← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ويجزي بالإحسان، لقد بلغني أن المسلمين سيفتحونها كفرًا كفرًا١، وقصرًا قصرًا، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم؛ فإنكم لو قد صدقتموهم الشدة لقد انذعروا انذعار أولاد الحجل٢". "فتوح الشام ص١٩٦".

стр. 317

٧٠- خطبة أبي سفيان بن حرب: وكان أبو سفيان بن حرب يسير في الناس يوم اليرموك، ويقف على أهل كل راية وعلى كل جماعة فيحرض الناس ويحضهم ويعظهم ويقول: "إنكم يا معشر المسلمين أصبحتم في دار العجم، منقطعين عن الأهل١، نائين عن أمير المؤمنين وأمداد المسلمين، وقد والله، أصبحتم بإزاء عدو كثير عددهم، شديد عليكم حنقهم، وقد وترتموهم في أنفسهم ونسائهم وأولادهم وأموالهم وبلادهم، فلا والله لا ينجيكم منهم اليوم وتبلغون رضوان الله إلا بصدق اللقاء، والصبر في مواطن المكروه، فامتنعوا بسيوفكم، وتقربوا بها إلى خالقكم، ولتكن هي الحصون التي تلجئون إليها، وبها تمنعون". وقاتل أبو سفيان يومئذ قتالًا شديدًا، وأبلى بلاء حسنًا. "فتوح الشام ص١٩٧".

стр. 318

٧١- وصية أبي بكر لعمر ﵄ عند موته: "إني مستخلفك من بعدي، وموصيك بتقوى الله، إن لله عملًا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملًا بالنهار لا يقبله بالليل، وإنه لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة؛ فإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم،

стр. 319

وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلًا؛ وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفًا. إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم؛ فإذا ذكرتهم قلت إني أخاف ألا أكون من هؤلاء، وذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم ولم يذكر حسناتهم، فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء، وذكر آية الرحمة مع آية العذاب ليكون العبد راغبًا راهبًا، ولا يتمنى على الله غير الحق، ولا يلقي بيده إلى التهلكة؛ فإذا حفظت وصيتي فلا يكن غائب أحب إليك من الموت وهو آتيك، وإن ضيعت فلا يكن غائب أبغض إليك من الموت ولست بمعجز الله". "البيان والتبيين ٢: ٢٢، والكامل لابن الأثير٢: ٢٠٨، والعقد الفريد: ٢٩٨".

стр. 320

٧٢- كلامه لعبد الرحمن بن عوف في علته التي مات فيها: وقال عبد الرحمن بن عوف: "دخلت يومًا على أبي بكر الصديق ﵁، في علته التي مات فيها؛ فقلت له: أراك بارئًا يا خليفة رسول الله ﷺ ، فقال: أما إني على ذلك لشديد الوجع، ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي، إني وليت أموركم خيركم في نفسي؛ فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه، والله لتتخذن نضائد١ الديباج وستور الحرير، ولتألمن النوم على الصوف الأذربي٢، كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان٣، والذي نفسي بيده؛ لأن يقدم أحدكم فتضرب

стр. 321

عنقه في غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا، يا هادي الطريق جرت إنما هو والله الفجر أو البجر١". فقلت: خفض عليك يا خليفة رسول الله ﷺ ، فإن هذا يهيضك٢ إلى ما بك، فوالله ما زلت صالحًا مصلحًا، لا تأسى على شيء فاتك من أمر الدنيا، ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلا خيرًا. "تهذيب الكامل ١: ٦، وإعجاز القرآن ١١٦، والعقد الفريد ٢: ٢٠٨، وتاريخ الطبري ٤: ٥٢".

стр. 322

٧٣- خطبة السيدة عائشة في الانتصار لأبيها: يروى أنه بلغ عائشة ﵂ أن أقوامًا يتناولون أبا بكر ﵁ فأرسلت إلى أزفلة١ من الناس، فلما حضروا أسدلت٢ أستارها، وعلت وسادها، ثم قالت: "أبي وما أبيه، أبي والله لا تعطوه الأيدي٣، وذاك طود منيف٤، وفرع٥ مديد، هيهات كذبت الظنون، أنجح٦ إذ أكديتم، وسبق إذ ونيتم٧، سبق الجواد إذا استولى على الأمد٨، فتى قريش ناشئًا، وكهفها٩ كهلًا، يفك عانيها، ويريش١٠ مملقها، ويرأب شعبها١١، ويلم شعثها، حتى حليته١٢ قلوبها، ثم

стр. 323

استشرى١ في دين الله؛ فما برحت شكيمته٢ في ذات الله ، حتى اتخذ بفنائه مسجدًا، يحيي فيه ما أمات المبطلون، وكان ﵀ غزير الدمعة، وقيذ٢ الجوانح، شجي النشيج٤ فانقضت إليه نسوان مكة وولدانها، يسخرون منه ويستهزئون به ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ٥ فأكبرت ذلك رجالات من قريش، فجنت قسيها، وفوقت سهامها٦، وامتثلوه٧ غرضًا، فما فلوا له صفاة٨، ولا قصفوا له قناة، ومر على سيسائه٩، حتى إذا ضرب الدين بجرانه١٠، ورست أوتاده، ودخل الناس فيه أفواجًا، ومن كل فرقة أرسالًا١١ وأشتاتًا، اختار الله لنبيه ما عنده، فلما قبض الله ﷺ ضرب الشيطان رواقه١٢، ومد طنبه١٣، ونضب حبائله، وأجلب١٤ بخيله ورجله، واضطرب حبل الإسلام، ومرج ١٥ عهده، وماج أهله، وبغي الغوائل؛ فظنت رجال أن قد أكثبت١٦ أطماعهم، ولات حين الذي يرجون، وأنى والصديق بين أظهرهم، فقام حاسرًا مشمرًا،

стр. 324

فجمع حاشيتيه١، ورفع قطريه٢، فرد رسن٣ الإسلام على غربه٤، ولم شعثه بطبه، وانتاش٥ الدين فنعشه؛ لما أراح٦ الحق على أهله، وقرر الرءوس على كواهلها٧ وحقن الدماء في أهبها٨، أتته منيته، فسد ثلمته بنظيره في الرحمة، وشقيقه في السيرة والمعدلة، ذاك ابن الخطاب؛ فلله در أم٩ حملت به، ودرت عليه، لقد أوحدت١٠ به، ففنخ١١ الكفرة، وديخها١٢، وشرد الشرك شذر مذر١٣، وبعج١٤ الأرض وبخعها١٥، فقاءت أكلها١٦ ولفظت خبأها، ترأمه١٧ ويصدف عنها، وتصدى١٨ له ويأباها، ثم وزع فيها فيئها، وودعها كما صحبها، فأروني ماذا ترتئون، وأي يومي أبي تنقمون، أيوم إقامته إذا عدل فيكم أم يوم ظعنه إذ نظر لكم١٩؟ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ثم أقبلت على الناس بوجهها، فقالت: أنشدكم الله هل أنكرتم مما قلت شيئًا، قالوا: اللهم لا". "صبح الأعشى ١: ٢٤٨، والعقد الفريد٢: ٢٠٦، ونهاية الأرب ٧: ٢٣٠".

стр. 325

٧٤- رثاؤها لأبيها: ما توفي أبو بكر ﵁، وقفت عائشة على قبره فقالت: "نضر١ الله وجهك يا أبت، وشكر لك صالح سعيك؛ لقد كنت للدنيا مذلًّا بإدبارك عنها، وللآخرة معزًًّا بإقبالك عليها، ولئن كان أجل الحوادث بعد رسول الله ﷺ رزؤك، وأعظم المصائب بعده فقدك، إن كتاب الله ليعد بحسن الصبر فيك حسن العوض منك، وأنا أستنجز موعود الله تعالى بالصبر فيك، وأستقضيه٢ بالاستغفار لك، أما لئن قاموا بأمر الدنيا، لقد قمت بأمر الدين، لما وهى شعبه٣، وتفاقم صدعه٤، ورجفت٥ جوانبه، فعليك سلام الله توديع غير قالية٦ لحياتك، ولا زارية٧ على القضاء فيك". "زهر الآداب ١: ٤٠، العقد الفريد ٢: ٧، نهاية الأرب ٥: ١٦٧، البيان والتبيين ٢: ١٦٠".

стр. 326

خطب عمر بن الخطاب ﵁: ٥- خطبته حين ولي الخلافة: ما استخلف عمر ﵁ صعد المنبر فقال: "إني قائل كلمات فأمنوا عليهن" فكان أول منطق نطق به به حين استخلف، قال: "إنما مثل العرب مثل جمل أنف١ ابتع قائده فلينظر قائده حيث يقوده، وأما أنا فورب الكعبة لأحملنهم على الطريق". "تاريخ الطبري ٤: ٥٤، والكامل لابن الأثير٢: ٢٠٨".

стр. 327

٧٦- خطبة أخرى: قال ابن قتيبة في عيون الأخبار: لما ولي عمر صعد المنبر فقال: "ما كان الله ليراني أرى نفسي أهلًا لمجلس أبي بكر، ثم نزل عن مجلسه مرقاة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "اقرءوا القرآن تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله إنه لم يبلغ حق ذي حق أن يطاع في معصية الله، ألا وإني أنزلت نفسي من مال الله

стр. 328

بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت عففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، تقرم١ البهمة٢ الأعرابية، القضم لا الخضم٣". "عيون الأخبار م ٢ ص ٢٣٥، والعقد الفريد٢: ١٣٢".

стр. 329

٧٧- خطبة له: ذكر الطبري أنه خطب فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكر الناس بالله واليوم الآخر، ثم قال: "يأيها الناس: إني قد وليت عليكم، ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم، وأقواكم عليكم، وأشدكم استضلاعًا١ بما ينوب من مهم أموركم؛ ما توليت ذلك منكم، ولكفى عمر مهمًّا محزنًا انتظار موافقة الحساب بأخذ حقوقكم كيف آخذها، ووضعها أين أضعها، وبالسير فيكم كيف أسير، فربي المستعان، فإن عمر أصبح لا يثق بقوة ولا حيلة إن لم يتداركه الله برحمته وعونه وتأييده". "تاريخ الطبري ٥: ٢٥، وشرح ابن أبي الحديد م ٣ ص١٢٤".

стр. 330

٧٨- خطبة له: م خطب فقال: "إن الله قد ولاني أمركم، وقد علمت أنفع ما بحضرتكم لكم، وإني أسأل الله أن يعينني عليه، وأن يحرسني عنده كما حرسني عند غيره، وأن يلهمني العدل

стр. 331

في قسمكم كالذي أمرني به، وإني امرؤ مسلم وعبد ضعيف؛ إلا ما أعان الله ، ولن يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئًا إن شاء الله؛ نما العظمة لله ، وليس للعباد منها شيء، فلا يقولن أحد منكم إن عمر تغير منذ ولي، أعقل الحق من نفسي، وأتقدم وأبين لكم أمري؛ أيما رجل كانت له حاجة، أو ظلم مظلمة، أو عتب علينا في خلق فليؤذني؛ إنما أنا رجل منكم، فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم وحرماتكم وأعراضكم، وأعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضًا على أن تحاكموا إلي، فإن ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة، وأنا حبيب إلي صلاحكم، عزيز علي عنتكم، وأنتم أناس عامتكم حضر في بلاد الله، وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضرع، إلا ما جاء الله به إليه، وإن الله قد وعدكم كرامة كثيرة، وأنا مسئول عن أمانتي وما أنا فيه، ومطلع على ما بحضرتي بنفسي إن شاء الله، لا أكله إلى أحد، ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء وأهل النصح منكم للعامة، ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله". "تاريخ الطبري ٥: ٢٦، وشرح ابن أبي الحديد م ٣: ١٢٤".

стр. 332

٧٩- خطبة أخرى: قال ابن عبد ربه: وخطب إذ ولي الخلافة: صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "يأيها الناس، إني داع فأمنوا، اللهم فلَيِّنِي لأهل طاعتك، بموافقة الحق، ابتغاء وجهك والدار الآخرة، وارزقني الغلظة والشدة على أعدائك، وأهل الدعارة١ والنفاق، من غير ظلم مني لهم، ولا اعتداء عليهم، اللهم إني شحيح، فسخني

стр. 333

في نوائب المعروف، قصدًا من غير سرف ولا تبذير ولا رياء ولا سمعة، واجعلني أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة، اللهم ارزقني خفض الجناح، ولين الجانب للمؤمنين، اللهم إني كثير الغفلة والنسيان؛ فألهمني ذكرك على كل حال، وذكر الموت في كل حين. اللهم إني ضعيف عن العمل بطاعتك، فارزقني النشاط فيها، والقوة عليها، بالنية الحسنة التي لا تكون إلا بعزتك وتوفيقك، اللهم ثبتني باليقين والبر والتقوى، وذكر المقام بين يديك، والحياء منك، وارزقني الخشوع فيما يرضيك عني، والمحاسبة لنفسي، وإصلاح الساعات والحذر من الشبهات، اللهم ارزقني التفكر والتدبر لما يتلوه لساني من كتابك، والفهم له، والمعرفة بمعانيه، والنظر في عجائبه، والعمل بذلك ما بقيت، إنك على كل شيء قدير". "العقد الفريد ٢: ١٣٣".

стр. 334

٨٠- خطبة له: وخطب أيضًا، فقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ : "أيها الناس، إن بعض الطمع فقر، وإن بعض اليأس غنى، وإنكم تجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، وأنتم مؤجلون في دار غرور، كنتم على عهد رسول الله ﷺ تؤخذون بالوحي؛ فمن أسر شيئًا أخذ بسريرته، ومن أعلن شيئًا أخذ بعلانيته؛ فأظهروا لنا أحسن أخلاقكم، والله أعلم بالسرائر؛ فإنه من أظهر لنا قبيحًا وزعم أن سريرته حسنة لم نصدقه، ومن أظهر لنا علانية حسنة ظننا به حسنًا، واعلموا أن بعض الشح شعبة من النفاق؛ فأنفقوا خيرًا لأنفسكم، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، أيها الناس أطيبوا مثواكم، وأصلحوا أموركم، واتقوا الله ربكم، ولا تلبسوا نساءكم القباطي١؛ فإنه إن لم يشف فإنه يصف أيها الناس: إني لوددت

стр. 335

أن أنجو كفافًا لا لي ولا علي، وإني لأرجو إن عمرت فيكم يسيرًا أو كثيرًا أن أعمل بالحق فيكم إن شاء الله، وأن لا يبقى أحد من المسلمين وإن كان في بيته إلا أتاه حقه ونصيبه من مال الله وإن لم يعمل إليه نفسه، ولم ينصب إليه بدنه، وأصلحوا أموالكم التي رزقكم الله، ولقليل في رفق خير من كثير في عنف، والقتل حتف من الحتوف، يصيب البر والفاجر، والشهيد من احتسب نفسه، وإذا أراد أحدكم بعيرًا؛ فليعمد إلى الطويل العظيم فليضر به بعصًا، فإن وجده حديد الفؤاد فليشتره". "تاريخ الطبري ٥: ٢٦، وشرح ابن أبي الحديد م ٣: ص١٢٥".

стр. 336

٨١- خطبة له: وخطب أيضًا فقال: "إن الله سبحانه وبحمده قد استوجب عليكم الشكر، واتخذ عليكم الحجيج فيما آتاكم من كرامة الآخرة والدنيا من غير مسألة منكم له، ولا رغبة منكم فيه إليه؛ فخلقكم ﵎ ولم تكونوا شيئًا، لنفسه وعبادته، وكان قادرًا أن يحعلكم لأهون خلقه عليه؛ فجعل لكم عامة خلقه، ولم يجعلكم لشيء غيره، وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وحملكم في البر والبحر، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون، ثم جعل لكم سمعًا وبصرًا، ومن نعم الله عليكم نعم عم بها بني آدم، ومنها نعم اختص بها أهل دينكم، ثم صارت تلك النعم خواصها وعوامها في دولتكم وزمانكم وطبقتكم، وليس من تلك النعم نعمة وصلت إلى امرئ خاصة إلا لو قسم ما وصل إليه منها بين الناس كلهم أتعبهم شكرها، وفدحهم حقها إلا بعون الله مع الإيمان بالله ورسوله، فأنتم مستخلفون في الأرض، قاهرون لأهلها، قد نصر الله دينكم، فلم تصبح أمة مخالفة لدينكم إلا أمتان، أمة مستعبدة للإسلام وأهله،

стр. 337

يتجرون لكم، تستصفون١ معايشهم وكدائحهم ورشح جباههم، عليهم المئونة ولكم المنفعة، وأمة تنتظر وقائع الله وسطواته في كل يوم وليلة، قد ملأ الله قلوبهم رعبًا؛ فليس لهم معقل يلجئون إليه، ولا مهرب يتقون به، قد دهمتهم جنود الله ، ونزلت بساحتهم مع رفاغة٢ العيش، واستفاضة المال، وتتابع البعوث، وسد الثغور بإذن الله في العافية الجليلة العامة، التي لم تكن هذه الأمة على أحسن منها مذ كان الإسلام، والله المحمود مع الفتوح العظام في كل بلد؛ فما عسى أن يبلغ مع هذا شكر الشاكرين، وذكر الذاكرين، واجتهاد المجتهدين، مع هذه النعم التي لا يحصى عددها، ولا يقدر قدرها، ولا يستطاع أداء حقها؛ إلا بعون الله ورحمته ولطفه. فنسأل الله الذي لا إله إلا هو، الذي أبلانا هذا، أن يرزقنا العمل بطاعته، والمسارعة إلى مرضاته. فاذكروا عباد الله بلاء الله عندكم، واستتموا نعمة الله عليكم، وفي مجالسكم مثنى وفرادى فإن الله قال لموسى ﴿أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ وقال لمحمد ﷺ : ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فلو كنتم إذ كنتم مستضعفين محرومين خير الدنيا على شعبة من الحق تؤمنون بها، وتستريحون إليها، مع المعرفة بالله ودينه، وترجون بها الخير فيما بعد الموت لكان ذلك؛ ولكنكم كنتم أشد الناس معيشة، وأعظم الناس بالله جهالة. فلو كان هذا الذي ابتلاكم به لم يكن معه حظ في دنياكم؛ غير أنه ثقة لكم في آخرتكم، التي إليها المعاد والمنقلب، وأنتم من جهد المعيشة على ما كنتم عليه، كنتم أحرياء أن تشحوا على نصيبكم منه، وأن تظهروه على غيره فبله٣ ما أنه قد جمع لكم فضيلة الدنيا، وكرامة الآخرة، أو لمن شاء أن يجمع له ذلك منكم، فأذكركم الله الحائل بينكم وبين قلوبكم، إلا ما عرفتم حق الله

стр. 338

فعملتم له، وقسرتم أنفسكم على طاعته، وجمعتم مع السرور بالنعم خوفًا لزوالها ولانتقالها، ووجلًا من تحويلها،؛ فإنه لا شيء أسلب للنعمة من كفرانها، وإن الشكر أمن للغير، ونماء للنعمة، واستجلاب للزيادة، وهذا لله على من أمركم ونهيكم واجب". "تاريخ الطبري ٥: ٢٧ وشرح ابن أبي الحديد م ٣ ص١٢٥".

стр. 339

٨٢- خطبة له: وخطب أيضًا؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس: من أراد أن يسأل عن القرآن؛ فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض؛ فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل. ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني له خازنًا وقاسمًا، إني بادئ بأزواج رسول الله ﷺ فمعطيهن، ثم المهاجرين الأولين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم أنا وأصحابي، ثم بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، ثم من أسرع إلى الهجرة أسرع إليه العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ عنه العطاء؛ فلا يلومن رجل إلا مناخ راحلته، إني قد بقيت فيكم بعد صاحبي، فابتليت بكم، وابتليتم بي، وإني لن يحضرني من أموركم شيء فأكله إلى غير أهل الجزاء والأمانة؛ فلئن أحسنوا لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا لأنكلن بهم". "العقد الفريد ٢: ١٣٢".

стр. 340

٨٣- خطبة له: وخطب أيضًا فقال: "الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، وأكرمنا بالإيمان، ورحمنا بنبيه ﷺ ؛ فهدانا به من الضلالة، وجمعنا به من الشتات، وألف بين قلوبنا، ونصرنا على

стр. 341

عدونا، ومكن لنا في البلاد، وجعلنا به إخوانًا متحابين؛ فاحمدوا الله على هذه النعمة، واسألوه المزيد فيها والشكر عليها؛ فإن الله قد صدقكم الوعد، بالنصر على من خالفكم، وإياكم والعمل المعاصي، وكفر النعمة؛ فقلما كفر قوم بنعمة، ولم ينزعوا إلى التوبة، إلا سلبوا عزهم، وسلط عليهم عدوهم. أيها الناس: إن الله قد أعز دعوة هذه الأمة، وجمع كلمتها، وأظهر فلجها١ ونصرها وشرفها، فاحمدوه عباد الله على نعمه، واشكروه على آلائه، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين". "العقد الفريد ٢: ١٣٢".

стр. 342

٨٤- خطبة له: وخطب عمر الناس فقال: "والذي بعث محمدًا بالحق لو أن جملًا هلك ضياعًا بشط الفرات، خشيت أن يسأل الله عنه آل الخطاب". قال أبو زيد "آل الخطاب" يعني نفسه ما يعني غيرها. "تاريخ الطبري ٥: ١٨".

стр. 343

٨٥- خطبة له: وخطب أيضًا فقال: "أيها الناس: إنه أتى علي حين، وأنا أحسب أن من قرأ القرآن إنما يريد به الله وما عنده، ألا وإنه قد خيل إلي أن أقوامًا يقرءون القرآن يريدون به ما عند الناس؛ ألا فأريدوا الله بقراءتكم، وأريدوه بأعمالكم؛ فإنما كنا نعرفكم إذ الوحي ينزل، وإذ النبي ﷺ بين أظهرنا، فقد رفع الوحي، وذهب النبي ﷺ ، فإنما أعرفكم بما أقول لكم، ألا فمن أظهر لنا خيرًا ظننا به خيرًا، وأثنينا به عليه،

стр. 344

ومن أظهر لنا شرًّا ظننا به شرًّا، وأبغضناه عليه، اقدعوا١ هذه النفوس عن شهواتها؛ فإنها طلعة٢ وإنكم إلا تقدعوها تنزع بكم إلى غاية، إن هذا الحق ثقل مريء٣، وإن الباطل خفيف وبيء٤، وترك الخطيئة خير من معالجة التوبة، ورب نظرة زرعت شهوة، وشهوة ساعة أورثت حزنًا طويلًا". وفي رواية صاحب العقد: "ألا وإني إنما أبعث عمالي ليعلموكم دينكم وسنتكم، ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم، ويأخذوا أموالكم، ألا من رابه شيء من ذلك فليرفعه إلي؛ فوالذي نفسي بيده لأقصنكم منه، فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن بعثت عاملًا من عمالك، فأدب رحالًا من رعيتك فضربه، أتقصه منه؟ قال: نعم والذي نفس عمر بيده لأقصنه منه؛ فقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه". وفي رواية الطبري: وخطب عمر الناس يوم الجمعة فقال: "اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار، أني بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم، وأن يقيموا فيهم فيئهم، وأن يعدلوا، فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إلي". "يأيها الناس: إني والله ما أرسل إليكم عمالًا ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكني أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه". فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين: أرأيتك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعية فأدب بعض رعيته إنك لتقصنه منه؟ قال: إي والذي نفس عمر بيده إذن لأقصنه منه، وكيف

стр. 345

لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه؟ ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم". "البيان والتبيين ٣: ٧١، وصبح الأعشى١: ٢١٤، والعقد الفريد ٢: ١٣٢ وتاريخ الطبري ٥: ١٩".

стр. 346

٨٦- خطبته عام الرمادة: وخطب عام الرمادة١ بالعباس ﵀: حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه، ثم قال: "أيها الناس: استغفروا ربكم إنه كان غفارًا، اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك وبقية آبائه وكبار رجاله؛ فإنك تقول: "وقولك الحق": ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ فحفظتهما لصلاح أبيهما، فاحفظ اللهم نبيك في عمه، اللهم اغفر لنا إنك كنت غفارًا، اللهم أنت الراعي لا تهمل الضالة، ولا تدع الكسيرة بمضيعة، اللهم قد ضرع الصغير ورق الكبير، وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم أغثهم بغياثك، قبل أن يقنطوا فيهلكوا؛ فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون". فما برحوا حتى علقوا الحذاء، وقلصوا المآزر، وطفق الناس بالعباس يقولون: "هنيئًا لك يا ساقي الحرمين". "العقد الفريد: ١٣٢".

стр. 347

٨٧- خطبته وقد بلغه أن قومًا يفضلونه على أبي بكر: وبلغه أن قومًا يفضلونه على أبي بكر الصديق، فوثب مغضبًا حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه ﷺ ، ثم قال: "أيها الناس: إني سأخبركم عني وعن أبي بكر، إنه لما توفي رسول الله ﷺ ارتدت العرب، ومنعت شاتها وبعيرها، فأجمع رأينا كلنا أصحاب محمد ﷺ أن قلنا له يا خليفة رسول الله: إن رسول الله كان يقاتل العرب بالوحي والملائكة يمده الله بهم، وقد انقطع ذلك اليوم؛ فالزم بيتك ومسجدك، فإنه لا طاقة لك بقتال العرب، فقال أبو بكر: أوكلكم رأيه على هذا؟ فقلنا: نعم، فقال: والله لأن أخر من السماء فتخطفني الطير، أحب إلي من أن يكون رأيي هذا، ثم صعد المنبر، فحمد الله وكبره، وصلى على نبيه ﷺ ، ثم أقبل على الناس فقال: "أيها الناس: من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. أيها الناس: أئن كثر أعداؤكم، وقل عددكم، ركب الشيطان منكم هذا المركب؟ والله ليظهرن الله هذا الدين على الأديان كلها، ولو كره المشركون، قوله الحق، ووعده الصدق، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين. والله أيها الناس: لو منعوني عقالًا١ لجاهدتهم عليه، واستعنت عليهم الله وهو خير معين". ثم نزل. "تهذيب الكامل ١: ٨".

стр. 348

خطب الفتوح في عهد عمر في فتح فارس مدخل ... خطب الفتوح في عهد عمر في فتح فارس: كان المثنى بن حارثة الشيباني أمير جيش العراق قدم على أبي بكر بالمدينة يستمده فألقاه مريضًا، ووصى أبو بكر بالمبادرة إلى إرسال الجيوش معه؛ فكان أول ما عمل به عمر، أن ندب الناس مع المثنى إلى أهل فارس، قبل صلاة الفجر، من الليلة التي مات فيها أبو بكر -وكان وجه فارس من أكره الوجوه إليهم، وأثقلها عليهم لشدة سلطانهم، وشوكتهم، وعزهم، وقهرهم الأمم- وجعل يندبهم ثلاثة أيام فلا ينتدب أحد إلى فارس؛ فلما كان اليوم الرابع عاد فندب الناس إلى العراق؛ فكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي -والد المختار- وتتابع الناس، وتكلم المثنى بن حارثة فقال:

стр. 349

خطبة المثنى بن حارثة الشيباني ... ٨٨- خطبة المثنى بن حاثة الشيباني: "أيها الناس: لا يعظمن عليكم هذا الوجه؛ فإنا قد تبحبحنا١ ريف فارس، وغلبناهم على خير شقي السواد، وشاطرناهم ونلنا منهم، واجترأنا من قبلنا عليهم، ولها إن شاء الله ما بعدها.

стр. 350

٨٩- خطبة عمر ﵁: وقام عمر في الناس فقال: "إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النجعة١، ولا يقوى عليه أهله إلا بذلك،

стр. 351

أين الطراء١ المهاجرون عن موعود الله، سيروا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب أن يورثكموها؛ فإنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ والله مظهر دينه، ومعز ناصره، ومولي أهله مواريث الأمم، أين عباد الله الصالحون ... "؟ فلما اجتمع له البعث أمر عليهم أولهم انتدابًا٢ وهو أبو عبيد وقال له: "اسمع من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأشركهم في الأمر، ولا تجتهد مسرعًا حتى تتبين؛ فإنها الحرب، والحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث٣ الذي يعرف الفرصة والكف". "تاريخ الطبري ٤: ٦٠، والكامل لابن الأثير ٢: ٢١١".

стр. 352

٩٠- وصية عمر لأبي عبيد بن مسعود: وتقدم عمر إلى أبي عبيد بن مسعود فقال: "إنك تقدم على أرض المكر والخديعة، والخيانة والجبرية، تقدم على قوم قد جرءوا على الشر فعلموه، وتناسوا الخير فجهلوه؛ فانظر كيف تكون، واخزن لسانك، ولا تفشين سرك، فإن صاحب السر -ما ضبطه- متحصن لا يؤتى من وجه يكرهه، وإذا ضيعه كان بمضيعة". "تاريخ الطبري ٤: ٦٦".

стр. 353

٩١- خطبة له وقد شيع جيش سعد بن أبي وقاص: وشيع جيش سعد بن أبي وقاص، حين وجهه لحرب العراق؛ فقام في الناس خطيبًا فقال: "إن الله تعالى إنما ضرب لكم الأمثال، وصرف لكم الأقوال، ليحيي بها

стр. 354

القلوب؛ فإن القلوب ميتة في صدروها حتى يحييها الله، من علم شيئًا فلينتفع به، وإن للعدل أمارات وتباشير، فأما الأمارات: فالحياء، والسخاء، والهين، واللين. وأما التباشير: فالرحمة، وقد جعل الله لكل أمر بابًا، وبشر لكل باب مفتاحًا؛ فباب العدل الاعتبار ومفتاحه الزهد، والاعتبار ذكر الموت بتذكر الأموات، والاستعداد له بتقديم الأعمال، والزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق، وتأدية الحق إلى كل أحد له حق، ولا تصانع في ذلك أحدًا، واكتف بما يكفيه من الكفاف؛ فإن من لم يكفه الكفاف، لم يغنه شيء، إني بينكم وبين الله، وليس بيني وبينه أحد، وإن الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه؛ فأنهوا اشكاتكم إلينا؛ فمن لم يستطع؛ فإلى من يبلغناها، نأخذ له الحق غير متعتع". "تاريخ الطبري ٤: ٨٥".

стр. 355

٩٢- وصيته لسعد بن أبي وقاص: وصى سعد بن أبي وقاص حين أمره على حرب العراق فقال: "يا سعد سعد بني وهيب، لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله ﷺ ، وصاحب رسول الله، فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ؛ ولكنه يمحو السيئ بالحسن، فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته؛ فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عنده بالطاعة؛ فانظر الأمر الذي رأيت النبي ﷺ منذ بعث إلى أن فارقنا فالزمه؛ فإنه الأمر، هذه عظتي إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك، وكنت من الخاسرين". "تاريخ الطبري ٤: ٨٤، والكامل لابن الأثير ٢: ٢٢٠".
следующие страницы →