← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

١١٢- خطبة المغيرة بن زرارة: أيها الملك: إن هؤلاء رءوس العرب ووجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف؛ وإنما يكرم الأشراف الأشراف، ويعظم حقوق الأشراف الأشراف، ويفخم الأشراف الأشراف، وليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك؛ فجاوبني لأكون الذي أبلغك، ويشهدون على ذلك، إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالمًا، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالًا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس، والجعلان١ والعقارب والحيات فنرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل، وأشعار الغنم، ديننا أن يقتل بعضنا

стр. 387

بعضًا، ويغير بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامنا؛ فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث الله إلينا رجلًا معروفًا نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا، وقبيلته خير قبيلتنا، وهو بنفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا، فدعانا إلى أمر، فلم يجب أحد أول من ترب كان له، وكان الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا فلم يقل شيئًا إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله، فقال لنا: إن ربكم يقول: إني أنا الله وحدي لا شريك لي، كنت إذ لم يكن شيء، وكل شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كل شيء، وإلي يصير كل شي، وإن رحمتي أدركتكم، فبعثت إليكم هذا الرجل، لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري دار السلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال: من تابعكم على هذا، فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحكم بينكم، فمن قتل منكم أدخلته جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه؛ فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك". فقال يزدجرد: أتستقبلني بمثل هذا؟ لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم عندي، ثم قال: ائتوني بوقر١ من تراب، فقال احملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن. "تاريخ الطبري ٤: ٩٢ والكامل لابن الأثير ٢: ٢٢٣".

стр. 388

١١٣- مقال ربعي بن عامر عند رستم قائد جيش الفرس: وأرسل رستم قائد جيش الفرس، إلى سعد بن أبي وقاص، أن ابعث إلينا رجلًا نكلمه ويكلمنا؛ فبعث إليه ربعي بن عامر؛ فلما انتهى إليه قال له الترجمان "واسمه عبود من أهل الحيرة" ما جاء بكم؟ قال: "الله ابتعثنا، والله جاء بنا، لنخرج من شاء من عبادة العباد، إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام؛ فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه؛ فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه، ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدًا، حتى نفضي إلى موعود الله، قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي". "تاريخ الطبري ٤: ١٠٦، والكامل لابن الأثير ٢: ٢٢٧".

стр. 389

١١٤- خطبة المغيرة بن شعبة في حضرة رستم: وبعث إليه أيضًا المغيرة بن شعبة، فتكلم بحضرته، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله خالق كل شيء ورازقه، فمن صنع شيئًا فإنما هو يصنعه والذي له، وأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك من الظهور على الأعداء، والتمكن في البلاد، وعظم السلطان في الدنيا، فنحن نعرفه، ولسنا ننكره، فالله صنعه بكم، ووضعه فيكم، وهو له دونكم، وأما الذي ذكرت فينا من سوء الحال، وضيق المعيشة، واختلاف القلوب، فنحن نعرفه، ولسنا ننكره، والله ابتلانا بذلك، وصيرنا إليه، والدنيا دول، ولم يزل أهل شدائدها يتوقعون الرخاء، حتى يصيروا إليه، ولم يزل أهل رخائها يتوقعون الشدائد، حتى تنزل بهم، ويصيروا إليها، ولو كنتم فيما آتاكم الله ذوي شكر، كان

стр. 390

شكركم يقصر عما أوتيتم، وأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال، ولو كنا فيما ابتلينا به أهل كفر، كان عظيم ما تتابع علينا، مستجلبًا من الله رحمة يرفه بها عنا، ولكن الشأن غير ما تذهبون إليه، أو كنتم تعرفوننا به، إن الله ﵎ بعث فينا رسولًا، ثم ذكر مثل الكلام الأول". "تاريخ الطبري٤: ١٠٩، والكامل لابن الأثير ٢: ٢٢٨".

стр. 391

١١٥- خطبة المغيرة بن شعبة: لما اجتمعت جيوش المسلمين بنهاوند "سنة ٢١هـ" وأميرهم النعمان بن مقرن المزني أرسل بندار العلج إليهم أن أرسلوا إلينا رجلًا نكلمه، فأرسلوا إليه المغيرة بن شعبة، فأدخل إليه وترجم له قوله: "إنكم معشر العرب أبعد الناس من كل خير، وأطول الناس جوعًا، وأشقى الناس شقاء، وأقذر الناس قذرًا، وأبعده دارًا، وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة١ حولي أن ينتظموكم بالنشاب إلا تنجسا لجيفكم، فإنكم أرجاس، فإن تذهبوا نُخَلِّ عنكم، وإن تأبوا نركم مصارعكم". قال: فحمدت الله، وأثنيت عليه، فقلت: "والله ما أخطأت من صفتنا شيئًا ولا من نعتنا. إن كنا لأبعد الناس دارًا، وأشد الناس جوعًا، وأشقى الناس شقاء، وأبعد الناس من كل خير، حتى بعث الله إلينا رسول الله ﷺ ، فوعدنا النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، فوالله ما زلنا نتعرف من ربنا منذ جاءنا رسوله بالفتح والنصر حتى أتيناكم، وإنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدًا حتى نغلبكم على ما في أيديكم، أو نقتل بأرضكم". "تاريخ الطبري ٤: ٢٣٤".

стр. 392

١١٦- خطبة عمر: وغزا الأحنف بن قيس خراسان وحارب يزدجرد سنة ٢٢هـ ثم أقبل أهل فارس على الأحنف، فصالحوه، وعاقدوه، ودفعوا إليه خزائن يزدجرد، وتراجعوا إلى بلدانهم، وبعث الأحنف بالخبر والغنائم إلى عمر بن الخطاب، فجمع الناس وخطبهم، فقال في خطبته: "إن الله ﵎ ذكر رسوله ﷺ وما بعثه به من الهدى، ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ فالحمد لله الذي أنجز وعده، ونصر جنده، ألا إن الله قد أهلك ملك المجوسية وفرق شملهم، فليسوا يملكون من بلادهم شبرًا يضر بمسلم، ألا وإن الله أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون. ألا وإن المصرين من مسالحها١ اليوم كأنتم والمصرين فيما مضى من البعد، وقد وغلوا في البلاد، والله بالغ أمره ومنجز وعده، ومتبع آخر ذلك أوله، فقوموا في أمره على رجل يوفِّ لكم بعهده، ويؤتكم وعده، ولا تبدلوا ولا تغيروا؛ فيستبدل الله بكم غيركم، فإني لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى إلا من قبلكم". "تاريخ الطبري ٤: ٢٦٧".

стр. 393

١١٧- خطبة عثمان بن أبي العاص: ولما فتح عثمان بن أبي العاص إصطخر "سنة ٢٣هـ" وجمع إليه ما أفاء الله على المسلمين خمَّسه، وبعث بالخمس إلى عمر، وقسم أربعة أخماس المغنم في الناس،

стр. 394

وعفت الجند عن النهاب، وأدوا الأمانة، واستدقوا١ الدنيا، فجمعهم عثمان ثم قام فيهم وقال: "إن هذا الأمر لا يزال مقبلًا، ولايزال أهله معافين مما يكرهون مالم يغلوا، فإذا غلوا رأوا ما ينكرون: ولم يسد الكثير مسد القليل اليوم". "تاريخ الطبري ٥: ٣".

стр. 395

في فتح الشام: ١١٨- بين الروم ومعاذ بن جبل: وبعث الروم إلى أبي عبيدة أن "أرسل إلينا رجلًا من صلحائكم نسأله عما تريدون، وما تسألون، وما تدعون إليه، ونخبره بذات أنفسنا، وندعوكم إلى حظكم إن قبلتم، فأرسل إليهم أبو عبيدة معاذ بن جبل، فأتاهم، فقالوا للترجمان: قل له: "أخبرونا ما تطلبون؟ وإلام تدعون إليه؟ وما أدخلكم بلادنا؟ وتركتم أرض الحبشة وليسوا منكم ببعيد، وتركتم أرض فارس وقد هلك ملك فارس وهلك ابنه، وإنما تملكهم اليوم النساء ونحن ملكنا حي، وجنودنا عظيمة كثيرة، وإن اقتحمتم من مدائننا مدينة، أو من قرانا قرية، أو من حصوننا حصنًا، أو هزمتم لنا عسكرًا، أظننتم أنكم قد ظفرتم بجماعتنا؟ وأنكم قد قطعتم حربنا عنكم؟ أو فرغتم ممن وراءنا منا، ونحن عدد نجوم السماء وحصى الأرض! وأخبرونا لم تستحلون قتالنا، وأنتم تؤمنون بنبينا وكتابنا؟ ". فلما قالوا هذا القول وفسره الترجمان لمعاذ سكتوا، فقال معاذ للترجمان: قد فرغوا؟ قال له: نعم، قال: فأفهمهم عني أن أول ما أنا ذاكر حمد الله الذي لا إله إلا هو، والصلاة على محمد نبيه صلى لله عليه وسلم، وأن أول ما أدعوكم إلى الله أن تؤمنوا بالله وحده، وبمحمد ﷺ ، وأن تصلوا صلاتنا وتستقبلوا قبلتنا، وأن تستنوا بسنة نبينا ﷺ ، وتكسروا الصليب، وتجتنبوا شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، ثم أنتم منا ونحن منكم، وأنتم إخواننا في ديننا، لكم ما لنا، وعليكم ما علينا، وإن

стр. 396

أبيتم، فأدوا الجزية إلينا في كل عام وأنتم صاغرون، ونكف عنكم، وإن أنتم أبيتم هاتين الخصلتين فليس شيء مما خلق الله نحن قابلوه منكم، فابرزوا إلينا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، فهذا ما نأمركم به وما ندعوكم إليه. وأما قولكم: "ما أدخلكم بلادنا وتركتم أرض الحبشة وليسوا منكم ببعيد، وتركتم أهل فارس، وقد هلك ملكهم" فإني أخبركم عن ذلك: ما بدأنا قتالكم؛ لأنكم أقرب إلينا منهم، وإنكم عندنا جميعًا بالسواء، وما جاءنا كتابنا بالكف عنهم، ولكن الله أنزل في كتابه على نبينا ﷺ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ وكنتم أقرب إلينا منهم، فبدأنا بكم لذلك، وقد أتاهم طائفة منا وهم يقاتلونهم، وأرجو أن يظفرهم الله ويفتح عليهم فينصر. وأما قولكم: "إن ملكنا حي، وإن جنودنا عظيمة، وإنا عدد نجوم السماء وحصى الأرض" وتوئسونا من الظهور عليكم فإن الأمر في ذلك ليس إليكم، وإنما الأمور كلها إلى الله، وكل شيء في قبضته وقدرته، وإذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، وإن يكن ملككم هرقل فإن ملكنا الله الذي خلقنا، وأميرنا رجل منا، إن عمل فينا بكتاب ديننا وسنة نبينا ﷺ أقررناه علينا، وإن عمل بغير ذلك عزلناه عنا، وإن هو سرق قطعنا يده، وإن زنى جلدناه، وإن شتم رجلًا منا شتمه كما شتمه، وإن جرحه أقاده١ من نفسه، ولا يحتجب منا. ولا يتكبر علينا، ولا يستأثر علينا في فيئنا الذي أفاءه الله علينا وهو كرجل منا. وأما قولكم: "جنودنا كثيرة" فإنها وإن عظمت وكثرت حتى تكون أكثر من نجوم السماء وحصى الأرض، فإنا لا نثق بها ولا نتكل عليها، ولا نرجوا النصر على

стр. 397

عدونا بها، ولكنا نتبرأ من الحول والقوة، ونتوكل على الله ، ونثق بربنا، فكم من فئة قليلة قد أعزها الله ونصرها وأغناها، وغلبت فئة كثيرة بإذن الله، وكم من فئة كثيرة قد أذلها الله وأهانها، قال ﵎: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ . وأما قولكم: "كيف تستحلون قتالنا وأنتم تؤمنون بنبينا وكتابنا" فأنا أخبركم عن ذلك: نحن نؤمن بنبيكم، ونشهد أنه عبد من عبيد الله، وأنه رسول من رسل الله، وأن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون، ولا نقول إنه الله، ولا نقول إنه ثاني اثنين، ولا ثالث ثلاثة، ولا إن لله والدًا ولا إن له صاحبة ولا ولدًا، ولا إن معه آلهة أخرى، لا إله إلا هو، تعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا، وأنتم تقولون في عيسى قولًا عظيمًا، فلو أنكم قلتم في عيسى كما نقول، وآمنتم بنبوة نبينا ﷺ كما تجدونه في كتابكم، وكما نؤمن نحن بنبيكم، وأقررتم بما جاء به من عند الله، ووحدتم الله، ما قاتلناكم، بل كنا نسالمكم ونواليكم ونقاتل معكم عدوكم". فلما فرغ معاذ من خطابه قالوا له: ما نرى بيننا وبينك إلا متباعدا، وقد بقيت خصلة نحن نعرضها عليكم، فإن قبلتموها منا فهو خير لكم، وإن أبيتم فهو شر لكم، نعطيكم البلقاء وما والى أرضكم من سواد الأردن، وتنحوا عن بقية أرضنا وعن مدائننا، ونكتب عليكم كتابًا نسمي فيه خياركم وصلحاءكم، ونأخذ عهودكم ومواثيقكم على ألا تطلبوا من أرضنا غير ما صالحناكم عليه، وعليكم بأهل فارس فقاتلوهم، ونحن معكم نعينكم عليهم حتى تقتلوهم وتظهروا عليهم. فقال معاذ: هذا الذي عرضتم علينا وتعطوناه كله في أيدينا ولو أعطيتمونا جميع ما في أيديكم مما لم نظهر عليه، ومنعتمونا خصلة من الخصال الثلاثة التي وصفت لكم ما فعلنا".

стр. 398

فغضبوا عند ذلك وقالوا: نتقرب إليك وتتباعد عنا؟ اذهب إلى أصحابك فوالله إنا لنرجو أن نفرقكم في الجبال غدًا، فقال معاذ: أما الجبال فلا، ولكن والله لتقتلنا عن آخرنا، أو لنخرجنكم من أرضكم أذلة وأنتم صاغرون" وانصرف معاذ.

стр. 399

١١٩- بين أبي عبيدة ورسول الروم: وانصرف معاذ إلى أبي عبيدة فأخبره بما قالوا، ثم أرسل الروم رسولًا من قبلهم إلى أبي عبيدة، فقال له: أنا أعرض عليكم أمرًا لكم فيه حظ إن قبلتموه: نحن نعطيكم دينارين دينارين وثوبًا ثوبا. ونعطيك أنت ألف دينار، ونعطي الأمير الذي فوقك –يعنون عمر- ألفي دينار، وتنصرفون عنا، وإن شئتم أعطيناكم أرض البلقاء ما والى أرضكم من سواد الأردن، وخرجتم من مدائننا وأرضنا وبلادنا، وكتبنا فيما بيننا وبينكم كتابًا يستوثق فيه بعضنا من بعض بالأيمان المغلظة ليقومن به وليفين بما عاهد الله عليه. فحمد الله أبو عبيدة وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي ﷺ ثم قال: "إن الله بعث فينا رسولًا نبيا، وأنزل عليه كتابًا حكيمًا، وأمره أن يدعو الناس إلى عبادة ربهم رحمة منه للعالمين، وقال لهم: إن الله إله واحد، عزيز حكيم، علي مجيد، وهو خالق كل شيء وليس كمثله شيء، وأمرهم أن يوحدوا الله الذي لا إله إلا هو، ولا يتخذوا له صاحبة ولا ولدًا، ولا يتخذوا معه آلهة أخرى، وأن كل شيء يعبده الناس دونه فهو خلقه، وأمرنا ﷺ فقال: إذا أتيتم المشركين فادعوهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، وبالإقرار بما جاء من عند الله ، فمن آمن وصدق فهو أخوكم في دينكم، له ما لكم، وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية حتى يؤدوها عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا أن يؤمنوا أو يؤدوا الجزية

стр. 400

فاقتلوهم وقاتلوهم فإن قتيلكم المحتسب بنفسه شهيد عند الله، وهو في جنات النعيم، وقتيل عدوكم في النار". فقال: قبلتم ما سمعتم مني فهو خير لكم، وإن أبيتم ذلك فابرزوا إلينا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين". فقال الرومي: قد أبيتم إلا هذا؟ فقال له أبو عبيدة: نعم. فقال له الرومي: أما والله على ذلك، إني لا نراكم تتمنون أنكم قبلتم منا دون ما عرضنا عليكم. "فتوح الشام ص ١٠٠".

стр. 401

١٢٠- بين باهان وخالد بن الوليد: وبعث باهان أمير الروم إلى خالد بن الوليد أن القني، فأقبل إليه خالد، فقال باهان: إن شئت فتكلم، وإن شئت بدأتك فتكلمت، فقال له خالد: فتكلم، فقال باهان: "الحمد لله الذي جعل نبينا أفضل الأنبياء، وملكنا أفضل الملوك، وأمتنا خير الأمم، فلما بلغ هذا المكان، قال خالد للترجمان، وقطع على صاحب الروم منطقه ثم قال: "الحمد لله الذي جعلنا نؤمن بنبينا ونبيكم وبجميع الأنبياء، وجعل الأمير الذي وليناه أمورنا رجلًا كبعضنا، فلو زعم أنه ملك علينا لعزلناه عنا، ولسنا نرى أن له على رجل من المسلمين فضلًا، إلا أن يكون أتقى منه عند الله وأبر، والحمد لله الذي جعل أمتنا تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتقر بالذنب وتستغفر الله منه، وتعبد الله وحده لا تشرك به شيئا" قل الآن ما بدا لك. فاصفر وجه باهان ومكث قليلًا، ثم قال: "الحمد لله الذي أبلانا فأحسن البلاء عندنا، وأغنانا من الفقر، ونصرنا على الأمم، وأعزنا فلا نذل، ومنعنا من الضيم، فلا يباح حريمنا، ولسنا فيما أعزنا الله به وأعطانا من ديننا ببطرين ولامرحين ولا

стр. 402

باغين على الناس، وقد كانت لنا منكم يا معشر العرب جيران كنا نحسن جوارهم، ونعظم قدرهم، ونفضل عليهم، ونفي لهم بالعهد، وخيرناهم بلادنا، ينزلون منها حين شاءوا، فينزلون آمنين، ويرحلون آمنين، وكنا نرى أن جميع العرب ممن لا يجاورنا سيشكر لنا ذلك الذي أتينا إلى إخوانهم، وما اصطنعنا عندهم، فلم يرعنا منكم إلا وقد فاجأتمونا بالخيل والرجال، تقاتلوننا على حصوننا، وتريدون أن تغلبونا على بلادنا، وقد طلب هذا منا قبلكم من كان أكثر منكم عددًا، وأعظم مكيدة، وأوفى جندًا، ثم رددناهم عنها، فلم يرجعوا عنَّا إلا وهم بين قتيل وأسير، وأراد ذلك منا فارس، فقد بلغكم كيف صنع الله بهم، وأراد ذلك منا الترك، فلقيناهم بأشد مما لقينا به فارس، وأرادنا غيركم من أهل المشرق والمغرب من ذوي المنعة والعز والجنود العظيمة، فكلهم أظفرنا الله بهم، وصنع لنا عليهم، ولم تكن أمة من الأمم بأرق عندنا منكم شأنًا، ولا أصغر أخطارًا١ إنما جُلكم رعاء الشاء والإبل، وأهل الصخر والحجر والبؤس والشقاء، فأنتم تطمعون أن نجلى لكم عن بلادنا؟ بئس ما طمعتم فيه منا، وقد ظننا أنه لم يأت بكم إلى بلادنا –ونحن يتقي كل من حولنا من الأمم العظيمة الشأن الكثيرة العدد، مع كثرتنا وشدة شوكتنا- إلا جهد نزل بكم من جدوبة الأرض وقحط المطر، وعثتم في بلادنا وأفسدتم كل الفساد، وقد ركبتم مراكبنا، وليست كمراكبكم، ولبستم ثيابنا وليست كثيابكم، وثياب الروم البيض كأنها صفائح الفضة، وطعمتم من طعامنا وليس كطعامكم، وقد لقيناكم الآن وذلك كله لنا، فهو في أيديكم، فنحن نسلمه لكم، فاخرجوا به، وانصرفوا عن بلادنا، فإن أبت أنفسكم إلا أن تحرصوا وتشرهوا، وأردتم أن نزيدكم من بيوت أموالنا ما يقوى به الضعيف منكم، ويرى الغائب أن قد

стр. 403

رجع إلى أهله بخير، فعلنا، ونأمر للأمير منكم بعشرة آلاف دينار، ونأمر لك بمثلها، ونأمر لرؤسائكم بألف دينار ألف دينار، ونأمر لجميع أصحابك بمائة دينار مائة دينار، على أن توثقوا لنا بالأيمان المغلظة ألا تعودوا إلى بلادنا" ثم سكت.

стр. 404

٢١٢- جواب خالد: فقال خالد ﵀: الحمد لله الذي لا إله إلا هو، فلما فسر له الترجمان قوله: الحمد لله الذي لا إله إلا هو رفع يده إلى السماء، ثم قال لخالد: نعم ما قلت، ثم قال خالد: وأشهد أن محمد رسول الله ﷺ ، فلما فسر له الترجمان قال باهان: الله أعلم، ما أدري، لعله كما تقول، فأخبر خالد الترجمان. ثم قال خالد ﵀: "أما بعد: فإن كل ما ذكرت به قومك من الغنى والعز ومنع الحريم والظهور على الأعداء، والتمكن في البلاد، فنحن به عارفون، وكل ما ذكرت من إنعامكم على جيرانكم منا، فقد عرفناه، وذلك لأمر كنتم تصلحون به دنياكم، وإصلاحكم كان إليهم وإحسانكم إليهم، كان ذلك زيادة في ملككم وعزا لكم، ألا ترون أن ثلثيهم أو شطرهم دخلوا معكم في دينكم فهم يقاتلوننا معكم؟. وأما ما ذكرتنا به من رعي الإبل والغنم، فما أقل من رأيت واحدًا منا يكرهه، وما لم يكن يكرهه منا فضل على من يفعله، وأما قولكم: إنا أهل الصخر والحجر والبؤس والشقاء، فحالنا والله كما وصفته، ما ننتفي من ذلك ولا نتبرأ منه، وكنا على أسوأ وأشد مما ذكرت، وسأقص عليك قصتنا، وأعرض عليك أمرنا، وأدعوك إلى حظك إن قبلت، ألا إنا كنا معشر العرب أمة من هذه الأمم، أنزلنا الله –وله الحمد- منزلًا من الأرض. ليست به أنهار جارية، ولا يكون به من الزرع إلا القليل، وكل أرضنا المهامه١ والقفار، فكنا أهل حجر ومدر٢ وشاء وبعير، وعيش شديد، وبلاء

стр. 405

دائم لازم، نقطع أرحامنا ونقتل خشية الإملاق أولادنا، ويأكل قوينا ضعيفنا، وكثيرنا قليلنا، ولا تأمن قبيلة منا قبيلة إلا أربعة أشهر من السنة١، نعبد من دون الله أربابًا وأصنامًا، ننحتها بأيدينا من الحجارة التي نختارها على أعيننا، وهي لا تضر ولا تنفع، ونحن عليها مكبون، فبينما نحن كذلك على شفا٢ حفرة من النار، من مات منا مات مشركًا، وصار إلى النار، ومن بقي منا بقي كافرًا مشركًا بربه، قاطعًا لرحمه، إذ بعث الله فينا رسولًا من صميمنا وشرفائنا وخيارنا وكرمائنا وأفضلنا، دعانا إلى الله وحده أن نعبده ولا نشرك به شيئًا، وأن نخلع الأنداد التي يعبدها المشركون دونه، وقال لنا لا تتخذوا من دون الله ربكم إلهًا ولا وليًّا ولا نصيرًا، ولا تجعلوا معه صاحبة ولا ولدًا، ولا تعبدوا من دونه نارًا ولا حجرًا، ولا شمسًا ولا قمرًا، واكتفوا به ربا وإلها من كل شيء دونه، وكونوا أولياءه، وإليه فادعوا، وإليه فارغبوا، وقال لنا: قاتلوا من اتخذ مع الله آلهة أخرى، وكل من زعم أن لله ولدًا وأنه ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة حتى يقولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له ويدخلوا في الإسلام، فإن فعلوا حَرُمَت عليكم دماؤهم وأموالهم وأعراضهم إلا بحقها، وهم إخوانكم في الدين، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، فإن هم أبوا أن يدخلوا في دينكم، وأقاموا على دينهم، فاعرضوا عليهم الجزية أن يؤدوها عن يد وهم صاغرون، فإن هم فعلوا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم، وإن أبوا فقاتلوهم؛ فإنه من قتل منكم كان شهيدًا حيًّا عند الله مرزوقًا، وأدخله الله الجنة، ومن قتل من عدوكم قتل كافرًا، وصار إلى النار مخلدًا فيها أبدًا، ثم قال خالد: وهذا والله الذي لا إله إلا هو أمر الله به نبيه ﷺ ، فعلمنا، وأمرنا به أن ندعو الناس إليه ونحن ندعوكم إلى ما دعانا إليه نبينا ﷺ ، وإلى ما أمرنا به أن ندعو إليه الناس، فندعوكم إلى الإسلام، وإلى أن تشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإلى أن تقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتقروا بما جاء من عند الله

стр. 406

عز وجل، فإن فعلتم فأنتم إخواننا في الإسلام، لكم ما لنا، وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فإنا نفرض عليكم أن تعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن فعلتم قبلنا منكم وكففنا عنكم، وإن أبيتم أن تفعلوا فقد والله جاءكم قوم هم أحرص على الموت منكم على الحياة، فاخرجوا بنا على اسم الله حتى نحاكمكم إلى الله، فإنما الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين" ثم سكت خالد. فقال باهان: أما أن ندخل في دينكم فما أبعد من ترى من الناس من أن يترك دينه ويدخل في دينكم، وأما أن نؤدي الجزية –فتنفس الصعداء١ وثقلت عليه وعظمت عنده- فقال: سيموت من ترى جميعًا قبل أن يؤدوا الجزية إلى أحد من الناس، وهم يأخذون الجزية ولا يعطونها، وأما قولك: فاخرجوا حتى يحكم الله بيننا، فلعمري ما جاءك هؤلاء القوم وهذه الجموع إلا ليحاكموك إلى الله، وأما قولك: إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده فصدقت، والله ما كانت هذه الأرض التي نقاتلكم عليها وتقاتلوننا فيها، إلا لأمة من الأمم كانوا قبلنا فيها، فقاتلناهم عليها، فأخرجناهم منها، وقد كانت قبل ذلك لقوم آخرين فأخرجهم منها هؤلاء الذين كنا قاتلناهم عنها، فابرزوا على اسم الله، فإنا خارجون إليكم". "فتوح الشام: ١٧٩".

стр. 407

١٢٢- خطبة عمرو بن العاص: ولما نقض أهل الأردن العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين، قام عمرو بن العاص، وجمع إليه من كان قبله من المسلمين: فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال: "أما بعد فقد برئت ذمة الله من رجل من أهل عهدنا من أهل الأردن قدم

стр. 408

على رجل من أهل إيليا، أو كان عنده لم يأتنا به، ولم يرفعه إلينا، ألا ولا يبقين رجل من أهل عهدنا إلا تهيأ واستعد، حتى يسير معي إلى أهل إيليا، فإني أريد المسير إليهم، والنزول بساحتهم، ثم لا أزايلهم حتى أقتل مقاتلتهم، وأسبي ذراريهم، أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون". "فتوح الشام ص١٤٦".

стр. 409

١٢٣- خطبة عمر: ولما حصر أبو عبيدة أهل إيليا ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحربه سألوه الصلح على أن يكون عمر هو الذي يعطيهم العهد، ويكتب لهم الأمان، فأقبل عمر إلى الشام حتى انتهى إلى الجابية، فقام في الناس، فقال: "الحمد لله الحميد المستحمد المجيد، الدفاع الغفور الودود، الذي من أراد أن يهديه من عباده اهتدى، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا. أما بعد؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن خيار أمتي الذين يلونكم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل على الشهادة ولم يستشهد عليها، وحتى يحلف على اليمين ولم يسألها، فمن أراد بحبوحة١ الجنة فليلزم الجماعة، ولا يبالي الله شذوذ من شذ، ألا لا يخلون رجل منكم بامرأة إلا أن يكون لها محرمًا؛ فإن ثالثهما الشيطان". "فتوح الشام ص ٢٢٦".

стр. 410

١٢٤- خطبة عمر: ولما كان عمر ﵁ بالشام، قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي ﷺ ثم قال:

стр. 411

"يأهل الإسلام، إن الله قد صدقكم الوعد، ونصركم على الأعداء، وورثكم البلاد، ومكن لكم في الأرض، فلا يكن جزاء ربكم إلا الشكر، وإياكم والعمل بالمعاصي، فإن العمل بالمعاصي كفر للنعم، وقلما كفر قوم بما أنعم الله عليهم، ثم لم يفزعوا إلى التوبة، إلا سلبوا عزهم، وسلط عليهم عدوهم" ثم نزل. "فتوح الشام ص٢٣١".

стр. 412

١٢٥- خطبة لعمر: وقفل عمر من الشام إلى المدينة في ذي الحجة سنة ١٧هـ، وخطب حين أراد القفول فحمد الله وأثنى عليه وقال: "ألا إني قد وليت عليكم، وقضيت الذي علي في الذي ولاني الله من أمركم إن شاء الله، قسطنا١ بينكم فيئكم ومنازلكم ومغازيكم، وأبلغنا ما لديكم، فجندنا لكم الجنود، وهيأنا لكم الفروج٢، وبوأناكم ووسعنا عليكم ما بلغ فيئكم، وما قاتلتم عليه من شأمكم، وسمينا لكم أطماعكم، وأمرنا لكم بإعطائكم أرزاقكم ومعاونكم، فمن علم علم شيء ينبغي العمل به، فبلغنا نعمل به إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله". "تاريخ الطبري ٤-٢٠٤".

стр. 413

١٢٦- خطبة عمر: ولما رجع عمر ﵁ إلى المدينة، استقبله الناس يهنئون بالنصر والفتح، فجاء حتى دخل مسجد رسول الله ﷺ ، فصلى ركعتين عند المنبر، ثم صعد المنبر فاجتمع الناس إليه، فقام:

стр. 414

فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ وقال: "أيها الناس، إن الله قد اصطنع عند هذه الأمة أن يحمدوه ويشكروه، وقد أعز دعوتها، وجمع كلمتها، وأظهر فلجها١، ونصرها على الأعداء، وشرفها ومكن لها في الأرض وأورثها بلاد المشركين وديارهم وأموالهم، فأحدثوا لله شكرًا يزدكم، واحمدوه على نعمه عليكم يدمها لكم، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين" ثم نزل. "فتوح الشام ص ٢٣٩".

стр. 415

١٢٧- وصية أبي عبيدة للمسلمين وقد أصابه طاعون عمواس: وكان طاعون عمواس قد عم أهل الشام "سنة ١٨هـ" ومات فيه بشر كثير، ومات فيه أبو عبيدة ﵀. ولما طعن أبو عبيدة وهو بالأردن، دعا المسلمين، فلما دخلوا عليه قال: "إني أوصيكم بوصية قبلتموها لم تزالوا بخير ما بقيتم، وبعد ما تهلكون، أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصوموا، وتصدقوا، وحجوا، واعتمروا، وتواصلوا، وتحابوا، وأصدقوا أمراءكم ولا تغشوهم، ولا تلهكم الدنيا، فإن امرأً لو عمر ألف حول ما كان له بد من أن يصير إلى مصرعي هذا الذي ترون، وإن الله قد كتب الموت على بني آدم فهم ميتون، وأكرمهم منهم أطوعهم لربه، وأعلمهم ليوم معاده" ثم قال: يا معاذ، صل بالناس، فصلى معاذ بالناس، ومات أبو عبيدة ﵀. "فتوح الشام ص: ٢٤٠".

стр. 416

١٢٨- خطبة معاذ بن جبل عند موت أبي عبيدة: فقام معاذ بن جبل في الناس فقال: "يأيها الناس، توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة، فإن عبدًا أن يلقى الله تائبًا من ذنبه، كان حقًّا على الله أن يغفر له ذنوبه، ومن كان عليه دين فليقضه، فإن العبد مرتهن بدينه، ومن أصبح منكم مصارمًا١ مسلمًا فليلقه وليصالحه إذا لقيه وليصافحه، فإنه لا ينبغي لمسلم أن يهجر أخاه المسلم أكثر من ثلاثة أيام، والذنب في ذلك عند الله، وأنكم أيها المسلمون قد فجعتم برجل والله ما أزعم أني رأيت منكم عبدًا من عباد الله قط أقل غمرا٢، ولا أبر صدرًا، ولا أبعد من الغائلة٣، ولا أنصح للعامة، ولا أشد عليهم تحننا وشفقة منه، فترحموا عليه ثم احضروا الصلاة عليه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والله لا يلي عليكم بعده مثله أبدًا". فاجتمع الناس، وأخرج أبو عبيدة، وتقدم معاذ فصلى عليه، حتى إذا أتى به قبره، دخل قبره معاذ وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس، فلما وضعوه في قبره، وخرجوا منه، فسفوا عليه التراب، قال معاذ:

стр. 417

١٢٩- رثاء معاذ بن جبل لأبي عبيدة: "رحمك الله يا أبا عبيدة، فوالله لاثنين عليك بما علمت، والله لا أقول باطلًا، أخاف أن يلحقني من الله مقت، كنت والله –ما علمت- من الذاكرين الله كثيرًا، ومن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، ومن

стр. 418

الذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا، ومن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وكان بين ذلك قواما، وكنت والله -ما علمت- من المخبتين المتواضعين، ومن الذين يرحمون اليتيم والمسكين، ويبغضون الجفاة والمتكبرين". ولم يكن أحد من الناس كان أشد جرعًا على فقد أبي عبيدة وعلى موته ولا أطول حزنًا عليه من معاذ بن جبل. "فتوح الشام ص٢٤٢".

стр. 419

١٣٠- ابن العاص ومعاذ والطاعون: وصلى معاذ بالناس أيامًا، واشتد الطاعون، وكثر الموت في الناس، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص قال: أيها الناس، إن هذا الطاعون هو الرجز الذي عذب الله به بني إسرائيل مع الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وأمر الناس بالفرار منه، فأخبر معاذ بقول عمرو، فقال: ما أراد إلى ما يقول ما لا علم له به، ثم جاء معاذ حتى صعد المنبر. فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي ﷺ ثم ذكر الوباء فقال: ليس كما قال عمرو، ولكنه رحمة بكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، اللهم أعط معاذًا وآل معاذ منه النصيب الأوفر.

стр. 420

١٣١- وصية لمعاذ بن جبل: ثم صلى ورجع إلى منزله، فإذا هو بابنه عبد الرحمن قد طعن، فلم يلبث إلا قليلًا حتى مات يرحمه الله، وصلى عليه معاذ، ثم دفنه، فلما رجع معاذ إلى منزله طعن، فاشتد به وجعه، وجعل أصحابه يختلفون إليه، فإذا أتاه أصحابه أقبل عليهم، فقال لهم:

стр. 421

"اعملوا وأنتم في مهلة وحياة، وفي بقية من آجالكم من قبل أن تمنوا العمل فلا تجدوا إليه سبيلًا، وأنفقوا مما عندكم لما بعدكم قبل أن تهلكوا وتدعوا ذلك كله ميراثًا لمن بعدكم، واعلموا أنه ليس لكم من أموالكم إلا ما أكلتم وشربتم ولبستم وأنفقتم وأعطيتم فأمضيتم، وما سوى ذلك فللوارثين". "فتوح الشام ص٢٤٣".

стр. 422

١٣٢- وصية لمعاذ بن جبل أيضًا: وأتاه رجل في مرضه فقال: يا معاذ علمني شيئًا ينفعني الله به قبل أن تفارقني، فلا أراك ولا تراني، ولا أجد منك خلفًا، ثم لعلي أن أحتاج إلى سؤال الناس عما ينفعني بعدك، فلا أجد فيهم مثلك، فقال معاذ: كلا إن صلحاء المسلمين –والحمد لله- كثير، ولن يضيع الله أهل هذا الدين، ثم قال له: "خذ عني ما آمرك، كن من الصائمين بالنهار، ومن المصلين في جوف الليل، ومن المستغفرين بالأسحار، ومن الذاكرين الله على كل حال كثيرًا، ولا تشرب الخمر، ولا تزنين، ولا تعق والديك، ولا تأكل مال اليتيم، ولا تفر من الزحف، ولا تأكل الربا، ولا تدع الصلاة المكتوبة، ولا تضيع الزكاة المفروضة، وصل رحمك، وكن بالمؤمنين رحيمًا، ولا تظلم مسلمًا، وحج واعتمر وجاهد، ثم أنا لك زعيم بالجنة". "فتوح الشام ص٢٤٤". ومات ﵀، وقد استخلف عمرو بن العاص، فصلى عليه عمرو. فلما دفنه قال: "رحمك الله يا معاذ، فقد كنت –ما علمناك- من نصحاء المسلمين ومن خيارهم وأعلامهم، ثم كنت مؤدبًا للجاهل، شديدًا على الفاجر، رحيما بالمؤمنين، وايم الله لا يستخلف من بعدك مثلك". "فتوح الشام ص٢٤٥".

стр. 423

ولما انتهى إلى عمر ﵁ هلاك أبي عبيدة وهلاك معاذ فرق عماله على كور الشأم، فبعث عبد الله بن قرط على حمص ثم عزله، وولى عبادة بن الصامت الأنصاري، واستعمل على دمشق أبا الدرداء الأنصاري، وكتب إلى يزيد بن أبي سفيان أن يسير إلى قيسارية.

стр. 424

١٣٣- خطبة عبادة بن الصامت: فلما قدم عبادة على أهل حمص قام في الناس خطيبًا. فحمد الله وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال: "أما بعد، ألا إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، ألا وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك قادر، ألا وإنكم معروضون على أعمالكم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره، ألا وإن للدنيا بنين وللآخرة بنين، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها بنوها يوم القيامة". "فتوح الشام ص٢٤٨".

стр. 425

١٣٤- خطبة شداد بن أوس: ثم قال لشداد بن أوس: قم يا شداد فعظ الناس، وكان شداد مفوهًا، قد أعطي لسانًا وحكمةً وفضلًا وبيانًا، فقام شداد، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال: "أما بعد، أيها الناس راجعوا كتاب الله وإن تركه كثير من الناس، فإنكم لم تروا من الخير إلا أسبابه، ولا من الشر إلا أسبابه، وإن الله جمع الخير كله بحذافيره فجعله في الجنة، وجمع الشر بحذافيره، فجعله في النار، ألا وإن الجنة وعرة حزنة، ألا وإن النار سهلة لينة، ألا وإن الجنة حفت بالكره والصبر، ألا وإن النار حفت
следующие страницы →