← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وأفلال بُؤْس، وصَرْعى جَدْب، تتابعت علينا سنون ثلاثة، غَبَّرت١ النِّعَم، وأهلكت النَّعَم، فأكلْنا ما بقيَ من جلودها فوق عظامها، فلم نزل نعلِّل بذلك أنفسنا، ونمنِّى بالغيث قلوبنا، حتى عاد مُخُّنَا عظاما، وعاد إشراقنا ظلاما، وأقبلنا إليكم يصرعنا الوَعْر، ويُكِنّنا٢ السهل، وهذه آثار مصائبنا لائحة في سِمَاتنا، فرحم الله متصدقا من كثير، ومُوَاسِيًا من قليل، فلقد عظُمت الحاجة، وكَسَف البال، وبلغ المجهود، والله يَجْزِي المتصدقين".

стр. 2067

٣٩- أعرابي يستجدي: وقال الأصمعي: كنت في حَلْقة بالبصرة إذ وقف علينا أعرابي سائلا، فقال: "أيها الناس، إن الفقر يهتك الحجاب، ويُبْرِزُ الكعاب١، وقد حملتنا سِنُون المصائب، ونَكَبات الدهور، على مركَبِها الوَعْر، فواسُوا أبا أيتام، ونِضْوَ زمان، وطَرِيد فَاقَةٍ، وطريح هَلَكة، رحمكم الله".

стр. 2068

٤٠- أعرابي يستجدي: وقال الأصمعي: وقف أعرابي علينا فقال: "يا قوم: تتابعت علينا سِنُون بتغير وانتقاص، فما تركت لنا هُبْعًا ولا رُبَعًا١، ولا عافطة، ولا نافِطَة٢، ولا ثاغِيَة ولا راغِبَة، فأماتت الزرع، وقتلت الضَّرع، وعندكم من مال الله فضلُ نعمة، فأعينوني من عطيَّة ما آتاكم الله، وارحموا أبا أيتام، وَنِضْوَ زمان، فلقد خَلّفتُ أقواما يمرَضون ولا يكفّنون ميتهم، ولا ينتقلون من منزل، وإن كَرِهوه، ولقد مشيت حتى انتعلت الدِّماء، وجُعْت حتى أكلتُ الثَّرَى".

стр. 2069

أعرابي يستجدي٥ ... ٤١- أعرابية تستجدي: وقال الأصمعي: وقفت أعرابية فقالت: "يا قوم سَنَة جَرَدت، وأيدٍ جَمُدت، وحال جَهَدت١، فهل من فاعلٍ لخير، وآمرٍ بَمَيْر؟ رحم الله من رَحِم، فأقْرَضَ مَنْ لا يظلم". "العقد الفريد ٢: ٨٠ - ٨٤".

стр. 2070

٤٢- أعرابي يستجدي: ووقف أعرابي بقوم فقال: "أشكوا إليكم أيها المَلَأ زمانًا، كَلَح في وجهه، وأَنَاخ عليّ بِكَلْكَلِه، بعد نعمة من المال، وثروة من المآل، وغِبْطَةٍ من الحال، اعتورتني جَدَائِده١، بِنَبْل مصائبه، عن قِسِيِّ نوائبه، فما تركَا لي ثاغية٢ اجْتَدِي ضَرعها، ولا رَاغِيَةً أَرْتِجي نفعها، فهل فيكم من مُعِين على صَرْفه، أو مُعْدٍ٣ على حَتْفه؟ "، فرد القوم عليه، ولم يُنِيلوه شيئًا، فأنشأ يقول: قد ضاع من يأكل من أَمْثَالِكُم ... جودا، وليس الجود من فِعَالِكُم لا بارك الله لكم في مالكم ... ولا أزاح السوء عن عيالكم فالفقر خير من صلاح حالكم

стр. 2071

٤٣- أعرابي يستجدي: وسَمِعَ عديّ بن حاتم رجلًا من الأعراب وهو يقول: "يا قوم تَصَدَّقُوا على شيخ مُعِيل، وعابر سبيل، شَهِد له ظاهره، وسَمِعَ شكواه

стр. 2072

خالقه، بَدَنُه مطلوب، وثوبه مسلوب"، فقال له: من أنت؟ قال: رجل من بني سعد في دِيَةٍ لَزِمتني، قال: فكم هي؟ قال: مائة بعير، قال: دُونَكها في بطن الوادي. "العقد الفريد ٢: ٨٢ - ٨٣".

стр. 2073

٤٤- أعرابي يستجدي: ووقف أعرابي على قوم فقال: "إنا -رحمكم الله- أبناء سبيل، وأنضَاء طريق وقاسِية١، رحم الله امرأ أعطى من سَعَة، وَوَاسَى من كَفَاف". فأعطاه رجل درهمًا فقال: "آجَرَك الله من غير أن يَبْتَلِيَك".

стр. 2074

٤٥- أعرابي يستجدي: ووقف أعرابي بقوم فقال: "يا قوم: تتابعت علينا سِنُون جَمَاد١ شِدَاد، لم يكن للسماء فيها رَجْع٢، ولا للأرض فيها صَدْع٣، فَنَضَب العِدُّ٤، ونَشِف الوَشَلُ، وأَمْحَل الخِصْبُ، وكَلَح الجَدْب، وشَفَّ٥ المال، وكَسَف البال، وشَظِف المعاش، وذهب الرِّياش، وطرحتني الأيام إليكم غريبَ الدار، نَائي المحلّ، ليس لي مال أرجِع إليه، ولا عشيرة أَلْحَق بها، فَرَحِم الله امرأ رَحِم اغترابي، وجعل المعروف جوابي". "العقد الفريد ٢: ٨٠".

стр. 2075

٤٦- أعرابية تستجدي: وخرج المهدي يطوف بعد هَدْأَة١ من الليل، فَسَمِع أعرابية من جانب المسجد، وهي تقول: "قوم متظلِّمون، نَبَتْ٢ عنهم العيون، وفَدَحتهم الديون، وعَظَّتْهُم السِّنُون، بادت رجالهم، وذهبت أموالهم، وكثر عيالهم، أبناء سبيل، وأنضاء طريق، وصية الله ووصية الله ورسوله ﷺ فهل من امرئ يجبر؟ كَلَأَه الله في سَفَره، وخَلَفه في أهله". فأمر نُصَيرا الخادم، فدفع إليها خمسمائة درهم. "العقد الفريد ٢: ٨٠، وزهر الآداب ٣: ٢٤٤"

стр. 2076

٤٧- أعرابي يستجدي: ووقف أعرابي في شهر رمضان على قوم فقال: "يا قوم: لقد خَتَمَتْ هذه الفريضة على أفواهنا من صُبْحِ أمس، ومعي بنتان لي، والله ما عَلِمْتُهُما تحلَّلتا بحلال، فهو رجل كريم يرحم اليوم مقامنا، ويردّ حُشَاشَتَنَا١؟ مَنَعَه الله أن يقوم مقامه، فإنه مقام ذُلّ وعاروصغار". فافترق القوم ولم يعطوه شيئا، فالتفت إليهم حتى تأمَّلهم جميعًا ثم قال: "أَشَدُّ والله عَلَيَّ مِنْ سُوءِ حالي وفاقتي، وتوهُّمي فيكم المواساة، انْتَعِلُوا الطريق، لا صَحِبَكُم الله". "العقد الفريد ٢: ٨٢".

стр. 2077

٤٨- أعرابي يستجدي وقام أعرابي ليسأل فقال: "أين الوجوه الصِّباح١، والعقول الصِّحاح، والأَلْسُنُ الِفصَاح، والأنساب الصِّراح٢، والمكارم الرِّياح، والصدور الفِسَاح؟ تُعيذني من مقامي هذا". "البيان والتبيين ٣: ٢٣٢"

стр. 2078

٤٩- أعرابي يستجدي: ودعا أعرابي في طريق مكة فقال: "هل من عائدٍ بفَضْل، أو مُوَاسٍ من كفاف؟ ١"، فأُمْسِك عنه فقال: "اللهم لا تَكِلْنا إلى أنفسنا فنعجِزَ، ولا إلى الناس فَنَضيع". "البيان والتبيين ٣: ٢٣٤".

стр. 2079

٥٠- أعرابي يستجدي: وقف أعرابي فسأل قومًا فقالوا له: عليك بالصَّيَارِفة، قال: هُناك والله قَرَارَةُ اللؤم! "البيان والتبيين ٢: ٤٨".

стр. 2080

٥١- أعرابي يستجدي وسأل أعرابي ناسًا فقال: "جعل الله حظَّكم في الخير، ولا جعل حظَّ السائل منكم عِذْرة١ صادقة". "البيان والتبيين ٢١٥:١".

стр. 2081

٥٢- أعرابي يستجدي: وسأل أعرابي، فقال له صبي من جوف الدار: "بُورِك فيك، فقال: قَبَّح الله هذا الفَمَ، لقد تعلَّم الشرَّ صغيرًا". "البيان التبيين ٣: ١٣٦".

стр. 2082

٥٣- أعرابي يستجدي ووقف أعرابي على قوم فمنعوه، فقال: "اللهم اشْغَلْنا بذكرك، وأَعِذْنا من سُخْطِك، وأَوْلِجَنا إلى عفوك، فقد ضَنَّ خَلقُك برزقك، فلا تَشْغَلْنا بما عندهم عن طلب ما عندك، وآتِنَا من الدنيا القُنْعان١، وإن كان كثيرها يُسْخِطك، فلا خير فيما يُسْخِطك". "البيان والتبيين ٣: ٢٢٤"

стр. 2083

٥٤- أعرابي يستجدي: وقال أبو الحسن: وقف علينا أعرابي فقال: "أخ في كتاب الله، وجار في بلاد الله، وطالب خير من رزق الله، فهل فيكم من مُوَاسٍ في الله". وسأل أعرابي رجلا، فاعتلّ عليه فقال: "إن كنت كاذبًا، فجعلك الله صادقا". "العقد الفريد ٢: ٨٤".

стр. 2084

٥٥- أعرابي يسأل رجلا حاجة له: أتى أعرابي رجلا "لم تكن بينه وبينه حُرْمة" في حاجة له، فقال: "إني امْتَطَيتُ إليك الرجاء، وسِرْت على الأمل، ووفَدْت بالشكر، وتوسَّلتْ يحسن الظن، فحقِّق الأمل، وأَحْسِنْ المثُوبة، وأكرِم القَصْد، وأَتِمّ الودّ، وعَجِّل المُراد". "العقد الفريد ٢: ٨٢، وزهر الآداب ٣: ١٦٥".

стр. 2085

قولهم في بكاء الموتى: ٥٦- أعرابية تبكي ابنها: وحَجَّت أعرابية ومعها ابن لها فأُصيبت به، فلمَّا دُفن قامت على قَبْرِه وهي وَجِعَة فقالت: "والله يا بُنَيّ لقد غَذَوْتك رَضِيعًا، وفَقَدْتُك سَرِيعا، وكأنه لم يكن بين الحالين مُدَّة أَلْتَذُّ بعيشك فيها، فأصبحت بعد النَّضَارة والغَضَارَة١، ورَوْنَق الحياة، والتَّنَسُّم في طيب روائحها، تحت أطباق الثرى جسدًا هامدًا، ورُفاتًا سَحِيقًا، وصعيدًا جُرُزًا٢. أي بني لقد سَحَبَتِ الدنيا عليك أذيال الفَنَا، وأسكنتك دار البَلَى، ورَمَتْنِي بعد نَكْبَة الرَّدَى، أي بني لقد أسفر لي عن وجه الدنيا صباح داجٍ ظلامه٣، ثم قالت: أي ربِّ، ومنك العدل، ومن خلقك الجوْر، وهَبْتَه لي قُرَّةً عين، فلم تُمَتِّعني به كثيرًا، بل سَلَبْتَنِيه وَشِيكًا٤، ثم أمرتني بالصبر، ووعدتني عليه الأجر، فَصَدَّقَت وعدك، ورضيتُ قضاءك، فَرِحَم الله من ترَحَّم على من اسْتَوْدَعْتَهُ الرَّدْمَ٥، ووسَّدْتُه الثَّرَى، اللهم ارحم غُرْبته، وآنِس وحْشَتَه، واسْتُر عَوْرَتَه، يوم تَنْكَشِف الهَنَات٦ والسَّوْءَات.

стр. 2086

فلما أرادت الرجوع إلى أهلها وقفت على قبره فقالت: أي بني: إني قد تزوَّدت لسفري، فليت شِعْرِي، ما زادُك لِبُعد طريقك، ويوم مَعادِك! اللهم إني أسألك له الرِّضا برضاي عنه، ثم قالت: استودعتك من استودعنيك في أحشائي جنينا، وَاثُكْلَ الوالدات! ما أَمَضَّ١ حرارةَ قلوبهن، وأقْلَقَ مضاجعَهُن، وأطول ليلَهُنَّ، وأقصر نَهَارَهُنَّ، وأقل أُنْسَهُنَّ، وأشد وَحْشَتَهُنَّ، وأبعدهنَّ من السرور، وأَقْرَبَهُنَّ من الأحزان". فلم تزل تقول هذا ونحوه، حتى أبكت كل من سَمِعَها، وحَمِدت الله ، واسترْجَعَت وصلَّت ركعات عند قبره وانطلقت. "زهر الآداب ٢: ٧".

стр. 2087

٥٧- حديث امرأة سكنت البادية قريبًا من قبور أهلها: وروى أبو علي القالي: عن عبد الرحمن عن عمه قال: "دفعت يومًا في تلمسي بالبادية على وادٍ خَلَاء لا أَنِيسَ به إلا بَيتٌ مُعْتَنِزٌ١، بِفَنَائِهِ أَعْنُزٌ، وقد ظَمِئْتُ فَيَمَّمْته، فسلَّمت فإذا عجوز قد برزت، كأنها نعامة راخم٢، فقلت: هل من ماء؟ فقالت: أو لبن، فقلت: ما كانت بُغْيَتِي إلا الماء، فإذا يَسَّرَ الله اللبن فإني إليه فقير، فقامت إلى قُعْب٣ فأفرغت فيه ماء، ونظَّفَت عَسْلَه، ثم جاءت إلى الأعنُز، فتغبَّرَتْهُن٤ حتى احتلبت قُرَابَ٥ مِلْء القَعْب، ثم أفرغت عليه ماء حتى رغا وَطَفَتْ ثُمَالَته٦، كأنها غَمَامة بيضاء، ثم ناولتني إياه، فشربت حتى تحبَّبْت٧ ريًّا واطمأنَنْت، فقلت:

стр. 2088

إني أراك معتَنِزَة في هذا الوادي المُوحِش، والحِلَّة١ منك قريب، فلو انضممتِ إلى جنابهم فَأَنِسْتِ بهم! فقالت: "يابن أخي، إني لآنس بالوَحْشَة، وأستريح إلى الوَحْدَة، ويطمئن قلبي إلى هذا الوادي المُوْحِش، فأتذكر مَنْ عَهِدْت، فكأني أُخاطب أعيانهم، وأَتَرَاءَى أشباحهم٢ وتتخيَّل لي أندية رجالهم، وملاعب وِلْدَانِهِم، ومُنَدَّى٣ أموالهم، والله يابن أخي لقد رأيت هذا الوادي بَشِع الَّلدِيدَين٤ بأهل أدْواح وقِباب، ونَعَمٍ كالهضاب، وخيل كالذِّئاب، وفتيان كالرِّماح، يبارُون الرياح، ويَحْمُون الصِّبَاح٥ فأحال عليهم الجَلَاء فما بِغَرْفَةٍ٦ فأصبحت الآثار دارسة، والمَحَال طَامسة، وكذلك سيرة الدهر فيمن وَثِقَ به". ثم قالت: ارْمِ بعينك في هذا الملا المتباطِن٧، فَنَظَرْتُ فإذا قبور نحو أربعين أو خمسين، فقالت: ألا ترى تلك الأَجْدَاث؟ قلت نعم، قالت: ما انطوت إلا عَلَى أخٍ أو ابن أخٍ، أو عمّ أو ابن عمّ، فأصبحوا قد أَلْمَأَتْ٨ عليهم الأرض، وأنا أترقب ما غالهم، انصرف راشدًا رحمك الله. "الأمالي ٢: ٧".

стр. 2089

٥٨- حديث امرأة مات ابنها بين يديها: عن عبد الرحمن عن عمه قال: دخلت على امرأة من العرب بِأَعْلَى الأرض في خِبَاء لها، وبين يديها بُنَيٌّ لها، قد نزل به الموت، فقامت إليه فأَغْمَضَتْه وعَصَّبَتْه وسَجَّتْه١، ثم قالت:

стр. 2090

"يا بن أخي، قلت: ما تشائين؟ قالت: ما أحق من أُلْبِس النِّعمة وأطِيلَت له النَّظِرَةُ١، أن لا يَدَعَ التوثُّق من نفسه، قبل حلّ عُقدته٢، والحلول بِعَقْوَتِه٣، والمَحَالَةِ بينه وبين نفسه"، قال: وما يَقْطُر من عينها قطرةٌ صبرًا واحتسابًا، ثم نظرت إليه فقالت: والله ما كان مالك لِبَطْنِك، ولا أمرك لِعِرْسِك٤، ثم أنشدت تقول: رَحِيبُ الذراعِ بالتي لا تَشِينُهُ ... وإن كانت الفَحْشَاء ضَاقَ بِهَا ذَرْعًا٥ "الأمالي ٢: ٢٨٢، والبيان والتبيين ٣: ٢٣١".

стр. 2091

قولهم في الشكوى: ٥٩- أعرابي يشكو حاله: عن عبد الرحمن عن عمه قال: "قَدِم علينا البصرة رجل من أهل البادية شيخ كبير، فقصدته فوجدته يَخْضِب لِحْيَتَه، فقال: ما حاجتك؟ فقلت: بلغني ما خَصَّك الله به، فجئتك أقتبس من علمك، فقال: أتيتني وأنا أخضِب، وإن الخِضاب لمن علامات الكِبَر، وطال والله ما غَدَوْتُ على صيد الوحوش، ومشيتُ أمام الجيوش، واخْتَلْت بالرِّدا، وهُؤتُ١ بالنساء، وقَرَيْت الضيف، وأرويتُ السيف، وشربت الرَّاح، ونادمت الجَحْجَاح٢، فاليوم قد حَنَانِي الكبر، وضَعُف مني البصر، وجاء بعد الصفو الكدر، ثم قبض على لحيته، وأنشأ يقول: شيب تُغَيِّبُه كيما تَغُرَّ به ... كبيعك الثوب مَطْوِيًّا على حرق قد كنت كالغصن ترتاح الرِّياح له ... فصرت عودا بلا ماء ولا ورق صبرا على الدهر، إن الدهر ذو غيرٍ ... وأهله منه بين الصفو والرَّنَقِ٣ "الأمالي ٢: ٩٤".

стр. 2092

٦٠- كلمات شتى في الشكوى: قيل لأعرابية أصيبت بابنها: ما أحسن عزاءك! قالت: "إن فقدي إياه أمَّنَنِي كلّ فَقْدٍ سواه، وإن مصيبتي به هَوَّنت عَلَيَّ المصائِبَ بعده"، ثم أنشأت تقول: من شاء بعدك فَلْيَمُتْ ... فعليك كنتُ أحاذرُ ليت المنازل والدِّيا ... ر حَفَائِر ومقابر وقيل لأعرابي: كيف حزنك على ولدك؟ قال: "ما ترك هَمُّ الغداء والعشاء لي حُزْنًا". وقيل لأعرابي: ما أَنْحَل جِسْمَك؟ قال: "سوء الغذاء، وجُدُوبة المَرْعَى، واختلاف الهموم في صدري"، ثم أنشأ يقول: الهم ما لم تَمْضِهِ لسبيله ... داءٌ تضمَّنه الضلوعُ عظيم ولربما استيأستُ ثم أقول: لا ... إن الذي ضَمِنَ النجاح كريم وقيل لأعرابي قد أخذ به السِّنُّ: كيف أصبحت؟ قال: "أصبحت تقيِّدني الشَّعْرَة، وأَعْثُر في البَعْرة، قد أقام الدهر صَعَري، بعد أن أقمت صَعَره".

стр. 2093

وقال أعرابي: "لقد كنت أُنكر البيضاء، فَصِرْتُ أُنكر السوداء، فيا خير مبدول، ويا شَرَّ بدل! ". وذكر أعرابي منزلا بَادَ أهله فقال: "منزل والله رحلت عنه ربَّات الخُدُود، وأقامت فيه رَوَاحِل١ُ القُدُر، وقد اكتَسَى بالنَّبات كأنما أُلْبِسَ الحُلَلَ، وكان أهله يَعْفُون٢ فيه آثارَ الرياح، وأصبحت الريح تَعْفُو آثارهم، فالعهد القريب، والملتقَى بعيد". وذكر أعرابي قوما تغيَّرت أحوالهم فقال: "أَعْيُنٌ والله كُحِلَت بالعَبْرَة بعد الحَبْرَة٣، وأَنْفُسٌ لَبِسَتِ الحزن بعد السرور". وذكر أعرابي قوما تغيرت حالهم فقال: "كانوا والله في عيش رقيق الحواشي، فطواه الدهر بعد سَعة، حتى لَبِسُوا أيديهم القُرِّ٤، ولم أَرَ صاحبًا أغَرَّ من الدنيا، ولا ظالما أَغْشَمَ٥ من الموت، ومن عَصَفَ عليه الليل والنهار أرْدَياه٦، ومن وُكِّلَ به الموت أفناه". ووقف أعرابي على دار قد باد أهلها فقال: "دارٌ والله مُعْتَصِرَةٌ للدموع، حَطَّت بها السحاب أثقالَها، وجَرَّت بها الرِّياح أذيالها".

стр. 2094

وذكر أعرابي رجلًا تغيَّرت حاله فقال: "طويت صحيفتُه، وذهب رزقه، فالبلاء مُسْرِع إليه، والعيش عنه قابض كَفَّيه". وذكر أعرابي رجلا ضاق عيشه بعد سَعَة فقال: "كان والله في ظلّ عيش ممدود، فَقُدِحَت عليه من الدهر زَنْدٌ غير كابِيَة١". "العقد الفريد ٢: ٧٩ – ٨٠". وذكر أعرابي مصيبة نالته، فقال: "مصيبة والله تركت سود الرءوس بيضًا، وبيضُ الوجوه سودًا، وهَوَّنت المصائبَ بعدها". "العقد الفريد ٢: ٧٩، وزهر الآداب ٢: ٥". وذكر أعرابي قَطِيعة بعض إخوانه فقال: "صَفِرتْ عِيابُ٢ الود بيني وبينه بعد امتلائها، وأَقْفَرَتْ وجوه كانت بمائها، فأدبر ما كان مُقْبلا، وأقبل ما كان مُدِبرا". "العقد الفريد ٢: ٧٩، وزهر الآداب ٢: ٤". وقيل لأعرابي: ما أذهب شبابك؟ قال: "من طال أَمَدُه، وكثر وَلَدُه، وَدَفّ عَدَدُه، وذهب جَلَدُه ذهب شبابه". "العقد الفريد ٢: ٧٩، والبيان والتبيين ٢: ٥٧". وسئل أعرابي عن سفر أَكْدَى٣ فيه، فقال: "ما غَنِمْنَا إلا ما قَصَرنا في صلاتنا، فأما ما أكلته الهواجِر٤، ولقِيته منا الأباعز، فأَمْرٌ استخففناه لما أمَّلْناه".

стр. 2095

وقالت امرأة من الأعراب: "أصبحنا ما يرقد لنا فرس، وما ينام لنا حرس". "البيان والتبيين ٢: ٨٢" وقال أعرابي "مضى لنا سلفٌ أهل تَوَاصُل، اعتقدوا١ مِنَنًا، واتخذوا الأيادي ذخيرةً لمن بعدهم، يَرَون اصطناع المعروف عليهم فرضًا لازمًا، وإظهار البرّ واجبا، ثم جاء الزمان ببنينَ، واتخذوا منهم بضاعة، وبِرَّهم مُرَابَحة٢، وأياديَهم تجارة، واصطناع المعروف مُقَارَضَةً، كنقدٍ، خُذْ مِنِّي وهات". وقيل لأعرابي في مرضه: ما تشتكي؟ قال: "تمام العِدَّة، وانقضاء المدة". ونظر أعربي إلى رجل يشكو ما هو فيه من الضيق والضرّ فقال: "يا هذا أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ ". "العقد الفريد ٢: ٨٥". ووصف أعرابي الدنيا فقال: "هي رَنْقة٣ المشارب، جَمَّة المصائب، لا تُمَتِّعك الدهر بصاحب". وقال أعرابي: "حسبك من فساد الدنيا أنك ترى أَسْمِنَةً٤ تُوضَع، وأخفافًا ترفَع، والخير يُطْلَب عند غير أهله، والفقير قد حلّ غير محلّه". "العقد الفريد ٢: ٨٦".

стр. 2096

وقيل لأعرابي: كيف ابنك -وكان به عاقّا- قال: "عذاب لا يقاومه الصبر، وفائدة لا يجب فيها الشكر، فليتني قد استودعته القبر". "العقد الفريد ٢: ٩٧". عن الأصمعي قال: قيل لأعرابي قَدِم الحَضْرة١، ما أقدمك؟ قال: "الحَيْن٢، الذي يُغَطِّي العَيْن". "الأمالي ١: ٢٠٢". وأصيب أعرابي بابن له، فقال وقد قيل له اصْبِر: "أعلى الله أتجلَّد، أم في مصيبتي أتبلَّد؟ والله لَلْجَزع من أمره أحبُّ إليّ الآن من الصبر، لأن الجزع استكانة، والصبر قساوة، ولئن لم أّجْزَع من النقص لم أَفْرَح بالمزيد". "زهر الآداب ٣: ١٦٤". وقيل لأعرابي: لِمَ لا تضرب في الأرض؟ فقال: "يمنعني من ذلك، طفل بارك ولِصّ سانِك، ثم إني لست بعد ذلك واثقًا بِنُجْح طَلِبتي، ولا معتقدا قضاء حاجتي، ولا راجيا عطف قرابتي؛ لأني أُقْدَم على قوم أطغاهم الشيطان، واستمالهم السلطان، وساعدهم الزمان، وأسكرهم حَدَاثَة الأسنان". "زهر الآداب ٣: ٢٤٤". وقال بعض الأعراب: "نالنا وَسْمِيٌّ٣، وخَلَفَه وليُّ، فالأرض كأنها وَشْي٤ عَبْقَريُّ ثم أتتنا غيومُ جَرَادٍ، بمناجلِ حَوادّ٥، فخرَّبت البلاد، وأهلكت العباد، فسبحان من يُهْلِك القوي الأَكُول، بالضعيف المأكول". "زهر الآداب ٣: ٣٤٦".

стр. 2097

٦١- قولهم في العتاب والاعتذار: عاتب أعرابي أباه فقال: "يا أبت، إن عظيم حقك عليّ لا يُذْهِب صغير حقي عليك، والذي تَمُتُّ به١ إليّ، أَمُتُّ بمثله إليك، ولستُ أَزْعُم أَنَّا سَواءٌ، ولكني أقول: لا يَحِلّ لك الاعتداء". "البيان والتبيين ٣: ٢٣١، وزهر الآداب ٣: ١٠٠". وقال أعرابي لصديق استبطأه فَلَامَه: "كانت بي إليك زَلَّة يمنعني من ذكرها ما أمَّلْتُ من تجاوزك عنها، وليس أعتذر إليك منها إلا بالإقلاع عنها". وقال آخر لابن عم له: "والله ما أعرف تقصيرا فَأُقْلِع، ولا ذنبًا فأَعْتِب، ولست أقول إنك كذبت، ولا إنني أذنبت". "زهر الآداب ٣، ١٦٣". وقال آخر لابن عمّ له: "سأتخطَّى ذنبك إلى عذرك، وإن كنت من أحدهما على يقين، ومن الآخر على شكّ، ولكن لِيَتِمَّ المعروف منِّي إليك، وتقوم الحُجَّة لي عليك". "زهر الآداب ٣: ١٦٤، والعقد الفريد ٢: ٨٥". وعذلت أعرابية أباها في الجود وإتلاف ماله، فقالت: "حَبْسُ المال، أنفع للعيال، من بَذْلِ الوجه في السؤال، فقد قَلَّ النوال، وكثر البُخَّال، وقد أتْلَفْتَ الطارفَ والتِّلادَ، وبقيت تطلب ما في أيدي العباد، ومن لم يحفظ ما ينفعه، أوشكَ أن يسعى فيما يضرّه". "زهر الآداب ٣: ٣٤٦".

стр. 2098

٦٢- قولهم في المدح: دخل أعرابي على بعض الملوك فقال: "رَأْيْتُني فيما أتعاطى من مدحك، كالمُخْبِر عن ضوء النهار الباهر، والقمر الزاهر، الذي لا يخفى على الناظر، وأيقنت أني حيث انتهى بي القول، منسوب إلى العجز، مُقَصِّر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك، إلى الدعاء لك، وَوَكَلْتُ الإخبار عنك، إلى علم الناس بك". "الأمالي ٢: ٧٣". وأثنى أعرابي على رجل فقال: "إن خيرك لَسَريح١، وإن منعك لمُرِيح، وإن رِفْدَك لَرَبيح". "البيان والتبيين ٢: ١٠٥". عن عبد الرحمن عن عمه قال: سمعت أعرابيًّا من بني كلاب يذكر رجلا فقال: "كان والله الفَهْمُ منه ذا أُذُنَيْنِ، والجواب ذا لسانين، لم أَرَ أحدًا كان أَرْتَق لخلل رأى منه، ولا أبعد مسافة رويَّةٍ، ومُرَادَ٢ طَرْف، إنما يرمي بهمته حيث أشار إليه الكرمُ، وما زال والله يَتَحَسَّى مرارة أخلاق الإخوان، ويسقيهم عُذُوبَة أخلاقه". "الأمالي ٢: ١٦، والعقد الفريد ٢: ٨٩: وزهر الآداب ٢: ٣". وقال: سمعت أعرابيًّا ذكر رجلًا فقال: "كان والله للإخاء وصولًا، وللمال بَذُولا، وكان الوفاء بهما عليه كَفِيلا، ومَنْ فاضَلَه كان مفضولًا". "الأمالي ١: ١١٦، والعقد الفريد ٢: ٨٩".

стр. 2099

ووصف أعرابي رجلًا فقال: "ذاك والله مِمَّنْ يَنْفع سِلْمه، ويُتَوَاصف حِلْمُه، ولا يُسْتَمَرَأُ١ ظلمه، إن قال فعل، وإن وَلِي عدل". "البيان والتبيين ٢: ١٥٨، والعقد الفريد ٢: ٨٩، وزهر الآداب ٢: ٣". وذكر أعرابي قومًا فقال: "أدبَّتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تَغْرُرهم السلامة المنطوية على الهَلَكَة، وجانبوا التسويف الذي به قطع الناس مسافة آجالهم، فذلَََََّت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالإنجاز، فأحسنوا المقال، وشَفَعُوه بالفعال". "الأمالي ٢: ٢٣، والبيان والتبيين ٣: ٢٣١، والعقد الفريد ٢: ٨٨". عن عبد الرحمن عن عمه قال: وصفت أعرابية زوجَها بمكارم الأخلاق عند أمها، فقالت: "يا أُمَّهْ، من نَشَرَ ثوب الثناء، فقد أدَّى واجب الجزاء، وفي كِتْمَانِ الشكر جُحُود لما وجب من الحق، ودخولٌ في كفر النِّعم"، فقالت لها أمها: "أي بُنَيَّة: أَطَبْتِ الثناء، وقمتِ بالجزاء، ولم تَدَعِي للذم موضعًا، إني وجدت من عَقَلَ، لم يَعْجَل بذمّ ولا ثناء إلا بعد اختبار"، فقالت: "يا أمه، ما مدحت حتى اختبرت، ولا وصفت حتى عرفت". "الأمالي ١: ٢٢٥". ووصف بعض الأعراب أميرا فقال: "إذا أوعد أخَّر، وإذا وعد عجَّل، وعيده عفوٌ، ووعده إنجاز". "البيان والتبيين ٣: ٢١٧". ونعت أعرابي رجلا فقال: "كأن الألسن والقلوب رِيضَتْ له، فما تنعقِد إلا على ودِّه، ولا تنطق إلا بحمده". "البيان والتبيين ٣: ٢٣١، والعقد الفريد ٢: ٨٩، وزهر الآداب ٢: ٣".

стр. 2100

وذكر رجل عند أعرابي فوقع فيه قوم فقال: "أما والله إنه لآكَلُكُم للمأدُوم وأعطاكم للمَغْرُور١، وأكسبكم للمعدوم، وأعطفكم على المحروم". "الأمالي ٢: ١٦، البيان والتبيين ١: ١٦٣". وأعطى رجل أعرابيًّا فأكثر له، فقال له الأعرابي: "إن كنتَ جاوزتَ قَدَرِي عند نفسي، فقد بلغت أَمَلِي فيك". "الأمالي ٢: ٥٠". ومدح أعرابي رجلًا فقال: "كان والله يُعَنَّى٢ في طلب المكارم، غير ضالٍّ في معارج طرقها، ولا متشاغل عنها بغيرها". ودخل أعرابي على رجل من الولاة فقال: "أصلح الله الأمير: اجعلني زمامًا من أَزِمَّتِك يُجَرُّبها الأعداء، فإني مُسْعِر حربٍ٣، وركَّابُ نُجُبٍ، شديد على الأعداء ليِّن على الأصدقاء، منطوي الحصيلة٤، قليل الثَّمِيلَة، غرار النَّوم، قد غَذَّتني الحرب بأفاويقها٥، وحَلَبْتُ الدهر أَشْطُرَه، ولا تمنعك مني الدَّمَامة٦، فإن من تحتها شهامة". "العقد الفريد ٢: ٨٩، وزهر الآداب ٣: ١٨٠".

стр. 2101

ومدح أعرابي رجلا فقال: "ذاك والله فسيح الأدب، مستحكم السبب من أي أقطاره أتيتَه، تثني عليه بكرم فعال، وحسن مقال". "زهر الآداب ٢: ٦، والعقد الفريد ٢: ٨٩". ومدح أعرابي رجلًا فقال "كان والله يغسل من العار وجوها مُسْوَدَّة، ويفتح من الرأي عيونا مُنْسَدَّة". "العقد الفريد ٢: ٨٩، وزهر الآداب ٣: ١٦٥". وذكر أعرابي قومًا عبَّادًا فقال: "تركوا والله النعيم ليَتَنَعَّمُوا، لهم عَبَرَاتٌ متدافقة، وزَفَرَاتٌ متتابعة، لاتراهم إلا في وجهٍ وجيهٍ عند الله". وذكر أعرابي قوما فقال: "ما رأيت أسرع إلى داعٍ بِلَيْل، على فرس حَسِيب، وجمل نَجِيب١، ثم لا ينتظر الأول السابق، والآخر اللاحق". وذكر أعرابي قومًا فقال: "جعلوا أموالهم مناديل أعراضهم، فالخير بهم زائد، والمعروف لهم شاهد، يُعْطُونها بِطِيبة أنفسهم إذا طُلبت إليهم، ويباشرون المعروف بإشراق الوجوه إذا بُغِيَ لديهم". وذكر أعرابي قومًا فقال: "والله ما أنالوا شيئًا بأطراف أناملهم إلا وطِئْناه بأخماص٢ أقدامنا، وإنَّ أقصى هِمَهِم لأَدْنَى فِعالنا".

стр. 2102

وذكر أعرابي أميرًا فقال: "إذا ولي لم يُطَابِق بين جُفُونه١، وأرسل العُيُون على عيونه، فهو غائب عنهم، شاهد معهم، فالمحسن راجٍ، والمُسِيء خائف". وذكر أعرابي رجلًا ببراعة المنطق فقال: "كان والله بارع المنطق، جَزْلَ الألفاظ عربيَّ اللسان، فصيح البيان، رقيق حواشي الكلام، بَلِيلَ الرِّيق، قليل الحركات، ساكن الإشارات". وذكر أعرابي رجلًا فقال: "رأيت له حِلْمًا وأَنَاة، يُحَدِّثُك الحديث على مَقاطعه، ويُنْشِد الشعر على مَدَارِجِه٢، فلا تسمع له لحَنًا ولا إحالة٣. وذكر أعرابي قومًا فقال: "آلت سيوفهم ألَّا تقضي دينا عليهم، ولا تضيِّع حقًّا لهم، فما أُخِذَ منهم مردُودٌ إليهم، وما أَخَذُوا متروك لهم". وذكر أعرابي قومًا فقال: "ما رأيت عينًا قطٌّ أخرق لِظُلْمَة الليل من عينه، ولَحْظَةً أشبه بلهيب النار من لحظته، له هزَّة كهزَّة السيف إذا طَرِب، وجُرْأَةٌ كجرأة الليث إذا غضب". ومدح أعرابي رجلًا فقال: "كانت ظلمة ليله كضوء نهاره، آمرا بارتياد، وناهيا عن فساد، لَحبِيب السوء غير منقاد".

стр. 2103

وذكر أعرابي رجلًا فقال: "اشترى والله عِرْضَه من الأذى، فلو كانت الدنيا له فأنفقها، لَرَأَى بعدها عليه حُقُوقًا، وكان مِنْهَاجًا للأمور المُشْكِلة إذا تناجز الناس باللَّائمة". وذكر أعرابي رجلًا فقال: "يُفَوِّق١ الكلمة على المعنى، فتمرقُ مُرُوق السَّهم من الرَّمِيَّة، فما أصاب قَتَل، وما أخطأ أَشْوَى٢، ما غَطْغَطَ٣ له سهمٌ منذ تحرك لسانُهُ في فيهِ". وذكر أعرابي أخاه فقال: "كان والله رَكُوبا للأهوال، غير أَلُوف للحِجَال٤ إذا أُرْعِدَ٥ لقوم من غير قُرّ، يهين نفسًا كريمة على قومها، غير مبقية لغد ما في يومها". ومدح أعرابي رجلًا فقال: "كان والله من شجر لا يُخْلِفُ ثَمَره، ومن بَحْر لا يُخَاف كَدَره". وذكر أعرابي رجلًا فقال: "ذاك والله فَتًى رماه الله بالخير نَاشِئًا، فأحسن لُبْسَه، وزَيَّنَ به نفسَه".

стр. 2104

ومدح أعرابي رجلًا فقال: "يُصِمُّ أُذُنَيْه عن استماع الخَنَا، ويُخْرِس لسانه عن التكلم به، فهو الماء الشَّريب١، والمِصْقَع الخطيب". وذكر أعرابي رجلًا فقال: "ذاك رجل سبق إليَّ معروفه قبل طَلَبي إليه، فالعِرْضُ وافر، والوجه بمائه، وما أستقلّ٢ بنعمة إلا أقْفَلَني بأخرى". وذكر أعرابي رجلًا فقال: "ذاك رضيع الجود والمفطُوم به، عَقِيم عن الفحشاء، مُعْتَصِم بالتقوى، إذا حَذَفت٣ الألسن عن الرأى، حذف بالصواب، كما يَحْذِف الأرنب، فإن طالت الغاية، ولم يكن من دونها نهاية، تَمَهَّل أمام القوم سابقًا". وذكر أعرابي رجلًا فقال: "إن جليسه لِطِيب عِشْرته أطربُ من الإبل على الحِدَاء، والثَّمِل على الغناء". وذكر أعرابي رجلًا فقال: "كان له عِلْم لا يخالطه جهل، وصدق لا يشوبه كذب، كأنه الوَبْل عند المَحْل٤". وذكر أعرابي رجلًا فقال: "ما رأيتُ أَعْشَقَ للمعروف منه، وما رأيت المنكَر أبغضَ لأخدٍ بُغْضَه له".

стр. 2105

وقدم أعرابي البادية وقد نال من بني برمك، فقيل له كيف رأيتهم؟ قال: "رأيتهم وقد أنِسَت بهم النِّعمة، كأنها من ثيابهم". وذكر أعرابي رجلًا فقال: "ما زال يَبْني المجد، ويَشْتري الْحَمد، حتى بلغ منهُ الجَهْد". ودخل أعرابي على بعض الملوك فقال: "إن جهلًا أن يقول المادح بخلاف ما يعرف من الممدوح، وإني والله ما رأيت أعشق للمكارم في زمان اللؤم منك، وأنشد: مالي أرى أبوابهم مَهْجورَةً؟ ... وكأنَّ بابَك مَجْمَع الأسواق حابَوْك أم هابوك أم شامُوا النَّدَى ... بيديك فاجتمعوا من الآفاق إني رأيتك للمكارم عاشقًا ... والمكْرُمَات قليلة العُشَّاقِ "العقد الفريد ٢: ٨٨-٩٠". وضلَّ أعرابي الطريق ليلًا، فلما طلع القمر اهتدى، فرفع رأسه إليه فقال: ما أدري ما أقول؟ أأقول: رفعك الله؟ فقد رفعك، أم أقول: نوَّرك الله؟ فقد نوَّرك، أم أقول: حسَّنك الله؟ فقد حسَّنك، أم أقول: عمَّرك الله؟ فقد عمَّرك، ولكني أقول: جعلني الله فِدَاك. "العقد الفريد ٢: ٩٧". وذكر أعرابي قومه فقال: "كانوا والله إذا اصْطَّفُوا تحت القِتَام١، خطرت بينهم السِّهام بوفُود الحمام، وإذا تصَافَحُوا بالسيوف فغَرَت٢ المنايا أفواهها، فَرُبَّ
следующие страницы →