فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ ، وتنادي أخرى: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ، وتستغيث أخرى: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَل﴾ ، وتقول أخرى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ، فرحم الله من نظر لنفسه، قبل غروب شمسه، وقدَّم لغده من أمسه، وعلم أن الحياة تَجُرُّ إلى الموت، والغفلة تقود إلى الفَوْت، والصحَّة مَرْكَب الألم، والشبيبة سفينة تَقْطَع إلى ساحل الهرم".
وإن شاء قال بعد الخطبة:
"إخواني، ما هذا التواني؟ والكلَف بالوجود الفاني، عن الدائِم الباقي، والدهر يقطع الأماني، وهادم اللذات قد شرع في نقض المباني، ألا معتبر في عالم هذه المعاني، ألا مرتحل عن مَغَابِن هذه المَغَانِي١؟
ألا أُذُنٌ تصغى إليّ سَمِيعة ... أُحَدِّثُها بالصدق ما صَنَع المَوْتُ
مددتُ لكم صوتي فأوَّاه حسرةً ... على ما بدا منكم فلم يُسْمَع الصوت
هو القَدَر الآتي على كل أمة ... فتوبوا سِرَاعًا قبل أن يقع الفَوْتُ
يا كَلِفًا بما لا يدوم، يا مفتونًا بغرور الوجود المعدوم، يا صَرِيع جدار الأجل المهدوم، يا مشتغلا ببنيان الطُّرُق قد ظهر المناخ وقَرُبَ القُدُوم، يا غريقًا في بحار الأمل ما عساك تعوم! يا مُعَلَّل الطعام والشراب، ولَمْعِ السَّرَاب٢، لا بد أن تهجُر المشروب وتترك المطعوم، دَخَل سارقُ الأجل بيتَ عمرك فَسَلب النشاط وأنت تنظر، وطَوَى البساط وأنت تُكْرَب٣، واقتلع جواهر الجوارح، وقد وقع بك النَّهْب، ولم يَبْقَ إلا أن يجعل الوسادة على أنفك ويقعد:
لو خُفِّفَ الوجْدُ عني ... دعوتُ طالب ثاري
﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ ، كيف التَّرَاخي والفوتُ مع الأنفاس يُنْتظر،
стр. 1962
كيف الأمان وهاجِم الموت لا يبقى ولا يَذَر، كيف الركون إلى الطمع الفاضح وقد صَحَّ الخبر؟ من فكَّر في كرب الخُمار١ تَنَغَّصَت عنده لذةُ النبيذ، من أحَسَّ بلفظ٢ الحريق فوق جداره، لم يُصْغِ بصوته لنغمة العود، من تَيَقَّنَ بِذُلّ العُزْلَةِ، هان عليه ترك الولاية.
ما قام خيرك يا زمان بشرِّه ... أولى لنا ما قلَّ منك وما كَفَى
أوحى الله سبحانه إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه: أن ضَعْ يَدَك على مَتْنِ ثور فَبِعَدَد ما حاذته من شعره تعيش سنين، فقال يا رب وبعد ذلك؟ قال: تموت، قال: يا ربا فالآن.
رأى الأمر يُفضي إلى آخرٍ ... فصيَّر آخِرَه أوَّلا
إذا شعرت نفسك بالميل إلى شيء فأعرض عليها غُصَّة فِراقه ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ فالمفروح به هو المحزون عليه، أين الأحباب مرُّوا؟ فيا ليت شعري أين استقروا؟ استكانوا والله واضطرُّوا، واستغاثوا من سَبَقَك٣ بأوليائهم ففرُّوا، وليتهم إذ لم ينفعوا ما ضرُّوا، فالمنازل من بعدهم خالية خاوية، والعروش ذابلة ذاوية، والعظام من بعد التفاصل متشابهة متساوية، والمساكن تَنْدُب في أطلالها الذئابُ العاوية.
صِحْتُ بالرَّبْع فلم يستجيبوا ... ليت شعري أين يمضي الغريب؟
وبجنب الدار قبر جديد ... منه يستسقى المكان الجَدِيب
غاض قلبي فيه عند التماحي ... قلت: هذا القبر فيه الحبيبُ٤
لا تَسَل عن رجعتي كيف كانت ... إن يوم البَيْن يوم عصيب
стр. 1963
باقتراب الموت علَلتُ نفسي ... بعد إِلْفِي، كلُّ آتٍ قريبُ
أين المعمًّر الخالد، أين الولد أين الوالد، أين الطارف أين التالد، أين المجادل أين المجالد؟ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ ١ وجوه عَلَاهُنَّ الثَّرى، وصحائف تُفَضّ، وأعمال على الله تُعْرَض، بَحَثَ الزُّهَّاد والعبَّاد، والعارفون والأوتاد، والأنبياء الذين يُهْدَي بهم العباد، عن سبب الشقاء الذي لا سعادة بعده، فلم يجدوا إلا البعد عن الله تعالى، وسببه حبُّ الدنيا، "لن تجتمع أمتي على ضلالة".
هجرتُ حبائبي من أجل ليلى ... فما لي بعد ليلى من حبيبِ
وماذا أرتجى من وصل ليلى ... سَتَجْزِي بالقطيعة عن قريب
وقالوا: ما أورد النفس الموارد، وفتح عليها باب الحَتْفِ إلا الأمل، كلما قَوَّمَتها مَثَاقِفُ الحدود، فتح لها أركان الرُّخَصِ. كلما عَقَدَت صومَ العزيمة، أهداها طُرَف الغُرُور في أطباق "حتى وإذا ولكن وربَّما" فأفرط القلب في تقليبها حتى أفْطَر:
ما أَوْبَقَ الأنفس إلا الأملُ ... وهو غرورٌ ما عليه عمل
يفرض منه الشخص وهمًا مَالَه ... حالٌ ولا ماضٍ، ولا مستقبل
ما فوق وجه الأرض نفس حيَّةٌ ... إلا قد انقضَّ عليها الأجل
لو أنهم من غيرها قد كُوِّنُوا ... لامتلأ السهل بهم والجبل
ما ثَمَّ إلا لقم قد هُيئَت ... للموت، وهو الأكل المستعجل
والوعد حق، والورى في غفلة ... قد خودِعوا بعاجل وضُلِّلُوا
أين الذين شَيَّدُوا واغترسوا ... ومهَّدُوا وافترشوا وظُلِّلوا؟
стр. 1964
أين ذوو الراحات زادت حسرة ... إذ جنبوا إلى الثرى وانتقلوا١
لم تدفع الأحباب عنهم غير أن ... بَكَوا على فراقهم وأعولُوا
الله في نفسك أولى من له ... ذخرت نصحًا وعتابا يُقْبَل٢
لا تتركَنْها في عمىً وحيرة ... عن هول ما بين يديها تَغْفُل
حَقِّر لها الفاني، وحاول زُهْدَها ... وشوِّقها إلى الذي تستقبل
وفِدْ إلى الله بها مضطرة ... حتى ترى السير عليها يسهل٣
هو الفناء، والبقاء بعده ... والله عن حكمته لا يسأل
يا قرة العين ويا حسرتها ... يوم يُوَفَّى الناس ما قد عَمِلوا
يا طُرُد٤ المخالفة، إنكم مُدْرَكون، فاستبقوا باب التوبة، فإن ربَّ تلك الدار يجير ولا يُجَار عليه، فإذا أمنتم فاذكروا الله كما هداكم، يا طُفَيْلَية الهمَّة، دُسُّوا أنفسكم بزمر التائبين، وقد دعوا دعوة الحبيب، فإن لم يكن أكلٌ فلا أقلَّ من طيب الوليمة، قال بعض العارفين: إذا عَقَدَ التائبون الصلح مع الله تعالى، انتشرت رعايا الطاعة في عمالة الأعمال، ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ معاني هذا المجلس والله نَسِيم سَحَر، إذ استنشقه مخمور الغَفْلَةِ أفاق، سَعُوط٥ هذا الوعظَ يَنْقُضُ٦ إن شاء الله زَكْمة البَطالة، إن الذي أنزل الداء أنزل الدواء، إِكْسِير٧ هذا الكتاب يلقَّب بحكمة جابر٨، القلوب المنكسرة عين من كان له قلب
стр. 1965
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ إلهي دُلُّنا من حَيرة يضلُّ فيها -إلا إن هَدَيْتَ- الدليلُ، وأَجِرْنَا من غَمْرة١ وكيف -إلا بإغاثتك- السبيلُ، نفوسٌ صَدِئ من مَرِّ الأزمان منها الصَّقِيل، ونَبَا بِجُنُوبها عن الحق المَقِيل -وآذان أنهضها القول الثقيل، وعَثَرات لا يقبلها إلا أنت يا مُقِيل العثرات يا مُقِيل، أنت حسبُنا ونعم٢ الوكيل".
"نفح الطيب ٤: ٨٥".
стр. 1966
١٩- وصية موسى بن سعيد العَنْسي ١ لابنه:
قال أبو الحسن علي بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد العَنْسي:
لما أردت النهوض من ثغر الإسكندرية إلى القاهرة، أول وصولي إلى الإسكندرية رأى أبي أن يكتب لي وصية أجعلها إمامًا في الغربة، فبقي فيها أياما إلى أن كتبتها عنه، وهي هذه:
أُودِعك الرحمن في غربتك ... مرتقبا رحماه في أَوْبَتِك
стр. 1967
وما اختياري كان طَوْعَ النَّوَى ... لكنني أَجْرِي على بُغْيَتِكْ١
فلا تطل حبل النوى، إنني ... والله أشتاق إلى طَلْعَتك
من كان مفتونا بأبنائه ... فإنني أمعَنْتُ في خِبْرَتِك
فاحتضر التوديع أخذا، فما ... لي ناظر يقوِّي على فُرْقتك
واجعل وَصَاتي نصب عين، ولا ... تبرح مدى الأيام من فكرتك
خُلاصة العمر التي حُنِّكَتْ ... في ساعة زُفَّت إلى فِطنتك٢
فللتجارِيب أمورٌ إذا ... طالعتها تشحذ من غفلتك
فلا تَنَم عن وعيها ساعة ... فإنها عون إلى يقظتك٣
وكلّ ما كابَدْتَه في النَّوَى ... إياك أن يكسر من همَّتك
فليس يُدْرِي أصل ذي غُرْبَة ... وإنما تعرف من شيمتك
وكل ما يفضى لعذرٍ فلا ... تجعله في الغربة من إِرْبَتِك٤
ولا تجالس من فشا جهله ... واقصد لمن يرغب في صنعتك
ولا تجادل أبدا حاسدا ... فإنه أدعى إلى هيبتك
وامش الهُوَينى مظهرا عِفَّةً ... وابغِ رضا الأعين عن هيبتك
أفشِ التحيَّات إلى أهلها ... ونَبِّه الناس على رُتْبَتك
وانْطَلِق بحيث العِيُّ مستقبَح ... واصمت بحيث الخير في سكتَتِك
ولا تَزَل مجتمعًا طَالِبا ... من دهرك الفرصة في وثبتك
وكلما أبصرتها أمكنت ... ثب واثقا بالله في مَكْنَتِك٥
ولِجْ عَلَى رزقك مِنْ بِابِه ... واقصِد له ما عِشْت في بُكْرتِك
стр. 1968
وايأْس من الودِّ لديّ حاسد ... ضدٍّ، ونافسه على خطَّتك١
ووفِّر الجهد، فمن قصده ... قصدك لا تَعْْْْْْتِبْه في بِغْضَتِك
ووفِّ كلًا حقه، ولتكن ... تكسر عند الفخر من حدتك
ولا تكن تحقر ذا رتبةٍ ... فإنه أنفع في غربتك
وحيثما خيَّمت فاقصد إلى ... صُحبةِ من ترجوه من نُصْرَتِكْ
وللرَّزَايا وثبة، ما لها ... إلا الذي تذخر من عُدَّتك
ولا تقل: "أَسْلَمُ لي وَحْدَتِي" ... فقد تقاسى الذلَّ في وحدتك
والتزم الأحوال وزنا ولا ... ترجع إلى ما قام في شهوتك
ولتجعل العقل مِحَكًّا، وخذ ... كلا بما يظهر في نقدتك
واعتبر الناس بألفاظهم ... واصحب أخا يرغب في صحبتك
بعد اختبار منك يقضي بما ... يحسن في الآخذ من خلطتك٢
كم من صديق مُظْهِرٍ نصحه ... وفكره وقف على عثرتك
إياك أن تَقْرَبه، إنه ... عون مع الدهر على كربتك
واقنع إذا لم تجد مَطْمَعًا ... واطمع إذا أنعشت من عُسْرَتك
وانْمُ نموَّ النبت قد زاره ... غِبُّ الندى، واسم إلى قدرتك
وإن نبا دهر فوطِّن له ... جاشك، وانظره على مُدَّتك
فكل ذي أمر له دولة ... فَوَفِّ ما وافاك في دولتك
ولا تُضَيِّع زمنا ممكنا ... تَذْكَاره يذْكي لظى حسرتك
والشَّرّ مهما اسطعت لا تأتِهِ ... فإنه حوز على مُهْجَتِك٣
стр. 1969
يا بُنَيَّ الذي لا ناصح له مثلي، ولا منصوح لي مثله، قد قدمت لك في هذا النظم ما إن أَخْطَرته بخاطرك في كل أوان، رجوتُ لك حسن العاقبة إن شاء الله تعالى، وإن أخفَّ منه للحفظ، وأعلَقَ بالفكر، وأَحَقَّ بالتقدم قول الأول:
يزين الغريب إذا ما اغترب ... ثلاث فمنهن: حسن الأدب
وثانية: حسن أخلاقه ... وثالثة: اجتناب الرِّيب
وإذا اعتبرت هذه الثلاثة، ولَزِمْتَها في الغربة، رأيتها جامعة نافعة، لا يَلْحَقُك إن شاء الله مع استعمالها نَدَم، ولا يفارقك برٌّ ولا كَرَم، ولله دَرُّ القائل:
يُعَدُّ رفيع القوم من كان عاقلا ... وإن لم يكن في قومه بحسيب
إذا حَلَّ أرضا عاش فيها بعقله ... وما عاقل في بلدة بغريب
وما قصَّر القائل حيث قال:
واصبر على خُلُق من نعاشره ... ودَارِه، فاللبيب مَنْ دَارَى
واتَّخِذِ الناس كلهم سكنا ... ومَثِّل الأرض كلها دارا
واصْغِ يا بُنَيّ إلى البيت الذي هو يتيمة الدهر١، وسُلَّم الكرم والصبر:
ولو أنَّ أوطان الديار نَبَتْ بكم ... لسكنتم الأخلاق والآدابا٢
إذ حسن الخلق أكرم نزيل، والأدب أرحب منزل، ولتكن كما قال بعضهم في أديب متغرب: "وكان كلما طرأ٣ على ملك، فكأنه معه وُلِد، وإليه قُصِد، غير مُسْتَريب بدهره، ولا مُنْكرا شيئًا من أمره"، وإذا دعاك قلبك إلى صحبةِ مَنْ أخذ بمجامع هواه٤، فاجعل التكلف له سُلَّما، وهُبَّ في روض أخلاقه هبوب النسيم، وحُلَّ بطرفه حلول الوَسَن٥ وأنزل بقلبه نزول المسرة، حتى يتمكن لك ودادُه، ويخْلُص فيك اعتقاده، وطَهَّر من الوقوع فيه لسانَك، وأَغْلِقْ سمعك، ولا تُرَخِّص
стр. 1970
في جانبه لحسود لك منه، يريد إبعادك عنه لمنفعته، أو حسود له يغار لتجمُّله بصحبتك ومع هذا فلا تَغْتَرّ بطول صحبته، ولا تتمهَّد بدوام رَقدته، فقد ينِّبه الزمان، ويغَيِّر منه القلب واللسان، ولذا قيل: "إذا أحببت فأحْبِبْ هونًا ما، ففي الممكن أن ينقلب الصديق عدوا، والعدو صديقا" وإنما العاقل من جعل عقله معيارا، وكان كالمرآة يَلْقَى كل وجه بمثاله، وجعل نُصب ناظره قول أبي الطيب:
ولما صار ود الناس خِبًّا ... جزيت على ابتسام بابتسام١
وفي أمثال العامة: "من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل"، فاحْتَذِ بأمثلة من جَرَّب، واستمع إلى ما خَلَّد الماضون بعد جَهْدهم وتَعَبهم من الأقوال، فإنها خلاصة عمرهم، وزُبْدَة تجاربهم، ولا تَتكل على عقلك، فإن النظر فيما تَعِب فيه الناس طول أعمارهم، وابتاعوه غاليا بتجاربهم، ويُرْبِحُك ويقع عليك رخيصًا، وإن رأيت من له مروءة وعقل وتجربة، فاستَفِدْ منه، ولا تضيع قوله ولا فعله، فإن فيما تلقاه تلقيحًا لعقلك، وحثًّا لك واهتداء.
وإياك أن تعمل بهذا البيت في كل موضع: والحُرُّ يُخْدَع بالكلام الطَّيِّب: فقد قال أحدهم: ما قيل أضرُّ من هذا البيت على أهل التجمل، وليس كل ما تسمع من أقوال الشعراء يحسن بك أن تتبعه حتى تتدبره، فإن كان موافقًا لعقلك، مُصْلِحًا لحالك، فراعِ ذلك عندك: وإلا فانْبِذْه نَبْذَ النواة، فليس لكل أحد يُتَبَسَّم ولا كل شخص يُكَلَّم، ولا الجود مما يُعَمُّ به، ولا حسن الظن وطيب النفس مما يعامل به كل أحد، ولله دَرُّ القائل:
وما لي لا أُوفي البريَّة قِسْطَها ... على قدر ما يُعْطِي وعقلي ميزان
وإياك أن تعطى من نفسك إلا بِقَدَر، فلا تعامل الدُّون بمعاملة الكفء، ولا
стр. 1971
الكفء بمعاملة الأعلى، ولا تضيع عمرك فيمن يعاملك بالمطامع، ويُنِيبك على مصلحة حاضرة عاجلة، بغائبة آجلة، واسمع قول الأول:
وبِعْ آجلًا منك بالعاجل: وأَقْلِلْ من زيارة الناس ما استطعت، ولا تَجْفُهم بالجملة، ولكن يكون ذلك بحيث لا يَلْحَق منه مَلَل ولا ضَجَر ولا جَفَاء، ولا تقل أيضا: أقْْْعُدُ في كسر بيتي، ولا أرى أحدًا، وأستريح من الناس، فإن ذلك كسل داعٍ إلى الذلِّ والمهانة، وإذا علم عدوٌ لك أو صديق منك ذلك، عاملاك بحسبه، فازدراك الصديق، وجَسَرَ عليك العدو، وإيَّاك أن يَغُرّك صاحب عن أن تَدَّخر غيره للزمان، وتطيعه في عداوة سواه، ففي الممكن أن يتغير عليك، فتطلب إعانة غيره، أو استغناء عنه، لا تجد ذخيرة قَدَّمْتها، وكان هو في أوسع حال، وأعلى رَأْي، بما دَبَّره بحيلته في انقطاعك عن غيره، فلو اتفق لك أن تصحب من كل صناعة ورياسة، مَنْ يكون لك عُدَّة، لكان ذلك أولى وأصوب، وسَلْنِي فإني خبير، طال -والله- ما صحبت الشخص أكثَرَ عمري، لا أعتمد على سواه، ولا أعتدّ إلا إياه، مُنْخَدِعًا بسرابه، مَوْثُوقا في حبائل خِطابه، إلى أن لا يحصل لي منه غير العَضّ على البَنَان، وقول: لو كان ولو كان! ولا يحملنَّك أيضا هذا القول أن تظنه في كل أحد، وتعجِّل المكافأة، وليكن حسن الظن بمقدار ما، والفَطِن لا تخفى عليه مَخَابِل الأحوال، وفي الوجوه دلالات وعلامات، واَصْغِ إلى القائل:
ليس ذا وجه من يضيف ولا يقـ ... ـري ولا يدفع الأذى عن حريم١
فمن يكن له وجه مثل هذا الوجه فَوَلِّ وجهك عنه قبله ترضاها، ولتحرص جهدك على أن لا تصحب أو تخدم إلا رب حِشْمَة ونعمة، ومن نشأ في رفاهية ومروءة، فإنك تنام معه في مِهاد العافية، وإن الجياد على أعْرَاقها٢ تجري، وأهل الأحساب
стр. 1972
والمروءات يتركون منافعهم متى كانت عليهم فيها وَصْمَة، وقد قيل في مجلس عبد الملك بن مَرْوان: أَشْرِب مصعب الخمر؟ فقال عبد الملك -وهو عدو له محارب له على الملك: لو علم مصعب أن الماء يفسد مروءته ما شربه؛ والفضل ما شهدت به الأعداء.
يا بني، وقد علمت أن الدنيا دار مفارقة وتغيّر، وقد قيل: "اصحب مَنْ شئت فإنك مفارقه" فمتى فارقت أحدًا فعلى حُسْنَي في القول والفعل، فإنك لا تدري: هل أنت راجع إليه؟ فلذلك قال الأوَّل:
"ولما مضى سَلْمٌ بكيت على سَلْم، وإياك والبيت السائر:
وكنت إذا حللت بدار قوم ... رحلت بِخِزْيَةٍ وتَرَكْتَ عارا
واحرص على ما جمع قول القائل: "ثلاثة تبقى لك الودَّ في صدر أخيك: أن تبدأه بالسلام، وتوسّع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه"، واحذر كل ما بيَّنه لك القائل: "كل ما تغرسه تجنيه إلا ابن آدم، فإنك إذا غرسته يَقْلَعُك" وقول الآخر: "ابن آدم يتمَسْكَنُ حتى يتمكَّن"، وقول الآخر: "ابن آدم ذئب مع الضعف، وأسد مع القوة".
وإياك أن تثبت على صُحْبة أحد قبل أن تُطِيل اختباره، فيحكيَ أن ابن المقفع خطب من الخليل صُحْبَتَه، فجاوبه: "إن الصحبة رِقّ، ولا أضع رِقِّي في يدك حتى أَعْرِف كيف مَلَكَتُك١"، واستمْلِ٢ من عين مَنْ تعاشره، وتفقَّد في فَلَتَات الألسن وصفحات الأوجه، ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن لا تبيِّنه، فإن الكلام سلاح السلم، وبالأنين يعرف ألم الجرح، واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية تجعلها نهاية لك.
стр. 1973
وآكد ما أوصيك به أن تَطْرَح الأفكار، وتُسَلِّم للأقدار.
واقبل من الدهر ما أتاك به ... من قرَّ عينا بعيشه نفعه
إذ الأفكار تجلب الهموم، وتضاعف الغموم، وملازمة القُطوب، عُنوان المصائب والخُطوب، ويستريب به الصاحب، ويشمت العدو المُجَانِب، ولا تضرّ بالوساوس إلا نفسك، لأنك تنصر بها الدهر عليك، ولله دَرُّ القائل:
إذا ما كنت للأحزان عونا ... عليك مع الزمان فَمَنْ تلوم
مع أنه لا يرد عليك الفائِتَ الحَزَن، ولا يرعوى بطول عتبك الزمن، ولقد شاهدت بغرناطة شخصا قد أَلِفَتْه الهموم، وعشقته الغموم، من صغره إلى كبره، ولا تراه أبدا خليًّا من فكره، حتى لُقِّب بصدر الهم، ومن أعجب ما رأيته منه أنه يتنكَّد في الشدة، ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج، ويتنكَّد في الرخاء خوفا من أن لا يدوم.
وينشد: توقَّع زوالا إذا قيل تَمَّ، وينشد: وعند التناهي يَقْصُر المتطاول.
وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب، ومثل هذا عمره مخسور يمرّ ضياعا.
ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذُمُّون من العلم ما تُحْسِنُه حسدا لك، وقصدًا لتصغير قدرك عندك، وتزهيدا لك فيه، فلا يَحْمِلك ذلك على أن تزهد في علمك، وتركن إلى العلم الذي مدحوه، فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحَجَلَة١ فرام أن يتعلمه فصَعُب عليه، ثم أراد أن يرجع إلى مشية فَنَسِيَه، فبقى مُخَبَّل المشي، كما قيل:
إن الغراب "وكان يمشي مِشْيَةً ... فيما مضى من سالف الأجيال"٢
حسد القَطَا، وأراد يمشي مشيها ... فأصابه ضرب من العُقَّال٣
стр. 1974
فَأَضَلَّ مشيته وأخطأ مشيها ... فلذاك سمُّوه أبا مرقالِ١
ولا يُفْسِد خاطرك من جعل يذُمّ الزمان وأهله، ويقول: "ما بقي في الدنيا كريم ولا فاضل، ولا مكان يُرْتَاحُ فيه"، فإن الذين تراهم على هذه الصفة، أكثر ما يكونون ممن صَحِبه الحِرْمَان، واستحقت طلعته للهوان، وأبْرَمُوا٢ على الناس بالسؤال فمقتوهم، وعجزوا عن طلب الأمور من وجوهها، فاستراحوا إلى الوقوع في الناس، وإقامة الأعذار لأنفسهم بقطع أسبابهم، وتعذير أمورهم، ولا تُزِل هذين البيتين من فكرك:
لِنْ إذا ما نِلْتَ عِزًّا ... فأخو العز يلينُ
فإذا نابك دهر ... فكما كنت تكون
وقول الآخر:
تِهْ وارتفع إن قيل أقتَرَ ... وانخَفِضْ إن قيل أَثْرَى٣
كالغصنِ يسفُل ما اكتسى ... ثمرا، ويعلو ما تَعَرَّى
ولا قول الآخر:
الخير يبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيتَ من زادِ
واعتقد في الناس ما قاله القائل:
ومَنْ يَلْقَ خيرا يحمد الناس أمره ... ومَنْ يَغْوِ لا يَعْدِمْ عَلَى الغَيِّ لَائِمًا
وقريب منه قول القائل:
بقدر الصُّعود يكون الهبوط ... فإياك والرُّتَبَ العاليهْ
وكن في مكان إذا ما سَقَطْتَ ... تقوم ورجلاك في عافِيهْ
وتَحَفَّظْ بما تضمنه قول الآخر:
стр. 1975
ومن دعا الناس إلى ذَمِّهِ ... ذَمُّوه بالحق وبالباطل
ولله دَرُّ القائل:
ما كل ما فوق البسيطة كافيا ... فإذا قَنِعت فكل شيء كافي
والأمثال يضربها لذي اللُّبِّ الحكيم، وذو البصر يمشي على الصراط المستقيم، والفَطِن يقنع بالقليل، ويستدلّ باليسير، والله سبحانه خليفتي عليك، لا ربَّ سواه".
"نفح الطيب ١: ٤٩٣".
стр. 1976
٢٠- خطبة ابن الزيات المنزوعة الألف "توفي سنة٧٢٨":
وخطب أحمد بن الحسن بن علي بن الزيات١ خطبة ألغيت الألف من حروفها على كثرة ترددها في الكلام، وهي:
"حمدتُ ربِّي من كريم محمود، وشكرته عزَّ من عظيم معبود، ونزَّهْتُه عن جهل كلِّ مُلْحِد كفور، وقَدَّسْتُه عن قول كل مفسد غرور. كبير لو تَقَوَّم في فهم لُحدّ٢، قدير لو تَصَوَّر في رسم لُحدَّ٣، لو عَرَتْه٤ فِكَرة تصوُّر لَتَصَوَّر ولو حَدَّتْْه فكرة لَتَقَدَّر٥، لو فهمت له كيفية لبطل قِدَمه، ولو عُلِمَت له كيفية لحَصَل عَدَمُه، ولو حُصِر في ظرف لقطع بتجسُّمه، ولو قهره وصف لصدع٦ بتقسُّمه، ولو فرض له شبح لَرَهِقه٧ كيفٌ. عظيم من غير تركيب قٌطْر، عليم من
стр. 1977
غير ترتيب فكر، موجود من غير شيء يُمْسِكه، معبود من غير وهم يدركه، كريم من غير عوض يَلْحَقُه، حكيم من غير عَرَض يلحقه١، قويّ من غير سبب يجمعه، عليّ من غير سبب يرفعه، لو وجد له جنس لعُورِض في قيُّوميته٢، لو ثبت له حس لنُوزِع في ديَمُومِيَّته٣.
ومنها: تقدَّس وعزَّ فعله، وتنزَّه عزَّ اسمه وفضله، جلَّ قاهر قدرته، وعزَّ باهرُ عِزَّته، وعظمت صِفَتُه، وكثرت مِنَّتُه، فَتَقَ ورَتَقَ، وصَوَّرَ وخَلَقَ، وقََطَع ووصل ونصر وخذل، حمدْته حمد من عَرَف ربه، ورَهِب ذنبه، وصَفَّت حقيقة يقينه قلبه، وزَكَّت٤ بصيرة دينه لُبُّه، وربط سلك سلوكه وشَدَّ٥، وهَدَمَ صَرْحَ عُتُوِّه وهَدَّ، وحَرَسَ مَعْقِل عقله وحَدَّ، وطرد غرور غِرَّته٦ ورَذَلَه٧، عَلِمَ عِلْمَ تحقيق فنحا نحوه، نُقِرُّ له بثبوت ربوبيته وقِدَمه، ونعتقد صدور كلِّ جوهر وعرض عن جوده وكَرَمِه، ونشهد بتبليغ محمد صلى ربُّه وسلم عليه، ورسوله وخير خلقه، ونُعْلِن بنهوضه في تبيين فرضه، وتبليغ شرعه، وضرب قُبَّةِ شرعه فنسخت كل شرع، وجدَّدَ عزيمته فَقَمَع عدوه خير قمع، قَوَّم كل مُقَوَّم بقويم سنته، وكريم هديه، وبيَّن لقومه كيف يَرْكَنُون٨، ففازوا بقصده وسديد سعيه، بشَّر مُطِيعَه فظَفَر برحمته، وحَذَّر عاصِيَه فَشَقِيَ بنقمته.
وبعد: فقد نصحتكم لو كنتم تعقلون، وهديتكم لو كنتم تعلمون، بُصِّرتم لو كنتم تبصرون، وذُكِّرْتُم لو كنتم تذكرون، ظهرت لكم حقيقة نشركم،
стр. 1978
وبرزت لكم حقيقة حشركم، فكم تَرْكُضُون في طَلَق١ غفلتكم، وتغفلون عن يوم بعثكم، وللموت عليكم سيف مَسْلُول، وحُكْمُ عزم غير معلول، فكيف بكم يوم يُؤْخَذ كل بذنبه، ويُخْبَر بجميع كسبه، ويفرَّق بينه وبين صحبه، ويَعْدَم نُصْرة حزبه، ويشتغل بهَمِّه وكربه، عن صديقه وتِرْبِه، وتُنْشَر له رُقْعَة، وتعيَّن له بقعة؟ فَرَبَح عبد نظر وهو في مَهَلٍ لنفسه، وترسَّل في رَضِيِّ عمل جنة لحلول رمْسِه٢ وكَسَر صنم شهوته، ليَقَرَّ في بُحْبُوحة٣ قُدْسِه.
ومنها: فتنبًّه -ويحك- من سِنَتك ونومك، وتفكر فيمن هلك من صُحبتك وقومك، وهتف بهم من تعلم، وشَبَّ عليهم منه حرقٌ٤ مُظْلِم، فَخَرِبَت بصحبته ربوعهم، وتفرقت لهوله جُمُوعُهم، وذلَّ عزيزهم، وخَسِئَ رفيعهم، وصَمَّ سميعهم، فخرج كل منهم عن قصره، ورُمِيَ غير مُوَسَّد في قبره، فهم بين سعيد في روضة مُقَرَّبٍ، وبين شَقِيٍّ في حفرة معذَّب، فنستوهِبُ منه عصمة من كل خطيئة، وخصوصية تقي من كل نفس جريئة٥".
"الإحاطة، في أخبار غرناطة ١: ١٥٤".
стр. 1979
٢١- خطبة القاضي عياض التي ضمنها سور القرآن:
وخطب القاضي أبو الفضل عياض١ خطبة ضمنها سور القرآن، فقال:
"الحمد لله الذي افتتح بالحمد كلامه، وبيَّن في سورة البقرة أحكامه، ومدَّ
стр. 1980
في آل عمران والنساء مائدة الأنعام لِيُتِمَّ إنعامه، وجعل في الأعراف أنفال توبة يونس وألر كتاب أحكمت آياته، بمجاورة يوسف الصِّدِّيق في دار الكرامة، وسبَّح الرعد بحمده، وجعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم؛ ليؤمن أهل الحجر١ أنه إذا أتى أمر الله سبحانه فلا كَهْفَ ولا ملجأ إلا إليه، ولا يُظْلَمُون قُلَامَة، وجعل في حروف كهيعص سرًا مكنونًا، قدَّم بسببه طه ﷺ على سائر الأنبياء ليظهر إجلاله وإعظامه، وأوضح الأمر حتى حجَّ المؤمنون بنور الفرقان، والشعراء صاروا كالنمل ذلًّا وصغارا لعظمته، وظهرت قَصَص العنكبوت فآمن به الروم، وأيقنوا أنه كلام الحيّ القيوم، نزل به الروح الأمين على زَيْن من وَافَى يوم القيامة، وأوضح لقمان الحكمة بالأمر بالسجود لربِّ الأحزاب، فَسَبَا فاطر السموات أهل الطاغوت، وأكْسَبَهم ذلا وخِزْيا وحَسْرة وندامة، وأمدَّ يس ﷺ بتأييد الصَّافَّات٢، فصاد الزُّمر يوم بدره، وأوقع بهم ما أوقع صناديدهم في القَليب٣ مكدوس ومكبوب، حين شَالَت بهم النَّعامة٤، وغفر غافر الذنب وقابل التوب للبدريين ﵃ ما تقدم وما تأخر حين فُصِّلَت كلمات الله، فذلّ من حقت عليه كلمة العذاب وأَيِسَ من السلامة، ذلك بأنَّ أمرهم شورى بينهم، وشغلهم زخرف الآخرة عن دخان الدنيا، فجثوا أمام الأحقاف٥ لقتال أعداء محمد ﷺ يمينه وشماله وخلقه وأمامه، فأُعطوا الفتح وبُوِّئُوا حُجُرَات الجنان، وحين تلوا: ق والقرآن المجيد، وتدبَّروا جواب قسم الذاريات٦ والطور، لاح لهم نجم الحقيقة وانشقَّ لهم قمر اليقين، فنافروا السآمة، ذلك بأنهم أمَّنهم الرحمن إذا وقعت الواقعة،
стр. 1981
واعترف بالضعف لهم الحديد، وهزم المجادلون، وأُخْرِجوا من ديارهم لأول الحشر يُخْرِبون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، حين نافروا السلامة.
أحمده حمد من امتحنته صفوف الجموع في نَفَق التَّغَابن، فطَّلق الحرمات حين اعتبر الملك وعامَه، وقد سمع صريف القلم وكأنه بالحاقة١ والمعارج يمينه وشماله وخلفه وأمامه، وقد ناح نوح الجن فتزمَّل٢ وتدثَّر فَرَقًا من يوم القيامة، وأنس بمُرْسَلَات النبأ، فنزع العُبُوس من تحت كُور العمامة، وظهر له بالانفطار التطفيف، فانشقت بُرُوج الطارق بتسبيح الملك الأعلى وغَشِيَته الشهامة، فوربِّ الفجر والبلد والشمس والليل والضحى، لقد انشرحت صدور المتقين، حين تلوا سورة التين، وعَلِق الإيمان بقلوبهم، فكل على قدر مقامه يُبِين، ولم يكونوا بمنفكين دهرهم، ليله ونهاره وصيامه وقيامه، إذا ذكروا الزلزلة ركبوا العاديات٣ ليطفئوا نور القارعة، ولم يلههم التكاثر حين تلو سورة العصر والهمزة، وتمثلوا بأصحاب الفيل فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. أرأيتم كيف جعلوا على رءوسهم من الكور عمامة؟ فالكوثر٤ مكتوب لهم، والكافرون خذلوا، وهم نُصِروا، وعدل بهم عن لهب الطَّامَّة، وبسورة الإخلاص قَرُّوا سعدوا، وبرب الفلق٥ والناس، استعاذوا فَأُعِيذوا من كل حزن وهم وغم وندامة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، شهادة تُنال بها منازل الكرامة -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه ما غرَّدَتْ في الأَيْكِ حَمَامة".
"نفح الطيب ٤: ٣٩١".
стр. 1982
٢٢- خطبة سعيد بن أحمد المقري التي ضمنها سور القرآن:
وخطب سعيد بن أحمد المَقَّرِي١ خطبة على هذا النمط نصها:
"الحمد لله الذي افتتح بفاتحة الكتاب سورة البقرة، ليصطفي من آل عمران رجالا ونساء، وفضَّلهم تفضيلا، ومدَّ مائدة إنعامه ورزقه؛ ليعرف أعراف أنفال كرمه حَقَّه على أهل التوبة، وجعل ليونس في بطن الحوت سبيلا، ونجَّى هودا من كربه وحزنه، كما خلَّص يوسف من جُبِّه وسجنه، وسبح الرعد بحمده ويمنه، واتخذ الله إبراهيم خليلا، الذي جعل في حَِجر الحِجْرِ من النحل شرابا نوَّع باختلاف ألوانه، وأوحى إليه بخفيّ لطفه سبحانه، واتخذ منه كهفا قد شَيَّد بنيانه، وأرسل روحه إلى مريم فتمثَّل لها تمثيلا، وفضَّل طه على جميع الأنبياء، فأتى بالحج والكتاب والكنون؛ حيث دعا إلى الإسلام قد أفلح المؤمنون، إذ جعل نور الفرقان دليلا، وصدَّق محمدا ﷺ الذي عَجَزت الشعراء في صدق نَعْتِه، وشهدت النمل بصدق بعثه، وبيَّن قصص الأنبياء في مدة مكثه، ونسج العنكبوت عليه في الغار سِتْر مسدولا، وملئت قلوب الروم رعبا من هيبته، وتعلم لقمان الحكمة من حكمته، وهدى أهل السجدة للإيمان بدعوته، وهزم الأحزاب وسباهم وأخذهم أخذا وبيلا، فلقَّبه فاطر السموات والأرض بيس، كما نفَّذَ حكمه في الصافات وبيَّن ص صدقه بإظهار المعجزات، وفرَّق زمر المشركين، وصبر على أقوالهم وهجرهم هجرا جميلا، فغفر له غافر الذنب ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وفُصِّلَت رقاب المشركين إذ لم يكن أمرهم شورى بينهم، وزخرف منار الإسلام، وخَفِيَ دخان الشرك، وخرَّتِ المشركون جاثية، كما أنذر أهل الأحقاف فلا يهتدون سبيلا، وأذلَّ الذين كفروا بشدة القتال،
стр. 1983
وجاء الفتح للمؤمنين والنصر العزيز، وحِجْر الحجرات الحريز، وبِـ"ق" القدرة قُتِّل الخراصون١ تقتيلا، كلَّم موسى على جبل الطور، فارتقى نجم محمد ﷺ فاقتربت بطاعته مبادئ السرور، وأوقع الرحمن واقعة الصبح على بساط النور، فتعجب الحديد من قوته، وكثرة المجادلة في أمته، إلى أن أعيد في الحشر بأحسن مقيلا أمتحنه في صف الأنبياء وصلى بهم إماما، وفي تلك الجمعة مُلِئت قلوب المنافقين من التغابن خسرا وإرغاما، فطلَّق وحرَّم، تبارك الذي أعطاه الملك، وعلم بالقلم، ورتل القرآن ترتيلا، وعن علم الحاقة كم سأل سائل فسأل الإيمان، ودعا به نوح فنجاه الله تعالى من الطوفان، وأتت إليه طائفة الجن يستمعون القرآن، فأنزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ، فكم من مدَّثِّر يوم القيامة شفقة على الإنسان إذا أرسل مرسلات الدمع، فعم يتساءلون أهل الكتاب، وما تقبل من نازعات المشركين إذا عبس عليهم مالك تولاهم بالعذاب، وكورت الشمس وانفطرت السماء، وكانت الجبال كثيبا مهيلا، فويل للمطففين، إذا انشقت السماء بالغمام، وطويت ذات البروج، وطرق طارق الصُّور بالنفخ للقيام، وعز اسم ربك الأعلى لغاشية الفجر، فيومئذ لا بلد ولا شمس ولا ليل طويلًا، فطوبى للمصلين الضحى عند انشراح صدورهم، إذا عاينوا التين والزيتون وأشجار الجنة، فسجدوا باقرأ اسم ربك الذي خلق هذا النعيم الأكبر لأهل هذه الدار ما أحيوا ليلة القدر، وتبتلوا تبتيلا، ولم يكن للذين كفروا من أهل الكتاب من أهل الزلزلة من صديق ولا حميم، وتسوقهم كالعاديات إلى سواء٢ الجحيم، وزلزلت بهم قارعة العقاب، وقيل لهم: ألهاكم التكاثر، هذا عصر العقاب الأليم، وحُشِر الهمزة وأصحاب الفيل إلى النار فلا يظلمون فتيلا، وقالت قريش ما أمنتم من هول الحشر، أرأيت الذي يكَذِّبُ بالدين كيف
стр. 1984
طُرِد عن الكوثر؟ وسيق الكافرون إلى النار، وجاء نصر الله والفتح، فتبت يدا أبي لهب: إذ لا يجد إلى سورة الإخلاص سبيلا، فنعوذ برب الفلق من شرِّ ما خلق، ونعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي فسق، ونتوب إليه ونتوكل عليه وكفى بالله وكيلا".
"نفح الطيب ٤: ٣٩٢".
стр. 1985
٢٣- خطبة الكفعمي التي ضمنها سور القرآن أيضًا:
وخطب الكفعمي١ خطبة على هذا النمط أيضا نصها:
"الحمد لله شرَّف النبي العربي بالسبع المَثَاني وخواتيم البقرة من بين الأنام، وفضَّل آل عمران على الرجال والنساء، بما وهب لهم من مائدة الأنعام، ومنحهم بأعراف الأنفال، وكتب لهم براءةً من الآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي نجَّى يونس وهودًا ويوسف من قومهم، برعْد الانتقام، وغذَّى إبراهيم في الحجر بلعاب النحل ذات الإسرار، فضاهى كهف مريم ﵍، وأشهد أن محمدًا عبد هـ ورسوله الذي هو طه الأنبياء، وحج المؤمنين، ونور فرقان الملك العلَّام، فالشعراء والنمل بفضله تُخْبِر، ولقصص العنكبوت الروم تَذْكُر، ولقمان في سجدته يشكر، والأحزاب كأيادي سَبَا تَقْهَر، وفاطر يس لصافاته ينصر، وصاد مقلة زمره تنظر الأعلام، فآل حم بقتال فتحه في حُجُرات قافه قد ظَهَرت، وذاريات طُوره ونجمه وقمره قد عَطِرَت، وبالرحمن واقعة حديده يوم المجادلة قد نُصِرت وأبصار معانديه في الحشر يوم الامتحان حَسَرت٢، وصفَّ جمعته فائز إذ أجساد المنافقين بالتغابن استعرت، وله الطلاق والتحريم ومقام الملك والقلم، فناهيك به من
стр. 1986
مقام، وفي الحاقة، أعلى الله له المعارج نوح المطهر، وخصه من بين الأنس والجن بيأيها المزمل، ويأيها المدثر، وشفَّعَه في القيامة إذا دموع الإنسان مرسلات كالماء المتفجر، ووجهه عند نبإ النازعات وقد عبس الوجه كالهلال المتنوِّر، ويوم التكوير والانفطار وهلاك المطففين وانشقاق ذات البروج بشفاعته غير متضجّر، وقد حُرِست لمولده السماء بالطارق الأعلى، وتمت غاشية العذاب إلى الفجر على المَرَدة اللئام، فهو البلد الأمين، وشمس الليل والضحى المخصوص بانشراح الصدر، والمفضَّل بالتين والزيتون، المستخرج من أمشاج١ العلق، الطاهر العليّ القدر، شجاع البرية يوم الزلزال؛ إذ عاديات القارعة تدوس أهل التكاثر ومشركي العصر، أهلك الله به الهمزة وأصحاب الفيل إذ مكروا بقريش ولم يتواصَوْا بالحق ولم يتواصوا بالصبر، المخصوص بالدين الحنيفي والكوثر السَّلسال، والمؤيد على أهل الجحد بالنصر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما تبَّت يدا معاديه، ونعم بالتوحيد مواليه، وما أفصح فلق الصبح بين الناس وامتد الظلام".
"نفح الطيب ٤: ٣٩٥".
стр. 1987
الباب الثاني في خطبة ووصايا مجهول عصرها أو قائلها
خطبة أبي بكر بن عبد الله بالمدينة
...
الباب الثاني في خطب ووصايا مجهول عصرها أو قائلها:
١- خطبة أبي بكر بن عبد الله بالمدينة:
لما وَلِيَ أبو بكر بن عبد الله بالمدينة١ وطال مُكْثه عليها، كان يبلغه عن قوم من أهلها أنهم ينالون من أصحاب رسول الله ﷺ وإسعافٌ من آخرين لهم على ذلك، فأمر أهل البيوتات ووجوه الناس في يوم جمعة أن يقربوا من المنبر، فلما فرغ من خطبة الجمعة قال:
"أيها الناس: إني قائل قولا، فمن وَعَاه وأدَّاه فعلى الله جزاؤُه، ومن لم يَعِهِ فلا
стр. 1988
يَعْْدُ من ذمامها١ إن قَصَّرْتم عن تفضيله، فلن تَعْجِزوا عن تحصيله، فأَرْعوه أبصاركم، وأَوْعُوه أسماعكم، وأَشْعِروه٢ قلوبكم، بالموعظة حياة، والمؤمنون إخوة ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ ٣ السَّبِيلِ﴾ ، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فأتوا الهدى تهتدوا، واجتنبوا الغيّ ترشدوا، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ، والله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، أمركم بالجماعة، ورضيها لكم، ونهاكم عن الفرقة، وسخطها منكم، فـ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ٤ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا ٥ حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ ، جعلنا الله وإياكم ممن تبع رضوانه، وتجنب سخطه، فإنما نحن به وله.
وإن الله بعث محمدًا ﷺ بالدين، واختاره على العالمين، واختار له أصحابه على الحق، ووُزراء دون الخلق اختصهم به، وانتخبهم له، فصدَّقوه ونَصَرُوه، وعزَّروه٦ ووقَّروه، فلم يقدموا إلا بأمره، ولم يُحْجِمُوا إلا عن رأيه، وكانوا أعوانه بعهده، وخلفاءه من بعده، فوصفهم فأحسن صفتهم، وذكرهم فأثنى عليهم، فقال، وقوله الحق: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ ٧، كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ
стр. 1989
فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ، فمن غاظه كفر وخاب، وفَجَر وخَسِرَ، وقال الله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ١ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فمن خالف شريطة الله عليه لهم، وأمره إياه فيهم، فلا حق له في الفيء ولا سهم له في الإسلام، في آيٍ كثيرة من القرآن؟
فمَرَقت مارقة من الدين، وفارقوا المسلمين، وجعلوهم عِضِين٢، وتشعَّبوا أحزابا، أُشَابَاتٍ وأُوْشَابًا٣، فخالفوا كتاب الله فيهم، وثناءه عليهم، وآذَوْا رسول الله ﷺ فيهم، فخابوا وخَسِروا الدنيا والآخرة ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ مالي أرى عيونا خُزْرًا٤، ورقابا صُعْرًا٥، وبطونا بُجْرًا٦ شَجًا لا يسيغه الماء٧، وداء لا يشرب فيه الدواء ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ كلا والله، بل هو الهناء٨ والطِّلاء، حتى يظهر العُذر، ويبُوح السِّمرُّ، ويَضحَ الغيب،
стр. 1990
ويسَوَّس الجُنُب١، فإنكم لم تُخْلَقُوا عبثًا، ولم تتركوا سدىً، ويحكم! إني لست أتاوِيُّا٢ أُعَلَّم، ولا بدويا أُفَهَّم، قد حلبتكم أَشْطُرًا٣، قلَّبتكم أبطُنًا وأظهرا، فعرفت أنحاءكم وأهواءكم، وعلمت أن قوما أظهروا الإسلام بألسنتهم، وأسرُّوا الكفر في قلوبهم، فضربوا بعض أصحاب رسول الله ﷺ ببعض، ووَلَّدُوا الروايات فيهم، وضربوا الأمثال، ووجدوا على ذلك من أهل الجهل من أنبائهم أعوانا يأذنون لهم٤، ويُصْغُون إليهم مهلًا مهلًا قبل وقوع القَوَارِع٥، وطول الروائع، هذا لهذا ومع هذا٦، فلست أعتنش٧ آئبًا ولا تائبًا، ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ ، فأسِرُّوا خيرا وأظهروه، واجهروا به وأخلصوه، فطالما مَشَيْتُم القَهْقَري ناكصين، وليعلم من أدبر وأصَرَّ أنها موعظة بين يدي نقمة، ولست أدعوكم إلى أهواء تتَّبَع، ولا إلى رأي يبتَدَع، إنما أدعوكم إلى الطريقة المُثْلى، التي فيها خير الآخرة والأولى، فمن أجاب فإلى رشده، ومن عمي فعن قصده، فهلمَّ إلى الشرائع الجَدَائِع٨، ولا تُوَلُّوا عن سبيل المؤمنين، ولا تستبدلوا
стр. 1991
الذي هو أدنى١ بالذي هو خير ْ ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ .
إياكم وبُنَيَّاتِ٢ الطريق، فعندها التَّرْنيق والرَّهَق٣، وعليكم بالجادَّة، فهي أسدٌّ٤ وأورَدَ، ودعوا الأماني فقد أَرْدَتْ مَنْ كان قبلكم، وليس للإنسان إلا ما سَعَى، ولله الآخرة والأولى، و ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ ٥ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ . ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ .
"نهاية الأرب ٧: ٢٥٦؛ وصبح الأعشى ١: ٢٢٠".
стр. 1992
٢- وصية أعمى من الأزد لشاب يقوده:
عن هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال: رأيت بِبِيشَة١ رجلا من أَزْد السَّرَاةِ أعمى، يقوده شاب جميل، وهو يقول له: "يا سُمَىّ، لا يَغُرَّنَّك أن فسح الشباب خَطْوَك، وخَلَّى سَرْبَك، وأَرْفَهَ وِرْدَكَ٢، فكأنك بالكِبَر قد أَرَبَ ظَوْفَك، وأثقل أوَقَك، وأوهن طَوْقك٣، وأتعب سوقك، فهَدَجْتَ بعد الهَمْلَجَة، ودَجَجْت بعد الدَّعْلَجَة٤، فخذ من أيام التَّرْفِيه لأيام الانزعاج، ومن ساعات المُهْمَلَة لساعة
стр. 1993
الإعجال١، يابن أخي: إن اغترارك بالشباب، كالتذاذك بسَمَادِير٢ الأحلام، ثم تنقشِع فلا تتمسك منها إلا بالحسرة عليها، ثم تُعَرَّى راحلة الصِّبا، وتشرب سَلْوَةً٣ عن الهوى, واعلم أن أغنى الناس يوم الفقر من قَدَّم ذخيرة، وأشدّهم اغتباطًا يوم الحسرة من أحسن سريرة".
"الأمالي ٢: ٣١٦".
стр. 1994
٣- وصية رجل لآخر وقد أراد سفرًا:
عن عبد الرحمن عن عمه قال: سمعت رجلا يوصي آخر وأراد سفرًا، فقال:
"آثر بعملك معادك، ولا تدع لشهوتك رشادك، وليكن عقلك وزيرك الذي يدعوك إلى الهدى، ويعصمك من الرَّدى، أَلْجِم هواك عن الفواحش، وأَطْلِقه في المكارم، فإنك تَبَرُّ بذلك سلفك، وتَشِيد شَرَفَك".
"الأمالي ١: ٢٠٠".
стр. 1995
٤- وصية رجل لابنه وقد أراد التزوج:
وقال بعضهم لولده وقد أراد التزوج:
"يا بُنَيّ: لا تتخذها حَنَّانَة، ولا أَنَّانَة، ولا مَنَّانَة١، ولا عُشْبَة الدَّار٢، ولا كُبَّةَ القَفَا٣".
"الأمالي ٢: ٢٦".
стр. 1996
٥- وصية بعض العلماء لابنه:
وأوصى بعض العلماء ابنه فقال:
"أوصيك بتقوى الله، ولْيَسَعْكَ بيتك، وامْلِك عليك لسانك، وابْك على خطيئتك".
"البيان والتبيين ٢: ١٦١".
стр. 1997
٦- وصية لبعض الحكماء:
وقال بعض الحكماء:
"لا يكونَنَّ منكم المحَدِّث ولا يُنْصَتْ له، والداخل في سِرّ اثنين لم يُدْخَلاه، ولا آتي الدعوة لم يُدَعْ إليها، ولا الجالس المجلس لا يستحقه، ولا الطالب الفضل من أيدي الِّلئام، ولا المتعرِّض للخير من عند عدوِّه، ولا المتحمِّق في الدَّالَّة١".
"البيان والتبيين ٢: ٥٨".
стр. 1998
٧- وصية أخرى:
وقال بعض الحكماء:
"وإياك والعجلة، فإن العرب كانت تَكْنِيها: أُمّ الندامة؛ لأن صاحبها يقول قبل أن يَعْلَم، ويجيب قبل أن يَفْهَم، ويعزم قبل أن يفكِّر، ويَقْطَع قبل أن يُقَدِّر، ويحمد قبل أن يُجَرِّب، ويَذُمّ قبل أن يخبر، ولن يصحب هذه الصفة أحد إلا صحب الندامة، واعتزل السلامة".
"زهر الآداب ٣: ١٩٧".
стр. 1999
٨- وصية آخرى:
وقال ابن دريد: أوصى بعض الحكماء رجلًا، فقال:
"آمرك بمجاهدة هواك، فإنه يقال: إن الهوى مفتاح السيئات، وخصيم الحسنات وكل أهوائك لك عدو، وأهواها١ هوًى يكتُمك في نفسه، وأعداها هوى يمثِّل لك الإثم في صورة التقوى، ولن تفصل بين هذه الخصوم إذا تناظرت لديك إلا بحزم لا يَشُوبه وَهَنٌ، وصِدْقٍ لا يَطْمَعُ فيه تكذيب، ومضاءٍ لا يقاربه التثبُّط٢، وصَبْرٍ لا يغتاله جَزَعٌ، ونية لا ينقسمها التضييع".
"زهر الآداب ٣: ١٢٩".
стр. 2000
٩- عظة لبعض الحكماء:
عن الأصمعي قال: بلغني أن بعض الحكماء كان يقول:
"إني لأعظكم، وإني لكثير الذنوب مسرف على نفسي، غير حامد لها، ولا حاملها على المكروه في طاعة الله ، قد بَلَوتها فلم أجد لها شكرًا في الرَّخاء ولا صبرا على البلاء، ولو أن المرء لا يَعِظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه، لترك الأمر بالخير والنهي عن المنكر، ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب، وجِلَاء للنفوس، وتذكيرٌ من النسيان، واعلموا أن الدنيا سرورها أحزان، وإقبالها إدبار، وآخر حياتها الموت، فكم من مستقبل يوما لا يَسْتَكمِله، ومُنْتَظِر غدا لا يَبْلُغه، ولو تنظرون إلى الأجل ومسيره، لأبغضتم الأمل وغُرُورِه".
"الأمالي ٢: ٥٧".