← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

١٦- أعرابي يعظ رجلا: وقال الأصمعي: أعرابيا يعظ رجلا وهو يقول: "وَيْحَك! إن فلانا وإن ضحك إليك، فإنه يضحك منك، ولئن أظهر الشفقة عليك، إن عقاربه لَتَسْرِي إليك، فإن لم تتخذه عدوا في علانيتك، فلا تجعله صديقًا في سريرتك". "زهر الآداب ٣: ١٦٤".

стр. 2032

١٧- أعرابي يعظ رجلا: وسمع أعرابي رجلا يقع في السلطان، فقال: "إنك غُفْل لم تَسِمْك التجارب، وفي النصح لَسْعُ العقارب، كأني بالضاحك إليك، وهو باك عليك". "زهر الآداب ٣: ١٦٤".

стр. 2033

١٨- كلام أعرابي لابن عمه: وشاور أعرابي ابن عمٍّ له، فأشار عليه برأي، فقال: "قد قلت بما يقول به الناصح الشفيق الذي يخلط حلو كلامه بمُرِّه، وحَزْنَه بسهله، ويحرِّك الإشفاق منه ما هو ساكن من غيره، وقد وعيتُ النصح منه وقَبِلته؛ إذ كان مصدره من عند من لا شك في مودَّته، وصافي غيبه، وما زالتَ بحمد الله إلى الخير منهجًا واضحًا، وطريقًا مَهْيَعًا١". "الأمالي ٢: ٨٢".

стр. 2034

١٩- كلمات حكيمة للأعراب: قيل لأعرابي: ما لك لا تشرب النَّبِيذ؟ قال: "لثلاث خلال فيه: لأنه متلف للمال، مذهب للعقل، مسقط للمروءة". وقال أعرابي: "الدراهم مَيَاسِم١، تسم حمدا وذما، فمن حبسها كان لها، ومن أنفقها كانت له، وما كل مَنْ أُعْطِي مالا أُعْطِي حمدا، ولا كل عديم ذميم". وقال أعرابي لأخ له: "يا أخي إن مالك إن لم يكن لك كنت له، وإن لم تُفْنِه أفناك، فكُلْه قبل أن يأكلك". وقال أعرابي: "إن الموفَّق من ترك أرفق الحالات به، لِأَصْلَحِهَا لدينه، نظرا لنفسه، إذا لم تنظر نفسه لها". وقال أعرابي: "أن الله مُخِلف ما أتلف الناس، والدهر مُتْلِف ما أخلفوا، وكم من ميتة عليها طلب الحياة، وكم من حياة سببها التعرض للموت". وقال أعرابي: "إن الآمال قطعت أعناق الرِّّجال، كالَّسرَاب غَرَّ من رآه، وأخلَفَ من رجاه". وقال أعرابي لصاحب له: "أصحب من يتناسى معروفه عليك، ويتذكر حقوقك عليه". وقال أعرابي: "لا تسأل من يفرُّ من أن تسأله، ولكن سَلْ من أمرك أن تسأله، وهو الله تعالى". وقال أعرابي: "ما بقاء عُمْرٍ تقطعه الساعات، وسلامة بدن معَرَّض للآفات؟ ولقد عجبت من المؤمن! كيف يكره الموت؟ وهو يَنْقُله إلى الثواب الذي أحيا له ليله وأظمأ له نهاره".

стр. 2035

وذُكر أهل السلطان عند أعرابي فقال: "أما والله لئن عزُّوا في الدنيا بالجَوْر، لقد ذلُّوا في الآخرة بالعدل، ولقد رضوا بقليل فانٍ، عِوَضًا عن كثير باقٍ، وإنما تزلُّ القدم حيث لا ينفع الندم". وقال أعرابي: "من كانت مطيتَه الليل والنهار، سارا به وإن لم يَسِرْ، وبلغا به وإن لم يبلغ". وقال أعرابي: "الزهادة في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة، والزهادة في الآخرة مفتاح الرغبة في الدنيا". وقيل لأعرابي وقد مرض: إنك تموت! قال: "وإذا مُِتُّ فإلى أين يُذْهَب بي؟ " قالوا: " إلى الله تعالى"، قال: "فما كراهتي أن يُذْهَبَ بي إلى من لم أو الخير إلا منه؟ ". وقال أعرابي: "من خاف الموت بادر الموت، ومن لم يُنَحِّ النفس عن الشهوات، أسرعت به إلى الهَلَكات، والجنة والنار أمامك". وقال أعرابي: "خير لك من الحياة ما إذا فقدته أبغضتَ له الحياة، وشرٌّ من الموت ما إذا نزل بك أحببت له الموت". وقيل لأعرابي: من أحق الناس بالرحمة؟ قال: "الكريم يُسَلَّط عليه اللئيم، والعاقل يُسَلَّط عليه الجاهل". وقيل له: أيُّ الداعين أحق بالإجابة؟ قال: المظلوم، وقيل له: فأي الناس أغنى عن الناس؟ قال: "من أفرد الله بحاجته". وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: "إذا أشكل عليك أمران، فانظر أيهما أقرب من هواك فخالفه، فإن أكثر ما يكون الخطأ مع متابعة الهوى". وقال أعرابي: "الشرُّ عاجلة لذيذ، وآجله وَخِيم".

стр. 2036

وقال أعرابي: "من ولد الخير أنتج له فِراخًا تطير بأجنحة السرور، ومن غرس الشر أنبت له نباتا مُرَّا مَذَاقُه، وقضبانه الغيظ، وثمرته الندم". وقال أعرابي: "من كساه الحياء ثوبَه، حَفِيَ على الناس عيبه" وقال: بئس الزاد، التَعَدِّي على العباد"، وقال: "التلطُّف بالحيلة، أنفع من الوسيلة"، وقال: "من ثَقُلَ على صديقه، خَفَّ على عُدُوِّه، ومن أسرع إلى الناس بما يكرهون، قالوا فيه ما لا يعلمون". وقال أعرابي: "أعجزُ الناس من قَصَّر في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضَيَّع من ظَفِر به منهم". وقال أعرابي لابنه: "لا يسرك أن تغلب بالشرِّ، فإن الغالب بالشر هو المغلوب". وقال أعرابي لأخ له: "قد نهيتك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه، فإن حظَّك من عطيته السؤال". وقال أعرابي: "إن حب الخير خير وإن عجزتْ عنه المقدِرة، وبغض الشر خير وإن فعلتَ أكثره". وقال أعرابي: "والله لولا أن المروءة ثَقِيل مَحْمِلُها١، شديدة مُؤْنتها، ما ترك اللئام للكرام شيئا". واحتُضِر أعرابي، فقال له بنوه: عِظْنَا يا أبت، فقال: "عاشروا الناس معاشرة، إن غِبْتُم حَنُّوا إليكم، وإن مِتُّم بَكَوْا عليكم". ودخل أعرابي على بعض الملوك في شَمْلة٢ شعر، فلما رآه أعرض عنه، فقال له: "إن الشَّمْلَة لا تكلمك، وإنما يكلمك مَنْ هو فيها". وقال أعرابي: "ربَّ رجل سِرُّه منشور على لسانه، وآخر قد التحفَ عليه قلبه التحافَ الجناح على الخَوَافِي".

стр. 2037

وقيل لأعرابي: كيف كتمانك للسِّرِّ؟ قال: "ما جوفي له إلا قَبْرٌ". ومرّ أعرابيان رجل صلبه بعض الخلفاء، فقال أحدهما: أنْبَتَتْه الطاعة، وحَصَدَته المعصية، وقال الآخر: "من طَلَّق الدنيا فالآخرة صاحبته، ومن فارق الحق فالْجِذْع راحلته". وقال أعرابي: "إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل، ودوام عهده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وشوقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه". وقال أعرابي: "إذا كان الرأي عند مَنْ لا يُقْبَل منه، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه، ضاعت الأمور". "العقد الفريد ٢: ٨٥ –٨٧" وقال أعرابي: "إن الدنيا تنطق بغير لسان، فتخبر عما يكون بما قد كان". "العقد الفريد ٢: ٨٠". وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: "غَفَلْنا ولم يَغْفُل الدهر عنا، فلم نتعظ بغيرنا، حتى وُعِظ غيرُنا بنا، فقد أدركت السعادة مَنْ تَنَبَّه، وأدركت الشقاوة من غَفَل، وكفى بالتجربة واعظًا". "زهر الآداب ٢: ٥". وقال أعرابي لرجل: "اشكُر للمنعم عليك، وأَنْعِم على الشاكر لك، تستوجب من ربك زيادته، ومن أخيك مُنَاصَحَته". "زهر الآداب ٢: ٦". وتذاكر قوم صِلَة الرَّحِم، وأعرابيُّ جالس، فقال: "مَنْسَأَة١ في العمر، مَرْضَاةُ للربّ، محبَّة في الأهل". "الأمالي: ١: ٢١٧". وقال أعرابي: "لا أعرف ضُرًّا أوصَل إلى نِياط القلب، من الحاجة إلى من لم تَثِق بإسعافه، ولا تأَمَنْ ردَّه، وأكْلَمُ المصائب فَقْدُ خليلٍ لا عِوَض منه". وقيل لأعرابي: أي شيء أمتع؟ فقال: "مُمَازَحَة المحب، ومحادثة الصديق، وأمانيّ تقطع بها أيامَك".

стр. 2038

وقال أعرابي: "من لم يرضَ عن صديقه إلا بإيثاره على نفسه، دام سَخطُه، ومن عاتب على كل ذنب كثُر عدوّه، ومن لم يؤاخِ من الإخوان إلا مَن لا عيب فيه قَلَّ صَدِيقه". "الأمالي ١: ٢١٨". عن عبد الرحمن عن عمه قال: قلت لأعرابي ما تقول في المِرَاء؟ قال: "ما عسى أن أقول في شيء يُفْسِد الصداقة القديمة، ويَحُلّ العُقدة الوثيقة، أقل ما فيه أن يكون دُرْبَةً للمغالبة من أمتَنِ أسباب الفتنة". "الأمالي ١: ٢٥٨". عن عبد الرحمن عن عمه قال: سمعت أعرابيًّا يقول: "لا يوجَد العَجُول محمودًا، ولا الغَضُوب مسرورًا، ولا المَلُول ذا إخوان، ولا الحرُّ حريصًا، ولا الشَّرِه غنيًّا". وقال سمعت أعرابيًّا يقول: "صُنْ عقلك بالحلم، ومروءتك بالعفاف، ونجدَتُك بتجانبة الخيلاء، وخَلَّتك١ بالإجمال في الطلب". "الأمالي ٢: ٣٢". وقال: سمعت أعرابيًّا يقول: "أقبح أعمال المقتدرين الانتقام، وما اسْتُنْبِطَ الصواب بمثل المشاورة، ولا حُصِّلَت النعم بمثل المواساة، ولا اكتسِبَتْ البغضاء بِمِثْلِ الكِبْر". "الأمالي ٢: ٣٢، وزهر الآداب ٢: ٣". وقال أعرابي: "خير الإخوان من يُنِيلُ عُرْفًا، أو يدفع ضُرًّا". "الأمالي ٢: ٤١". عن عبد الرحمن عن عمه قال: سمعت أعرابيًّا يقول: "العاقل حقيق أن يُسَخِّيَ بنفسه عن الدنيا؛ لعلمه أن لا ينال أحد فيها شيئا إلا قَلَّ إمتاعه به، أو كَثُرَ عَنَاؤه فيه، واشتدت مَرزِئَتُه٢ عليه عند فِرَاقه، وعَظُمَت التَّبِعَة فيه بعده". "الأمالي ٢: ٤١". وقال أعرابي: "خَصْلتان من الكرام: إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الإخوان". "الأمالي ٢: ٧٣".

стр. 2039

وقال أعرابي: "ما غُبِنْتُ قط حتى يغبن قومي"، قيل: وكيف ذلك؟ قال: "لا أفعل شيئا حتى أشاورهم". "البيان والتبيين ٣: ١٦١". وقال أعرابي لرجل مَطَلَه في حاجة: "إن مِثْل الظفر بالحاجة تعجيل اليأس منها إذا عَسُر قضاؤها، وإن الطلب وإن قَلَّ أعظم قدرًا من الحاجة وإن عَظُمَت، والمطل من غير عُسْرٍ آفة الجود". "البيان والتبيين ٣: ٢٢١". وقال أعرابي: "وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مَطْلٌ وتعطيل". "البيان والتبيين ٣: ٢٣١". وقال أعرابي: "اعتذار من مَنْع، أجمل من وعد مَمْطول". "الأمالي ٢: ١٩٨". وقال أعرابي: "عوِّد لسانك الخير، تسلم من أهل الشرّ". "ذيل الأمالي ص٢٩". وقال أعرابي: "خرجت ليلة حين انحدرت أيدي النجوم، وشالت١ أرجلها، فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر، فإذا بجارية كأنها عَلَم، فجعلت أُغازلها، فقالت: يا هذا: أَمَا لَكَ نَاهٍ من كَرَم، إن لم يكن لك زاجر من عقل؟ قال: والله ما يراني إلا الكواكب! قالت: فأين مُكَوْكِبُهَا؟ ". "العقد الفريد ٢: ٩٤، والبيان والتبيين ٢: ٥١، وزهر الآداب ٢: ٦".

стр. 2040

أجوبة الأعراب مجاربة أعرابي للحجاج ... أجوبة الأعراب: ٢٠- مجاوبة أعرابي للحجاج: خرج الحجاج ذات يوم فأَصْحَر١. وحضر غَداؤه، فقال: اطلبوا من يتغدَّى معي، فطلبوا، فإذا أعرابي في شَمْلة: فَأُتِيَ به، فقال السلام عليكم، قال: هَلُمّ أيها الأعرابي، قال: قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته، قال: ومن هو؟ قال: دعاني

стр. 2041

الله ربِّي إلى الصوم، فأنا صائم، قال: وصوم في مثل هذا اليوم الحارّ؟ قال: صمت ليوم هو أحرُّ منه، قال: فأفطر اليومَ وصُمْ غدًا، قال: ويضمن لي الأمير أني أعيش إلى غد؟ قال: ليس ذاك إليه، قال: فكيف تسألني عاجلا بآجل، وليس إليه سبيل؟ قال: إنه طعام طيِّب، قال: والله ما طيَّبه خَبَّازك ولا طَبَّاخك، قال: فَمَن طيَّبه؟ قال: العافية، قال الحجاج: تالله إن رأيت كاليوم! أخرجوه عني. "البيان والتبيين ٣: ٢٣٤، والعقد الفريد ٢: ٨٧".

стр. 2042

٢١- مساءلة الحجاج أعرابيا فصيحا: وقال الحجاح لأعرابي كلمة فوجده فصيحًا: كيف تركت الناس وراءك؟ فقال: "تركتهم -أصلح الله الأمير- حين تفرّقوا في الغيطان، وأخَمْدوا النيران. وتَشَكَّت النساء، وعَرَض الشَّاء، ومات الكلب"، فقال الحجاج لجلسائه: "أَخِصْبًا نَعَتَ أم جَدْبًا؟ قالوا: بل جدبا، قال: بل خصبا، قوله: تفرقوا في الغيطان١، معناه: أنها أعشبت، فإبلهم وغنمهم تَرْعَى، وأخمدوا النيران، معناه: استغنوا باللبن عن أن يشتَوُوا لحوم إبلهم وغنمهم ويأكلوها، وتشكَّت النساء أعضادَهن، من كثرة ما يَمْخَضْن٢ الألبان، وعَرَض الشاء: استَنَّ٣ من كثرة العُشْب والمرعى، ومات الكلب: لم تمت أغنامهم وإبلهم فيأكل جِيَفها". "ذيل الأمالي ص٨٧".

стр. 2043

٢٢- مجاوبة أعرابي لعبد الملك بن مروان: ودخل أعرابي على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا أعرابي صف الخمر، فقال: شَمُول إذا شُجَّت، وفي الكأس مُزَّة لها في عِظام الشاربين دَبِيب١.

стр. 2044

تُرِيك القَذَى من دونها وهي دُونَه ... لوجه أخيها في الإناء قُطُوب١ فقال: وَيْحَكَ يا أعرابي! لقد اتهمك عندي حُسْنُ صفتك لها، قال: "يا أمير المؤمنين، واتهمك عندي معرفتك بحسن صفتي لها". "عيون الأخبار م٢: ص٢١٥".

стр. 2045

٢٣- مجاوبة أعرابي لخالد بن عبد الله القسري: وخطب خالد بن عبد الله القَسْرِي فقال: "يا أهل البادية: ما أخشنَ بلدكم، وأغلظَ معاشكم، وأَجْفَى أخلاقَكم، لا تشهدون جُمْعَه، ولا تُجَالِسُون عالما"، فقام إليه رجل منهم دَمِيمٌ، فقال: "أمَّا ما ذكرت من خشونة بلدنا، وغِلَظ طعامنا، فهو كذلك، ولكنكم معشر أهل الحضر، فيكم ثلاث خصال، هي شَرٌّ من كل ما ذكرت"، قال له خالد: وما هي؟ قال: "تَنْقُبُون الدور، وتَنْبُشُون القبور، وتَنْكِحُون الذكور"، قال: "قَبَّحَك الله، وقبَّح ما جئتَ به". "العقد الفريد ٢: ١٢٧".

стр. 2046

٢٤- أجوبة شتى: وقُدِّم أعرابي إلى السلطان، فقال له: قل الحق، وإلا أَوْجَعْتُك ضربًا، قال له: "وأنت فاعمل به، فوالله ما أَوْعَدَك الله على تركه، أعظم مما تُوعِدُني به". ونظر عثمان إلى أعرابي في شَمْلة، غائر العينين، مُشْرِف الحاجبين، ناتِئ الجَبْهَة، فقال له: أين ربك؟ قال: بالمِرّصاد! وقيل لأعرابي: إنك تُحْْسِن الشَّارة١، قال: "ذلك عنوان نعمة الله عندي".

стр. 2047

وقيل لأعرابي: "كيف أنت في دينك؟ قال: أَخْرِقُه بالمعاصي، وأُرَّقعه بالاستغفار". وسئل أعرابي عن القَدَر فقال: "الناظر في قدر الله كالناظر في عين الشمس، يَعْرِف ضوءها، ولا يقف على حدودها". وسئل آخر عن القدر، فقال: "علم اختصمت فيه العقول، وتقاول فيه المختلفون، وحَقَّ علينا أن يرد إلينا ما التبس علينا من حكمه، إلى ما سبق علينا من علمه". "العقد الفريد ٢: ٨٦ – ٨٧". وقيل لأعرابي: من أبلغ الناس؟ قال: "أحسنهم لفظًا وأسرعهم بديهة". وقيل لأعرابي: ملك لا تُطِيل الهجاء؟ قال: "يكيفك من القِلادة ما أحاط بالعُنُق". وقال معاوية لأعرابية: هل من قِرًى؟ قالت: نعم، قال: وما هو؟ قالت: "خبز خَمِير، ولبن فَطِير، وما نَمير١". وقيل لأعرابي: فِيم كنتم؟ قال: "كنا بين قِدْر تفور، وكأس تَدْور وحديث لا يَحُور٢". وقيل لأعرابي: ما أعدَدْتَ للبرد؟ قال: "شِدَّة الرِّعْدَة، وقُرْفُصَاء القِعْدَة، ودَرَب المِعْدَة٣". وقيل لأعرابي: "ما لك من الولد؟ قال: "قليل خبيث" قيل له: ما معناه؟ قال: "إنه لا أقل من واحد، ولا أخبث من أنثى". وقيل لأعرابي -وقد أدخل ناقته في السوق ليبيعها- صف لنا ناقتك، قال:

стр. 2048

ما طلبتُ عليها قطّ إلا أدركتُ، ولا طلبتُ إلا فُتُّ، وقيل له: فلم تبيعها؟ قال: لقول الشاعر: وقد تُخْرِج الحاجات يا أمّ عامرٍ ... كرائِمَ من رَبٍّ بهنَّ ضَنِين وقيل لأعرابي: ماعندكم في البادية طبيب؟ قال: "حُمُر الوحش لا تحتاج إلى بَيْطَار". وقيل لِشُرَيْحِ القاضي: هل كلمك أحد قط فلم تُطِقْ له جوابا؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون أعرابيا، خاصم عندي وهو يشير بيديه، فقلت له: أَمْسِك، فإن لسانك أطول من يدك، قال: "أَسَامِرِيٌّ أنت لا تُمَسُّ؟ ١". "العقد الفريد ٢: ٩٧". وقيل لأعرابي: أيُّ الألوان أحسن؟ قال: "قصورٌ بيض، في حدائق خُضْر". وقيل لآخر: أي الألوان أحسن؟ قال: "بَيْضة٢، في رَوْضة، عن غِب سَارِية، والشمس مُكَبِّدة". "العقد الفريد ٢: ٩٦".

стр. 2049

وخطب أعرابي إلى قوم فقالوا: ما تبذل من الصدق؟ وارتفع السَِّجف١ فرأى شيئًا كرهه فقال: "والله ما عندي نقد، وإني لأكره أن يكون عليَّ دين". "عيون الأخبار م٢: ص٢٠٠". وقيل لأعرابية مات ابنها: "ما أحسن عزاءك عن ابنك! "، قالت: "إن مصيبته آمَنَتْنِي من المصائب بعده". وقال محمد بن حرب الهلالي: قلت لأعرابي: "إني لك لَوَادٌّ"، قال: "وإن لك من قلبي لرائِدًا". "البيان والتبيين ١: ١٤٦، والبيان والتبيين ٢: ٩٢". وقال الأصمعي: رأيت أعرابيا أمامه شَاءٌ، فقلت لمن هذه الشاء؟ قال: "هي لله عندي". "العقد الفريد ٢: ٨٦، وعيون الأخبار م٢ ص٢٠٩".

стр. 2050

قولهم في الاستمناح والاستجداء أعرابي يجتدي عتبة بن أبي سفيان ... ٢٥- أعرابي يجتدي عُتبة بن أبي سفيان: اعترض أعرابي لعُتبة بن أبي سفيان، وهو على مكة، فقال: أيها الخليفة، فقال: لستُ به، ولم تُبْعِد، قال: يا أخاه، قال: أسَمِعْت فقل، قال: "شيخ من بني عامر يتقرَّب إليك بالعُمُومة، ويختص بالخئُولة، ويشكو إليك كثرة العيال، ووطأة الزمان، وشدة فقر، وترادُف ضُرّ، وعندك ما يَسَعه ويَصْرِف عنه بؤسه" قال: "أستغفر الله منك، وأستعينه عليك، قد أمرت لك بِغِناك، فليت إسراعنا إليك، يقوم بإبطائنا عنك". "البيان والتبيين ٣: ٢٣٠، والعقد الفريد ٢: ٨١".

стр. 2051

٢٦- أعرابي يجتدي عمر بن عبد العزيز: وأتى أعرابي عمر بن عبد العزيز، فقال: "رجل من أهل البادية، ساقته إليك الحاجة، وبلغت به الغاية، والله سائلك عن مقامي غدا، فقال عمر: "والله ما سمعت كلمة أبلغ من قائل، ولا أوعظ لمقول له منها". "العقد الفريد ٢: ٨٣، والأمالي ٢: ١٧٤، والبيان والتبيين ٣: ٢٣١".

стр. 2052

٢٧- خطبة أعرابي بين يدي هشام بن عبد الملك: وكانت الأعراب تنتجِع هشام بن عبد الملك بالخُطَب كل عام، فتقدَّم إليهم الحاجب يأمرهم بالإيجاز، فقام أعرابي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن الله ﵎ جعل العطاء محَبَّة، والمنع مَبْغَضَةً، فَلِأَن نحبَّك خير من أن نُبْغِضك١"، فأعطاه وأجزل له. "العقد الفريد ٢: ٨٣".

стр. 2053

٢٨- مقام أعرابي بين يدي هشام: وقام أعرابي بين يدي هشام فقال: "يا أمير المؤمنين، أتت على الناس ثلاث سنين، أما الأولى: فَلَحَتِ١ اللحم، وأما الثانية: فأكلت الشَّحْم، وأما الثالثة: فهاضَت٢ العَظْم، وعندكم فُضُول أموالٍ، فإن كانت لله فاقْسِمُوها بين عباده، وإن كانت لهم فَفِيمَ تَحْظَر٣ عنهم؟ وإن كانت لكم فتصدَّقوا عليهم بها، وإن الله يَجْزِي المتصدقين، قال هشام: هل من حاجة غير هذه يا أعرابي؟ قال: "ما ضربت إليك أكباد الإبل، أَدَّرِع الهَجِير، وأخوض الدُّجى لخاصٍّ دون عام"، فأمر هشام بمال، فَقُسِّم بين الناس، وأمر للأعرابي بمال، فقال "أكلُّ المسلمين له مثل هذا؟ " قالوا: "لا، ولا يقوم بذلك بيت مال المسلمين"، قال: "فلا حاجة لي فيما يبعث لأَئِمَة الناس على أمير المؤمنين". "عيون الأخبار م٢: ص٣٣٨ والعقد الفريد ٢: ٨٢".

стр. 2054

٢٩- أعرابي يستجدي عبيد الله بن زياد: وقال العتبيّ: وقف أعرابي بباب عبيد الله بن زياد فقال: "يأهل الغَضَارة١، حَقِبَ السّحاب، وانقشَع الرَّبابُ٢، واستأسَدَت الذئاب وَرُدِمَ الثَّمَدُ٣، وقَلَّ الحفَدُ٤، ومات الوَلَدُ، وكنت كثير العُفَاةِ٥، صَخِبَ٦ السُّقَاة، عظيم الدُّلَاة٧ لاتصال الزمان، وغَفَلِ٨ الحِدْثان، حَيَ حِلَال٩، وعدد ومال، فَتَفَرَّقْنا أَيْدِي سَبَا١٠، بين فقد الأبناءِ والآباء وكنت حَسَن الشَّارة١١، خَصِيب الدَّارَة١٢ سَلِيم الجَارَة١٣، وكان مَحَلى حِمًى، وقومي أُسًى١٤، وعزى جَدًا١٥

стр. 2055

قضى الله -ولا رُجْعَان لما قَضَى- بِسَوَاف١ المال، وشَتَاتِ الرجال، وتغيُّر الحال فأعِينوا من شَخْصُه شاهِدُه، ولِسَانُه وافِدُه، وفقره سائقه وقائده". "زهر الآداب ٣: ٣٠٧".

стр. 2056

٣٠- أعرابية تستجدي عبد الله بن أبي بكرة: ودخلت أعرابية على عبد الله بن أبي بكرة بالبصرة، فوقفت بين السِّماطين١ فقالت: "أصلح الله الأمير وأَمْتَعَ به، حَدَرَتْنا إليك سنة اشتد بلاؤها، وانكشف غطاؤها، أقُودُ صِبْيَةً صِغَارًا، وآخرين كبارًا، في بلدة شاسعة، وتَخْفِضنا خافضة، وترفعنا رافعة، لِمُلِمَّاتٍ من الدهر، بَرَيْن عظمي، وأذهَبْن لحمي، وتَرَكْنَنِي والِهَة، أدُور بالحضيض، وقد ضاق بي البلد العريض، فسألت في أحياء العرب: مَنِ الكاملة فضائله، المُعْطَى سائله، المَكْفِيَّ نائله؟ فَدُلِلْت عليك -أصلحك الله تعالى- وأنا امرأة من هوازن، قد مات الوالد، وغاب الرافد، وأنت بعد الله غِياثي، ومُنْتَهَى أملي، فافعل بي إحدى ثلاث خصال: إما أن تَرُدَّني إلى بلدي، أو تُحْسِن صَفَدِي٢، أو تقيم أوَدِي فقال: بل أجمعهن لك، فلم يزل يُجْرِي عليها كما يُجْرِي على عياله حتى ماتت". "زهر الآداب ٣: ٣٠٦". وروى صاحب العقد قال: قال الأصمعي: وقفت أعرابية على عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما فقالت: "إني أتيت من أرض شاسعة، تَخْفِضُنِي خافضة، وترفعني رافعة، في بَوَادِي

стр. 2057

بَرَيْنَ لحمي، وهِضْنَ١ عظمي، وتَرَكْنَنِي وَالِهةً، قد ضاق بي البلد، بعد الأهل والولد، وكثرة من العدد، لا قرابة تُؤْوِينِي، ولا عشيرة تحميني، فسألت أحياء العرب، من المرتجَى سَيْبُه٢، المأمون عَيْبُه، الكثير نائله، المكفِيُّ سائله، فَدُلِلْتُ عليك، وأنا امرأة من هَوَازِن، فقدت الولد والوالد، فاصنع في أمري واحد من ثلاث: إما أن تُحْسِنَ صَفَدِي، وإما أن تُقِيم أَوَدِي، وإما أن تردَّني إلى بلدي"، قال: بل أجمعهن لك، ففعل ذلك بها. "العقد الفريد ٢: ٨٢".

стр. 2058

٣١- أعرابي يستجدي خالد بن عبد الله القَسْرِيّ: دخل أعرابي على خالد بن عبد الله القَسْرِيّ، فقال: "أصلح الله الأمير: شيخ كبير، حَدَتْه إليك بارِيةُ العِظَام١، ومُؤَرِّثَة الأسقام، ومُطَوِّلة الأعوام، فذهبَتْ أمواله، وذُعْذِعَت٢ آبالُه، وتَغَيَّرت أحواله، فإن رأى الأمير أن يَجْبُرَه بفضله، ويَنْعَشُه بسَِجْله٣، ويردّه إلى أهله" فقال: كل ذلك، وأمر له بعشرة آلاف درهم. "الأمالي: ٢: ٤٩".

стр. 2059

٣٢- أعرابي يستجدي معن بن زائدة: وقَدِم أعرابي من بني كنانة على مَعْن بن زائدة وهو باليمن فقال: "إني والله ما أعرف سببا بعد الإسلام والرَّحِم، وأقوى من رِحْلة مثلى من أهل السِّن والحَسَب وإليك من بلاده، بلا سبب ولا وسيلة، إلا دعاءَك إلى المكارم، ورغبتك في المعروف، فإن رَأَيتَ أن تضعني من نفسك بحيث وضعتُ نفسي من رَجَائِك فافعل" فوصله وأحسن إليه. "العقد الفريد ٢: ٨٠".

стр. 2060

٣٣- خطبة الأعرابي السائل في المسجد الحرام: عن أبي زيد قال: بينا أنا في المسجد الحرام إذ وقف علينا أعرابيّ فقال: "يا مسلمون، إن الحمد لله، والصلاة على نبيه، وإني امرؤ من أهل هذا المِلْطَاطِ الشرقي المُوَاصِي أسياف تِهَامَةَ١، عَكَفَتْ على سِنُون مُحُش٢، فاجْتَبَّت الذُّرَى، وهَشَمَت العُرَى٣، وجَمَشَتْ النجم، وأَعْجَت البَهْمَ٤، وهَمَّت الشحمَ، والتَحَبَت اللحم، وأحْجَنَت العظم٥، وغادرت التراب مَوْرًا، والماء غَوْرًا، والناس أوزاعا٦، والنَّبط قُعَاعًا، والضَّهْل جُزَاعًا، والمقام جَعْجَاعًا٧، يُصَبِّحُنا الهاوي، ويَطْرُقنا العاوي٨، فخرجت لا أتلفَّع بوَصِيدة، ولا أَتَفَوَّت هَبِيدة٩، فَالْبَخَصَات وَقِعَة، والرُّكَبَات زَلِعة، والأَطْراف قَفِعة١٠، والجسم مُسَلْهِم، والنظر مُدْرَهِم١١، أَعْشُو فَأَغْطَشُ، وأضحى فَأَخْفَشُ١٢، أُسْهِل ظالعًا، وأُحْزِن راكعًا١٣ فهل من آمرٍ بِمَيْرٍ١٤، أو داعٍ بخير؟ وقاكم الله سطوة القادِر، ومَلَكة الكاهِر١٥، وسوء الموارِد، وفُضُوح المصادر"، قال: فأعطيته دينارا وكتبت كلامه، واستفسرته ما لم أعرفه. "الأمالي ١: ١١٣".

стр. 2061

٣٤- خطبة الأعرابي السائل في المسجد الجامع بالبصرة: وروى الجاحظ قال: قال أبو الحسن: سمعت أعرابيًّا في المسجد الجامع بالبصرة بعد العصر سنة ثلاث وخمسين ومائة: وهو يقول: "أما بعد: فإنَّا أبناء سبيل، وأنْضَاء١ طريق، وفَلُّ٢ سَنَةٍ، تَصَدَّقُوا علينا، فإنه لا قليلَ من الأجر، ولا غِنَى عن الله، ولا عمل بعد الموت، وأما والله إنَّا لنقوم هذا المقام، وفي الصدر حزَازة٣، وفي القلب غُصَّة". "البيان والتبيين ٢: ٤٦".

стр. 2062

٣٥- صورة أخرى: وروى أبو عليّ القالي هذه الخطبة بصورة أخرى، وهَاكَها: عن يُونُس قال: وقف أعرابيّ في المسجد الجامع في البصرة فقال: "قَلَّ النَّيْل، ونَقَصَ الكيل، وعَجِفَت١ الخيل، والله ما أصبحنا ننفخ في وَضَح٢، وما لَنَا في الديوان وَشْمَة٣، وإنا لِعِيَال جَرَبَّة٤، فهل من مُعِين، أعانه الله يعين ابن سبيل، ونِضْوَ طريق، وفَلَّ سَنَة؟ فلا قليل من الأجر، ولا غنى عن الله، ولا عمل بعد الموت". "الأمالي ٢: ١٩٧".

стр. 2063

صورى أخرى٢ ... ٣٦- صورة أخرى: ورواها صاحب العقد فقال: وقف أعرابي على حَلْقة يونس فقال: "الحمد لله، وأعوذ بالله، أن أُذَكِّر به وأنساه، إنا أناس قَدِمنا المدينة ثلاثون رجلا لاندفِن ميتا ولا نتحول من منزل وإن كَرِهناه، فرحم الله عبد تَصَدَّق على ابن السبيل، ونِضو طريق، وفَلَّ سَنة، فإنه لا قليل من الأجر، ولا غنًى عن الله، ولا عمل بعد الموت، يقول الله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ إن الله لا يستقرض من عَوَزٍ، ولكن ليبلوَ خِيار عباده". "العقد الفريد ٢: ٨٢".

стр. 2064

٣٧- أعرابي يستجدي: وقال المدائني: سمعت أعرابيًّا يسأل وهو يقول: "رحم الله امرأ لم تَمُجَّ أُذُنَاه كلامي، وقَدَّم لنفسه مَعَاذَةً١ من سوء مقامي، فإن البلاد مُجْدِبة، والدار مُضَيَّعة، والحال سيئة٢، والحياء زاجر ينهى عن كلامكم، والعُدْم عاذِرٌ يحملني على إخباركم، والدعاء إحدى الصَّدَقتين، فرحم الله امرأ أمَرَ بِمَيْرٍ٣، أو دعا بخير"، فقال له بعض القوم: مِمَّن الرجل؟ فقال: "مِمَّن لا تنفعكم معرفَتُه، ولا تضركم جهالته، ذلُّ الاكتساب، ويمنع من عز الانتساب". "البيان والتبيين ٣: ٢١٧، والعقد الفريد ٢: ٨١، والأمالي ١: ١٣٨".

стр. 2065

٣٨- أعرابي يستجدى: وقال الأصمعي: أصابت الأعراب أعوام جَدْبة وشدة وَجَهْد، فدخلت طائفة منهم البصرة وبين يديهم أعرابي وهو يقول: "أيها الناس، إخوانكم في الدين، وشركاؤكم في الإسلام، عَابِرُو سبيل،

стр. 2066

وأفلال بُؤْس، وصَرْعى جَدْب، تتابعت علينا سنون ثلاثة، غَبَّرت١ النِّعَم، وأهلكت النَّعَم، فأكلْنا ما بقيَ من جلودها فوق عظامها، فلم نزل نعلِّل بذلك أنفسنا، ونمنِّى بالغيث قلوبنا، حتى عاد مُخُّنَا عظاما، وعاد إشراقنا ظلاما، وأقبلنا إليكم يصرعنا الوَعْر، ويُكِنّنا٢ السهل، وهذه آثار مصائبنا لائحة في سِمَاتنا، فرحم الله متصدقا من كثير، ومُوَاسِيًا من قليل، فلقد عظُمت الحاجة، وكَسَف البال، وبلغ المجهود، والله يَجْزِي المتصدقين".

стр. 2067

٣٩- أعرابي يستجدي: وقال الأصمعي: كنت في حَلْقة بالبصرة إذ وقف علينا أعرابي سائلا، فقال: "أيها الناس، إن الفقر يهتك الحجاب، ويُبْرِزُ الكعاب١، وقد حملتنا سِنُون المصائب، ونَكَبات الدهور، على مركَبِها الوَعْر، فواسُوا أبا أيتام، ونِضْوَ زمان، وطَرِيد فَاقَةٍ، وطريح هَلَكة، رحمكم الله".

стр. 2068

٤٠- أعرابي يستجدي: وقال الأصمعي: وقف أعرابي علينا فقال: "يا قوم: تتابعت علينا سِنُون بتغير وانتقاص، فما تركت لنا هُبْعًا ولا رُبَعًا١، ولا عافطة، ولا نافِطَة٢، ولا ثاغِيَة ولا راغِبَة، فأماتت الزرع، وقتلت الضَّرع، وعندكم من مال الله فضلُ نعمة، فأعينوني من عطيَّة ما آتاكم الله، وارحموا أبا أيتام، وَنِضْوَ زمان، فلقد خَلّفتُ أقواما يمرَضون ولا يكفّنون ميتهم، ولا ينتقلون من منزل، وإن كَرِهوه، ولقد مشيت حتى انتعلت الدِّماء، وجُعْت حتى أكلتُ الثَّرَى".

стр. 2069

أعرابي يستجدي٥ ... ٤١- أعرابية تستجدي: وقال الأصمعي: وقفت أعرابية فقالت: "يا قوم سَنَة جَرَدت، وأيدٍ جَمُدت، وحال جَهَدت١، فهل من فاعلٍ لخير، وآمرٍ بَمَيْر؟ رحم الله من رَحِم، فأقْرَضَ مَنْ لا يظلم". "العقد الفريد ٢: ٨٠ - ٨٤".

стр. 2070

٤٢- أعرابي يستجدي: ووقف أعرابي بقوم فقال: "أشكوا إليكم أيها المَلَأ زمانًا، كَلَح في وجهه، وأَنَاخ عليّ بِكَلْكَلِه، بعد نعمة من المال، وثروة من المآل، وغِبْطَةٍ من الحال، اعتورتني جَدَائِده١، بِنَبْل مصائبه، عن قِسِيِّ نوائبه، فما تركَا لي ثاغية٢ اجْتَدِي ضَرعها، ولا رَاغِيَةً أَرْتِجي نفعها، فهل فيكم من مُعِين على صَرْفه، أو مُعْدٍ٣ على حَتْفه؟ "، فرد القوم عليه، ولم يُنِيلوه شيئًا، فأنشأ يقول: قد ضاع من يأكل من أَمْثَالِكُم ... جودا، وليس الجود من فِعَالِكُم لا بارك الله لكم في مالكم ... ولا أزاح السوء عن عيالكم فالفقر خير من صلاح حالكم
следующие страницы →