في قتلك فأشار عليَّ به، قال: فما قلت لهما يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت لهما: بدأنا له بإحسان، ونحن نستأمره فيه، فإن غيَّره فالله يغيِّر ما به، قال: إما أن يكونا قد نصحاك في عِظَم قدر الملك، وما جَرَت عليه عادة السياسة قد فعلا، ولكن أبيتَ أن تستجلب النصر إلا من حيث عوَّدك الله، ثم استعبر باكيًا، فقال له المأمون: ما يُبْكِيك؟ قال: جَذَلًا؛ إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام، ثم قال: يا أمير المؤمنين إنه وإن كان جُرْمِي يبلغ سَفْكَ دمي، فحلم أمير المؤمنين وتفضله يبلغانني عفوه، ولي بعدهما شفاعة الإقرار بالذنب، وحُرْمَةُ الأب بعد الأب، قال المأمون: " القدرة تذهب الحَفِيظَة١، والندم توبة، وعفو الله بينهما، وهو أكبر ما يحاول، يا إبراهيم: لقد حَبَّبْت إليَّ العفو، حتى خفتُ أن لا أوجر عليه، أما لو علم الناس ما لنا في العفو من اللذة، لتقربوا إلينا بالجنايات، لا تثريب٢ عليك، يغفر الله لك، ولو لم يكن من حق نسبك ما يبلِّغ الصفح عن زلتك، لبلَّغك ما أمَّلْت حسن توصلك، ولطيف تنصُّلك". ثم أمر بردِّ ماله وضياعه، فقال:
رددت مالي، ولم تبخل عليَّ به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمي
فأُبْتُ منك -وما كافأتها- بيدٍ ... هما الحياتان من وفر ومن عدم٣
وقام علمك بي فاحتجَّ عندك لي ... مقام شاهد عدل غير مُتَّهم
فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمالَ، حتى أسُلَّ النعل من قَدَمي
ما كان ذاك سوى عاريّةٍ رََجَعَتْ ... إليك، لو لم تَهَبْها كنت لم تُلَمِ
"الأغاني ٩: ٥٧، والعقد الفريد ١: ١٤٢، الأمالي ١: ٢٠٢، وزهر الآداب ٣: ١٩١".
стр. 1857
١١٨- إبراهيم بن المهدي وبختيشوع الطبيب:
تنازع إبراهيم بن المهدي هو وبختيشوع الطبيب بين يدي أحمد بن داود القاضي، في مجلس الحكم، في عقار بناحية السَّواد١، فزرى عليه٢ ابن المهدي، وأغلظ له بين يدي أحمد بن دواد، فأحفظه٣ ذلك، فقال: يا إبراهيم إذا نازعت أحدا في مجلس الحكم، فلا أَعْلَمَنَّ أنك رفعت عليه صوتا، ولا أشرت بيد، وليكن قصدك أمَمًا٤، وطريقك نهجًا٥، وريحك ساكنة، وكلامك معتدلا، ووفِّ مجالس الحكومة حقوقها، من التوقير والتعظيم والاستكانة والتوجه إلى الواجب، فإن ذلك أشبه بك وأشكل لمذهبك في مَحْتِدك٦، وعظيم خطرك٧، ولا تعجل، فرب عجلة تَهَبُّ رَيْثًا٨، والله يعصمك من الزلل، وخَطَل القول والعمل، ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل، إن ربك حكيم عليم".
قال إبراهيم: "أصلحك الله أمرت بسداد، وحضَضْت على رشاد، ولست بعائد إلى ما يَثْلِم٩ مروءتي عندك، ويسقطني من عينك، ويخرجني من مقدار الواجب إلى الاعتذار، فهَأَنَا معتذر إليك من هذه البادرة، اعتذار مُقِرّ بذنبه، باخعٍ بجرمه١٠، فإن الغضب لا يزال يستفزُّني بموادِّه، فيردني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندنا منك، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وقد هبت حقي من هذا العقار لبختيشوع، فليت ذلك اليوم يعول١١ بأَرْش١٢ الجناية، ولم يتلف مال أفاد موعظة وبالله التوفيق".
"العقد الفريد ١: ٢٧، وزهر الآداب ١: ٣٣٢".
стр. 1858
١١٩- استعطاف إسحاق بن العباس المأمون:
وقال المأمون لإسحاق بن العباس: "لا تحسبنِّي أغفلت إجلابك مع ابن المهدي، وتأييدك لرأيه، وإيقادك لناره، قال: "يا أمير المؤمنين، ولرَحِمِي أمس من أرحامهم وقد قال لهم كما قال يوسف لإخوته: ﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ١، وأنت يا أمير المؤمنين أحق وارثٍ لهذه المنة، وممتثل٢ لخلال العفو والفضل".
قال: هيهات! تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام، جُرْمك جرم في إسلامك وفي دار خلافتك. قال: "يا أمير المؤمنين فوالله للمسلم أحق بإقالة العَثْرَة، وغفران الزَّلة من الكافر، هذا كتاب الله بيني وبينك. يقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فهي للناس يا أمير المؤمنين سُنَّة دخل فيها المسلم والكافر، والشريف والمشروف" قال: صدقت، اجلس، وَرِيَت بك زِنادي، ولا بَرِحْتُ أرى من أهلك أمثالك.
"العقد الفريد ١: ١٤٢، وزهر الآداب ٢: ١٩٣".
стр. 1859
١٢٠- أحد وجوه بغداد يمدح المأمون حين دخلها:
لما دخل المأمون بغداد، تلقَّاه وجوه أهلها، فقال له رجل منهم: "يا أمير المؤمنين، بارك الله لك في مَقْدَمِك، وزاد في نعمتك، وشكرك عن رعيتك، تقدمتَ َمْن قَبْلَك، وأتبعت من بعدك١، وآيَسْتَ أن يُعَاين مِثْلُك، أما فيما مضى فلا نعرفه،
стр. 1860
وأما فيما بقى فلا نرجوه، فنحن جميعًا ندعو لك، ونُثْنِي عليك، خَصِب لنا جَنَابُك، وعذُب ثوابك، وحسنت نظرتك، وكرمت مقدرتك، وجبرت الفقير، وفككت الأسير، فإنك يا أمير المؤمنين كما قال الأول:
ما زلت في البذل والنَّوال وإطـ ... ـلاقٍ لعان بجُرْمِه غَلِق١
حتى تمنى البِرَاء أنهم ... عندك أسرى في القيد والحلق٢
"العقد الفريد ١: ١٣٧".
стр. 1861
١٢١- أحد أهل الكوفة يمدح المأمون:
وقد وفد من الكوفة إلى بغداد، فوقفوا للمأمون فأعرض عنهم، فقال شيخ منهم: "يا أمير المؤمنين: يدك أحق يد بتقبيل، لعُلُوِّها في المكارم، وبعدها من المآثم، وأنت يوسفيّ العفو في قلة التثريب، مَنْ أرادك بسوء جعله لله حَصِيد سيفك، وطريد خوفك، وذليل دولتك"، فقال يا عمرو: نعم الخطيب خطيبهم، اقض حوائجهم.
"مروج الذهب ٢: ٣١٩".
стр. 1862
١٢٢- محمد بن عبد الملك بن صالح بين يدي المأمون:
ودخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون حين قبض ضياعهم، فقال:
"يا أمير المؤمنين، محمد بن عبد الملك بين يديك، ربَيِْبُ دولتك، وسليل نعمتك، وغصن من أغصان دَوْحَتِك١، أتأذن في الكلام؟ قال نعم. قال: "أَسَتَمْنَح اللهَ حياطة ديننا ودنيانا، ورعاية أدنانا وأقصانا ببقائك، ونسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا"، وفي أثرك من آثارنا، ويقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا، هذا مقام العائذ بفضلك، الهارب إلى كَنِفِك وظلك، الفقير إلى رحمتك وعدلك"، ثم تكلم في حاجته، فقضاها.
"العقد الفريد ١: ١٤٦".
стр. 1863
١٢٣- الحسن بن سهل يمدح المأمون:
وقال الحسن بن سهل١ يومًا للمأمون:
"الحمد لله يا أمير المؤمنين على جزيل ما آتاك، وسَنِيِّ ما أعطاك؛ إذ قسم لك الخلافة، ووهب لك معها الحجة، ومكنك بالسلطان، وحلاه لك بالعدل، وأيَّدَك بالظفر، وشفعه لك بالعفو، وأوجب لك السعادة، وقرنها بالسيادة، فمن فُسِح٢ له في مثل عطية الله لك؟ أم من ألبسه الله تعالى من زينة المواهب ما ألْبَسَك؟ أم من ترادفت نعمة الله تعالى عليه ترادفها عليك؟ أم هل حاولها أحد وارتبطها بمثل محاولتك؟ أم أي حاجة بقيت لرعيتك لم يجدوها عندك؟ أم أي قيِّم للإسلام انتهى إلى عنايتك ودَرَجتك؟ تعالى الله تعالى، ما أعظم ما خصَّ القرآن الذي أنت ناصِرُه، وسبحان الله! أيُّ نعمة طبقت٣ الأرض بك إن أُدِّى شكرها إلى بارئها والمنعم على العباد بها؟ إن الله تعالى خلق السماء في فلكها ضياء يستنير بها جميع الخلائق، فكل جوهر زها حسنه ونوره، فهل لَبِسَتْه زِينَتُه إلا بما اتصلَ به من نورك؟ وكذلك كل ولي من أوليائك، سَعِد بأفعاله في دولتك، وحَسُنَت صنائعه عند رعيتك، فإنما نالها بما أيَّدتَه من رأيك وتدبيرك، وأسعدتَه من حسنك وتقويمك".
"زهر الآداب ٣: ٢٠٠".
стр. 1864
١٢٤- يحيى بن أكثم يمدح المأمون:
وقال المأمون ليحيى بن أكُثَم١: صف لي حالي عند الناس، فقال:
"يا أمير المؤمنين، قد انقادت لك الأمور بأَزِمَّتها، وملكتك الأمة فضول
стр. 1865
أَعِنَّتِهَا، بالرغبة إليك، والمحبة لك، والرِّفق منك، والعياذِ بك، بعدلك فيهم، ومنِّك عليهم، حتى لقد أَنْسَيْتَهم سَلَفَك، وآيستهم من خَلَفِك، فالحمد لله الذي جمعنا بك بعد التقاطع، ورفعنا في دولتك بعد التواضع".
فقال: يا يحيى، أتحبيرًا أم ارتجالًا؟ قال: قلت: وهل يمتنع فيك وصف، أو يتعذر على مادحك قول، أو يُفْحَم فيك شاعر أو يتلجلج فيك خطيب؟.
"الصناعتين ص٤٠".
стр. 1866
١٢٥- أحد بني هاشم والمأمون:
أذنب رجل من بني هاشم ذنبًا، فَعَنَّفَه المأمون، فقال:
"يا أمير المؤمنين من كانت له مثل دالَّتي، ولبس ثوب حُرْمَتي، ومتَّ بمثل قرابتي، غفر له فوق زَلَّتي" فأعجب المأمون كلامه وصفح عنه.
"الأمالي ٢: ١٣٦، وزهر الآداب ٣: ٨٩".
стр. 1867
١٢٦- رجل يتظلم إلى المأمون:
وتظلَّمَ رجل إلى المأمون من عامل له فقال:
"يا أمير المؤمنين، ما ترك لي فضَّة إلا فضها، ولا ذهبًا إلا ذهب به، ولا غَلَّة إلا غَلَّهَا١، ولا ضيعة إلا أضاعها، ولا عِلْقًا٢ إلا عَلِقَه، ولا عَرَضا إلا عَرَضَ له، ولا ماشية إلا امتشَّها٣، ولا جليلًا إلا أجلاه، ولا دقيقا إلا دقه"، فعجب من فصاحته وقضى حاجته.
"زهر الآداب ٢: ١٣٧".
стр. 1868
١٢٧- عمرو بن سعيد والمأمون:
وقال عمرو بن سعيد بن سَلْم: كانت على نوبة أَنُوبها في حرس المأمون، فكنت في نوبتي ليلة، فخرج متفقِّدًا من حضر، فعرفته ولم يعرفني، فقال: من أنت؟ قلت: عمرو، عمَّرك الله، ابن سعيد، أسعدك الله، ابن سَلْم، سلَّمك الله، فقال: أنت تَكْلَؤُنَا منذ الليلة؟ قلت: الله يكلؤك قبلي، وهو خير حافظًا وهو أرحم الراحمين، فقال المأمون:
إن أخاك الصَّدْقَ من يسعى معك ... ومن يضرُّ نفسه لينفعك
ومن إذا صَرْفُ الزمان صَدَعَك ... بدَّدَ شَمْلَ نفسه لِيَجْمَعَك
"زهر الآداب ٢: ١٧٣".
стр. 1869
١٢٨- الحسن بن رجاء والمأمون:
دخل المأمون بعض الدواوين، فرأى غلامًا جميلًا على أذنه قَلَم، فقال: من أنت يا غلام؟ فقال:
"أنا يا أمير المؤمنين، الناشئ في دولتك، والمتقلِّب في نعمتك، المؤمِّل لخدمتك، خادِمُك وابن خادمك: الحسن بن رجاء"، فقال: أحسنت يا غلام، وبالإحسان في البديهة تفاضلت العقول، وأمر برفع مرتبته.
"زهر الآداب ٢: ١٧٣".
стр. 1870
١٢٩- سعيد بن مسلم والمأمون
وقال سعيد بن مسلم بن قتيبة للمأمون:
"لو لم أشكر الله تعالى إلا على حسن ما أبلاني من أمير المؤمنين، من قَصْدهِ إليَّ بحديثه، وإشارته إليَّ بطَرفْه، لقد كان في ذلك أعظم الرِّفعة، وأرفع ما تُوجِبه الحُرْمَة".
стр. 1871
فقال: "يفعل أمير المؤمنين ذلك؛ لأن أمير المؤمنين يجد عندك من حسن الإفهام إذا حَدَّثْتَ، وحسن الفهم إذا حُدِّثَتَ، ما لم يجده عند أحد ممن مضى، ولا يظن أنه يجد عند أحد مِمَّن بَقِي، فإنك لتستقصى حديثي، وتقف عند مقاطع كلامي، وتخبر بما كنت أغفلتُهُ منه".
"زهر الآداب ١: ١٧٣".
стр. 1872
١٣٠- أبو زهمان يعظ سعيد بن مسلم
وقال سعيد بن مسلم: كنت واليا بأرمينيِّة، فَغَبَر١ أبو زَهْمَان العَلَانيّ على بابي أياما، فلما وصل إليَّ مَثَل بين يديَّ قائما بين السِّماطَينِ٢ وقال:
"والله إني لأعرف أقواما لو علموا أن سَفَّ التراب يقيم من أَوَد٣ أصلابهم لجعلوه مُسْكَةً٤ لازما فيهم، وإيثارًا للتنزه عن عيش رقيق الحواشي، أما والله إني لبعيد الوثبة، بطيء العَطْفة، إنه والله ما يثنيني عليك إلا مثلُ ما يَصْرِفني عنك ولأن أكون مقلًا مقرِّبا، أحب إليَّ من أن أكون مكثرًا مبعدا، والله ما نسأل عملًا لا نضبطه، ولا مألا إلا نحن أكثر منه، وهذا الأمر الذي صار إليك في يديك، كان في يد غيرك، فأمسوا والله حديثا، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فتحبَّبَ إلى عباد الله بحسن البشر، ولين الجانب، فإن حُبَّ عباد الله موصول بُحِّب الله، وبغضهم موصول ببغض الله؛ لأنهم شهداء الله على خلقه، ورقباؤه على من اعوجَّ عن سبيله".
"البيان والتبيين ٢: ١٠٥".
стр. 1873
١٣١- وصية طاهر بن الحسين
لابنه عبد لله لما ولَّاه المأمون الرقة ومصر وما بينهما١ سنة ٢٠٦هـ.
"بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فعليك بتقوى الله وحد لا شريك له"
стр. 1874
وخشيته ومراقبته ومزايلة سخطه وحفظ رعيتك، والزَم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك، وما أنت صائر إليه، وموقوف عليه، ومسئول عنه، والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله، وينجيك يوم القيامة من عذابه، وأليم عقابه، فإن الله قد أحسن إليك، وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده، وألزمك العدل عليهم، والقيام بحقه وحدوده فيهم، والذبَّ١ عنهم، والدفع عن حريمهم وبَيْضَتِهِم٢، والحقن لدمائهم، والأمن لسبيلهم٣، وإدخال الراحة عليهم في معايشهم، ومؤاخِذك بما فرض عليك من ذلك، وموقِّفك عليه، ومسائلك عنه، ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت، ففرِّغ لذلك فكرك وعقلك وبصرك ورؤيتك، ولا يذْهَلك٤ عنه ذاهل، ولا يشغلك٥ عنه شاغل، فإنه رأس أمرك وملاك شأنك، وأول ما يوفقك الله به لرشدك، وليكن أول ما تُلْزِم به نفسك، وتنسب إليه فعالك، والمواظبة على ما افترض الله عليك من الصلوات الخمس، والجماعة عليها بالناس قِبَلَك في مواقيتها على سننها، في إسباغ٦ الوضوء لها، وافتتاح ذكر الله فيها، وتَرَتَّل٧ في قراءتك، وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك، ولتصدق فيها لربك نيتك، واحضض عليه جماعة من معك وتحت يدك وادأْب عليها فإنها كما قال الله: تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر، ثم أتبع ذلك الأخذ بسنن رسول الله ﷺ والمثابرة على خلائقه، واقتفاء آثار الصالح من بعده، وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة٨ الله وتقواه، ولزوم ما أنزل الله في كتابه من أمره ونهيه، وحلاله وحرامه وائتمام ما جاءت به الآثار عن النبي ﷺ ، ثم قم فيه بما يحق الله عليك،
стр. 1875
ولا تَمِل عند العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس أو بعيد، وآثر الفقه وأهله، والدين وحملته، وكتاب الله والعاملين به، فإن أفضل ما تزين به المرء الفقه في دين الله، والطلب له، والحثّ عليه، والمعرفة بما يتقرب به إلى الله، فإنه الدليل على الخير كله، والقائد له، والآمر به، والناهي عن المعاصي والموبقات كلها، وبها مع توفيق الله تزداد العباد معرفة بالله ، وإجلالًا له، ودَرْكًًًًا للدرجات العلا في المعاد مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك، والهيبة لسلطانك، والأَنَسَة بك، والثقة بعدلك، وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها، فليس شيء أبين نفعا، ولا أحضر أمنا، ولا أجمع فضلًا من القصد، والقصد داعية إلى الرشد، والرشد دليل على التوفيق والتوفيق قائد إلى السعادة، وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد، فآثره في دنياك كلها، ولا تقصر في طلب الآخرة والأجر والأعمال الصالحة، والسنن المعروفة، ومعالم الرشد، فلا غاية للاستكثار من البرِّ والسعي له، إذا كان يطلب به وجه الله ومرضاته ومرافقة أوليائه في دار كرامته، واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز ويحصن من الذنوب، وإنك لن تَحُُوط١ نفسك ومن يليك، ولا تستصلح أمورك بأفضل منه، فَأْتِه واهتد به تتمّ أمورك، وتزِدْ مقدرتك، وتصلح خاصتك وعامتك، وأحسن الظن بالله تستقم لك رعيتك، والتمس الوسيلة إليه في الأمور كلها، تَسْتَدِم به النعمة عليك، ولا تتهمن أحدا من الناس فيما توليه من عملك قبل أن تكشِفَ أمره، فإن إيقاع التهم بالبُرَآء، والظنون السيئة بهم مَأْثم، واجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك، واطرد عند سوء الظن بهم، وارفضه فيهم، يعينك ذلك على اصطناعهم٢ ورياضتهم، ولا يجدنَّ عدو الله الشيطان في أمرك مَفْخَرا، فإنه إنما يكتفي بالقليل من وَهَنِكَ٣، فيدخل عليك من الغم في سوء الظن ما ينغصك لَذَاذَةَ عيشك، واعلم أنك
стр. 1876
تجد بحسن الظن قوة وراحة، وتُكْفَى به ما أحببتَ كفايتَه من أمورك، وتدعو به الناس إلى محبتك، والاستقامة في الأمور كلها لك، ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك والرأفة برعيتك، أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك والمباشرة لأمور الأولياء، والحِيْاطَة للرعيَّة، والنظر في حوائجهم وحمل مئوناتهم، آثَرَ عندك مما سوى ذلك، فإنه أقوم للدين، وأحيا للسنة، وأخلص نيتك في جميع هذا، وتفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم أنه مسئول عما صنع، ومجزيّ بما أحسن، ومأخوذ بما أساء، فإن الله جعل الدين حرزا وعزا، ورفع من اتبعه وعززه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين وطريقة الهدى، وأقمْ حدود الله في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه، ولا تعطِّل ذلك ولا تَهَاون به، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة، فإن في تفريطك في ذلك لما يفسد عليك حسن ظنك، واعزِم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة، وجانب الشُّبَه والبدعات، يَسْلَم لك دينك، وتقم لك مروءتك، وإذا عاهدت عهدا فَفِ به، وإذا وعدت الخير فأَنْجزه، واقبل الحسنة وادفع بها، وأغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الكذب والزور، وأَبْغِضْ أهله، وأَقْصِ أهل النميمة، فإن أول فساد أمرك في عاجل الأمور وآجلها تقريب الكذوب والجرأة على الكذب؛ لأن الكذب رأس المآثم، والزور والنميمة خاتمتها، لأن النميمة لا يسلم صاحبها، وقائلها لا يسلم له صاحب، ولا يستقيم لمطيعها أمر، وأحبَّ أهل الصدق والصلاح وأعِزَّ الأشراف بالحق، وواصل الضعفاء، وصل الرحم، وابتغ بذلك وجه الله وعزة أمره، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة، واجتنب سوء الأهواء والجَوْر، واصرف عنهما رأيك وأظهر براءتك من ذلك لرعيتك، وأنعم بالعدل في سياستهم، وقم بالحق فيهم، وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى، وامْلِك نفسك عند الغضب، وآثِر
стр. 1877
والوقار والحلم، وإياك والحدة والطيش والغرور فيما أنت بسبيله، وإياك أن تقول: إني مُسَلَّطٌ أفعل ما شاء، فإن ذلك سريع بك إلى نقص الرأي، وقلة اليقين بالله وحده لا شريك له، وأخلص الله النية فيه واليقين به، واعلم أن الملك لله، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ولن تجد تغير النعمة وحلول النقمة إلى أحد، وأسرع منه إلى حَمَلَةِ النعمة من أصحاب السلطان، والمبسوط لهم في الدولة، إذا كفروا بنعم الله وإحسانه، واستطالوا بما آتاهم الله من فضله، ودع عنك شره نفسك، ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدَّخر وتكنز البرَّ والتقوى والمعِدَلة، واستصلاح الرعية وعمارة بلادهم، والتفقُّد لأمورهم والحفظ لِدَهْمَائِهم١ والإغاثة لملهوفهم، واعلم أن الأموال إذا كثرت وذخرت في الخزائن لا تُثْمِر، إذا كانت في إصلاح الرعية وإعطاء حقوقهم، وكف المئونة عنهم، نمت وربت وصلحت به العامة، وتزينت به الولاة، وطاب به الزمان، واعتقد فيه العزة والمنعة، فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله، ووفِّر منهُ على أولياء أمير المؤمنين قِبَلك حقوقهم، وأَوْفِ رعيتك من ذلك حصصهم، وتعهد ما يصلح أمورهم ومعايشهم، فإنك إذا فعلت ذلك قرت النعمة عليك، واستوجبت المزيد من الله، وكنت بذلك على جباية خراجك، وجمع أموال رعيتك وعملك أقدر، وكان الجمع لما شملهم من عدلك وإحسانك أساس لطاعتهم، وأطيب نفسا لكل ما أردت، فاجْهَد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب، ولتعظم حِسْبتك فيه فإنما يبقى من المال ما أنفق في سبيل حقه، واعرف للشاكرين شكرهم وأثِبْهم عليه، وإياك أن تُنْسِيك الدنيا وغرورها هَوْل الآخرة، فتتهاون بما يحق عليك، فإن التهاون يوجب التفريط، والتفريط يورث البَوَار، وليكن عملك لله وفيه ﵎ وارج الثواب، فإن الله قد أسبغ عليك نعمته في الدنيا، وأظهر لديك فضله، فاعتصم بالشكر وعليه فاعتمد، يَزِدْك الله خيرًا وإحسانا، فإن الله يثبت بقدر شكر الشاكرين،
стр. 1878
وسيرة المحسنين، وقضى الحقَّ فيما حمل من النعم، وألبس من العافية والكرامة، ولا تحقرنَّ ذنبا، ولا تمالئَنَّ حاسدا، ولا ترحمنَّ فاجرا، ولا تصلَنَّ كفورا، ولا تداهِنَنَّ عدوا، ولا تصدقَنَّ نمَّاما، ولا تأمننَّ غدَّارا، ولا توالينَّ فاسقا، ولا تتبعنَّ غاويا، ولا تحمدنَّ مرائيا، ولا تحقرنَّ إنسانا، ولا تردنَّ سائلًا فقيرا، ولا تجيبنَّ١ باطلا، ولا تلاحظنَّ مضحكا، ولا تخلفنَّ وعدا، ولا تزهونَّ فخرا، ولا تظهرنَّ غضبا، ولا تأتينَّ بَذَخا٢، ولا تمشينَّ مرحا، ولا تركبنَّ سفهًا٣، ولا تفرِّطنَّ في طلب الآخرة، ولا ترفع للنمام عينا، ولا تُغْمِضَنَّ عن الظالم رهبة منه أو مخافة، ولا تطلبنَّ ثواب الآخرة بالدنيا، وأكثر مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلم، وخذ عن أهل التجارب، وذوي العقل والرأي والحكمة، ولا تُدْخِلَنَّ في مشورتك أهل الدقة٤، والبخل، ولا تسمعنَّ لهم قولا، فإن ضررهم أكثر من منفعتهم، وليس شيء أسرع فسادا لما استقبلت في أمر رعيتك من الشُّح، واعلم أنك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ قليل العطيَّة، وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلا، فإن رعيتك إنما تعتقد على محبتك، بالكفِّ عن أموالهم وترك الجور عنهم، ويدوم صفاء أوليائك لك، بالإفضال عليهم وحسن العطيَّة لهم، فاجتنب الشُّح، واعلم أنه أول ما عصى به الإنسان ربه، وأن العاصي بمنزلةِ خزيٍ، وهو قول الله : ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، فسِّهل طريق الجود بالحق، واجعل للمسلمين كلهم من نيتك حظا ونصيبا، وأيقنْ أن الجود من أفضل أعمال العباد، فأعْدِدْه لنفسك خلقا، وارضَ به عملًا ومذهبا، وتفقد أمور الجند في دواوينهم ومكاتبهم، وأدرر عليهم أرزاقهم، ووسِّع عليهم في معايشهم؛ ليذهب بذلك الله فاقتهم، ويقوِّم لك أمرهم، ويزيد به قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصا وانشراحا، وحسب ذي سلطان
стр. 1879
من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة في عدله، وحِيَطته١ وإنصافه، وعنايته وشفقته، وبره وتوسعته، فزايل مكروه أحد البابين باستشعار تكملة الباب الآخر، ولزوم العمل به، تلقَ إن شاء الله نجاحًا وصلاحًا وفلاحا، واعلم أن القضاء من الله بالمكان الذي ليس به شيء من الأمور؛ لأنه ميزان الله الذي يعتدل عليه الأحوال في الأرض، وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح الرعية، وتأمن السبل، وينتصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم، وتحسن المعيشة، ويؤدَّي حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة، ويقوم الدين، وتجري السنن والشرائع، وعلى مجاريها يتنجَّز الحق والعدل في القضاء، واشتد في أمر الله، وتورع عن النَّطَف٢، وامض لإقامة الحدود وأَقْلِل العجلة، وابعد من الضجر والقلق، واقنع بالقسم، ولتسكن ريحك، ويقر جدك وانتفع بتجربتك، وانتبه في صمتك، واسدد٣ في منطقك، وأنصف الخصم، وقف عند الشُّبة، وأبلغ في الحجة، ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة ولا محاماة٤ ولا لوم لائم، وتثبت وتأنَّ وراقب، وانظر وتدبر، وتفكر واعتبر، وتواضع لربك وارأَف٥ بجميع الرعية، وسلِّط الحق على نفسك، ولا تُسرعنَّ إلى سفك دم "فإن الدماء من الله بمكان عظيم" انتهاكا لها بغير حقها، وانظر هذا الخراج الذي قد استقامت عليه الرعية، وجعله الله للإسلام عزا ورفعة، ولأهله سعة ومنعة، ولعدوه عدوهم كَبْتًا٦، وغيظا، ولأهل الكفر من مُعاديهم ذلًا وَصَغارا، فوزَّعه بين أصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم فيه، ولا ترفعنَّ منه شيئا عن شريف لشرفه، ولا عن غني لغناه، ولا عن كاتب لك، ولا أحد من خاصتك، ولا تأخذنَّ منه فوق الاحتمال له، ولا تكَلَّفَنَّ أمرًا فيه شطط، واحمل الناس كلهم على مرِّ الحق، فإن ذلك أجمع لألفتهم،
стр. 1880
وألزم لرضا العامة، واعلم أنك جُعِلَت بولايتك خازنا وحافظا وراعيا، وإنما سمي أهل عملك رعيتك؛ لأنك راعيهم وقيِّمهم، تأخذ منها ما أعطَوك من عفوهم ومقدرتهم وتنفقه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أوَدهم، فاستعمل عليهم في كُور عملك ذوي الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل، والعلم بالسياسة والعفاف، ووسِّع عليهم في الرزق، فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلَّدت وأسند إليك، ولا يشغلَنَّك عنه شاغل، ولا يصرفَنَّك عنه صارف، فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب، واستدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الأحدوثة في عملك، واحترزت النَّصْحَة من رعيتك، وأُعْنِتَ على الصلاح، فدَّرت الخيرات ببلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخِصْب في كُورك، فكثر خراجك، وتوفرت أموالك، وقويت بذلك على ارتباط جندك، وإرضاء العامة بإفاضة العطاء فيهم من نفسك، وكنت محمود السياسة، مَرْضِيّ العدل في ذلك عند عدوك، وكنت في أمورك كلها ذا عدل وقوة وآله وعُدَّة، فنافس في هذا ولا تقدم عليه شيئًا، تحمد مغبَّة أمرك إن شاء الله، واجعل في كل كُورة من عملك أمينا يخبرك أخبار عملك، ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم، حتى كأنك مع كل عامل في عمله، معَاين لأمره كله، وإن أردت أن تأمره بأمر، فانظر في عواقب ما أردت من ذلك، فإن رأيت السلامة فيه والعافية، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع فأَمْضِه، وإلا فتوقف عنه، وراجع أهل البَصَر والعلم، ثم خذ فيه عُدته، فإنه ربما نظر الرجل في أمر من أمره قد واتاه على ما يهوى فقوَّاه١ ذلك وأعجبه، وإن لم ينظر في عواقبه أهلكه نقض عليه أمره، فاستعمل الحزم في كل ما أردت، وباشِره بعد عون الله بالقوة، وأكثر استخارة ربك في جميع أمورك، وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره لغدك، وأكثر مباشرته بنفسك، فإن لغد أمورًا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت، واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، فإذا أخرت عمله
стр. 1881
اجتمع عليك أمر يومين، فشغلك ذلك حتى تُعْرِض عنه، فإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك، وأحكمت أمور سلطانك، وانظر أحرار الناس وذوي الشرف منهم، ثم استيقن صفاء طَوِيتهم، وتهذيب مودتهم لك، ومظاهرتهم بالنصح والمخالطة على أمرك، فاستخلصهم وأحسن إليهم، وتعاهد أهل البيوتات ممن دخلت عليهم الحاجة، فاحتمل مَئُونتهم، وأصلح حالهم، حتى لا يجدوا لخلتهم١ مسًّا، وأفرد نفسك بالنظر في أمور الفقراء والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمته إليك، والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه، فاسأل عنه أحفى مسألة، ووكلّ بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك؛ لتنظر فيها بما يصلح الله به أمرهم، وتعاهد ذوي البأساء وأيتاماهم وأراملهم، واجعل لهم أرزاقًا من بيت المال، اقتداء بأمير المؤمنين -أعزه الله- في العطف عليهم والصلة لهم؛ ليصلح الله بذلك عيشهم، ويرزقك به بركة وزيادة، وأَجْر للأضِرَّاء من بيت المال، وقدِّم حملة القرآن منهم والحافظين لأكثره في الجراية٢ على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دورًا تؤْويهم، وقوَّاما يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفْهم بشهواتهم، ما لم يؤد ذلك إلى سرف في بيت المال، واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيِّهم؛ لم يرضهم ذلك، ولم تطلب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم، طمعًا في نيل الزيادة وفضل الرفق منهم، وربما بَرِم٣ المتصفح لأمور الناس، لكثرة ما يرد عليه، ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مؤنة ومشقة، وليس من يرغب في العدل، ويعرف محاسن أموره في العاجل، وفضل ثواب الآجل، كالذي يستقبل ما يقرِّبه إلى الله، ويلتمس رحمته به وأكثر الإذن للناس عليك، وأبرز لهم وجهك، وسكن لهم أحراسك، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بشرك ولِنْْْ لهم في المسألة والمنطق، واعطف عليهم بجودك وفضلك، وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس، والتمس الصنيعة والأجر غير مكدِّر ولا منَّان
стр. 1882
فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله، واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومَن مضى من قبلك من أهل السلطان والرياسة في القرون الخالية والأمم البائدة، ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله، والوقوف عند محبته، والعمل بشريعته وسنته، وإقامة دينه وكتابه، واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ودعا إلى سخط الله، واعرف ما تجمع عمَّالك من الأموال، وما ينفقون منها، ولا تجمع حراما، ولا تنفق إسرافا، وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم، وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها، وإيثار مكارم الأمور ومعاليها، وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك، مَن إذا رأى عيبًا فيك لم يمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في سر، وإعلامك ما فيه من النقص، فإن أولئك أنصح أوليائك، ومظاهريك لك، وانظر عمَّالك الذين بحضرتك وكتَّابك، فوقِّت لكل رجل منهم في كل يوم وقتًا يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامرته وما عنده من حوائج عمَّالك، وأمر كُورك ورعيتك، ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهملك وعقلك، وكرر النظر إليه التدبير له، فما كان موافقا للحزم والحق فَأَمْضه، واستخِر الله فيه، وما كان مخالفا لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه، ولا تمنُن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تأتيه إليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور أمير المؤمنين، ولا تضعَن المعروف إلا على ذلك وتفهَّم كتابي إليك، وأكثر النظر في العمل به، واستعن بالله على جميع أمورك، واستخره فإن الله مع الصلاح وأهله، وليكن أعظم سيرتك وأفضل رعيتك، ما كان لله رضا، ولدينه نظاما، ولأهله عزًّا وتمكينا، وللذمة والملة عدلًا وصلاحا، وأنا أسأل الله أن يصلح عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك، وأن ينزل عليك فضله ورحمته بتمام فضله عليك وكرامته لك، حتى يجعلك أفضل أمثالك نصيبًا، وأوفرهم حظًّا، وأسناهم ذكرًا وأمرًا، وأن يُهْلك عدوك ومن ناوأك وبَغَى عليك، ويرزقك من
стр. 1883
رعيتك العافية، ويحجز الشيطان عنك وَوَسَاوِسَه، حتى يستعلى أمرك بالعز والقوة والتوفيق، إنه قريب مجيب".
وذكروا أن طاهرا لما عهد إلى ابنه عبد الله هذا العهد، وتنازعه الناس وكتبوه وتدارسوه، وشاع أمره حتى بلغ المأمون، فدعا به وقرئ عليه فقال: ما بقَّى أبو الطيب -يعني طاهرًا- شيئًا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأي والسياسة، وإصلاح الملك والرعية، وحفظ البَيْضة، وطاعة الخلفاء، وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه وأوصى به وتقدم، وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال في نواحي الأعمال.
"تاريخ الطبري ١٠: ٢٥٨، ومقدمة ابن خلدون ص٣٣٩".
стр. 1884
١٣٢- خطبة عبد الله بن طاهر:
خطب عبد الله بن طاهر الناس، وقد تيسر لقتال الخوارج١ فقال:
"إنكم فئة الله المجاهدون عن حقه، الذابُّون عن دينه، والذائدون عن محارمه، الداعون إلى ما أمر به، من الاعتصام بحبله، والطاعة لولاة أمره الذين جعلهم رعاة الدين، ونظام٢ المسلمين، فاستنجزوا موعود الله ونصره، وبمجاهدة عدوه، وأهل معصيته، الذين أشِرُو٣ وتمرَّدوا، وشقُّوا العصا، وفارقوا الجماعة، ومَرَقوا من الدين، وسعوا في الأرض فسادًا، فإنه يقول ﵎: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
стр. 1885
وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ، فليكن الصبر مَعْقِلَكم الذي إليه تلجئون١، وعُدَّتكم التي بها تستظهرون، فإنه الوَزَر المنيع، الذي دلكم الله عليه، والجنة٢ الحصينة التي أمركم الله بلباسها. غُضُّو أبصاركم، واخفتوا أصواتكم في مصافكم، وامضوا قُدُمًا على بصائركم، فارغين إلى ذكر الله، والاستعانة به كما أمركم الله، فإنه يقول: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أيدكم الله بعز الصبر، ووليكم بالحياطة والنصر".
"العقد الفريد ٢: ١٥٥".
стр. 1886
١٣٣- العباس بن المأمون والمعتصم "المتوفى سنة ٢٢٧هـ":
قال العباس بن المأمون: لما أفضت الخلافة إلى المعتصم دخلت، فقال: هذا مجلس كنت أكره الناس لجلوسي فيه، فقلت: "يا أمير المؤمنين، أنت تعفو عما تيقنتَه، فكيف تعاقب على ما توهمته؟ "، فقال: "لو أردت عقابك، لتركت عتابك".
"زهر الآداب ٣: ٩١".
стр. 1887
١٣٤- استعطاف تميم بن جميل للمعتصم:
كان تميم بن جميل السَّدُوسي قد خرج بشاطئ الفرات، واجتمع إليه كثير من الأعراب، فَعَظُم أمره، وبعد ذكره، فكتب المعتصم إلى مالك بن طَوْق في النهوض إليه، فبدد جمعه، فظَفَِر به، فحمله موثَقًا إلى المعتصم، قال أحمد بن أبي دُواد: ما رأينا رجلًا عاين الموت، فمَا هَالَه، ولا أذهله عما كان يجب عليه أن يفعله إلا تميم بن جميل، فإنه أوفى به الرسول باب أمير المؤمنين المعتصم، في يوم الموكب، حين يجلس العامة، ودخل عليه فما مَثَل بين يديه، دعا بالنطع١ والسيف فَأُحضرا، فجعل تميم بن جميل ينظر إليهما ولا يقول شيئًا، وجعل المعتصم يصعِّد النظر فيه ويصوِّبه، وكان جسيمًا
стр. 1888
وسيما١، ورأى أن يستنطقه لينظر أين جَنَاحه ولسانه من منظره، فقال: يا تميم إن كان لك عذر فأْتِ به، أو حجة فأَدْلِ بها، فقال: أما إذ قد أذن لي أمير المؤمنين فإني أقول:
"الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين" جَبَر بك سبل الحق، وأخمد بك شهاب الباطل، يا أمير المؤمنين إن الذنوب تُخْرِس الألسنة الفصيحة، وتُعْيِي الأفئدة الصحيحة، ولقد عظمت الجزيرة، وانقطعت الحجة، وكبر الذنب، وساء الظن، ولم يبقَ إلا عفوك أو انتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما مني، وأسرعهما إليَّ، أَوْلَاهما بامتنانك، وأشبههما بخلافتك، ثم أنشأ يقول:
أرى الموت بين السيوف والنِّطع كامنا ... يلاحظني من حيثما أتلفَّت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئ مما قضى الله يُفْلِت؟
ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مُصْلَتُ؟ ٢
يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يُسَلّ على السيف فيه وأسكت
وما جَزَعي من أن أموت وإنني ... لأعلم أن الموت شيء موَقَّت
ولكنَّ خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتَّت
كأني أراهم حين أُنْعَى إليهم ... وقد خمَشُوا تلك الوجوه وصوَّتوا٣
فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة ... أذُودُ الرَّدَى عنهم وإن مت مَوَّتوا٤
فكم قائل لا يبعد الله روحه ... وآخر جذلان يُسَرُّ ويَشْمَتُ
стр. 1889
فتبسم المعتصم وقال: "كاد الله يا تميم أن يسبق السيف العَذَل١، اذهب فقد غفرت لك الصَّبوة٢، ووهبتك للصِّبية"، ثم أمر بفك قيوده وخلع عليه، وعقد له بشاطئ الفرات.
"العقد الفريد ١: ١٤٥، وزهر الآداب ٣: ٨٩".
стр. 1890
١٣٥- بين يدي سليمان بن وهب وزير المهتدي بالله:
ولما وَلَّي المهتدي بالله١ بن الواثق بن المعتصم سليمان بن وهب وزارته، قام إليه رجل من ذوي حُرْمته، فقال: "أعز الله الوزير، أنا خادمك، المؤمِّل لدولتك، والسعيد بأيامك، والمنطوي القلب على ودّك، المنشور اللسان بمدحك، المرتهن بشكر نعمتك".
"زهر الآداب ٣: ١٩٧".
стр. 1891
أحمد بن أبي داود والواثق
...
١٣٦- أحمد بن أبي دُواد والواثق "المتوفي سنة ٢٣٣ هـ":
دخل أحمد بن أبي دُواد١ على الواثق فقال: ما زال اليوم قوم في ثَلْبك ونقصك، فقال: يا أمير المؤمنين، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ٢ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، والله ولي جزائه، وعقاب أمير المؤمنين من ورائه،
стр. 1892
وما ذلَّ يا أمير المؤمنين من أنت ناصره، وما صلق مَنْ كنت جارًا له، فما قلت لهم يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت يا أباعبد الله:
وسعى إليَّ بعيب عَزَّةَ معشرٌ ... جعل الإله خدودَهن نعالها
"زهر الآداب ٣: ٢٠٨، والعقد الفريد ١: ١٤١".
стр. 1893
ابن أبي داود والواثق أيضا
...
١٣٧- ابن أبي دُواد والواثق أيضا:
وقال الواثق يوما لابن أبي دواد تضجُّرًا بكثرة حوائجه: قد أخليتُ بيوت الأموال بطلباتك للَّائِذِين بك، والمتوسلين إليك، فقال:
"يا أمير المؤمنين، نتائج شكرها متصلة بك، وذخائرها موصولة لك، ومالي من ذلك إلا عشق اتصال الألسن بخلود المدح"، فقال: "والله لا منعناك ما يزيد في عشقك، ويقوِّي في همتك فينا ولنا"، وأمر، فأخرج له خمسة وثلاثين ألف درهم.
"زهر الآداب ٢: ٣١٠".
стр. 1894
ابن أبي داود وابن الزيات
...
١٣٨- ابن أبي دُواد وابن الزيات:
وكان بين القاضي أحمد بن دُواد وبين الوزير محمد بن عبد الملك الزيات١ منافسة وشحناء، حتى منع الوزير شخصًا كان يصحب القاضي، ويختص بقضاء حوائجه، من التِّرداد إليه، فبلغ ذلك القاضي، فجاء إلى الوزير فقال له:
"والله ما أجيئك متكثِّرًا بك من قِلَّة، ولا متعزرًا بك من ذِلَّة، ولكن أمير المؤمنين رتَّبك مرتبة أوجبت لقاءك، فإن لقيناك فله، وإن تأخَّرنا عنك فلك٢".
"وفيات الأعيان ١: ٢٥".
стр. 1895
١٣٩- الجاحظ وابن أبي داود:
وكان الجاحظ مختصًّا بمحمد بن عبد الملك الزيات، منحرفًا عن أحمد بن أبي دواد، فلما نُكب ابن الزيات١، حُمِل الجاحظ مقيَّدًا من البصرة، وفي عنقه سلسلة، وعليه قميص سَمَل٢، فلما دخل على القاضي أحمد قال له: "والله ما أعلمك إلا متناسيا للنعمة، كفورًا للصنيعة، مَعْدِنا للمساوئ، وما فتنتني باستصلاحي لك، ولكن الأيام لا تُصْلِح منك، لفساد طويَّتك، ورداءة دخيلتك، وسوء اختيارك، وغالب طباعك".
فقال الجاحظ: "خفِّضْ عليك -أيَّدك الله- فوالله لأن يكون لك الأمر عليَّ، خير من أن يكون لي عليك، ولأن أسيء وتحسن، أحسن في الأُحْدُوثة عليك، من أن أحسن وتسيء، ولأن تعفو عني في حال قدرتك، أجمل بك من الانتقام مني".
فقال أحمد: والله ما علمتك إلا كثير تزويق الكلام، فحلّ عنه الغُلّ والقيد، وأحسن إليه، وصَدَّره في المجلس. "زهر الآداب ٢: ١٠٦، والمنية والأمل ص٣٩".