← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قال لا والله ما أفعل، إنك قد كبرت وذهل عقلك. قال دريد: هذا يوم لم أشهده، ولم يفتني، ثم أنشأ يقول: يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع١ أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع٢ "سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٩، العقد الفريد ١: ٤١".

стр. 247

٢٦- وصية عمير بن حبيب الصحابي لبنيه: أوصى عمير بن حبيب بنيه فقال: "يا بني إياكم ومخالطة السفهاء؛ فإن مجالستهم داء، وإن من يحلم عن السفيه يسر يحلمه، ومن يجبه يندم، ومن لا يقر بقليل ما يأتي به السفيه، يقر بالكثير. وإذا أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف، أو ينهى عن المنكر؛ فليوطن قبل ذلك على الأذى، وليوقن بالثواب من الله ، إنه من يوقن بالثواب من الله لا يجد مس الأذى". "الأمالي ٢: ٦٠".

стр. 248

٢٧- وصية قيس بن عاصم المنقري لبنيه: أوصى قيس بن عاصم المنقري بنيه فقال: "يا بني، خذوا عني، فلا أحد أصلح لكم مني، إذا دفنتموني فانصرفوا إلى رحالكم، فسودوا أكبركم؛ فإن القوم إذا سودوا أكبرهم خلفوا أباهم، وإذا سودوا

стр. 249

أصغرهم؛ أزرى ذلك بهم في أكفائهم، وإياكم ومعصية الله، وقطيعة الرحم، وتمسكوا بطاعة أمرائكم؛ فإنهم من رفعوا ارتفع، ومن وضعوا اتضع، وعليكم بهذا المال فأصلحوه فإنه منبهة للكريم، وجنة لعرض اللئيم، وإياكم والمسألة؛ فإنها آخر١ كسب الرجل، وإن أحدًا لم يسأل إلا ترك الكسب، وإياكم والنياحة؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنها، وادفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها وأصوم، ولا يعلم بكر بن وائل بمدفني؛ فقد كانت بيني وبينهم مشاحنات في الجاهلية والإسلام، وأخاف أن يدخلوا عليكم بي عارًا، وخذوا عني ثلاث خصال: إياكم وكل عرق لئيم أن تلابسوه؛ فإنه إن يسرركم اليوم، يسؤكم غدًا، واكظموا الغيظ، واحذروا بني أعداء آبائكم، فإنهم على منهاج آبائهم، ثم قال: أحيا الضغائن آباء لنا سلفوا ... فلن تبيد وللآباء أبناء "شرح ابن أبي الحديد م ٤: ص١٥٥، وتهذيب الكامل ١: ١١".

стр. 250

خطب يوم السقيفة مدخل ... خطب يوم السقيفة: لما قبض النبي ﷺ اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة فقالوا: نولي هذا الأمر بعد محمد ﵊ سعد بن عبادة، وأخرجوا سعدًا إليهم وهو مريض؛ فلما اجتمعوا قال لابنه أو بعض بني عمه، إني لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلهم كلامي؛ ولكن تلق مني قولي فاسمعهموه؛ فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله: فيرفع صوته، فيسمع أصحابه:

стр. 251

٢٨- خطبة سعد بن عبادة: فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: "يا معشر الأنصار، لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام، ليست لقبيلة من العرب، إن محمدًا ﵊ لبث عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأنداد والأوثان؛ فما آمن به من قومه إلا رجل قليل، وما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله ﷺ ، ولا أن يعزوا دينه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيمًا عموا به، حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة؛ فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه؛ فكنتم أشد الناس على عدوه من غيركم، حتى استقامت العرب لأمر الله طوعًا وكرهًا، وأعطى البعيد المقادة صاغرًا داخرًا١، حتى أثخن٢

стр. 252

الله لرسوله بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفاه الله وهو عنكم راض، وبكم قرير عين، استبدوا بهذا الأمر دون الناس؛ فإنه لكم دون الناس". فأجابوه بأجمعهم أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت نوليك هذا الأمر، وأتى عمر الخبر، فأقبل إلى أبي بكر فقال: "أما علمت أن الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، يريدون أن يولوا هذا الأمر سعد بن عبادة؟ وأحسنهم مقالة من يقول: منا أمير ومن قريش أمير" فمضيا مسرعين نحوهم؛ فلقيا أبا عبيدة بن الجراح فتماشوا إليهم ثلاثتم، فجاءوا وهم مجتمعون. فقال عمر: أتيناهم وقد كنت زويت١ كلامًا أردت أن أقوم به فيهم؛ فلما أن دفعت إليهم ذهبت لأبتدئ المنطق. فقال لي أبو بكر: رويدًا حتى أتكلم، ثم انطق بعد بما أحببت فنطق. فقال عمر: فما شيء كنت أردت أن أقوله إلا وقد أتى به أو زاد عليه".

стр. 253

٢٩- خطبة أبي بكر ﵁: حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن الله بعث محمدًا رسولًا إلى خلقه، وشهيدًا على أمته، ليعبدوا الله ويوحدوه، وهم يعبدون من دونه آلهة شتى، ويزعمون أنها لهم عنده شافعة، ولهم نافعة؛ وإنما هي من حجر منحوت، وخشب منجور٣، ثم قرأ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِِِ﴾ [يونس: ١٨] ، وقال ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم. فخص الله المهاجرين الأولين من

стр. 254

قومه بتصديقه، والإيمان به، والمؤاساة له، والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم، وتكذيبه إياهم، وكل الناس مخالف زار١ عليهم؛ فلم يستوحشوا لقلة عددهم، وشنف٢ الناس لهم، وإجماع قومهم عليهم؛ فهم أول من عبد الله في الأرض، وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم، وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدين، ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصارًا لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته وفيكم جلة أزواجه وأصحابه؛ فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم؛ فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء، لا تفتاتون بمشورة ولا تقضى دونكم الأمور". "هذا رواية الطبري لتلك الخطبة، وأوردها غيره بنص آخر، وها كه".

стр. 255

٣٠- نص آخر لخطبة أبي بكر يوم السقيفة: حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس: نحن المهاجرون، أول الناس إسلامًا، وأكرمهم أحسابًا، وأوسطهم دارًا، وأحسنهم وجوهًا، وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسهم رحمًا برسول الله ﷺ ، أسلمنا قبلكم، وقدمنا في القرآن عليكم؛ فقال ﵎: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار. إخواننا في الدين. وشركاؤنا في الفيء١، وأنصارنا على العدو، آويتم وواسيتم، فجزاكم الله خيرًا، فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء،

стр. 256

لا تدين العرب إلى لهذا الحي من قريش؛ فلا تنفسوا١ على إخوانكم ما منحهم الله من فضله". "العقد الفريد ٢: ١٣٠- ٢٠٤، عيون الأخبار م٢: ص٢٣٣، البيان والتبيين ٣: ١٤٧ والإمامة والسياسة ١: ٧".

стр. 257

٣١- خطبة الحباب بن المنذر: ثم قام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال: "يا معشر الأنصار: املكوا عليكم أمركم؛ فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم أهل العز والثروة، وأولوا العدد والمنعة والتجربة، وذوو البأس والنجدة؛ وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض عليكم أمركم، فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمير ومنهم أمير".

стр. 258

٣٢- خطبة عمر بن الخطاب ﵁: فقال عمر: "هيهات لا يجتمع اثنان في قرن١، والله لا ترضى العرب أن يؤموكم ونبيها من غيركم؛ ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة، والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل، أو متجانف٢ لإثم، أو متورط في هلكة؟ ".

стр. 259

٣٣- خطبة أخرى للحباب بن المنذر: فقام الحباب بن المنذر، فقال: "يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه؛ فيذهبوا بنصيبكم من الأمر؛ فإن أبوا عليكم ما سألتموه، فأجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الأمور؛ فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممن لم يكن يدين، أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب١، أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة٢". فقال عمر: إذن يقتلك الله، قال: بل إياك يقتل، فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار: إنكم أول من نصر وآزر، فلا تكونوا أول من بدل وغير.

стр. 260

٢٤- خطبة بشير بن سعد: فقام بشير بن سعد -أبو النعمان بن بشير- فقال: "يا معشر الأنصار، إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين، ما أردنا به إلا رضا ربنا، وطاعة نبينا، والكدح لأنفسنا؛ فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرضًا، فإن الله ولي المنة علينا

стр. 261

بذلك؛ ألا إن محمدًا ﷺ من قريش، وقومه أحق به وأولى، وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدًا؛ فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم". فقال أبو بكر: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا؛ فقالا لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك؛ فإنك أفضل المهاجرين، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله على الصلاة، والصلاة أفضل دين المسلمين، فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك، أو يتولى هذا الأمر عليك؟ ابسط يدك نبايعك، وقام الناس إليه فبايعوه. "تاريخ الطبري ٣: ٢٠٧، والكامل لابن الأثير ٢: ١٥٨".

стр. 262

خطب أبي بكر الصديق ووصاياه ﵁: ٣٥- خطبته يوم قبض الرسول ﷺ : دخل أبو بكر الصديق رضوان الله عليه، على النبي ﵊ وهو مسجى١ بثوب؛ فكشف عنه الثوب، وقال: "بأبي أنت وأمي! طبت حيًّا، وطبت ميتًا! وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة، فعظمت عن الصفة، وجللت عن البكاء، وخصصت حتى صرت مسلاة٢، وعممت حتى صرنا فيك سواءً٣، ولولا أن موتك كان اختيارًا منك٤، لجدنا لموتك بالنفوس، ولولا أنك نهيت عن البكاء؛ لأنفدنا عليك ماء الشئون٥؛ فأما ما لا نستطيع نفيه عنا، فكمد وإدناف٦، يتخالفان ولا يبرحان

стр. 263

اللهم فأبلغه عنا السلام، اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك؛ فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة، اللهم أبلغ نبيك عنا، واحفظه فينا"! ثم خرج إلى الناس وهم في شديد غمراتهم، وعظيم سكراتهم، فخطب خطبة قال فيها: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وأشهد أن الكتاب كما نزل، وأن الدين كما شرع، وأن الحديث كما حدث، وأن القول كما قال، وأن الله هو الحق المبين.. في كلام طويل، ثم قال: أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وإن الله قد تقدم إليكم في أمره؛ فلا تدعوه جزعًا، وإن الله قد اختار لنبيه ما عنده على ما عندكم، وقبضه إلى ثوابه، وخلف فيكم كتابه، وسنة نبيه؛ فمن أخذ بهما عرف، ومن فرق بينهما أنكر. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] ، ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، ولا يفتننكم عن دينكم؛ فعاجلوه بالذي تعجزونه، ولا تستنظروه فيلحق بكم". "زهر الآداب ١: ٣٥".

стр. 264

٣٦- خطبته بعد البيعة: حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس: إني قد وليت عليكم ولست بخيركم؛ فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم، إلا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم". "العقد الفريد ٢: ١٣٠، وإعجاز القرآن ص١١٥، وعيون الأخبار م ٢: ٢٣٤، وتهذيب الكامل ١: ٦، وتاريخ الطبري ٣: ٢٠٣، وابن أبي الحديد م ٢: ٨، وم ٤: ١٦٧، وسيرة ابن هشام ٢: ٤٣٠.

стр. 265

٣٧- خطبة أخرى له بعد البيعة: وقال الطبري: نادى منادي أبي بكر من بعد الغد من متوفى رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم: ليتم بعث أسامة: ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جند أسامة إلا خرج إلى عسكره، وقام في الناس، فحمد لله وأثنى عليه ثم قال: "يا أيها الناس: إنما أنا مثلكم، وإني لا أدري لعلكم ستكلفوني ما كان رسول الله ﷺ يطيق. إن الله اصطفى محمدًا على العالمين، وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبع، ولست بمبتدع، فإن استقمت فتابعوني، وإن زغت فقوموني: وإن رسول الله ﷺ قبض، وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة١ ضربة سوط فما دونها، ألا وإن لي شيطانًا٢ يعتريني، فإذا غضبت فاجتنبوني، لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم٣، ألا وإنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم ألا يمضي هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال، فإن قومًا نسوا آجالهم، وجعلوا أعمالهم لغيرهم؛ فإياكم أن تكونوا أمثالهم، الجد الجد، والوحا٤ الوحا، والنجاء٥ النجاء؛ فإن وراءكم طالبًا حثيثًا٦ أجلًا مره سريع، احذروا الموت واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان، ولا تغبطوا٧ الأحياء إلا بما تغبطون به الأموات". "تاريخ الطبري ٣: ٢١١، وشرح ابن الحديد م٤: ص١٦٧".

стр. 266

٣٨- خطبة أخرى: قال الطبري: وقام أيضًا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه، فأريدوا الله بأعمالكم، واعلموا أن ما أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها، وحظ ظفرتم به، وضرائب أديتموها، وسلف قدمتموه، من أيام فانية لأخرى باقية، لحين فقركم وحاجتكم، اعتبروا عباد الله بمن مات منكم، وتفكروا فيمن كان قبلكم. أين كانوا أمس؟ وأين هم اليوم؟ أين الجبارون؟ وأين الذين كانوا لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب؟ قد تضعضع بهم الدهر، وصاروا رميمًا، قد تركت عليهم القالات١ الخبيثات، وإنما الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات، وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها؟ قد بعدوا، ونسي ذكرهم، وصاروا كلا شيء؛ ألا وإن الله قد أبقى عليهم التبعات، وقطع عنهم الشهوات، ومضوا والأعمال أعمالهم، والدنيا دنيا غيرهم، وبقينا خلفًا من بعدهم؛ فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا، وإن اغتررنا كنا مثلهم، أين الوضاء٣ الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ صاروا ترابًا، وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم، أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الأعجايب؟ قد تركوها لمن خلفهم؛ فتلك مساكنهم خاوية، وهم في ظلمات القبور، هل تحس منهم من أحد، أو تسمع لهم ركزًا٣؟ أين من تعرفون من أبنائكم وإخوانكم؟ قد انتهت بهم آجالهم، فوردوا على ما قدموا، فحلوا عليه، وأقاموا للشقوة وللسعادة فيما بعد الموت،

стр. 267

ألا إن الله لا شريك له ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرًا، ولا يصرف عنه به سوءًا إلا بطاعته واتباع أمره، واعلموا أنكم عبيد مدينون، وأن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته، أما وإنه لا خير بخير بعده النار، ولا شر بشر بعده الجنة. "تاريخ الطبري ٣: ٣١١، وشرح أبي الحديد م ٤ ص ١٦٧".

стр. 268

٣٩- خطبة له: ومن خطبه: "حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال: إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك، فرفع الناس رءوسهم، فقال: ما لكم يا معشر الناس؟ إنكم لطعانون عجلون، إن من الملوك من إذا ملك زهده الله فيما في يده، ورغبه فيما في يد غيره، وانتقصه شطر أجله، وأشرب قلبه الإشفاق، فهو يحسد على القليل، ويتسخط١ الكثير، ويسأم الرخاء وتنقطع عنه لذة البهاء، لا يستعمل العبرة، ولا يسكن إلى الثقة؛ فهو كالدرهم القسي٢، والسراب الخادع، جذل الظاهر، حزين الباطن؛ فإذا وجبت٣ نفسه، ونضب عمره، وَضَحَا ظله٤، حاسبه الله فأشد حسابه، وأقل عفوه. ألا إن الفقراء هم المرحومون، وخيرالملوك من آمن بالله، وحكم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وإنكم اليوم على خلافة نبوة، ومفرق محجة، وسترون بعدي ملكًا عضوضًا٥، وأمة شعاعًا٦، ودمًا مفاحًا٧؛ فإن كانت للباطل نزوة٨، ولأهل الحق جولة، يعفولها الأثر، وتموت السنن؛ فالزموا المساجد،

стр. 269

واستشيروا القرآن، والزموا الجماعة، وليكن الإبرام بعد التشاور، والصفقة بعد طول التناظر، أي بلاد خرشنة١ إن الله سيفتح عليكم أقصاها كما فتح أدناها". "عيون الأخبار م ٢ ص ٢٣٣، والبيان والتبيين ٢: ٢١، والعقد الفريد ٢: ١٣١، وصبح الأعشى ١: ٢١٣، وزهر الآداب ١: ٣٩".

стр. 270

٤٠- خطبة له: وخطب أيضًا فقال: "الحمد لله، أحمده، وأستعينه، وأستغفره، وأومن به، وأتوكل عليه، وأستهدي الله بالهدى، وأعوذ به من الضلالة والردى، ومن الشك والعمى، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، يعز من يشاء، ويذل من يشاء بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، إلى الناس كافة، رحمة لهم، وحجة عليهم والناس حييئذ على شر حال في ظلمات الجاهلية، دينهم بدعة، ودعوتهم فرية؛ فأعز الله الدين بمحمد ﷺ ، وألف بين قلوبكم أيها المؤمنون، فأصبحتم بنعمته إخوانًا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون؛ فأطيعوا الله ورسوله، فإنه قال : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠] . أما بعد أيها الناس: إني أوصيكم بتقوى الله العظيم في كل أمر، وعلى كل حال، ولزوم الحق فيما أحببتم وكرهتم، فإنه ليس فيما دون الصدق من الحديث خير، من يكذب

стр. 271

يفجر، ومن يفجر يهلك، وإياكم والفخر، وما فخر من خلق من التراب، وإلى التراب يعود؟ هو اليوم حي، وغدًا ميت؛ فاعملوا وعدوا أنفسكم في الموتى، وما أشكل عليكم فردوا علمه إلى الله، وقدموا لأنفسكم خيرًا تجدوه محضرًا؛ فإنه قال ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠] . فاتقوا الله عباد الله وراقبوه، واعتبروا بمن مضى قبلكم، واعلموا أنه لا بد من لقاء ربكم والجزاء بأعمالكم صغيرها وكبيرها، إلا ما غفر الله، إنه غفور رحيم، فأنفسكم أنفسكم، والمستعان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، أفضل ما صليت على أحد من خلقك، وزكنا بالصلاة عليه، وألحقنا به، واحشرنا في زمرته، وأوردنا حوضه. اللهم أعنا على طاعتك، وانصرنا على عدوك. "العقد الفريد ٢: ١٣١".

стр. 272

٤١- خطبة له: وخطب أيضًا؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة؛ فإن الله أثنى على زكريا وعلى أهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] ثم اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، وعوضكم بالقليل الفاني الكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره، فثقوا بقوله،

стр. 273

وانتصحوا١ كتابه، واستبصروا فيه ليوم الظلمة؛ فإنه خلقكم لعبادته، ووكل بكم الكرام الكاتبين ما تفعلون٢". "العقد الفريد ٢: ١٣١، وعيون الأخبار م٢ ص٢٣٢".

стр. 274

٤٢- خطبة له في الأنصار: ووصل إليه مال من البحرين، فساوى فيه بين الناس، فغضبت الأنصار، وقالوا له فضلنا؛ فقال أبو بكر صدقتم، إن أردتم أن أفضلكم صار ما عملتموه للدنيا، وإن صبرتم كان ذلك لله ، فقالو: والله ما عملنا إلا لله تعالى وانصرفوا، فرقي أبو بكر المنبر؛ فحمد الله وأثنى عليه وصلى الله عليه وسلم. ثم قال: "يا معشر الأنصار: إن شئتم أن تقولوا إنا آويناكم في ظلالنا، وشاطرناكم في أموالنا، ونصرناكم بأنفسنا: قلتم: وإن لكم من الفضل ما لا يحصيه العدد وإن طال به الأمد. فنحن وأنتم كما قال طفيل الغنوي: جزى الله عنا جعفرًا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت أبوا أن يملونا، ولو أن أمنا ... تلاقى الذي يلقون منا لملت هم أسكنونا في ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أدفأت وأظلت "زهر الآداب ١: ٣٩ وصبح الأعشى ١٣: ١٠٨".

стр. 275

٤٣- وصيته لأسامة بن زيد: وأوصى أسامة بن زيد وجيشه حين سيره إلى أبنى١، فقال: "يا أيها الناس: قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا٢، ولا تغدروا٣، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تقعروا٤ نخلًا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة٥، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم بأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام؛ فإذا أكلتم منها شيئًا بعد شيء، فاذكروا اسم الله عليها، وتلقون أقوامًا قد فحصوا أوساط رءوسهم، وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم٦ بالسيف خفقًا، اندفعوا باسم الله٧". "تاريخ الطبري ٣: ٢١٣، والكامل لابن الأثير ٢: ١٦٢".

стр. 276

وصيته لعمرو بن العاص والوليد بن عقبة ... ٤٤- وصيته لعمرو بن والوليد بن عقبة: وشيخ عمرو بن العاص والوليد بن عقبة مبعثهما على الصدقة، وأوصى كل واحد منهما بوصية واحدة: "اتق الله في السر والعلانية؛ فإنه من يتق الله يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث

стр. 277

لا يحتسب، ومن يتق الله يكفر عنه سيئآته، ويعظم له أجرًا، فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله، إنك في سبيل من سبل الله، لا يسمك فيه الإدهان١ والتفريط والغفلة عما فيه قوام دينكم، وعصمة أمركم فلا تن، ولا تفتر". "تاريخ الطبري ٤: ٢٩".

стр. 278

خطب الفتوح في عهد أبي بكر " ٤٥- وصيته لخالد بن الوليد" ووصى أبو بكر خالد بن الوليد فقال: "سر على بركة الله؛ فإن دخلت أرض العدو؛ فكن بعيدًا من الحملة، فإني لا آمن عليك الجوالة، واستظهر بالزاد، وسر بالأدلاء، ولا تقاتل بمجروح، فإن بعضه ليس منه، واحترس من البيات، فإن في العرب غرة، وأقلل من الكلام، فإن مالك ما وعي عنك، واقبل من الناس علانيتهم، وكلهم إلى الله في سريرتهم، وأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه". "العقد الفريد ١: ٤٠".

стр. 279

٤٦- خطبة خالد بن الوليد: وكان أبو بكر ﵁ قد بعث المثنى بن حارثة على جيش إلى العراق، فقدم العراق فقاتل وأغار على أهل فارس ونواحي السواد، ثم بعث أخاه مسعودًا إلى أبي بكر يستمده. فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد -وكان باليمامة- أن يسير إلى العراق؛ فلما قرأ خالد الكتاب. قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ثم قال:

стр. 280

"الحمد لله والله أهله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فإن خليفة رسول الله ﷺ كتب إلينا يحضنا على طاعة ربنا، وجهاد عدونا وعدو الله، وبالجهاد في سبيل الله أنجز الله دعوتنا، وجمع كلمتنا وأمنيتنا، والحمد لله رب العالمين، ألا إني خارج ومعسكر وسائر إن شاء الله ومعجل، فمن أراد ثواب العاجل والآجل فلينكمش١":

стр. 281

٤٧- خطبة لأبي بكر في ندب الناس لفتح الشأم: وخطب يندب الناس لفتح الشأم؛ فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله، وقال: "ألا إن لكل أمر جوامع، فمن بلغها فهي حسبه، ومن عمل لله كفاه الله، عليكم بالجد والقصد، فإن القصد أبلغ؛ ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له، ولا أجر لمن لا حسبة له، ولا عمل لمن لا نية له؛ ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله، كما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به، هي التجارة التي دل الله عليها، ونجى بها من الخزي، وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة". "تاريخ الطبري ٤: ٣٠".

стр. 282

فتح الشام مدخل ... فتح الشام: حدث أبو إسماعيل محمد بن عبد الأزدي البصري صاحب فتوح الشام قال: لما أراد أبو بكر رحمة الله عليه أن يجهز الجنود إلى الشأم؛ دعا عمر وعثمان وعليًّا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبا عبيدة بن الجراح ووجوه المهاجرين والأنصار من أهل بدر وغيرهم، فدخلوا عليه فقال:

стр. 283

٤٨- خطبة أبي بكر: "إن الله ﵎ لا تحصى نعمه، ولا تبلغ جزاءها الأعمال؛ فله الحمد كثيرًا على ما اصطنع عندكم، فقد جمع كلمتكم، وأصلح ذات بينكم، وهداكم إلى الإسلام، ونفى عنكم الشيطان؛ فليس يطمع أن تشركوا بالله، ولا أن تتخذوا إلهًا غيره؛ فالعرب اليوم بنو أم وأب، وقد أردت أن أستنفرهم إلى جهاد الروم بالشام ليؤيد الله المسلمين، ويجعل الله كلمته العليا، مع أن للمسلمين في ذلك الحظ الأوفر؛ فمن هلك منهم هلك شهيدًا، وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش منهم عاش مدافعًا عن الدين، مستوجبًا على الله ثواب المجاهدين، هذا رأيي الذي رأيت فليشر علي أمرؤ بمبلغ رأيه".

стр. 284

٤٩- خطبة عمر: فقام عمر بن الخطاب ﵁، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ثم قال: "الحمد لله الذي يخص بالخير من يشاء من خلقه، والله ما استبقنا إلى شيء من الخير قط إلا سبقتنا إليه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قد والله أردت لقاءك لهذا الرأي

стр. 285

الذي كرت، فما قضى الله أن يكون ذلك حتى ذكرته الآن فقد أصبت، أصحاب الله بك سبل الرشاد، سرب إليهم الخيل في إثر الخيل، وابعث الرجال تتبعها الرجال، والجنود تتبعها الجنود؛ فإن الله ناصر دينه، ومعز الإسلام وأهله، ومنجز ما وعد رسوله". "فتوح الشام ص١ وتاريخ ابن عساكر ١: ١٢٦- ١٢٧".
следующие страницы →