أين الطراء١ المهاجرون عن موعود الله، سيروا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب أن يورثكموها؛ فإنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ والله مظهر دينه، ومعز ناصره، ومولي أهله مواريث الأمم، أين عباد الله الصالحون ... "؟
فلما اجتمع له البعث أمر عليهم أولهم انتدابًا٢ وهو أبو عبيد وقال له:
"اسمع من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأشركهم في الأمر، ولا تجتهد مسرعًا حتى تتبين؛ فإنها الحرب، والحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث٣ الذي يعرف الفرصة والكف".
"تاريخ الطبري ٤: ٦٠، والكامل لابن الأثير ٢: ٢١١".
стр. 352
٩٠- وصية عمر لأبي عبيد بن مسعود:
وتقدم عمر إلى أبي عبيد بن مسعود فقال:
"إنك تقدم على أرض المكر والخديعة، والخيانة والجبرية، تقدم على قوم قد جرءوا على الشر فعلموه، وتناسوا الخير فجهلوه؛ فانظر كيف تكون، واخزن لسانك، ولا تفشين سرك، فإن صاحب السر -ما ضبطه- متحصن لا يؤتى من وجه يكرهه، وإذا ضيعه كان بمضيعة".
"تاريخ الطبري ٤: ٦٦".
стр. 353
٩١- خطبة له وقد شيع جيش سعد بن أبي وقاص:
وشيع جيش سعد بن أبي وقاص، حين وجهه لحرب العراق؛ فقام في الناس خطيبًا فقال:
"إن الله تعالى إنما ضرب لكم الأمثال، وصرف لكم الأقوال، ليحيي بها
стр. 354
القلوب؛ فإن القلوب ميتة في صدروها حتى يحييها الله، من علم شيئًا فلينتفع به، وإن للعدل أمارات وتباشير، فأما الأمارات: فالحياء، والسخاء، والهين، واللين. وأما التباشير: فالرحمة، وقد جعل الله لكل أمر بابًا، وبشر لكل باب مفتاحًا؛ فباب العدل الاعتبار ومفتاحه الزهد، والاعتبار ذكر الموت بتذكر الأموات، والاستعداد له بتقديم الأعمال، والزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق، وتأدية الحق إلى كل أحد له حق، ولا تصانع في ذلك أحدًا، واكتف بما يكفيه من الكفاف؛ فإن من لم يكفه الكفاف، لم يغنه شيء، إني بينكم وبين الله، وليس بيني وبينه أحد، وإن الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه؛ فأنهوا اشكاتكم إلينا؛ فمن لم يستطع؛ فإلى من يبلغناها، نأخذ له الحق غير متعتع".
"تاريخ الطبري ٤: ٨٥".
стр. 355
٩٢- وصيته لسعد بن أبي وقاص:
وصى سعد بن أبي وقاص حين أمره على حرب العراق فقال:
"يا سعد سعد بني وهيب، لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله ﷺ ، وصاحب رسول الله، فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ؛ ولكنه يمحو السيئ بالحسن، فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته؛ فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عنده بالطاعة؛ فانظر الأمر الذي رأيت النبي ﷺ منذ بعث إلى أن فارقنا فالزمه؛ فإنه الأمر، هذه عظتي إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك، وكنت من الخاسرين".
"تاريخ الطبري ٤: ٨٤، والكامل لابن الأثير ٢: ٢٢٠".
стр. 356
٩٣- وصيته لسعد بن أبي وقاص أيضًا
ولما أراد أن يسرحه دعاه فقال:
"إني قد وليتك حرب العراق، فاحفظ وصيتي فإنك تقدم على أمر شديد كريه،
стр. 357
لا يخلص منه إلا الحق، فعود نفسك ومن معك الخير واستفتح به، واعلم أن لكل عادة عتادًا١، فعتاد الخير الصبر، فالصبر الصبر على ما أصابك أو نابك، يجتمع لك خشية الله، واعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين: في طاعته، واجتناب معصيته، وإنما أطاعه من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة، وعصاه من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة، وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاء، منها السر، ومنها العلانية. فأما العلانية فأن يكون حامده وذامه في الحق سواءً، وأما السر فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه وبمحبة الناس، فلا تزهد في التحبب، فإن النبيين قد سألوا محبتهم، وإن الله إذا أحب عبدًا حببه، وإذا أبغض عبدًا بغضه، فاعتبر منزلتك عند الله تعالى بمنزلتك عند الناس ممن يشرع معك في أمرك".
"تاريخ الطبري ٤: ٨٥".
стр. 358
٩٤- وصية أخرى كتبها إلى سعد بن أبي وقاص:
وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص ﵄ ومن معه من الأجناد.
"أما بعد: فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال؛ فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصبة عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية، كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله،
стр. 359
ولا تقولوا إن عدونا شر منا؛ فلن يسلط علينا، فرب قوم سلط عليهم شر منهم كما سلط على بني إسرائيل "لما عملوا بمساخط الله" كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولًا، واسألوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه النصر على عدوكم. أسأل الله تعالى ذلك لنا ولكم. وترفق بالمسلمين في مسيرهم، ولا تجشهم مسيرًا يتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يبلغوا عدوهم "والسفر لم ينقص قوتهم" فإنهم سائرون إلى عدو مقيم، حامي الأنفس والكراع١، وأقم بمن معك في كل جمعة يومًا وليلة، حتى تكون لهم راحة يحيون فيها أنفسهم، ويرمون٢ أسلحتهم وأمتعتهم، ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه، ولا يرزأ٣ أحدًا من أهلها شيئًا؛ فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها، كما ابتلوا بالصبر عليها، فما صبروا لكم فتولوهم خيرًا، ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح، وإذا وطئت أرض العدو فأذك٤ العيون بينك وبينهم، ولا يخف عليك أمرهم، وليكن عندك من العرب، أو من أهل الأرض من تطمئن إلى نصحه وصدقه، فإن الكذوب لا ينفعك خبره، وإن صدقك في بعضه، والغاش عين عليك، وليس عينًا لك، وليكن منكم عند دنوك من أرض العدو أن تكثر الطلائع، وتبث السرايا٥ بينك وبينهم، فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم، وتتبع الطلائع عوراتهم، وتنق٦ للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك، وتخير لهم سوابق الخيل؛ فإن لقوا عدوًّا كان أول ما تلقاهم القوة من رأيك، واجعل أمر السريا إلى أهل الجهاد، والصبر على الجلاد، ولا تخص بها أحدًا بهوى، فتضيع من رأيك وأمرك، أكثر مما حابيت به أهل
стр. 360
خاصتك، ولا تبعثن طليعة، ولا سرية، في وجه تتخوف فيه غلبة أو ضيعة ونكاية؛ فإذا عاينت العدو، فاضمم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك، واجمع إليك مكيدتك وقوتك، ثم لا تعاجلهم المناجزة، ما لم يستكرهك قتال، حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله، وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها، فتصنع بعدوك، كصنعه بك، ثم أذك أحراسك على عسكرك، وتيقظ من البيان جهدك، ولا تؤتى بأسير ليس له عقد١ إلا ضربت عنقه، لترهب به عدو الله وعدوكم، والله ولي أمرك ومن معك، وولي النصر لكم على عدوكم، والله المستعان".
"العقد الفريد ١: ٤٠".
стр. 361
٩٥- وصيته للمجاهدين:
كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول عند عقد الألوية:
"بسم الله وبالله، وعلى عون الله، امضوا بتأييد الله، وما النصر إلا من عند الله، ولزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجبنوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور١ ولا تقتلوا هرمًا ولا امرأة ولا وليدًا، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان، وعند شن٢ الغارات".
"العقد الفريد ١: ٤٠".
стр. 362
وصية عمر ليعلى بن أمية في إجلاء نهر نجران
...
٩٦- وصية عمر ليعلى بن أمية في إجلاء أهل نجران:
روى الطبري قال:
كان أول بعث بعثه عمر بعث أبي عبيد، ثم بعث يعلى بن أمية إلى اليمن، وأمره بإجلاء أهل نجران، ولوصية رسول الله ﷺ في مرضه بذلك، ولوصية أبي بكر ﵀ بذلك في مرضه، وقال:
"ائتهم ولا تفتنهم عن دينهم، ثم أجلهم من أقام منهم على دينه، وأقرر المسلم، وامسح أرض كل من تجلى منهم، ثم خيرهم البلدان، وأعلمهم أنا نجليهم بأمر الله ورسوله ألا يترك بجزيرة العرب دينان؛ فليخرجوا من أقام على دينه منهم، ثم نعطيهم أرضًا كأرضهم إقرارًا لهم بالحق على أنفسنا، ووفاء بذمتهم، فيما أمر الله من ذلك بدلًا بينهم وبين جيرانهم من أهل اليمن وغيرهم فيما صار لجيرانهم بالريف".
"تاريخ الطبري ٤: ٦٢".
стр. 363
٩٧- خطبة لعمر:
ولما انتهى إلى عمر قتل أبي عبيد بن مسعود نادى في المهاجرين والأنصار وخرج حتى أتى صرارًا فعسكر به، واستشار الناس فكلهم أشار عليه بالسير إلى فارس واستشار ذوي الرأي فأشاروا عليه أن يقيم ويبعث رجلًا فقام في الناس فقال:
"إن الله قد جمع على الإسلام أهله؛ فألف بين القلوب، وجعلهم فيه إخوانًا، والمسلمون فيما بينهم كالجسد لا يخلوا منه شيء من شيء أصاب غيره. وكذلك يحق على المسلمين أن يكونوا "وأمرهم شورى بينهم" بين ذوي الرأي منهم؛ فالناس تبع لمن قام
стр. 364
بهذا الأمر، ما اجتمعوا عليه ورضوا به لزم الناس وكانوا فيه تبعًا لهم، ومن قام بهذا الأمر تبع لأول رأيهم ما رأوا لهم ورضوا به لهم من مكيدة في حرب كانوا فيه تبعًا لهم.
يأيها الناس إني إنما كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوو الرأي منكم عن الخروج؛ فقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلًا، وقد أحضرت هذا الأمر من قدمت ومن خلفت".
"تاريخ الطبري ٤: ٨٣".
стр. 365
٩٨- خطبة جرير بن عبد الله البجلي:
وقال المثنى بن حارثة وهو على قتال فارس: من يتبع الناس إلى السيب؟ فقام جرير بن عبد الله البجلي في قومه فقال:
"يا معشر بجيلة: إنكم وجيمع من شهد هذا اليوم في السابقة والفضيلة والبلاء سواء، وليس لأحد منهم في هذا الخمس غدًا من النفل مثل الذي لكم مه، ولكم ربع خمسه نفلًا من أمير المؤمنين؛ فلا يكونن أحد أسرع إلى هذا العدو، ولا أشد عليه منكم للذي لكم منه، ونية إلى ماترجون؛ فإنما تنتظرون إحدى الحسنيين: الشهادة والجنة أو الغنيمة والجنة".
"تاريخ الطبري ٤: ٧٦".
стр. 366
خطبة سعد ابن أبي وقاص يوم أرماث
...
٩٩- خطبة سعد بن أبي وقاص يوم أرماث:
وخطب سعد بن أبي وقاص يوم أرماث١ " سنة ١٤هـ" فحمد وأثنى عليه وقال:
"إن الله هو الحق لا شريك له في الملك وليس لقوله خلف" قال الله جل ثناؤه:
стр. 367
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ ، إن هذا ميراثكم وموعود ربكم، وقد أباحها لكم منذ ثلاث حجج؛ فأنتم تطعمون منها وتأكلون منها، وتقتلون أهلها وتجبونهم وتسبونهم إلى هذا اليوم بما نال منهم أصحاب الأيام منكم، وقد جاءكم منهم هذا الجمع، وأنتم وجوه العرب وأعيانهم، وخيار كل قبيلة وعز من وراءكم؛ فإن تزهدوا في الدنيا وترغبوا في الآخرة جمع الله لكم الدنيا والآخرة، ولا يقرب ذلك أحدا إلى أجله، وإن تفشلوا وتهنوا وتضعفوا تذهب ريحكم وتوبقوا آخرتكم".
стр. 368
١٠٠- خطبة عاصم بن عمرو:
وقام عاصم بن عمرو فقال:
"إن هذه بلاد قد أحل الله لكم أهلها، وأنتم تنالون منها منذ ثلاث سنين ما لا ينالون منكم، وأنتم الأعلون والله معكم، إن صبرتم وصدقتموهم الضرب والطعن فلكم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم وبلادهم، وإن خرتم وفشلتم -والله لكم من ذلك جار وحافظ- لم يبق هذا الجمع منكم باقية، مخافة أن تعودوا عليهم بعائدة هلاك، الله الله، اذكروا الأيام وما منحكم الله فيها، أولا ترون أن الأرض وراءكم بسابس١ قفار ليس خمر٢ ولا وزر إليه ويمتنع به؟ اجعلوا همكم الآخرة".
"تاريخ الطبري ٤: ١١٤".
стр. 369
١٠١- خطبة طليحة بن خويلد الأسدي:
وحمل أصحاب الفيلة من جيش الفرس على المسلمين، وكادت بجيلة أن تؤكل، فرت عنها خيلها نفارًا؛ فأرسل سعد إلى بني أسد: ذببوا١ عن بجيلة، وقام طليحة بن خويلد الأسدي في قومه حين استصرخهم سعد فقال:
стр. 370
"يا عشيرتاه: إن المنوه باسمه الموثوق به، وإن هذا لو علم أن أحدًا أحق بإغاثة هؤلاء منكم استغاثهم، ابتدئوهم الشدة، وأقدموا عليهم إقدام الليوث الحربة١؛ فإنما سميتم أسدًا لتفعلوا فعله، شدوا ولا تصدوا وكروا ولا تفروا، لله در ربيعة! أي فري يفرون، وأي قرن يغنون! هل يوصل إلى مواقفهم؟ فأغنوا عن مواقفكم أعانكم الله، شدوا عليهم باسم الله".
"تاريخ الطبري ٤: ١١٨".
стр. 371
١٠٢- الخنساء تحرض أولادها على القتال:
حضرت الخنساء حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال، فقالت لهم:
"يا بني، أنتم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله غيره، إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت١ حسبكم، ولا غبرت٢ نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب العظيم في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فإذا أصبحتم غدًا؛ فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، ولله على أعدائه مستنصرين".
فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم، فتقدموا واحدًا بعد واحد، ينشدون الأراجيز؛ فقاتلوا حتى استشهدوا جميعًا، فلما بلغها الخبر قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته". فكان عمر ﵁ يعطيها أرزاق أولادها الأربعة لكل واحد منهم مائة درهم، حتى قبض وماتت الخنساء.
"حزانة الأدب:١، ٣٩٥".
стр. 372
١٠٣- خطبة عتبة بن غزوان:
وفي سنة ١٤هـ وجه عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة وأمره بنزولها بمن معه وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم؛ فرفعوا له منبرًا وقام يخطب فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال:
"أما بعد: فإن الدنيا قد تولت حذاء١ مدبرة، وقد آذنت أهلها بصرم٢؛ وإنما بقي منها صبابة٣ كصبابة الإناء يصطبها صاحبها، ألا وإنكم مفارقوها لا محالة، ففارقوها بأحسن ما يحضركم، ألا وإن من العجب أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الحجر الضخم يلقى في النار من شفيرها٤، فيهوي فيها سبعين خريفًا٥، ولجهنم سبعة أبواب ما بين البابين منها مسيرة خمسمائة سنة، ولتأتين عليها ساعة وهي كظيظ٦ بالزحام، ولقد كنت مع رسول الله ﷺ سابع سابعة، ما لنا طعام إلا ورق البشام٧، حتى قرحت أشداقنا؛ فوجدت أنا وسعد بن مالك تمرة، فشققتها بيني وبينه نصفين، والتقطت بردة فشققتها بيني وبينه، فأتزرت بنصفها، وأتزر بنصفها، وما منا أحد اليوم إلا وهو أمير على مصر من الأمصار، وإنه لم يكن نبوة قط إلا تناسختها٨ جبرية، وأنا أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا، وفي أعين الناس صغيرًا، وستجربون الأمراء من بعدي، فتعرفون وتنكرون".
"تاريخ الطبري ٤: ١٤٩ والعقد الفريد ٢: ١٥٦، والبيان والتبيين ٢: ٢٧، والكامل لابن الأثير ٢: ١٨٨".
стр. 373
١٠٤- خطبة لسعد بن أبي وقاص:
ولما نزل سعد بهرسير -وهي المدينة الدنيا- طلب السفن ليعبر بالناس إلا المدينة القصوى "على نهر دجلة"؛ فلم يقدر على شيء ووجدهم قد ضموا السفن؛ فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال:
"إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليه معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا، فيناوشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه؛ فقد كفاكموه أهل الأيام، وعطلوا ثغورهم، وأفنوا ذادتهم. وقد رأيت من الرأى أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا؛ ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم".
فقالوا جميعًا: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل.
واقتحم دجلة وفتح المدينة القصوى "سنة ١٦هـ".
"تاريخ الطبري ٤: ١٧٠".
стр. 374
١٠٥- خطبة عمر
ولما تجمعت جموع الفرس بنهاوند كتب سعد إلى عمر يخبره بذلك فاجتمع الناس وقام عمر على المنبر خطيبًا فأخبرهم الخبر واستشارهم وقال:
"هذا يوم له ما بعده من الأيام، ألا وإني قد هممت بأمر وإني عارضه عليكم فاسمعوه، ثم أخبروني وأوجزوا، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، ولا تكثروا ولا تطيلوا فتفشغ١ بكم الأمور، ويتلوى عليكم الرأي، أفمن الرأي أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه، حتى أنزل منزلًا وسطًا بين هذين المصرين فأستنفرهم ثم أكون
стр. 375
لهم رداء يفتح الله عليهم ويقضي ما أحب، فإن فتح الله عليهم أن أضربهم عليهم في بلادهم ليتنازعوا ملكهم".
فقام عثمان بن عفان ورجال من أهل الرأي من أصحاب رسول الله ﷺ فتكلموا كلاماً فقالوا:
"لا نرى ذلك، ولكن لا يغيبن عنهم رأيك وأثرك، وقالوا: بإزائهم وجوده العرب وفرسانهم وأعلامهم ومن قد فض جموعهم، وقتل ملوكهم، وباشر من حروبهم ما هو أعظم من هذه، وإنما استأذنوك ولم يستصرخوك فأذن لهم واندب إليهم وادع لهم". "تاريخ الطبري ٤:٢٣٧"
стр. 376
١٠٦- خطبة لعلي:
وقام علي بن أبي طالب فقال:
"أصاب القوم يا أمير المؤمنين الرأي، وفهموا ما كتب به إليك، وإن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه لكثرة ولا قلة، هو دينه الذي أظهره، وجده الذي أعزه وأيده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ؛ فنحن على موعد من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكانك منهم مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه، فإن انحل تفرق ما فيه وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً، والعرب اليوم وإن كانوا قليلًا فهي كثير عزيز بالإسلام، فأقم واكتب إلى أهل الكوفة، فهم أعلام العرب ورؤساؤهم، ومن لم يحفل بمن هو أجمع وأحدُّ وأجدُّ من هؤلاء؛ فليأتهم الثلثان وليقم الثلث، واكتب إلى أهل البصرة أن يمدوهم ببعض من عندهم".
فسر عمر بحسن رأيهم وأعجبه ذلك منهم.
"تاريخ الطبري ٤: ٢٣٧".
стр. 377
١٠٧- خطبة طلحة بن عبيد الله:
وقام طلحة بن عبيد الله وكان من خطباء رسول الله ﷺ فتشهد ثم قال: "أما بعد يا أمير المؤمنين فقد أحكمتك الأمور وعجمتك١ البلايا، واحتنكتك٢ التجارب، وأنت وشأنك، وأنت ورأيك، لا ننبو في يديك ولا نكل عليك، إليك هذا الأمر فمرنا نطع، وادعنا نجب، واحملنا نركب، ووفدنا نفد، وقدنا ننقد فإنك ولي هذا الأمر، وقد بلوت وجربت واختبرت؛ فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيار" ثم جلس.
"تاريخ الطبري ٤: ٢٣٨".
стр. 378
١٠٨- خطبة عثمان بن عفان:
فعاد عمر فقال: إن هذا يوم له ما بعده من أيام فتكلموا؛ فقام عثمان بن عفان فتشهد وقال:
"أرى يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم، وتكتب إلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم، ثم تسير أنت بأهل هذين الحرمين إلى المصرين: البصرة والكوفة، فتلقى جميع المشركين بجميع المسلمين، فإنك إذا سرت بمن معك وعندك. قل في نفسك ما قد تكاثر من عدد القوم، وكنت أعز عزًّا وأكثر يا أمير المؤمنين، إنك لا تستبقي من نفسك بعد العرب باقية، ولا تمتنع من الدنيا بعزيز، ولا تلوذ منها بحريز، إن هذا اليوم له ما بعده من الأيام، فأشهده برأيك وأعوانك ولا تغب عنه" ثم جلس.
"تاريخ الطبري ٤: ٢٣٨".
стр. 379
١٠٩- خطبة علي بن أبي طالب:
فعاد عمر فقال: إن هذا يوم له ما بعد من الأيام فتكلموا؛ فقام علي بن أبي طالب فقال:
"أما بعد يا أمير المؤمنين فإنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم؛ سارت الروم إلى ذراريهم، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم؛ سارت الحبشة إلى ذراريهم، وإنك إن شخصت من هذه الأرض؛ انتفضت عليك الأرض من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات والعيالات، أقرر هؤلاء في أمصارهم، واكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا فيها ثلاث فرق: فلتقم فرقة لهم في حرمهم وذراريهم، ولتقم فرقة في أهل عهدهم لئلا ينتقضوا عليهم، ولتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددًا لهم.
إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدًا قالوا هذا أمير العرب وأصل العرب؛ فكان ذلك أشد لكلبهم وألبتهم١ على نفسك، وأما ما ذكرت من مسير القوم فإن الله أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ولكنا نقاتل بالنصر".
فقال عمر: أجل والله لئن شخصت من هذه البلدة لتنتقضن علي الأرض من أطرافها وأكنافها، ولئن نظرت إلي الأعاجم لا يفارقن العرصة٢، وليمدهم من لم يمدهم، وليقولن: هذا أصل العرب، فإذا اقتطعتموه اقتطعتم أصل العرب:
فأشيروا علي برجل أوله ذلك الثغر غدًا، قالوا أنت أفضل رأيًا، وأحسن مقدرة، قال: أشيروا علي به واجعلوه عراقيًّا، قالوا يا أمير المؤمنين أنت أعلم بأهل العراق،
стр. 380
وجندك قد وفدوا عليك ورأيتهم وكلمتهم، فقال: أما والله لأولين أمرهم رجلًا ليكونن لأول الأسنة إذا لقيها غدًا، فقيل من يا أمير المؤمنين؟ فقال: النعمان بن مقرن المزني، فقالوا: هو لها، والنعمان يؤمئذ بالبصرة، فولاه.
"تاريخ الطبري ٤: ٢٣٨".
стр. 381
١١٠- خطبة النعمان بن مقرن:
ونشب القتال بين المسلمين والفرس، وكان النعمان يسير في الناس على برذون أحوى١ قريب من الأرض فيقف على كل راية ويحمد الله ويثني عليه ويقول:
"قد علمتم ما أعزكم الله به من هذا الدين وما وعدكم من الظهور، وقد أنجز لكم هوادي٢ ما وعدكم وصدوره؛ وإنما بقيت أعجازه وأكارعه، والله منجز وعده، ومتبع آخر ذلك أوله، واذكروا ما مضى إذ كنتم أذلة، وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم أعزة؛ فأنتم اليوم عباد الله حقًا وأولياؤه، وقد علمتم انقطاعكم من إخوانكم من أهل الكوفة، والذي لهم في ظفركم وعزكم، والذي عليهم في هزيمتكم وذلكم، وقد ترون من أنتم بإزائه من عدوكم، وما أخطرتم وما أخطروا لكم؛ فأما ما أخطروا لكم فهذه الرثة٣ وما ترون من هذا السواد، وأما ما أخطرتم لهم فدينكم وبيضتكم، ولا سواء ما أخطرتم وما أخطروا؛ فلا يكونن على دنياهم أحمى منكم على دينكم، واتقى الله عبد صدق الله وأبلى نفسه فأحسن البلاء؛ فإنكم بين خيرين منتظرين: إحدى الحسنيين، من بين شهيد حي مرزوق أو فتح قريب وظفر يسير؛ فكفى كل رجل مايليه، ولم يكل قرنه إلى أخيه، فيجتمع عليه قرنه وقرن نفسه، وذلك من الملأمة، وقد يقاتل الكلب عن صاحبه، فكل رجل منكم مسلط على ما يليه، فإذا قضيت أمري فاستعدوا، فإني مكبر ثلاثًا، فإذا كبرت التكبيرة
стр. 382
الأولى فليتهيأ من لم يكن تهيأ؛ فإذا كبرت الثانية فليشد عليه سلاحه وليتهيأ للنهوض، فإذا كبرت الثالثة فإني حامل إن شاء الله فاحملوا معًا، اللهم أعز دينك وانصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك".
وزلق فرسه في دماء القوم فصرع فاستشهد.
"تاريخ الطبري ٤: ٢٤٢".
стр. 383
خطب رجال من الفاتحين بين يدي يزدجرد ملك الفرس وقواده
مدخل
...
خطب رجال من الفاتحين بين يدي يزدجرد ملك الفرس وقواده:
وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص وهو على فتح العراق يأمره أن يبعث إلى يزدجرد ملك الفرس رجالًا من أهل المنظرة١ والرأي والجلد يدعونه، فاختارهم وأنفذهم إليه بالمدائن؛ فلما دخلوا عليه أمر الترجمان بينه وبينهم فقال: سلهم ما جاء بكم وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا، أمن أجل أنا أجممناكم٢ وتشاغلنا عنكم اجترأتم علينا؟ فقال لهم النعمان بن مقرن: إن شئتم أجبت عنكم، ومن شاء آثرته، فقالوا: بل تكلم، فتكلم النعمان فقال:
стр. 384
١١١- خطبة النعمان بن مقرن:
"إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولًا يدلنا على الخير، ويأمرنا به، ويعرفنا الشر، وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة؛ فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين: فرقة تقاربه، وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص، فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب، وبدأ بهم وفعل، فدخلوا معه جميعًا على وجهين: مكره عليه فاغتبط، وطائع أتاه فازداد، فعرفنا جميعًا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه، من العداوة والضيق، ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم، فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين حسن
стр. 385
الحسن، وقبح القبيح كله؛ فإن أبيتم فأمر من الشر، هو أهون من آخر شر منه، الجزاء١؛ فإذا أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه، على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، وإن اتقيتمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم، وإلا قاتلناكم".
فقال يزدجرد: إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددًا، ولا أسوأ ذات بين منكم، قد نوكل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم، لا تغزوكم فارس، ولا تطمعون أن تقوموا لهم، فإن كان غرور لحقكم، فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم، فرضنا لكم قوتًا إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم، وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكًا يرفق بكم، فقام المغيرة بن زرارة فقال:
стр. 386
١١٢- خطبة المغيرة بن زرارة:
أيها الملك: إن هؤلاء رءوس العرب ووجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف؛ وإنما يكرم الأشراف الأشراف، ويعظم حقوق الأشراف الأشراف، ويفخم الأشراف الأشراف، وليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك؛ فجاوبني لأكون الذي أبلغك، ويشهدون على ذلك، إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالمًا، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالًا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس، والجعلان١ والعقارب والحيات فنرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل، وأشعار الغنم، ديننا أن يقتل بعضنا
стр. 387
بعضًا، ويغير بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامنا؛ فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث الله إلينا رجلًا معروفًا نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا، وقبيلته خير قبيلتنا، وهو بنفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا، فدعانا إلى أمر، فلم يجب أحد أول من ترب كان له، وكان الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا فلم يقل شيئًا إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله، فقال لنا: إن ربكم يقول: إني أنا الله وحدي لا شريك لي، كنت إذ لم يكن شيء، وكل شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كل شيء، وإلي يصير كل شي، وإن رحمتي أدركتكم، فبعثت إليكم هذا الرجل، لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري دار السلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال: من تابعكم على هذا، فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحكم بينكم، فمن قتل منكم أدخلته جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه؛ فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك".
فقال يزدجرد: أتستقبلني بمثل هذا؟ لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم عندي، ثم قال: ائتوني بوقر١ من تراب، فقال احملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن.
"تاريخ الطبري ٤: ٩٢ والكامل لابن الأثير ٢: ٢٢٣".
стр. 388
١١٣- مقال ربعي بن عامر عند رستم قائد جيش الفرس:
وأرسل رستم قائد جيش الفرس، إلى سعد بن أبي وقاص، أن ابعث إلينا رجلًا نكلمه ويكلمنا؛ فبعث إليه ربعي بن عامر؛ فلما انتهى إليه قال له الترجمان "واسمه عبود من أهل الحيرة" ما جاء بكم؟ قال:
"الله ابتعثنا، والله جاء بنا، لنخرج من شاء من عبادة العباد، إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام؛ فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه؛ فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه، ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدًا، حتى نفضي إلى موعود الله، قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي".
"تاريخ الطبري ٤: ١٠٦، والكامل لابن الأثير ٢: ٢٢٧".
стр. 389
١١٤- خطبة المغيرة بن شعبة في حضرة رستم:
وبعث إليه أيضًا المغيرة بن شعبة، فتكلم بحضرته، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله خالق كل شيء ورازقه، فمن صنع شيئًا فإنما هو يصنعه والذي له، وأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك من الظهور على الأعداء، والتمكن في البلاد، وعظم السلطان في الدنيا، فنحن نعرفه، ولسنا ننكره، فالله صنعه بكم، ووضعه فيكم، وهو له دونكم، وأما الذي ذكرت فينا من سوء الحال، وضيق المعيشة، واختلاف القلوب، فنحن نعرفه، ولسنا ننكره، والله ابتلانا بذلك، وصيرنا إليه، والدنيا دول، ولم يزل أهل شدائدها يتوقعون الرخاء، حتى يصيروا إليه، ولم يزل أهل رخائها يتوقعون الشدائد، حتى تنزل بهم، ويصيروا إليها، ولو كنتم فيما آتاكم الله ذوي شكر، كان
стр. 390
شكركم يقصر عما أوتيتم، وأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال، ولو كنا فيما ابتلينا به أهل كفر، كان عظيم ما تتابع علينا، مستجلبًا من الله رحمة يرفه بها عنا، ولكن الشأن غير ما تذهبون إليه، أو كنتم تعرفوننا به، إن الله ﵎ بعث فينا رسولًا، ثم ذكر مثل الكلام الأول".
"تاريخ الطبري٤: ١٠٩، والكامل لابن الأثير ٢: ٢٢٨".