملوم. من فسدت بطانته غص بالماء. أساء سمعًا فأساء إجابة٨. الدال على الخير كفاعله. إن المسألة من أضعف المسكنة. قد تجوع الحرة
стр. 187
ولا تأكل بثدييها١. لم يجر سالك القصد، ولم يعم قاصد الحق، من شدد نفر، ومن تراخى تألف. الشرف التغافل. أوفى القول أو جزه. أصوب الأمور ترك الفضول التغرير مفتاح البؤس. التواني والعجز ينتجان الهلكة. لكل شيء ضراوة٢. أحوج الناس إلى الغنى من لا يصلحه إلا الغنى، وهم الملوك. حب المدح رأس الضياع. رضا الناس غاية لا تبلغ. لا تركه سخط من رضاه الجور معالجة العفاف مشقة فتعوذ بالصبر. اقصر لسانك على الخير وأآخر الغضب؛ فإن القدرة ممن ورائك، من قدر أزمع، أمر أعمال المقتدرين الانتقام، جاز بالحسنة ولا تكافئ بالسيئة، أغنى الناس عن الحقد من عظم عن المجازاة. من حسد من دونه قل عذره، من جعل لحسن الظن نصيبًا روح عن قلبه، عي الصمت أحمد من عي المنطق، الناس رجلان محترس ومحترس منه كثير النصح يهجم على كثير الظنة٣، ومن ألح في المسألة أبرم٤، خير السخاء
стр. 188
ما وافق الحاجة، الصمت يكسب المحبة، لن يغلب الكذب شيئًا إلا غلب عليه الصدق، القلب قد يتهم وإن صدق اللسان، الانقباض عن الناس مكتبة للعداوة، وتقريبهم مكسبة لقرين السوء؛ فكن من الناس بين القرب والبعد. فإن خير الأمور أوساطها، فسولة١ الوزراء أضر من بغض الأعداء، خير القرناء المرأة الصالحة، وعند الخوف حسن العمل، من لم يكن له من نفسه زاجر؛ لم يكن له من غيره واعظ، وتمكن منه عدوه على أسوأ عمله، لن يهلك امرؤ حتى يمل٢ الناس عتيد فعله ويشتد على قومه، ويعجب بما ظهر من مروءته، ويغتر بقومه، والأمر يأتيه من فوقه، ليس للمختال في حسن الثناء نصيب، لا نماء مع العدم، إنه من أتى المكروه إلى أحد بدأ بنفسه. العي أن تتكلم فوق ما تسد به حاجتك، لا ينبغي لعاقل أن يثق بإخاء من تضطره إلى إخائه حاجة، أقل الناس راحة الحقود، من تعمد الذنب لا تحل رحمته دون عقوبته؛ فإن الأدب رفق، والرفق يمن".
"جمهرة الأمثال ١:٣٢٠، ومجمع الأمثال ٢: ١٤٥".
стр. 189
٨٤- وصية أكثم بن صيفي لطيئ:
وقال أكثم بن صيفي في وصية كتب بها إلى طيئ:
"أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم، وإياكم ونكاح الحمقاء؛ فإن نكاحها غرر١، وولدها ضياع. وعليكم بالخيل فأكرموها؛ فإنها حصون العرب، ولا تضعوا رقاب الإبل في غير حقها. فإن فيها الكريمة٢، ورقوء الدم٣، وبألبانها يتحف
стр. 190
الكبير١، ويغذي الصغير، ولو أن الإبل كلفت الطحن لطحنت. ولن يهلك امرؤ عرف قدره. والعدم٢ عدم العقل، لا عدم المال، ولرجل خير من ألف رجل. ومن عتب على الدهر طالت معتبته. ومن رضي بالقسم٣ طابت معيشته. وآفة الرأي الهوى. والعادة أملك٤. والحاجة مع المحبة خير من الغض مع الغنى. والدنيا دول؛ فما كان لك أتاك على ضعفك، وما كان عليك لم تدفعه بقوتك. والحسد داء ليس له دواء. والشماتة تعقب، ومن ير يومًا ير به. قبل الرماء تملأ الكنائن٥. الندامة مع السفاهة. دعامة العقل الحلم. خير الأمور مقبة الصبر. بقاء المودة عدل٦ التعاهد. من يزر غبًا يزدد حبًّا، التغرير مفتاح البؤس. من التواني والعجز نتجت٧ الهلكة. لكل شيء ضراوة. فضر لسانك بالخير عي الصمت أحسن من عي المنطق. الحزم حفظ ما كلفت وترك ما كنيت. كثير النصح يهجم على كثير الظنة. من ألحف في المسألة ثقل. من سأل فوق قدره استحق الحرمان. الرفق يمن، والخرق شؤم. خير السخاء ما وافق الحاجة. خير العفو ما كان بعد القدرة".
"مجمع الأمثال ٢:٨٧".
стр. 191
٨٥- وصية أكثم بن صيفي لبنيه ورهطه:
وصى أكثم بن صيفي بنيه ورهطه، فقال: "يا بني تميم لا يفوتنكم وعظي إن فاتكم الدهر بنفسي، إن بين حيزومي١ وصدري لكلامًا لا أجد له مواقع إلا
стр. 192
أسماعكم، ولا مقار إلا قلوبكم؛ فتلقوه بأسماع مصغية، وقلوب واعية، تحمدوا مغبته الهوى يقظان، والعقل راقد، والشهوات مطلقة، والحزم معقول١ والنفس مهملة، والروية مقيدة، ومن جهة التواني وترك الروية يتلف الحزم، ولن يعدم المشاور مرشدًا، والمستبد برأيه موقوف على مداحض٢ الزلل، ومن سمع سمع به، ومصارع الرجال تحت بروق الطمع، ولو اعتبرت مواقع المحن ما وجدت إلا في مقاتل الكرام، وعلى الاعتبار طريق الرشاد، ومن سلك الجدد٣ أمن العثار، ولن يعدم الحسود أن يتعب قلبه، ويشغل فكره، ويؤرث٤ غيظه، ولا تجاوز مضرته نفسه.
يا بني تميم: الصبر على جرع الحلم أعذب من جني ثمر الندامة، ومن جعل عرضه دون ماله استهدف للذم، وكلم اللسان أنكى من كلم السنان، والكلمة مرهونة ما لم تنجم من الفم؛ فإذا نجمت فهي أسد محرب٥، أو نار تلهب، ورأى الناصح اللبيب دليل لا يجوز، ونفاذ الرأي في الحرب، أجدى من الطعن والضرب".
"شرح ابن أبي الحديد ٤: ١٥٥، وسرح العيون ١٥ وجمهرة الأمثال ٢: ٢١٢".
стр. 193
٨٦- نصيحة أكثم بن صيفي لقومه:
ونصح قومه فقال: "أقلوا الخلاف على أمرائكم، واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل، والمرء يعجز لا محالة، يا قوم تثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين١ ورب عجلة تهب ريثا٢، واتزروا للحرب، وادرعوا الليل؛ فإنه أخفى للويل، ولا جماعة لمن اختلف".
"الأغاني ١٥: ٧٠".
стр. 194
٨٧- أمثال أكثم بن صيفي "وبزرجمهر" الفارسي: ١
"العقل بالتجارب. الصاحب مناسب٢. الصديق من صدق غيبه٣. الغريب من لم يكن له حبيب. رب بعيد أقر من قريب. القريب من قرب نفعه. لو تكاشفتم ما تدافنتم. خير أهلك من كفاك، خير سلاحك ما وقاك. خير إخوانك من لم تخبره. رب غريب ناصح الجيب٤، وابن أب متهم بالغيب، أخوك من صدقك، الأخ مرآة أخيه. إذا عز أخوك فهن٥. مكره أخاك لا بطل٦. تباعدوا في الديار وتقاربوا في المحبة. أي الرجال المهذب٧ من لك بأخيك كله. إنك إن فرحت لاق فرحًا.
стр. 195
أحسن يحسن إليك. ارحم ترحم. كما تدين تدان١. من ير يومًا ير به، والدهر لا يغتر به، عين عرفت فذرفت٢. في كل خبرة عبرة، من مأمنه يؤتى الحذر، لا يعدو المرء رزقه وإن حرص، إذا نزل القدر عمي البصر، وإذا نزل الحين نزل بين الأذن والعين٣. الخمر مفتاح كل شر. الغناء رقية الزناء٤. القناعة مال لا ينفد. خير الغنى غنى النفس. منساق إلى ما أنت لاق. خذ من العافية ما أعطيت. ما الإنسان إلا القلب واللسان. إنما لك ما أمضيت. لا تتكلف ما كفيت. القلم أحد اللسانين. قلة العيال أحد اليسارين، ربما ضاقت الدنيا باثنين. لن تعدم الحسناء ذامًا٥. لم يعدم الغاوي لائمًا. لا تك في أهلك كالجنازة٦. لا تسخر من شيء فيجوز بك. أخر الشر فإذا شئت تعجلته. صغير الشر يوشك أن يكبر. يبصر القلب ما يعمى عنه البصر، الحر حر وإن مسه الضر، العبد عبد وإن ساعده جد٧، من عرف قدره استبان
стр. 196
أمره. من سره بنوه ساءته نفسه. من تعظم على الزمان أهانه. من تعرض للسلطان آذاه، ومن تطامن له تخطاه. من خطأ يخطو١. كل مبذول مملول، كل ممنوع مرغوب فيه. كل عزيز تحت القدرة ذليل. لكل مقام مقال. لكل زمان رجال. لكل أجل كتاب. لك عمل ثواب. لكل نبأ مستقر. لكل سر مستودع. قيمة كل إنسان ما يحسن. اطلب لكل غلق٢ مفتاحًا. أكثر في الباطل يكن حقًّا. عند القنط٣ يأتي الفرج. عند الصباح يحمد السرى٤. الصدق منجاة، والكذب مهواة. الاعتراف يهدم الاقتراف. رب قول أنفذ من صول. رب ساعة ليس بها طاعة. رب عجلة تعقب ريثًا٥. بعض الكلام أقطع من الحسام، بعض الجهل أبلغ
стр. 197
من الحلم، ربيع القلب ما اشتهى، الهوى شديد العمى. الهوى الإله المعبود. الرأي نائم، والهوى يقظان. غلب عليك من دعا إليك. لا راحة لحسود ولا وفاء، لا سرور كطيب النفس. العمر أقصر من أن يحتمل الهجر. أحق الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة. خير العلم ما نفع. خير القول ما اتبع. البطنة١ تذهب الفطنة. شر العمى عمى القلب. أوثق العرى كملة التقوى٢. النساء حبائل الشيطان. الشباب شعبة من الجنون. الشقي من شقي في بطن أمه. السعيد من وعظ بغيره؛ لكل امرئ في بدنه شغل، من يعرف البلاء يصبر عليه. المقادير تريك مالًا يخطر ببالك. أفضل الزاد ما تزود للمعاد. الفحل أحمى للشول٤. صاحب الحظوة غدًا، من بلغ المدى. عواقب الصبر محمودة. لا تبلغ الغايات بالأماني. الصريمة٤ على قدر العزيمة. الضيف يثني أو يذم من تفكر اعتبر. كم شاهد لك لا ينطق. ليس منك من غشك، ما نظر لامرئ مثل نفسه. ما سد فقرك إلا ملك يمينك، ما على عاقل ضيعة. الغنى في الغربة وطن. المقل في أهله غريب، أول المعرفة الاختبار: يدك منك وإن كانت شلاء. أنفك منك وإن كان أجدع٥.
стр. 198
من عرف بالكذب جاز صدقه١. الصحة داعية السقم. الشباب داعية الهرم. كثرة الصياح من الفشل. إذا قدمت المصيبة تركت التعزية. إذا قدم الإخاء سمج الثناء. العادة أملك من الأدب. الرفق يمن والخرق شؤم. المرأة ريحانة وليست بقهرمانة٢. الدال على الخير كفاعله. المحاجزة قبل المناجزة. قبل الرماية تملأ الكنائن. لكل ساقطة لاقطة. مقتل الرجل بين كفيه. ترك الحركة غفلة. الصمت حبسة. من خير خبر. إن تسمع تمطر٣. كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينًا للخونة. قيدوا النعم بالشكر. من يزرع المعروف يحصد الشكر، لا تغتر بمودة الأمير إذا غشك الوزير. أعظم من المصيبة سوء الخلف منها. من أراد البقاء فليوطن نفسه على المصائب. لقاء الأحبة مسلاة للهم. قطيعة الجاهل كصلة العاقل. من رضي على نفسه كثر الساخط عليه. قتلت أرض جاهلها، وقتل أرضًا عارفها. أدوأ الداء الخلق الدني، واللسان البذي. إذا جعلك السلطان أخا فاجعله ربًّا. احذر الأمين ولا تأمن الخائن. عند الغاية يعرف السبق. عند الرهان يحمد المضمار. السؤال وإن قل أكثر من النوال وإن جل كافئ المعروف بمثله أو انشره. لاخلة٤ مع عيلة، لا مروءة مع ضر، ولا صبر مع شكوى.
стр. 199
ليس من العدل، سرعة العذل١. عبد غيرك حر مثلك. لا يعدم الخيار، من استشار. الوضيع من وضع نفسه. المهين من نزل وحده من أكثر أهجر٢. كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع".
" العقد الفريد ١: ٢٧٢".
ومن أمثال أكثم بن صيفي أيضًا:
"في الجريرة تشترك العشيرة٣. إذا قرع الفؤاد ذهب الرقاد. هل يهلكني فقد ما لا يعود؟ أعوذ بالله أن يرميني امرؤ بدائه. رب كلام، ليس فيه اكتتام. حافظ على الصديق، ولو في الحريق. ليس بيسير، تقويم العسير. إذا أردت النصيحة؛ فتأهب للظنة. متى تعالج مال غيرك تسأم. غثك خير من سمين غيرك. لا تنطح جماء٤ ذات قرن. قد يبلغ الخضم بالقضم٥. قد صدع الفراق، بين الرفاق، استأنوا٦ أخاكم، فإن مع اليوم غدًا. الحر عزوف٧. لا تطمع في كل ما تسمع".
"جمهرة الأمثال ٢:١٠٣".
стр. 200
٨٨- نصيحة الجمانة بنت قيس بن زهير لجدها الربيع بن زياد:
كان قيس بن زهير العبسي قد اشترى من مكة درعًا حسنة، تسمى ذات الفضول، وورد بها إلى قومه، فرآها عمه الربيع بن زياد، وكان سيد بني عبس، فأخذها منه
стр. 201
غضبًا، فقالت الجمانة بنت قيس لأبيها: دعني أناظر جدي، فإن صلح الأمر بينكما، وإلا كنت من وراء رأيك؛ فأذن لها، فأتت الربيع فقالت:
"إذا كان قيس أبي، فإنك يا ريبع جدي، وما يجب له من حق الأبوة علي، إلا كالذي يجب عليك من حق البنوة لي، والرأي الصحيح تبعثه العناية، وتجلي عن محضه النصيحة، إنك قد ظلمت قيسًا بأخذ درعه، وأجد مكافأته إياك سوء عزمه، والمعارض منتصر، والبادي أظلم، وليس قيس ممن يخوف بالوعيد، ولا يردعه التهديد، فلا تركنن إلى منابذته؛ فالحزم في متاركته، والحرب متلفة للعباد، ذهابة بالطارف والتلاد، والسلم أرخى للبال، وأبقى لأنفس الرجال، وبحق أقول: لقد صعدت بحكم، وما يدفع قولي إلا غير ذي فهم"، ثم أنشأت تقول:
أبي لا يرى أن يترك الدهر درعه ... وجدي يرى أن يأخذ الدرع من أبي
فرأي أبي رأي البخيل بماله ... وشيمة جدي شيمة الخائف الأبي
"بلاغات النساء ص١٢٥".
стр. 202
٨٩- وصف عصام الكندية أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني:
لما بلغ الحارث بن عمرو ملك كندة جمال أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني، وكمالها وقوة عقلها، أراد أن يتزوجها؛ فدعا امرأة من كندة، يقال لها عصام، ذات عقل ولسان، وأدب وبيان، وقال لها: اذهبي حتى تعلمي لي علم ابنة عوف؛ فمضت حتى انتهت إلى أمها أمامة بنت الحارث؛ فأعلمتها ما قدمت له، فأرسلت أمامة إلى ابنتها وقالت: أي بنية، هذه خالتك أتت إليك لتنظر إلى بعض شأنك، فلا تستري عنها شيئًا أرادت النظر إليه، من وجه وخلق، وناطقيها فيما استنطقتك فيه، فدخلت عصام عليها؛ فنظرت إلى ما لم تر عينها مثله قط بهجة وحسنًا وجمالًا؛ فإذا هي أكمل الناس عقلًا، وأفصحهم لسانًا؛ فخرجت من عندها وهي تقول: "ترك الخداع من كشف
стр. 203
القِنَاعَ" فذهبت مثلًا، ثم أقبلت إلى الحارث فقال لها: "ما وراءك يا عصام"؟ فأرسلها مثلًا، قالت: "صرح المخض عن الزبد١"، فذهبت مثلًا. قال أخبريني، قالت: أخبرك صدقًا وحقًّا:
"رأيت جبهة كالمرآة الصقيلة، يزينها شعر حالك، كأذناب الخيل المضفورة٢، إن أرسلته خلته السلاسل، وإن مشطته قلت عناقيد كرم جلاها الوابل٣، وحاجبين كأنهما خطا بقلم، أو سودا بحمم٤ قد تقوسا على عيني الظبية العبهرة٥ التي لم يرعها قانص، ولم يذعرها قسورة٦، بينهما أنف كحد السيف المصقول٧، لم يخنس به٨ قصر، ولم يمض٩ به طول، حفت به وجنتان كالأرجوان١٠، في بياض محض كالجمان١١، شق فيه فم كالخاتم، لذيذ المبتسم، فيه ثنايا غر، ذوات أشر١٢، وأسنان تبدو كالدرر، وريق كالخمر له نشر الروض بالسحر، يتقلب فيه لسان ذو فصاحة وبيان، يحركه عقل وافر وجواب حاضر، تلتقي دونه شفتان حمراوان كالورد، تجلبان ريقًا كالشهد، تحت ذلك عنق كإبربق الفضة، ركب في صدر كصدر تمثال دمية١٣، يتصل بها عضدان ممتلئان لحمًا، مكتزان١٤ شحمًا، وذراعان ليس فيها عظم يحس، ولا عرق يجس، ركبت فيهما كفان، دقيق
стр. 204
قصبهما، لين عصبهما، تعقد إن شئت منهما الأنامل، وتركب الفصوص في حفر المفاصل، وقد تربع في صدرها حقان، كأنهما رمانتان، يخرقان عليها ثيابها، تحت ذلك بطن طوي كطي القباطي١ المدمجة، كسي عكنًا٢ كالقراطيس المدرجة٣ تحيط تلك العكن بسرة كمدهن٤ العاج المجلو، خلف ذلك ظهر كالجدول، ينتهي إلى خصر، لولا رحمة الله لانبتر، تحته كفل٥ يقعدها إذا نهضت، وينهضها إذا قعدت، كأنه دعص٦ رمل، لبده سقوط الطل، يحمله فخذان لفاوان٧ كأنهما نضيد الجمان تحتهما ساقان، خدلتان٨ كالبردي، وشيتا بشعر أسود، كأنه حلق الزرد، يحمل ذلك قدمان، كحذو اللسان، فتبارك الله مع صغرهما كيف تطيقان حمل ما فوقهما، فأما ما سوى ذلك فتركت أن أصفه؛ غير أنه أحسن ما وصفه واصف بنظم أو نثر"؛ فأرسل الملك إلى أبيها فخطبها، فزوجه إياها٩.
"العقد الفريد ٣:٢٣٥، ومجمع الأمثال ٢:١٤٣، وجمهرة الأمثال ٢: ٢٧".
стр. 205
٩٠- وصية أمامة بنت الحارث لابنتها أم إياس:
فلما حملت إلى زوجها قالت لها أمها أمامة بنت الحارث:
"أي بنية: إن الوصية لو تركت لفضل أدب، تركت لذلك منك؛ ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل، ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها، وشدة جاجتها إليها، كنت أغنى الناس عنه؛ ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال.
أي بنية: إنك فارقت الجو الذي منه خرجت، وخلفت العش الذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه١ عليك رقيبًا ومليكًا؛ فكوني له أمة يكن لك عبدًا وشيكًا٢. يا بنية: احملي عني عشر خصال تكن لك ذخرًا وذكرًا، الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتعهد لموقع عينه، والتفقد لموضوع أنفه؛ فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، والكحل أحسن الحسن، والماء أطيب الطيب المفقود، والتعهد لوقت طعامه، والهدو عنه عند منامه؛ فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيض النوم مغضبة، والاحتفاظ ببيته وماله، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله؛ فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، والإرعاء على العيال والحشم جميل حسن التدبير، ولا تفشي له سرًا، ولا تعصي له أمرًا؛ فإنك إن أفشيت سره، لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره، أو غرت صدره، ثم انقي من
стр. 206
ذلك الفرح إن كان ترحًا، وإلا كتئاب عنده إن كان فرحًا؛ فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، وكوني أشد ما تكونين له إعظامًا، يكن أشد ما يكون لك إكرامًا، وأشد ما تكونين له موافقة، يكن أطول ما تكونين له مرافقة، واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين، حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك فيما أحببت وكرهت، والله يخير لك".
"مجمع الأمثال ٢:١٤٣، والعقد الفريد ٣: ٢٢٣".
стр. 207
الباب الثاني: الخطب والوصايا في عصر صدر الإسلام
خطب النبي ﷺ
أول خطبة خطبها بمكة حين دعا قومه
...
الخطب والوصايافي عصر صدر الإسلام:
خطب النبي ﷺ :
١- أول خطبة خطبها بمكة حين دعا قومه:
حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"إن الرائد١ لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعًا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعًا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانًا، وبالسوء سوءًا، وإنها لجنة أبدًا، أو لنار أبدًا".
"السير الحلبية ١: ٢٧٢، والكامل لابن الأثير ٢: ٢٧".
стр. 208
أول خطبة بالمدينة
...
٢- أول خطبة خطبها بالمدينة:
حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
"أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم؛ تعلمن، والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فلبغك، وآتيتك مالًا، وأفضلت عليك؛ فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يمينًا وشمالًا؛ فلا يرى شيئًا، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جنهم؛ فمن استطاع أن يقي وجهه من النار، ولو بشق من تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة؛ فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف١، والسلام عليكم وعلى رسوله الله ورحمة الله وبركاته".
"سيرة ابن هشام ١: ٣٠٠".
стр. 209
٣- خطبته في أول جمعة جمعها بالمدينة:
"الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأومن به ولا أكفره وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله؛ فقد رشد١، ومن يعصهما؛ فقد غوى وفرط، وضل ضلالًا بعيدًا، وأوصيكم بتقوى الله؛ فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرًا، وإن
стр. 210
تقوى الله لمن عمل بها على وجل ومخافة من ربه، عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله؛ يكن له ذكرًا في عاجل أمره، وذخرًا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدًا بعيدًا، ويحذركم الله نفسه، والله رءوف بالعباد، والذي صدق قوله، وأنجز وعده لا خلف لذلك؛ فإنه يقول : ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية؛ فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجرًا، ومن يتق الله فقد فاز فوزًا عظيمًا، وإن تقوى الله يوقى مقته، ويوقى عقوبته، ويوقى سخطه، وإن تقوى الله يبيض الوجوه، ويرضي الرب، ويرفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله؛ ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين؛ فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، ولا قوة إلا بالله؛ فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد اليوم؛ فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس؛ ذلك بأن الله يقضي على الناس، ولا يقضون عليه، يملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العظيم".
"تاريخ الطبري ٢: ٢٥٥".
стр. 211
٤- خطبة له يوم أحد:
قام ﵊ فخطب الناس فقال:
"أيها الناس أوصيكم بما أوصاني الله في كتابه، من العمل بطاعته، والتناهي عن محارمه، ثم إنكم اليوم بمنزل أجر وذخر لمن ذكر الذي عليه، ثم وطن نفسه على الصبر واليقين، والجد والنشاط؛ فإن جهاد العدو شديد كربه، قليل من يصبر عليه إلا
стр. 212
من عزم له على رشده، إن الله مع من أطاعه، وإن الشيطان مع من عصاه؛ فاستفتحوا أعمالكم بالصبر على الجهاد، والتمسوا بذلك ما وعدكم الله، وعليكم بالذي أمركم به؛ فإني حريص على رشدكم. إن الاختلاف والتنازع والتثبيط من أمر العجز والضعف. وهو مما لا يحبه الله، ولا يعطي عليه النصر.
أيها الناس إنه قذف في قلبي أن من كان على حرام فرغب عنه ابتغاء ما عند الله؛ غفر له ذنبه، ومن صلى على محمد وملائكته عشرًا، ومن أحسن وقع أجره على الله في عاجل دنياه، أو في آجل آخرته، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فعليه الجمعة يوم الجماعة، إلا صبيًّا أو امرأة أو مريضًا أو عبدًا مملوكًا، ومن استغنى عنها استغنى الله عنه. والله غني حميد.
ما أعلم من عمل يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به، ولا أعلم من عمل يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه، وإنه قد نفث الروح الأمين في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها لا ينقص منه شيء وإن أبطأ عنها؛ فاتقوا الله ربكم، وأجملوا في طلب الرزق، ولا يحملنكم استبطاؤه على أن تطلبوه بمعصية ربكم؛ فإنه لا يقدر على ما عنده إلى بطاعته، قد بين لكم الحلال والحرام؛ غير أن بينهما شبهًا من الأمر لم يعلمها كثير من الناس إلا من عصم؛ فمن تركها حفظ عرضه ودينه، ومن وقع فيها كان كالراعي إلى جنب الحمى أوشك أن يقع فيه، وليس ملك إلا وله حمى؛ ألا وإن حمى الله محارمه، والمؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد، إذا اشتكى تداعى إليه سائر جسده، والسلام عليكم".
"شرح ابن أبي الحديد ٣: ٣٦٥".
стр. 213
٥- خطبته بالخيف:
وخطب بالخيف من منى فقال:
"نضر١ الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها؛ فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل٢ عليهن قلب المؤمن: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأولى الأمر، ولزوم الجماعة، إن دعوتهم تكون من ورائه، ومن كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كان همه الدنيا فرق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له".
"إعجاز القرآن ص١١٢".
стр. 214
٦- خطبة له ﵊:
ومن خطبه أيضًا أنه خطب بعد العصر فقال:
"ألا إن الدنيا خضرة حلوة، ألا وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، ألا لا يمنعن رجلًا مخافة الناس أن تقول الحق إذا علمه. ولم يزل يخطب حتى لم تبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف فقال: إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى".
"إعجاز القرآن ص١١٣".
стр. 215
٧- خطبة له ﵊:
"إن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أصدق الحديث وأبلغه، أحبوا من أحب الله، وأحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقسو عليه قلوبكم، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، اتقوا الله حق تقاته١، وصدقوا صالح ما تعملون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، والسلام عليكم ورحمة الله".
"إعجاز القرآن ص١١٠".