← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

كيف ترى حالك معي؟ فقال: "فوق قدري، ودون قدرك١"، فأطرق المنصور كالغضبان، فانْسَلَّ الرَّمادي وخرج وقد نَدِم على ما بدر منه، وجعل يقول: أخطأتُ! لا والله، ما يفلح مع الملوك من يعاملهم بالحق، ما كان ضَرَّنِي لو قلت له: إني بلغت السماء، وتمنطقت بالجوزاء! وأنشد: متى يأتِ هذا الموت لا يُلْفِ حاجة ... لنفسي إلا قد قضيتُ قضاءها وكان في المجلس من يحسُده على مكانه من المنصور، فوجد فُرصة فقال: "وصل الله لمولانا الظفر والسعد، وإن هذا الصنف صنف زور وهَذَيان، لا يشكرون نعمة، ولا يرعَون إلًّا٢ ولا ذمةً، كلاب من غَلَب، وأصحاب من أخْصَبَ، وأعداء من أَجْدَب، وحسبك منهم أن الله ﷻ يقول فيهم: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ والابتعاد منهم أولى من الاقتراب، وقد قيل فيهم: ما ظنك بقوم الصدق يستحسن إلًّا منهم؟ ". فرفع المنصور رأسه -وكان محامي أهل الأدب والشعر- وقد اسودَّ وجهه، وظهر فيه الغضب المُفْرِط، ثم قال: "ما بال أقوام يُشِيرُون في شيء لم يُسْتَشَارُوا فيه، ويُسِيئُون الأدب بالحكم فيما لا يُدْرُون، أيرضي أم يُسْخِط؟ وأنت أيها المبتعِث للشر دون أن يٌبْعَث، قد علمنا غرضَك، في أهل الأدب والشعر عامَّةً، وحسَدك لهم؛ لأن الناس كما قال القائل:

стр. 1927

من رأى الناس له فضـ ... ـلا عليهم حَسَدُوه وعَرَفنا غرضك في هذا الرجل خاصة، ولسنا إن شاء الله نبلِّغ أحدًا غرضه في أحد، ولو بلغناكم بَلَّغنا في جانبكم، وإنك ضربت في حديد بارد١، وأخطأتَ وجه الصواب، فزدت بذلك احتقارًا وصغارًا، وإني ما أطرقت من كلام الرَّمادي إنكارًا عليه، بل رأيت كلامًا يجِلّ عن الأقدار الجليلة، وتعجَّبْتُ من تهدِّيه له بسرعة، واستنباطه له على قلة من الإحسان الغامر، ما لا يستنبطه غيره بالكثير، والله لو حكمت في بيوت الأموال لرأيت أنها ترجح ما تكلَّم به قلبه، وذَرَّة. وإياكم أن يعود أحد منكم إلى الكلام في شخص، قبل أن يؤخذ معه فيه، ولا تحكموا علينا في أوليائنا، ولو أبصرتم منا التغير عليهم، فإننا لا نتغيَّر عليهم بُغْضًا لهم، وانحرافًا عنهم، بل تأديبًا وإنكارًا، فإنا مَنْ نريد إبعاده لم نظهر له التغيُّر، بل ننبذه مرة واحدة، فإن التغيُّر إنما يكون لمن يُرَاد استبقاؤه، ولو كنت ماثل السمع لكل أحد منكم في صاحبه؛ لتفرقتم في أيدي سَبَا٢، وجُونِبْتُ أنا مجانبة الأجْرب، وإني قد أَطْلَعْتكم على ما في ضميري، فلا تعدلوا عن مَرْضاتي، فتجنَّبوا سخطي بما جنَّبتموه على أنفسكم". ثم أمر أن يُرَدَّ الرَّمَادي، وقال له: أَعِدْ عليّ كلامك، فارتاع، فقال: الأمرُ على خلاف ما قدَّرتَ، والثوابُ أولى بكلامك من العقاب، فسَكن لتأنيسه، وأعاد ما تكلم به. فقال المنصور: "بلغَنا أن النعمان بن المُنْذِر حَشَا فَمَ النابغة بالدرُّ، لكلامٍ

стр. 1928

استملحهُ منه، وقد أمرنا لك بما لا يَقْصُر عن ذلك، ما هو أنْوَهُ وأحسن عائِدةً، وكتب له بمال وخِلَع وموضع يعيش منه، ثم رد رأسه إلى التكلم في شأن الرَّمَادي -وقد كان يغوص في الأرض لو وجد، لشدة ما حلَّ به مما رأى وسمع- وقال: "والعَجَبُ من قوم يقولون: الابتعاد من الشعراء أولى الاقتراب، نعم. ذلك لمن ليس له مفاخرُ، يريد تخليدَها، ولا أياد يرغب في نشرها، فأين الذين قيل فيهم: على مكثرِيهم رزق من يعتريهِم ... وعند المُقِلِّين السَّمَاحة والبَذْل١ وأين الذي قيل فيه: إنما الدنيا أبو دُلَفٍ ... بين مَبْدَاه ومُحْتَضَره فإذا وَلَّي أبو دُلَف ... ولَّتْ الدنيا على أَثَرِه٢ أما كان في الجاهلية والإسلام أكرمُ ممن قيل فيه هذا القول؟ بلى، ولكن صُحْبة الشعراء والإحسان إليهم، أحْيَتْ غابِرَ ذكراهم، وخَصَّتْهُم بمفاخر عصرهم، وغيرهم لم تخلِّد الأمداحُ٣ مآثِرَهم، فَدَثَرَ ذكرهم، ودَرَسَ فَخْرَهم". "نفح الطيب ٢: ٢٢٦".

стр. 1929

١١- ابن اللبانة الشاعر وعز الدولة بن المعتصم بن صمادح: لما مات المعتصم بن صُمَادِح١ ملك المَرِيَّة ركب البحر ابنه وولي عهده الواثق عِزُّ الدولة، وفارق المُلْكَ كما أوصاه والده المعتصم. قال أبو بكر بن اللبَّانة الشاعر: ما علمتُ حقيقة جَوْر الدهر، حتى اجتمعت بِبِجَاية٢ مع عز الدولة بن المعتصم، فإني رأيت منه خير من يُجْتَمع به، كأنه لم يخلقه الله تعالى إلا للملك والرياسة، وإحياء الفضائل، ونظرت إلى همته تَنِمّ من تحت خُمُوله، كما يَنِمّ فِرِنْدُ٣ السيف وكَرَمُه من تحت الصَّدإ، مع حفظه لفنون الأدب والتواريخ، وحسن استماعه وإسماعه ورقَّة طباعه، ولطافة ذهنه، ولقد ذكرته لأحد من صحِبْته من الأدباء في ذلك المكان، ووصفته بهذه الصفات، فتشوَّق إلى الاجتماع به، ورَغِب إليَّ في أن أستأذِنَه في ذلك، فلما أعلمت عزّ الدولة قال: "يا أبا بكر، إنك لتعلم أنا اليوم في خُمُول وضيق، لا يتَّسع لنا معهما، ولا يجُمل بنا الاجتماع ما أحد، لا سيَّما مع ذي أدب ونباهة، يلقانا بعين الرحمة، ويزورنا بمنَّةِ التفضل في زيارتنا، نكابِد من ألفاظ توجُّعه، وألحاظ تفجُّعه، ما يجدد لنا همًّا قد بلي، ويحيى كمدا قد فني، وما لنا قدرة على أن نجود عليه بما يرضى عن همِّنا، فدعنا كأننا في قبر، نتدرَّع لسهام الدهر، بِدِرْع الصبر، وأما أنت فقد اختلطت بنا اختلاط اللحم بالدم، وامتزجت امتزاج الماء بالخمر، فكأنا لم نكشف حالنا لسِوَانا، ولا أظْهَرْنا ما بنا لغيرنا، فلا نحمل غيرَك بحملك".

стр. 1930

قال ابن اللبانة: فملأ والله سمعي بلاغة لا تصدر إلا عن سداد، ونفس أبية متمكنة من أعِنَّة البيان، وانصرفت متمثلًا: لسان الفتى نصفٌ، ونصفٌ فؤاده ... فلم يبق إلا صُورةُ اللحم والدمِ وكائن ترى من صامت لك مُعْجِبٍ ... زيادتُه أو نقصُه في التكلم١ "نفح الطيب ٢: ٢٢٨".

стр. 1931

١٢- دفاع ابن الفخار عن القاضي الوحيدي: بحضرة ابن تاشفين لما تألَّب بنو حسون على القاضي أبي محمد عبد الله الوحيدي قاضي ماَلَقة١، انبرى للدفاع عنه العالم الأصولي أبو عبد الله بن الفخَّار، فقصد إلى حضرة الإمامة "مَرَّاكُش"، وقام في مجلس أمير المؤمنين، يوسف بن تاشفين، وقد غَصَّ بأربَابِه، فقال: "إنه لمَقَام كريم، نبدأ فيه بحمد الله على الدنوِّ منه، ونصلِّي على خيرة أنبيائه، محمد الهادي إلى الصراط المستقيم، وعلى آله وَصحَابته نجوم الليل والبَهيم٢، أما بعد، فإنا نحمد الله الذي اصطفاك للمؤمنين أميرًا، وجعلك للدين الحنيفيّ نصيرا وظهيرًا، ونفزع إليك مما دهَِمنا٣ في حماك، ونَبُثُّ إليك ما لحقنا من الضيم، ونحن تحت ظلّ علاك، ويأبى الله أن يُدْهَم من احتمى بأمير المسلمين، ويصاب بضيم من ادَّرعِ بحصنه الحصين، شكوى قمت بها بين يديك، في حق أمرك الذي عَضَده٤ مُؤَيِّده، لتسمع منها ما تختبره برأيك وتَنْقُده، وإن قاضِيَك ابن الوحيدي الذي قدَّمته في مالَقَة للأحكام، ورضِيت

стр. 1932

بعدله فيمن بها من الخاصَّة والعوام، لم يزل يدل على حسن اختيارك بحُسن سيرته، ويُرْضى الله تعالى ويرضى الناسَ بظاهره وسريرته، ما عَلِمْنَا عليه من سُوء، ولا دَرَيْنا له موقِف خِزي، ولم يزل جاريًا على ما يُرضي الله تعالى ويرضيك ويرضينا، إلى أن تعرضت بنو حسون للطعن في أحكامه، والهَدِّ من أعلامه، ولم يعلموا أن اهتضام المقدَّم راجع على المقدِّم، بل جمحوا في لجِاجِهِم، فعَمَوا وصَمُّوا، وفعلوا وأمضوا ما به هَمُّوا، وإلى السحب يرفع الكفَّ من قد جَفَّ عنه مَسِيلُ عينٍ ونهر". فملا سمعه بلاغة أعقَبَتْ نصرَه ونصرَ صاحبه. "نفح الطيب ٢: ٢٤٠".

стр. 1933

١٣- موعظة ابن أبي رَندقة الطرطوشي المتوفى سنة٥٢٠هـ: للأفضل بن أمير الجيوش دخل ابن أبي رندقه الطُّرْطُوشي١ مرة على الأفضل٢ بن أمير الجيوش فوعظه، وقال له: "إن الأمر الذي أصبحت فيه من الملك، إنما صار إليك بموت من كان قَبْلك، وهو خارج عن يدك، بمثل ما صار إليك، فاتق الله فيما خوَّلك من هذه الأمة، فإن الله سا ئِلُك عن النَّقِير والقطمير والفَتِيل٣، واعلم أن الله آتي سليمان بن داود

стр. 1934

ملك الدنيا بحَذَافيرها، فسخَّر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحوش والبهائم، وسخَّر له الريح تجري بأمره رخاءً١ حيث أصاب، ورفع عنه حساب ذلك أجمع، فقال عزَّ من قائل: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ ٢ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ، فما عدَّ ذلك نعمة كما عدَدْتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل خاف أن يكون استدراجًا من الله فقال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ ٣، فافتح الباب، وسَهِّل الحجاب، وانصر المظلوم. "نفح الطيب ١: ٣٦٣".٠

стр. 1935

١٤- خطبة ابن تومرت مؤسس دولة الموحدين: "المتوفى سنة ٥٣٤هـ" استدعى محمد بن عبد الله بن تُومَرْت١ مؤسس دولة الموحدين أصحابه، قبل موته بأيام يسيرة، وقد أراد أن يستخلف عليهم عبد المؤمن بن عليّ، فلما حضروا بين يديه قام:

стр. 1936

فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهْلُه، وصلَّى على محمد نبيه ﷺ ثم أنشأ يترضَّي عن الخلفاء الراشدين، ورضوان الله عليهم، ويذكر ما كانوا عليه من الثبات في دينهم، والعزيمة في أمرهم، وأن أحدهم كان لا تأخذُه في الله لومةُ لائم، وذكر من حدِّ عمر ﵁ ابْنَهُ في الخمر، وتصميمه على الحق، في أشباه لهذه الفصول، ثم قال: فانقرضَت هذه العصابة، نضَّر الله وجوهها، وشكر لها سعيها، وجزاها خيرًا عن أمة نبيِّهَا، وخبَطَتِ الناس فتنة تركت الحليم حَيْرَان، والعالم متجاهلا مُدَاهِنًا، فلم ينتفع العلماء بعلمهم، بل قَصَدُوا به الملوك، واجتلبوا به الدنيا، وأمالوا وجوه الناس إليهم، وفي أشباه لهذا القول، إلى هلمَّ جرًا. ثم إن الله سبحانه -له الحمد- منَّ عليكم -أيتها الطائفة- بتأييده، وخصَّكم من بين أهل هذا العصر بحقيقة توحيده، وقيَّض١ لكم مِنْ٢ ألفاكم ضُلَّالًا لا تهتدون، وعميًا لا تبصرون، ولا تعرِفون معروفًا، ولا تنكرون منكرًا، وقد فشت فيكم البِدَع، واسْتَهْوَتْكُم الأباطيل، وزيَّن لكم الشيطان أضاليل وتُرَّهَات٣، أنَزِّه لساني عن النطق بها، وأَرْبَا٤ بلفظي عن ذكرها، فهداكم الله به بعد الضلالة، وبصَّركم بعد العَمَى، وجمعكم بعد الفُرْقة، وأعزكم بعد الذلة، ورفع عنكم سلطان هؤلاء المارقين٥، وسيُورثكم أرضَهم وديارهم، ذلك بما كَسَبَته أيديهم، وأضْمَرَتْه قلوبهم، وما ربُّك بظلام للعبيد.

стр. 1937

فجدِّدُوا الله سبحانه خالص نيَّاتكم، وأرُوه من الشكر قولا وفعلا ما يزكِّى به سعيكم، ويتقبَّل أعمالكم، وينشر أمركم، واحذروا الفُرْقة، واختلاف الكلمة، وشتات الآراء، وكونوا يدًا واحدةً على عدوكم، فإنكم إن فعلتم ذلك، هابكم الناس، وأسرعوا إلى طاعتكم، وكثر أتباعكم، وأظهر الله الحق على أيديكم، وإلا تفعلوا شَمِلَكم الذل، وعمَّكم الصَّغار١ واحتقرتكم العامة، فتخَطَّفَكُم الخاصة، وعليكم في جميع أموركم بمزج الرأْفة بالغِلْظَة، واللين بالعنف، واعلموا مع هذا أنه لا يصلح أمر آخر هذه الأمة، إلا على الذي صَلَُح عليه أمر أولها". وقد اخترنا لكم رجلًا منكم، وجعلناه أميرًا عليكم، هذا بعد أن بلَوْناه٢ في جميع أحواله، من ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه، واختبرنا سريرته وعلانيته، فرأيناه في ذلك كله ثبتا٣ في دينه، متبصرًا في أمره، وإني لأرجو أن لا يُخْلِف الظن فيه، وهذا المشار إليه هو: "عبد المؤمن"، فاسمعوا له وأطيعوا ما دام سامعًا مطيعًا لربه، فان بدَّل أو نكص على عقبه، أو ارتاب في أمره، ففي الموحِّدين -أعزهم الله- بركة وخير كثير، والأمر أمر الله يقلِّده من شاء من عباده". فبايع القوم عبد المؤمن، ودعا لهم ابن تومرت. "المعجب، في تاريخ أخبار المغرب ص١٠٨".

стр. 1938

١٥- مقال لسان الدين بن الخطيب "المتوفى سنة ٧٧٩هـ": في الحضِّ على الجهاد وقال لسان الدين بن الخطيب١ في الحضِّ على الجهاد٢: "أيها الناس -رحمكم الله تعالى: إخوانكم المسلمون بالأندلس قد دَهِم العدو -قصمه الله تعالى- ساحَتَهم، ورام الكفرُ -خَذَله الله تعالى- استباحتهم، وزحفت أحزاب الطَّوَاغيت إليهم، ومدَّ الصليب ذراعيه عليهم، وأيديكم -بعزة الله تعالى- أقوى، وأتم المؤمنون أهل البر والتقوى، وهو دينكم فانصروه، وجِوَاركم القريب فلا تُخْفِروه٣، وسبيل الرشد قد وضح فلتبصروه، الجهاد الجهاد فقد تعيَّن، الجار الجار فقد قرَّر الشرع حقَّه وبيَّن، الله الله في الإسلام، الله الله في أمة محمد ﵊، الله الله في المساجد المعمورة بذكر الله، الله الله في وطن الجهاد في سبيل الله، قد استغاث بكم الدين فأغيثوه، قد تأكد عهد الله وحاشاكم أن تنكُثُوه، أعينوا إخوانكم بما أمكن من الإعانة، أعانكم الله تعالى عند الشدائد، جَدِّدوا عوائِد الخير، يصل الله تعالى

стр. 1939

لكم جميل العَوائِد، صِلَوا رَحِم الكلمة١ وَاسُوا بأنفسكم وأموالكم تلك الطوائف المسلمة، كتاب الله بين أيديكم، وأَلْسِنَة الآيات تُنَادِيكم، وسنة رسول الله ﷺ قائمة فيكم، والله سبحانه يقول فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ ، ومما صحَّ عنه قوله: "ومن اغبَرَّت قدماه في سبيل الله حرَّمهما الله على النار" "لا يجتمع غبار في سبيل الله ودُخان جهنم"، "من جهَّز غازيا في سبيل الله فقد غزا" أدركوا رَمَق الدين قبل أن يفوت، وبادروا عليل الإسلام قبل أن يموت، احفظوا وجوهكم مع الله تعالى يوم يسألكم عن عباده، جاهدوا في الله بالألسن والأقوال حقَّ جهاده: ماذا يكون جوابكم لنَبِيِّكُمْ ... وطريق هذا العذر غير مُمَهَّد إن قال: لم فرَّطْتُمُوه في أمتي ... وتركتموهم للعدوِّ المعتدي؟ تالله لو أن العقوبة لم تُخفْ ... لكفى الحيا من وجه ذاك السيِّد اللهم اعطف علينا قلوب العباد، اللهم بُثَّ لنا الحمية في البلاد، اللهم دافع عن الحريم والضعيف والأولاد، اللهم انصرنا على أعدائك، بأحبابك وأوليائك، يا خير الناصرين، اللهم أفرغ علينا صبرًا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. "نفح الطيب ٤: ٣".

стр. 1940

ما خطب به لسان الدين تربة السلطان الكبير أبي الحسن المريني ... ١٦- ما خاطب به لسان الدين تربة السلطان الكبير أبي الحسن المريني: وخاطب لسان الدين بن الخطيب تربة السلطان الكبير أبي الحسن المَرِيني لما قصدها عَقِبَ ما شرع في جواره، فقال: "السلام عليك ثم السلام، أيها المَوْلَى الهُمَام، الذي عرف فضله الإسلامُ، وأوجَبَت حقَّه العلماء الأعلام، وخَفَقَت بعزِّ نصره الأعلام، وتنافست في إنقاذ أمره

стр. 1941

ونهيه السيوفُ والأقلامُ، السلام عليك أيها المَوْلَى الذي قَسَّم زمانه بين حُكْمٍ فَصْلٍ وإمضاء نصل، وإحراز خصل١، وعبادة قامت من اليقين على أصل، السلام عليك يا مقرِّر الصدقات الجارية، ومُشْبِع البطون الجائعة، وكاسي الظهور العارية، وقادح زناد العزائم الوارية، ومكتِّب الكتائب الغازية في سبيل الله تعالى والسرايا٢ السارية، السلام عليك يا حجة الصبر والتسليم، ومتلقى أمر الله تعالى بالخلق المرضي والقلب السليم، ومفوض الأمر في الشدائد إلى السميع العليم، ومعمل البنان الطاهر في اكتتاب الذكر الحكيم، كرم الله تعالى تربتك وقدسها، وطيب روحك الزكية وآنسها، فلقد كنت للدهر جمالا، وللإسلام ثِمَالا٣، وللمستجير مجيرا، وللمظلوم وليا ونصيرا، لقد كنت للمحارب صدرا، وفي المواكب بدرا، وللمواهب بحرا، وعلى العباد والبلاد ظِلًّا ظليلا وسِتْرا، لقد فَرَعَت٤ أعلام عزك الثنايا، وأجزلت همتك لملوك الأرض الهدايا، كأنك لم تعرض الجنود، ولم تنشر البنود٥، ولم تبسط العدل المحدود، ولم توجد الجود، ولم تزين الركَّع السجود، فتوسَّدت الثرى، وأطلت الكَرَى، وشربت الكأس التي يشربها الوَرَى، وأصبحت ضارع٦ الخدِّ، كليل الحد، سالكا سنن الأب والجد، لم تجد بعد انصرام أجلك، إلا صالح عملك، ولا صحبت لقبرك إلا رابح تَجْرك٧، وما أسلفت من رضاك وصبرك، فنسأل الله تعالى أن يُؤْنس اغترابك، ويجود بسحاب الرحمة ترابك، وينفعك بصدق اليقين، ويجعلك من الأئمة المتقين، ويعلي درجتك في عليين٨، ويجعلك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين.

стр. 1942

وَلْيَهْنِكَ أن صَبَّر الله تعالى ملككَ من بعدك، إلى نيِّر سعدك، وبارق رَعْدك، ومنجز وعدك، أرضى ولدك، وريحانة خَلَدك١، وشِقَّة٢ نفسك، والسَّرحة المباركة من غَرْسك، ونور شمسك، وموصِّل عملك البَرّ إلى رَمْسِك، فقد ظهر عليه أثر دعواتك في خَلَواتك، وأعقاب صلواتك، فَكَلِمَتُك -والمنَّة لله تعالى- باقية، وحسنتك إلى محل القبول راقية، يَرْعَى بك الوسيلة، ويتمِّم مقاصِدَك الجميلة، أعانه الله تعالى ببركة رضاك على ما قَلَّده، وعَمَر بتقواه يومه وغده، وأبعد في السعد أَمَدَه، وأطْلَقَ بالخير يده، وجعل الملائكة أنصاره والأقدار عُدَدَه. وإنني أيها المولى الكريم، البر الرحيم، لما اشتراني، ورَاشَني٣ وبَرَاني، وتعبَّدني بإحسانه، واستعمل في استخلاصي خَط بَنَانه، ووصيَّة لسانه، لم أجد مكافأة إلا التقرب إليك وإليه برِثائك، وإغرائك لساني بتخليد عَلْيَائك، وتعفير الوَجْنة في حَرَمك، والإشادة بعد الممات بمجدك وكرمك، ففتحت الباب في هذا الغرض، إلى القيام بحقك المفتَرض، الذي لولاه لاتصلت الغفلة عن أدائه وتمادت، فما يَبِسَت الألسن ولا كادت، متحيِّزا بالسبق، إلى أداء هذا الحق، بادئًا بزيارة قبرك الذي هو رحلة الغرب، ما نَوَيته من رحلة الشرق، وما أَعْرَضت عنه فأقطعه أثر مواقع الاستحسان وقد جمع بين الشكر والتنويه والإحسان، والله سبحانه يجعله عملًا مقبولًا، ويبلِّغ فيه من القبول مأمولًا، ويتغمَّد من ضاجعته من سلفك الكرام بالمغفرة الصيِّبة، والتحيات الطيِّبة، فَنَعِمَ الملوك الكبار، والخلفاء الأبرار، والأئمة الأخيار، الذين كَرُمَت منهم السِّيَر وحسنت الأخبار، وسَعِدَ بِعَزَماتهم الجِهادية المؤمنون وشقِي الكفار، وصلوات الله تعالى عودًا وبدءًا على الرسول الذي اصطفاه واختاره فهو المصطفى المختار، وعلى آله وأصحابه الذين هم السادة الأبرار، وسلم تسليما". "نفح الطيب ٤: ١٣٥".

стр. 1943

١٧- وصية لسان الدين بن الخطيب لأولاده: "الحمد لله الذي لا يَرُوعه الحمام المَرْقُوب، إذا شمَ١ نجمه المثقوب، ولا يبْغَتُه الأجل المكتوب، ولا يفْجَؤُه الفراق المعتوب، مُلْهِم الهُدَى الذي تطمئن به القلوب وموضِّح السبيل المطلوب، وجاعل النصيحة الصريحة من قِسْم الوجوب، لا سيما للواليِّ المحبوب، والولد المنسوب، القائل في الكتاب المُعْجِز الأُسْلُوب: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٢﴾ ، ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ٣﴾ ، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله، أكرم من زُرَّتْ على نوره جُيُوب الغيوب، وأشرف من خُلِعَت عليه حُلَل المهابة والعصمة، فلا تقتحمه العيون، ولا تصمِهُ العيوب٤، والرضا عن آله وأصحابه المثابرين على لسان٥ الاستقامة بالهَوَى المغلوب، والأمل المسلوب، والاقتداء الموصِّل إلى المرغوب، والعز والأمن من الُّلغُوب٦، وبعد: فإني لما علاني المَشِيب بقمَّته٧، وقادني الكبر بِرُمَّته٨، وادَّكَرْتُ الشباب

стр. 1944

بعد أُمَّته١، أسِفْتُ لما أضعتُ، وندمْتُ بعد الفِطَام على ما رَضَعْتُ، وتأكد وجوب نصحي لمن لزمني رَعْيُة، وتعلَّق بعيني سَعْيُه، وأمَّلتُ أن تتعدَّى إليّ ثمرة استقامته، وأنا رهين فوات، وفي برزخ أموات، ويأمن العثور في الطريق التي اقتضت عِثارى، إن سلك -وعسى ألا يكون ذلك- على آثاري، فقلت أخاطب الثلاثة الولد، وثمرات الخَلَد٢ بعد الضَّراعة إلى الله تعالى في توفيقهم، وإيضاح طريقهم، وجمع تفريقهم، وأن يمُنَّ عليّ منهم بحسن الخَلَف، والتلافي من قبل التَّلف، وأن يرزق خلفهم التمسك بهدي السلف، فهو وليّ ذلك والهادي إلى خير المسالك: اعلموا هداكم الله تعالى الذي بأنواره تهتدي الضُّلَّال، وبرضاه تُرْفَع الأغلال، وبالتماس قُرْبِه يحصل الكمال، وإذا ذهب المال، وأخلَفَتِ الآمال، وتبرَّأَتْ من يمينها الشِّمال، أني مُودِّعكم وإن سَالَمني الرَّدَى، ومُفَارِقُكم وإن طال المَدَى، وما عدا ممَّا بدا، فكيف وأدوات السَّفر تُجْمَع، ومنادي الرحيل يسمع، ولا أقلَّ للحبيب المودِّع، من وصية محتضر، وعجالة مقتصر، ورَتِيمَة٣ تعقد في خِنْصَر، ونصيحة تكون نَشِيدَة واعٍ مُبْصِر، تتكفَّل لكم بحسن العواقب من بعدي، وتوضِّح لكم من الشفقة والحنوّ قَصْدي، حسبما تضمن وعد الله من قبل وعدي، فهي أَرَبُكم الذي لا يتغيَّر وقفه، ولا ينالكم المكروه ما رفَّ عليكم سَقْفُه، وكأنِّي بشبابكم قد شاخ، وبراحلكم قد أناخ، وبناشِطِكم قد كَسِل، واستبدل الصَّابَ٤ من العسل، ونُصُول٥ الشيب تروِّع بِأَسَل، لا بل السَّام٦ من كل حدب قد نَسَل، والمعاد

стр. 1945

اللحْدُ ولا تَسَلْ، فبالأمس كنتم فراخ حِجْر١، واليوم أبناء عسكر مَجْر، وغدا شيوخ مَضْيَعَةٍ وهَجْر، والقبورة فاغرة٢، والنفوس عن المألوف صاغرة، والدنيا بأهلها ساخرة، والأُولى تَعْقُبُها الآخرة، والحازم من لم يَتَّعِظ به في أمر، وقال: "بيدي لا بيد عمرو٣"، فاقتنوها من وصيَّة، ومَرَام٤ في النصح قَصِيَّة، وخُصُّوا بها أولادكم إذا عَقَلوا، ليجدوا زادها إذا انتقلوا، وحسبي وحسبكم الله الذي لم يخلق الخلق هَمَلا، ولكن ليبْلُوَهُم أيهم أحسن عملا، ولا رَضِيَ الدنيا منزلا، ولا لَطَفَ بمن أصبح عن فئة الخير منعزلا، ولتُلَقَّنُوا تلقينا وتعلموا علما يقينا، وأنكم لن تجدوا بعد أن أنفرِدَ بذنبي، ويفترش التراب جنبي، ويَسُحَّ انسكابي، وتهَرْوِل عن المصلَّى ركابي، أحرص مني على سعادةٍ إليكم تُجْلَب، أو غاية كمال بسببكم تُرْتَاد وتُطْلَب، حتى لا يكون في الدين والدنيا أَوْرَف٥ منكم ظلا، ولا أشرف محلا، ولا أَغْبَطَ نَهْلًا وعَلّا٦، وأقل ما يوجب ذلك عليكم أن تُصِيخوا٧ إلى قولي الآذان، وتستلمِحُوا

стр. 1946

صُبْحَ نُصحي فقد بان، وسأعيد عليكم وصيَّة لقمان، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وَلا تُصَعِّر ْ١ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ ، وأُعيد وصيَّة خليل الله وإسرائيله حُكْم٢ ما تضمَّنه حكم تنزيله: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ والدين الذي ارتضاه واصطفاه، وأكمله ووفَّاه، وقرَّره مصطفاه، من قبل أن يتوفّاه؛ إذا أُعْمِل فيه انتقاد، فهو عمل واعتقاد، وكلاهما مُقَرَّر، ومستمدّ من عقل أو نقل محرر، والعقل متقدم، وبناؤه مع رفض أخيه متهدِّم، فالله واحد أحد، فرد صمد٣، ليس له والد ولا ولد، تنزَّه عن الزمان والمكان، وسبق وجوده وجود الأكوان، خالق الخلق وما يعملون، الذي لا يسأل عن شيء وهم يسألون، الحي العليم المدبِّر القدير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، أرسل الرسل رحمة لتدعو الناس إلى النجاة من الشقاء، وتوجِّه الحجَّة في مصيرهم إلى دار البقاء، مؤيَّدةً بالمعجزات التي لا تتَّصف أنوارها بالاختفاء، ولا يجوز على تواترها دعوى الانتفاء، ثم ختم ديوانهم بنبيّ ملَّتنا المرعية الهَمَل، الشاهدة على المِلَل، فتلخَّصت الطاعة، وتعينت الإمْرَةُ المُطاعة، ولم يَبْقَ بعد إلا ارتقاب الساعة، ثم إن الله تعالى قَبَضَه إذ كان بَشَرًا، وترك دينه يضمُّ من الأمة نشرًا٤، فمن تَبِعَه لَحِقَ به، ومن تركه نُوِّطَ٥ عنه في مَنْسَبِه، وكانت نجاته على قدر سببه، روى عنه ﵊

стр. 1947

أنه قال: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلُّوا بعدي، كتاب الله وسنتي، فَعَضُّوا عليهما بالنواجذ " ١. فاعلموا يا بَنِيَّ بوصيَّة من ناصح جاهد، ومشفق شفقة والد، واستشعروا حبه الذي توافرت دواعيه، وعُوا مراشد هديه، فيا فَوْزَ واعيه! وصِلُوا السبب بسببه، وآمنوا بكل ما جاء به، مجملا أو مفصلا على حسبه، وأوجبوا التجِلَّة لصحبه، الذين اختارهم الله تعالى لصحبته، واجعلوا محبتكم إياهم من توابع محبته، واشملوهم بالتوقير، وفَضِّلوا منهم أولي الفضل الشهير، وتبرَّءوا من العصبية التي لم يدعكم إليها داعٍ، ولا تَعِ التشاجر بينهم أذن واعٍ، فهو عنوان السداد، وعلامة سلامة الاعتقاد، ثم اسحبوا فضل تعظيمهم على فقهاء الملة، وأئمتها الجِلِّة٢، فهم صَقَلة نُصُولهم، وفروع ناشئة من أصولهم، ووَرَثَتهم وورثة رسولهم، واعلموا أنني قطعت في البحث الزماني، وجعلت النظر شاني، منذ براني الله تعالى وأنشاني، مع نُبْل٣ يعترف به الشاني، وإدراك يسلِّمه العقل الإنساني، فلم أجد خابِطَ ورق، ولا مُصَبِّبَ عَرَق، ولا نازِعَ خِطَام، ولا متكلِّفَ فِطَام، ولا مقتحم بحر طَامٍ، إلا وغايته التي يقصدها قد نَضَلتها الشريعة وسبقتها، وفَرَعَت٤ ثنيَّتها وارتَقَتْها، فعليكم بالتزام جادَّتها٥ السَّابِلة، ومصاحبة رَِفُقتها الكاملة، والاهتداء بأقمارها غير الآفلة، والله تعالى يقول، وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، وقد علت شرائعه، وراع الشكوك رائِعُه، فلا تستنزلكم الدنيا عن الدين، وابذلوا دونه النفوس فِعْلَ المهتدين، فلن ينفع متاع بعد الخلود في النار أبد الآبدين، ولا يضر مفقود مع الفوز بالسعادة والله أصدق الواعدين، ومتاع الحياة الدنيا أخسُّ ما وَرِث الأولاد عن الوالدين، اللهم قد بَلَّغْتُ فأنت خير الشاهدين، فاحذروا المَعَاطِبَ التي توجب في الشقاء الخلود، وتستدعي شَوْهَ الوجوه ونضج الجلود، واستعيذوا برضا الله من سُخْطِه، وارْبَئُوا بنفوسكم عن غَمْطِه، وارفعوا آمالكم عن القنوع بغرور قد خدع

стр. 1948

أسلافكم، ولا تحمدوا على جيفة العَرَض الزائل ائتلافكم، واقنعوا منه بما تيسَّر، ولا تأْسَوْا١ على ما فات وتعذَّر، فإنما هي دُجُنَّة٢ ينسخها الصباح، وصفقة يتعاقبها الخََسَار أو الرَّباح، ودونكم عقيدة الإيمان فَشُدُّوا بالنواجذ عليها، وكَفْكِفُوا الشُّبَهَ أن تدنو إليها، واعلموا أن الإخلال بشيء من ذلك خَرْقٌ لا يَرْفَؤُه٣ عمل، وكل ما سوى الراعي همل، وما بعد الرأس في صلاح الجسم أمل، وتمسَّكوا بكتاب الله تعالى حفظًا وتلاوة، واجعلوا حِمْلَه على حِمْلِ التكليف علاوة، وتفكروا في آياته ومعانيه، وامتثلوا أوامره ونواهيه ولا تتأولوه ولا تَغْلُوا فيه، وأشربوا قلوبكم حب من أنزل على قلبه، وأكثروا من بواعث حبه، وصونوا شعائر الله صون المحترم، واحفظوا القواعد التي ينبني عليها الإسلام حتى لا يَنْخَرِم، الله الله في الصلاة ذريعة التَّجِلَّةِ، وخاصة الملة، وحاقنة الدم، وغنى المستأجر المستخدم، وأم العبادة، وحافظة اسم المراقبة لعالم الغيب والشهادة، والناهية عن الفحشاء والمنكر، إن عرض الشيطان عرضها، ووطَّأ للنفس الأمارة سماءها وأرضها، والوسيلة إلى بلِّ الجوانح ببرود الذكر، وإيصال تُحْفة الله إلى مريض الفكر، وضامنة حسن العشرة من الجار، وداعية للمسالمة من الفُجَّار، والواسمة بسمة السلامة، والشاهد للعبد برفع الملامة، وغَسُول٤ الطبع إذا شانه طبع، والخير الذي كلُّ ما سواه له تبع، فاصبروا النفس على وظائفها، بين بدء وإعادة، فالخير عادة، ولا تفضِّلوا عليها الأشغال البدنية، وتُؤْثِرُوا على العليَّة الدنية، فإن أوقاتها المعينة بالانفلات تَنْتَبسُّ٥، والفلك بها من أجلكم لا يُحْبَس، وإذا قورنت بالشواغل فلها الجاه والأصيل، والحكم الذي لا يغيِّره الغُدُوِّ ولا الأصيل، والوظائف بعد أدائها لا تفوت، وأين حقُّ من يموت من حق الحي الذي لا يموت؟ وأحكموا أوضاعها إذا أقمتموها، وأتبعوها النوافل ما أطلقتموها، فبالإتقان تفاضلت الأعمال، وبالمراعاة

стр. 1949

استحقت الكمال، ولا شكر مع الإهمال، ولا ربح ما إضاعة رأس المال، وذلك أحرى بإقامة الفرض، وأدعى إلى مساعدة البعضِ البعضَ. والطهارة التي هي في تحصيلها سبب مُوَصِّل، وشرط لمشروطه محصِّل، فاستوفوها، والأعضاء نظَّفوها، ومياهها بغير أوصافها الحميدة فلا تصفوها، والحُجُول والغُرَر١ فأطيلوها، والنيَّات في كل ذلك فلا تُهْمِلوها، فالبناء بأساسه، والسيف بمراسه، واعلموا أن هذه الوظيفة من صلاة وطهور، وذكر مجهور وغير مجهور، تستغرق الأوقات، وتنازع شتَّى الخواطر المفترقات، فلا يضبطها إلا من ضبط نفسه بعقال، واستعاض صَدَأَه بِصِقَال٢، وإن تراخى قَهْقَر٣ الباعُ، وسرقته الطباعُ، وكان لما سواها أضيع. فشمل الضَّياع، والزكاة أختها الحبيبة. ولِدَتُها القريبة. مفتاح السعادة بالعرض الزائل. وشكران المسئول على الضِّدِّ من درجة السائل. وحق الله تعالى في مال من أغناه. لمن أجهده في المعاش وعناه٤ من غير استحقاق مَلْء يده وإخلاء يد أخيه. ولا عِلَّةَ إلا القَدَر الذي يخفيه. وما لم يَنْلَه حظ الله تعالى فلا خير فيه، فاسمحوا بتفريقها للحاضر لإخراجها. في اختيار عرضها ونتاجها. واستحيوا من الله تعالى أن تبخلوا عليه ببعض ما بَذَل. وخالفوا الشيطان كلما عَذَل. واذكروا خروجكم إلى الوجود لا تملكون، ولا تدرون أين تسلكون. فوهب وأقدر. وأورد بفضله

стр. 1950

وأصْدَر. ليرتِّب بكرمه الوسائل، أو بقيم الحجج والدلائل. فابتغوا إليه الوسيلة بماله واغْتَنِمُوا رضاه ببعض نواله. وصيام رمضان عبادة السر المقرِّبة إلى الله زُلْفَى. الممحوضة١ لمن يعلم السِّرَّ وأخفى. مؤكَّدة بصيام الجوارح عن الآثام. والقيام ببر القيام، والاجتهاد، وإيثار السُّهاد، على المِهاد، وإن وسع الاعتكاف فهو من سننه المرْعِيَّة، ولواحقه الشرعية، فبذلك تحْسُن الوجوه، وتحصل من الرأفة على ما ترجوه، وتذهب قسوة الطباع، ويمتد في ميدان الوسائل الباع، والحج من الاستطاعة الركن الواجب، والفرض على العين لا يحجُبه الحاجب، وقد بيَّن رسول الله ﷺ قدره فيما فرض عن ربه وسَنَّه، وقال: "ليس له جزاء عند الله إلا الجنة" ويلحق بذلك الجهاد في سبيل الله تعالى إن كانت لكم قوة عليه، وغنى لديه، فكونوا ممن يسمع نفيره ويطيعه، وإن عجزتم فأعينوا من يستطيعه. هذه عُمُد الإسلام وفروضة، ونقود مهره وعروضه، فحافظوا عليها تعيشوا مبرورين، وعلى من يناويكم ظاهرين٢، وتَلْقُوا الله لا مبدِّلين ولا مغيِّرين، ولا تضيعوا حقوق الله فَتَهْلكوا مع الخاسرين. واعلموا أن بالعلم تستعمل وظائف هذه الألقاب، وتَجَلَّى محاسنها من بعد الانتقاب٣ فعليكم بالعلم النافع دليلا بين يدي السامع، فالعلم مفتاح هذا الباب، والموصِّل إلى اللُّباب، والله يقول: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ والعلم وسيلة النفوس الشريفة إلى المطالب المُنيفة، وشرطه الخشية لله تعالى والخيفة، وخاصًّة الملإ الأعلى وصفة الله في كتبه التي تُتْلَى، والسبيل في الآخرة إلى السعادة، وفي الدنيا إلى النِّحْلة٤ عادة، والذُّخر الذي قليله يشفع، وكثيره ينفع، ولا يغلبه الغاصب، ولا يسلُبُه العدو المناصب، ولا يبتزّه الدهر إذا نال، ولا يستأثر به البحر إذا هال، من لم يَنَلْه فهو ذليل، وإن كثرت آماله،

стр. 1951

وقليل، وإن جَمَّ ماله، وإن كان وقته قد فات اكتسابكم، وتَخَطَّى حسابكم فالتمسوه لبنيكم، واستدركوا منه ما خرج عن أيديكم، واحملوهم على جمْعه ودرْسه، واجعلوا طباعهم ثَرَى لِغَرْسِه، واستسهلوا ما ينالهم من تعب من جَرَاه١ وسَهَرٍ يهجر له الجفن كَرَاه، تعقدوا لهم ولاية عز لا تُعْزَل، وتُحِلُّوهم مثابة رفعة لا يُحط فارعها ولا يُسْتَنْزَل، واختاروا العلوم التي يتعقَّبها الوقت، فلا يناها في غيره٢ المقت، وخير العلوم علوم الشريعة، وما نجم بمنابتها المريعة٣، من علوم لسان لا تستغرق الأعمار فصولها، ولا يضايق ثمرات المعاد حصولها، فإنها هي آلات لغير، وأسباب إلى خير منها وخير، فمن كان قابلًا للازدياد، وألفى فهمه ذا انقياد، فليخصّ تجويد القرآن بتقديمه، ثم حفظ الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه، ثم الشروع في أصول الفقه فهو العلم العظيم المِنَّة، المهدي كنوز الكتاب والسنة، ثم المسائل المنقولة عن العلماء الجِلَّة، والتدرج في طرق النظر بصحيح الأدلة، وهذه هي الغاية القصوى في الملة، ومن قصر إدراكه عن هذا المرمى، وتقاعد عن التي هي أسمى، فليروِ الحديث بعد تجويد الكتاب وإحكامه، وليقرأ المسائل الفقهية على مذهب إمامه، وإياكم والعلوم القديمة، والفنون المهجورة الذميمة، فأكثَرُوا لا يفيد إلا تشكيكا، ورأيا ركيكا، ولا يثمر في العاجلة إلا اقتحام العيون، وتطريق الظنون، وتطويق الاحتقار وسمة الصَّغار، وخمول الأقدار، والخَسْف من بعد الإبدار، وجادة الشريعة أعرق في الاعتدال، وأوفق من قطع العمر في الجِدال، وهذا ابن رشد٤ قاضي المصر ومُفْتِيه

стр. 1952

وملتمِس الرشد ومُوليه، وعادت عليه بالسَّخطة الشنيعة، وهو إمام الشريعة، فلا سبيل إلى اقتحامها، والتورُّط في ازدحامها، ولا تخلطوا جامكم١ بجامها، إلا ما كان من حساب ومساحة، ما يعود بِجَدْوَى فلاحة، وعلاج يرجع على النفس والجسم براحة، وما سوى ذلك فمحجور، وضَرَم٢ مسجور، وممقوت مهجور، وأمروا بالمعروف أمرا رفيقًا، وانهوا عن المنكر نهيًا حريا بالاعتدال حقيقا، واغبطوا من كان من سِنَة الغفلة مفيقًا، واجتنبوا ما تُنْهَون عنه حتى لا تسلكوا منه طريقًا، وأطيعوا أمر من ولاه الله تعالى من أموركم أمرا، ولا تَقْرَبُوا من الفتنة جمرًا، ولا تدخلوا في الخلاف زيدًا ولا عمرًا، وعليكم بالصدق فهو شعار المؤمنين، وأهمّ ما أضَرَى٣ عليه الآباء ألسنة البنين، وأكرم منسوب إلى مذهبه، ومن أكثر من شيء عُرف به، وإياكم والكذب فهو العَوْرة التي لا توارى، والسوءة التي لا يُرْتَاب في عارها ولا يتمارى. وأقل عقوبات الكذاب، بين يدي ما أعَدَّ الله له من العذاب، وأن يقبل صِدْقَه إذا صَدَق، ولا يعول عليه إن كان بالحق نطق، وعليكم بالأمانة فالخيانة لُوم، وفي وجه الديانة كُلُوم٤، ومن الشريعة التي لا يُعْذَر بجهلها، وأداء الأمانات إلى أهلها، وحافظوا على الحشمة والصِّيانة، ولا تجزُوا من أقرضكم دين الخيانة، ولا توجدوا للغدر قَبولا ولا تُقِرُّوا عليه طبعًا مجبولا، وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا، ولا تستأثروا بكنز ولا حَزْن، ولا تذهبوا لغير مناصحة المسلمين في سهل ولا حَزْن، ولا تَبْخَسُوا الناس أشياءهم في كيل أو وزن، والله الله أن تُعينوا في سفك الدماء ولو بالإشارة أو الكلام، أو ما يرجع إلى وظيفة الأقلام، واعلموا أن الإنسان في فُسْحَة ممتدَّة،

стр. 1953

وسبل الله تعالى غير مُنْسَدَّة، ما لم ينْبِذْ إلى الله تعالى بأمانه، ويَمَسَّ الدم الحرام بيد أو لسانه، قال الله تعالى في كتابه: الذي هدى به سَنَنًا قويما، وجَلَّي من الجهل والضلال ليلا بهيما: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ . واجتناب الزنا وما تَعَلَّق به، -من أخلاق كرُمَت طباعه، وامتدَّ في سبيل السعادة باعه، لو لم تتلقَ نور الله الذي لم يهْدِ شعاعه، فالحلال لم تَضِقْ عن الشهوات أنواعه، ولا عُدِمَ إقناعه، ومن غَلَبَتْ غرائز جهله. فلينظر: هل يحب أن يُزْنَى بأهله؟ والله قد أعد للزاني عذابا وبيلا. وقال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ . والخمر أم الكبائر. ومفتاح الجرائم والجرائر١. واللهو لم يجعله الله في الحياة شرطا. والمحرَّم قد أغنى عنه بالحلال الذي سَوَّغ وأعطى. وقد تركها في الجاهلية أقوام لم يرضوا لعقولهم الفساد. ولا لنفوسهم بالمضَرَّة في مرْضَاةِ الأجساد, والله تعالى قد جعلها رجسا محرَّما على العباد: وقَرَنَها بالأَنْصَاب والأزلام في مُبَاينة السَّدَاد٢. ولا تقربوا الربا. فإنه من مَنَاهِي الدين. والله تعالى يقول: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ في الكتاب المبين. ولا تأكلوا مال أحد بغير حق يبيحه. وانزعوا الطَّعم٣ عن ذلك حتى تذهب ريحه. والتمسوا الحلال يسعى فيه أحدكم على قدمه. ولا يَكِلُ خياره إلا للثقة من خَدَمه. ولا تلجَئُوا إلى المتشابه إلا عند عَدَمه. فهو في السلوك إلى الله تعالى أصل مشروط. والمحافظ عليه مَغْبُوط. وإياكم والظلم. فالظالم ممقوت بكل لسان

стр. 1954

مُجَاهِر الله تعالى بصريح العصيان، "والظلم ظلمات يوم القيامة" كما ورد في الصِّحاح الحسان، والنميمة فساد وشَتَات، ولا يبقى عليه مُتَات١، وفي الحديث: "لا يدخل الجنة قَتَّات" ٢ واطرحوا الحسد، فما ساد حسود، وإياكم والغيبة فباب الخير معها مسدود، والبخل، فما رُئِي البخيل وهو مودود، وإياكم وما يُعْتَذَر منه فمواقع الخزي لا تُسْتَقَال عثراتها، ومظنَّات الفضائح لا تؤمن غمراتها، وتفقدوا أنفسكم مع الساعات وأفْشُوا السلام في الطرقات والجماعات، ورقُّوا على ذوي الزمانات٣ والعاهات، وتاجروا مع الله بالصدقة يُرْبِحكم في البضاعات، وعوِّلوا عليه وحده في الشدائد، واذكروا والمساكين إذا نَصَبْتُم الموائد، وتقربوا إليه باليسير من ماله. واعلموا أن الخلق عِيال الله، وأحب الخلق إليه المحتاط لعياله، وارعوا حقوق الجار، واذكروا ما ورد في ذلك من الآثار، وتعاهدوا أولي الأرحام، والوشائج٤ البادية الالتحام، واحذروا شهادة الزور: فإنها تقطع الظهر، وتفسد السر والجهر، والرَّشا، فإنها تحطُّ الأقدار، وتستدعي المذلة والصغار، ولا تَسَامحوا في لعبة قَمْر٥، ولا تشاركوا أهل البطالة في أمر، وصونوا المواعيد من الإخلاف، والأيمان من حنث الأوغاد والأجلاف، وحقوق الله تعالى من الازدراء والاعتساف، ولا تَلْهَجُوا بالآمال العجاف٦ ولا تكْلَفُوا بالكهانة والإرجاف، واجعلوا العمر بين معاش ومعاد، وخصوصية وابتعاد، واعلموا أن الله سبحانه بالمرصاد، وأن الخلق بين زرع وحصاد، وأقلوا بغير الحالة الباقية الهموم، واحذروا القواطع عن السعادة كما تُحْذَر السموم، واعلموا أن الخير أو الشر في الدنيا محال أن يدوم، وقابلوا بالصبر أذية المؤذين، ولا تعارضوا مقالات الظالمين، فالله لمن بغى عليه خير الناصرين، ولا تستعظموا

стр. 1955

حوادث الأيام كلما نزلت، ولا تَضِجّوا للأمراض إذا أَعْضَلت، فكلٌ منقرض حقير، وكل منقضٍ وإن طال قصير، وانتظروا الفَرَج، وانتَشِقُوا من جناب الله تعالى الأَرَج١، وأوسِعُوا بالرجاء الجوانح، واجنحوا إلى الخوف من الله تعالى فطُوبَى لعبد إليه جانح، وتضرعوا إلى الله تعالى بالدعاء، والجئوا إليه في البأساء والضراء، وقابلوا نعم الله تعالى بالشكر الذي يقيَّده به الشارد، ويعذَّب الوارد، وأَسْهِمُوا٢ منها للمساكين وأفضلوا عليهم، وعَيِّنُوا الحظُوظ منها لديهم؛ فمن الآثار: "يا عائشة أحسني جوار نعم الله، فإنها قلَّما زالت عن قوم فعادت إليهم"، ولا تطغوا في النعم وتقصِّرُوا عن شكرها، وتغلبكم٣ الجهالة بِسُكْرها، وتتوهموا أن سعيكم جَلَبَها، وجِدّكُم حلبها، فالله خير الرازقين، والعاقبة للمتقين، ولا فعل إلا الله إذا نُظِر بعين اليقين، والله الله لا تنسوا الفضل بينكم، ولا تذهبوا بذهابه زَيْنَكم، وليلتزم كل منهم لأخيه، ما يشتد به تَوَاخيه، بما أمكنه من إخلاص وبِرّ، ومراعاة في علانية وسر، وللإنسان مزِيّة لا تجهل، وحق لا يُهْمَل، وأظهروا التعاضد والتناصر، وصلوا التَّعاهد والتَّزاور، وتُرْغِموا بذلك الأعداء، وتَسْتَكْثِروا الأوِدَّاء، ولا تتنافسوا في الحظوظ السخيفة، ولا تتهارشوا تَهَارُش السباع على الجِيْفَة. واعلموا أن المعروف يَكْدَر بالامتنان، وطاعة النساء شرّ ما أفسد بين الإخوان، فإذا أسديتم معروفًا فلا تذكروه، وإذا برز قبيح فاستروه، وإذا أعظم النساء أمرا فاحْقِرُوه، والله الله لا تنسوا مُقَارَضَة سَجْلِي٤، وبَرُّوا أهل مودَّتي من أجلي، ومن رُزِق منكم مالا بهذا الوطن القلق المهاد، الذي لا يصلح لغير الجهاد، فلا يستهلكه أجمع في العَقَار، فيصبح عُرْضَة للمذلَّة والاحتقار، وساعيًا لنفسه -إن تغلَّب العدو على بلده-

стр. 1956

في الافتضاح والافتقار، ومعوِّقًا عن الانتقال، أمام النُّوَب الثِّقال، وإذا كان رزق العبد على المولى، فالإجمال في الطلب أولى، وازهدوا جهدَكم في مصاحبة أهل الدنيا فخيرها لا يقوم بشرِّها، ونفعها لا يقوم بضرِّها، وأعقاب من تقدَّم شاهدة، والتواريخ لهذه الدعوى عاضِدَة، ومن بُلِيَ بها منكم فليستَظْهِر بِسَعَة الاحتمال، والتقلُّل من المال، وليحذر معاداة الرجال، ومَزَلَّات الإدلال، وفساد الخيال، ومداخلة العيال، وإفشاء السر، وسكر الاغترار، فإنه دَأْب الغِرّ، وليَصُنِ الديانة، ويؤْثِر الصمت ويلازم الأمانة، ويَسِرْ من رضا الله على أوضح الطرق، ومهما اشتبه عليه أمران قَصَدَ أقربهما إلى الحق، وليقفْ في التماس أسباب الجلال دون الكمال غير النقصان، والزعازعُ تسالم اللَّدان١ اللطيف من الأغصان، وإياكم وطلبَ الولايات رغبةً واستجلابًا، واستظهارًا على الخُطُوب وغِلَابًا، فذلك ضرر بالمُروءات والأقدار داعِ إلى النصيحة والعار، ومن امْتُحِنَ بها منكم اختيارًا، أو جُبِر عليه إكراها وإيثارًا، فليتلقَّ وظائفها بسعة صدره، ويبذل من الخير فيها ما يشهد أن قدرها دون قدره، فالولايات فتنة ومِحْنة، وأسر وإِحْنَة، وهي بين إِخْطاءِ سعادة. إخلالٍ بعبادة وتوقُّع عزل. وإدالة٢ بإزاء بيع جِدٍّ بهَزل، ومَزَلَّة قدم، واستتباع ندم ومآل العمر كله موت ومعاد، واقتراب من الله وابتعاد. وجعلكم الله ممن نفعه بالتبصير والتنبيه وممن لا ينقطع بسببه عمل أبيه. هذه -أسعدكم الله- وصيتي التي أصدرتها. وتجارتي التي لربحكم أدرتها. فتلقَّوها بالقبول لنصحها. والاهتداء بضوء صبحها. وبقدر ما أمضيتم من فروعها. واستغشيتم من دروعها. اقتنيتم من المناقب الفاخرة. وحصلتم على سعادة الدنيا والآخرة. وبقدر ما أضعتم لآلئها النفيسة القيم. استكثرتم من بواعث الندم. ومهما سئمتم إطالتها. واستغزرتم مقالتها، فاعلموا أن تقوى الله فَذْلَكَةُ٣ الحساب، وضابط هذا الباب. كان الله خليفتي عليكم في كل حال. فالدنيا

стр. 1957

مُنَاخ ارتحال، وتأميل الإقامة فرض مُحَال. فالموعد للالتقاء دار البقاء. جعل الله من وراء خُطَّته النجاة، ونَفَّق بضائعها المُزْجاة١ بلطائفه المرتجاة. والسلام عليكم من حبيبكم المودِّع. والله سبحانه يُلْئِمه٢ حيث شاء من شَمْلٍ متصدِّع. والدكم محمد بن عبد الله بن الخطيب ورحمة الله وبركاته. "نفح الطيب ٤: ٤١٩".

стр. 1958

١٨- خطبة وعظية له: وصدر عنه على لسان واعظ: "الحمد لله الواليّ الحميد. المبدئ المعيد. البعيد في قُرْبه من العبيد, القريب في بُعْده وهو أقرب من حبل الوريد١. محيي ربُوع العارفين بتحيَّات حياة التوحيد. ومُفْنِي نفوس الزاهدين بكنوز احتقار الافتقار إلى العَرَض الزهيد. ومُخَلِّص خواطر المُحَقِّقين من سجون دُجُون٢ والتقييد. إلى فُسَح التجريد. نحمده وله الحمد المنتظِمَةُ دُرَرُه في سلوك الدوام. وسُمُوط٣ التأييد. حمد من نَزَّه أحكام وحدانيَّته. وأعلام فردانيَّته، عن مَرَابط التقييد، ومَخَابط الطبع البَلِيد، ونشكره شكر من افتتح بشكره أبواب المزيد، ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو شهادة نتخطَّى بها معالم الخلق، إلى حضرة الحق، على كَبِد التَّفْرِيد، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله قِلَادة الجِيد المَجِيد، وهلال العيد، وفَذْلَكَة الحساب، وبيت القصيد، المخصوص بمنشور الإدلال٤، وإقطاع الكمال، بين مقام المُرَاد ومقام المُرِيد، الذي جعله السبب الأوصل في نَجَاةِ النَّاجِي وسعادة السَّعِيد، وخاطب الخلائق على لسانه الصادق بِحُجَّتَي الوعد والوعيد، فكان مما أوحى به إليه، وأنزل المَلَك به عليه، من الذكر الحميد، ليأخذ

стр. 1959

بالحجَزِ١ والأطواق من العذاب الشديد: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ، وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ، لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ، وصلى الله عليه وعلى آله صلاة تقوم ببعض حقِّه الأكيد، وتَسْري إلى تربته الزَّكية من ظهور المواجد الجاثية على البَرِيد: قعدت لتذكير، ولو كنتُ منصفا ... لذكرت نفسي فهي أحوج للذِّكرى إذا لم يكن مني لنفسي واعظٌ ... فيا ليت شعري كيف أفعل في الأخرى؟ آهِ، أي وعظ بعد وعظ الله تعالى يا أحبابنا يُسْمَع، وفي ماذا -وقد تبيَّن الرشد من الغي- يُطْمَع؟ يا من يُعْطِي ويمنع، إذا لم تُقِم الصنيعة فماذ نصنع؟ اجْمَعْنَا بقلوبنا يا من يُفَرِّق ويجمع، وليِّن حديدها بنار خشيتك، فقد استعاذ نبيُّك ﷺ من قلب لا يَخْشَع، ومن عين لا تدمع: اعلموا رحمكم الله أن الحكمة ضالَّة المؤمن يأخذها من الأقوال والأحوال، ومن الجماد والحيوان، وما أملاه المَلَوَان٢، فإن الحق نور لا يضرّه أَنْ صَدَر من الخامل ولا يقصِّر بمحموله احتقارُ الحامل، وأنتم تدرون أنكم في أَطْوَار سَفَر لا تستقرّ لها دون الغاية رحلة، ولا تتأَتَّى معها إقامة ولا مُهْلَة، من الأصلاب إلى الأرحام إلى الوجود، إلى القبور إلى النشور إلى إحدى داري البقاء، أفي الله شك؟ فلو أبصرتم مسافرا في البَرِّيَّة يبني ويفرش، ويمهِّد ويعرِّش، ألم تكونوا تضحكون من جهله، وتَعْجَبُون من ركاكة عقلة؟ ووالله ما أموالكم ولا أولادكم وشَوَاغِلُكم عن الله، التي فيها اجتهادكم، إلا بقاءُ سفر٣ في قَفْر، أو إعراس

стр. 1960

في ليلة نَفْر١، كأنكم بها مُطَّرحة تَعْبُر فيها المواشي، وتنبو العيون عن خبرها المتلاشي ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ما بعد المَقِيل إلا الرحيل، ولا بعد الرحيل إلا المنزلُ الكريم، أو المنزل الوبيل، وإنكم تَسْتَقْبِلُون أهوالا، سَكَرَاتُ الموت بَوَاكِر حسابها، وعَتَب أبوابها، فلو كشِف الغطاء عن ذَرَّة منها لَذَهَلت العقول وطاشت الألباب، وما كل حقيقة يشرحها الكلام، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أفلا أعددتم لهذه الوَرْطَة حِيلَة، وأظهرتم للاهتمام بها مَخِيلةً٢! أتعويلا على عفوه مع المقاطعة؟ وهو القائل في مقام التهديد: ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ، أََأَمْنًا من مكره من المنابذة؟ ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أطََمَعًا في رحمته مع المخالفة؟ وهو يقول: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ، أَمُشاقَّةً ومُعَانَدَةً؟ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ، أشكًّا في الله؟ فتَعَالوا نعيد الحساب، ونقرِّر العَقْد، ونَتَّصف بدعوة الحق "أو غيرها" من اليوم، يُفْقَدُ عَقْدُ العقائِد عند التساهل بالوعيد٣، فالعاميُّ يُدْمِي الأصبع الوَجِعَة، والعارف يضمِّد لها مبدأ العَصَب: هكذا هكذا يكون التَّعامي ... هكذا هكذا يكون الغرور ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وما عدا مما بدا، ورسولكم الحريص عليكم الرءوف الرحيم يقول لكم: "الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت؛ والأحمق من أتْبَعَ نفسه هواها، وتَمَنَّى على الله الأماني" فَعَلام بعد هذا المعوِّل، وماذا بتأوَّل؟ اتقوا الله تعالى في نفوسكم وانصحوها واغتنموا فرص الحياة وارتجوها، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ

стр. 1961

فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ ، وتنادي أخرى: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ، وتستغيث أخرى: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَل﴾ ، وتقول أخرى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ، فرحم الله من نظر لنفسه، قبل غروب شمسه، وقدَّم لغده من أمسه، وعلم أن الحياة تَجُرُّ إلى الموت، والغفلة تقود إلى الفَوْت، والصحَّة مَرْكَب الألم، والشبيبة سفينة تَقْطَع إلى ساحل الهرم". وإن شاء قال بعد الخطبة: "إخواني، ما هذا التواني؟ والكلَف بالوجود الفاني، عن الدائِم الباقي، والدهر يقطع الأماني، وهادم اللذات قد شرع في نقض المباني، ألا معتبر في عالم هذه المعاني، ألا مرتحل عن مَغَابِن هذه المَغَانِي١؟ ألا أُذُنٌ تصغى إليّ سَمِيعة ... أُحَدِّثُها بالصدق ما صَنَع المَوْتُ مددتُ لكم صوتي فأوَّاه حسرةً ... على ما بدا منكم فلم يُسْمَع الصوت هو القَدَر الآتي على كل أمة ... فتوبوا سِرَاعًا قبل أن يقع الفَوْتُ يا كَلِفًا بما لا يدوم، يا مفتونًا بغرور الوجود المعدوم، يا صَرِيع جدار الأجل المهدوم، يا مشتغلا ببنيان الطُّرُق قد ظهر المناخ وقَرُبَ القُدُوم، يا غريقًا في بحار الأمل ما عساك تعوم! يا مُعَلَّل الطعام والشراب، ولَمْعِ السَّرَاب٢، لا بد أن تهجُر المشروب وتترك المطعوم، دَخَل سارقُ الأجل بيتَ عمرك فَسَلب النشاط وأنت تنظر، وطَوَى البساط وأنت تُكْرَب٣، واقتلع جواهر الجوارح، وقد وقع بك النَّهْب، ولم يَبْقَ إلا أن يجعل الوسادة على أنفك ويقعد: لو خُفِّفَ الوجْدُ عني ... دعوتُ طالب ثاري ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ ، كيف التَّرَاخي والفوتُ مع الأنفاس يُنْتظر،

стр. 1962

كيف الأمان وهاجِم الموت لا يبقى ولا يَذَر، كيف الركون إلى الطمع الفاضح وقد صَحَّ الخبر؟ من فكَّر في كرب الخُمار١ تَنَغَّصَت عنده لذةُ النبيذ، من أحَسَّ بلفظ٢ الحريق فوق جداره، لم يُصْغِ بصوته لنغمة العود، من تَيَقَّنَ بِذُلّ العُزْلَةِ، هان عليه ترك الولاية. ما قام خيرك يا زمان بشرِّه ... أولى لنا ما قلَّ منك وما كَفَى أوحى الله سبحانه إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه: أن ضَعْ يَدَك على مَتْنِ ثور فَبِعَدَد ما حاذته من شعره تعيش سنين، فقال يا رب وبعد ذلك؟ قال: تموت، قال: يا ربا فالآن. رأى الأمر يُفضي إلى آخرٍ ... فصيَّر آخِرَه أوَّلا إذا شعرت نفسك بالميل إلى شيء فأعرض عليها غُصَّة فِراقه ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ فالمفروح به هو المحزون عليه، أين الأحباب مرُّوا؟ فيا ليت شعري أين استقروا؟ استكانوا والله واضطرُّوا، واستغاثوا من سَبَقَك٣ بأوليائهم ففرُّوا، وليتهم إذ لم ينفعوا ما ضرُّوا، فالمنازل من بعدهم خالية خاوية، والعروش ذابلة ذاوية، والعظام من بعد التفاصل متشابهة متساوية، والمساكن تَنْدُب في أطلالها الذئابُ العاوية. صِحْتُ بالرَّبْع فلم يستجيبوا ... ليت شعري أين يمضي الغريب؟ وبجنب الدار قبر جديد ... منه يستسقى المكان الجَدِيب غاض قلبي فيه عند التماحي ... قلت: هذا القبر فيه الحبيبُ٤ لا تَسَل عن رجعتي كيف كانت ... إن يوم البَيْن يوم عصيب

стр. 1963

باقتراب الموت علَلتُ نفسي ... بعد إِلْفِي، كلُّ آتٍ قريبُ أين المعمًّر الخالد، أين الولد أين الوالد، أين الطارف أين التالد، أين المجادل أين المجالد؟ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ ١ وجوه عَلَاهُنَّ الثَّرى، وصحائف تُفَضّ، وأعمال على الله تُعْرَض، بَحَثَ الزُّهَّاد والعبَّاد، والعارفون والأوتاد، والأنبياء الذين يُهْدَي بهم العباد، عن سبب الشقاء الذي لا سعادة بعده، فلم يجدوا إلا البعد عن الله تعالى، وسببه حبُّ الدنيا، "لن تجتمع أمتي على ضلالة". هجرتُ حبائبي من أجل ليلى ... فما لي بعد ليلى من حبيبِ وماذا أرتجى من وصل ليلى ... سَتَجْزِي بالقطيعة عن قريب وقالوا: ما أورد النفس الموارد، وفتح عليها باب الحَتْفِ إلا الأمل، كلما قَوَّمَتها مَثَاقِفُ الحدود، فتح لها أركان الرُّخَصِ. كلما عَقَدَت صومَ العزيمة، أهداها طُرَف الغُرُور في أطباق "حتى وإذا ولكن وربَّما" فأفرط القلب في تقليبها حتى أفْطَر: ما أَوْبَقَ الأنفس إلا الأملُ ... وهو غرورٌ ما عليه عمل يفرض منه الشخص وهمًا مَالَه ... حالٌ ولا ماضٍ، ولا مستقبل ما فوق وجه الأرض نفس حيَّةٌ ... إلا قد انقضَّ عليها الأجل لو أنهم من غيرها قد كُوِّنُوا ... لامتلأ السهل بهم والجبل ما ثَمَّ إلا لقم قد هُيئَت ... للموت، وهو الأكل المستعجل والوعد حق، والورى في غفلة ... قد خودِعوا بعاجل وضُلِّلُوا أين الذين شَيَّدُوا واغترسوا ... ومهَّدُوا وافترشوا وظُلِّلوا؟

стр. 1964

أين ذوو الراحات زادت حسرة ... إذ جنبوا إلى الثرى وانتقلوا١ لم تدفع الأحباب عنهم غير أن ... بَكَوا على فراقهم وأعولُوا الله في نفسك أولى من له ... ذخرت نصحًا وعتابا يُقْبَل٢ لا تتركَنْها في عمىً وحيرة ... عن هول ما بين يديها تَغْفُل حَقِّر لها الفاني، وحاول زُهْدَها ... وشوِّقها إلى الذي تستقبل وفِدْ إلى الله بها مضطرة ... حتى ترى السير عليها يسهل٣ هو الفناء، والبقاء بعده ... والله عن حكمته لا يسأل يا قرة العين ويا حسرتها ... يوم يُوَفَّى الناس ما قد عَمِلوا يا طُرُد٤ المخالفة، إنكم مُدْرَكون، فاستبقوا باب التوبة، فإن ربَّ تلك الدار يجير ولا يُجَار عليه، فإذا أمنتم فاذكروا الله كما هداكم، يا طُفَيْلَية الهمَّة، دُسُّوا أنفسكم بزمر التائبين، وقد دعوا دعوة الحبيب، فإن لم يكن أكلٌ فلا أقلَّ من طيب الوليمة، قال بعض العارفين: إذا عَقَدَ التائبون الصلح مع الله تعالى، انتشرت رعايا الطاعة في عمالة الأعمال، ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ معاني هذا المجلس والله نَسِيم سَحَر، إذ استنشقه مخمور الغَفْلَةِ أفاق، سَعُوط٥ هذا الوعظَ يَنْقُضُ٦ إن شاء الله زَكْمة البَطالة، إن الذي أنزل الداء أنزل الدواء، إِكْسِير٧ هذا الكتاب يلقَّب بحكمة جابر٨، القلوب المنكسرة عين من كان له قلب

стр. 1965

﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ إلهي دُلُّنا من حَيرة يضلُّ فيها -إلا إن هَدَيْتَ- الدليلُ، وأَجِرْنَا من غَمْرة١ وكيف -إلا بإغاثتك- السبيلُ، نفوسٌ صَدِئ من مَرِّ الأزمان منها الصَّقِيل، ونَبَا بِجُنُوبها عن الحق المَقِيل -وآذان أنهضها القول الثقيل، وعَثَرات لا يقبلها إلا أنت يا مُقِيل العثرات يا مُقِيل، أنت حسبُنا ونعم٢ الوكيل". "نفح الطيب ٤: ٨٥".
следующие страницы →