"اعملوا وأنتم في مهلة وحياة، وفي بقية من آجالكم من قبل أن تمنوا العمل فلا تجدوا إليه سبيلًا، وأنفقوا مما عندكم لما بعدكم قبل أن تهلكوا وتدعوا ذلك كله ميراثًا لمن بعدكم، واعلموا أنه ليس لكم من أموالكم إلا ما أكلتم وشربتم ولبستم وأنفقتم وأعطيتم فأمضيتم، وما سوى ذلك فللوارثين".
"فتوح الشام ص٢٤٣".
стр. 422
١٣٢- وصية لمعاذ بن جبل أيضًا:
وأتاه رجل في مرضه فقال: يا معاذ علمني شيئًا ينفعني الله به قبل أن تفارقني، فلا أراك ولا تراني، ولا أجد منك خلفًا، ثم لعلي أن أحتاج إلى سؤال الناس عما ينفعني بعدك، فلا أجد فيهم مثلك، فقال معاذ: كلا إن صلحاء المسلمين –والحمد لله- كثير، ولن يضيع الله أهل هذا الدين، ثم قال له:
"خذ عني ما آمرك، كن من الصائمين بالنهار، ومن المصلين في جوف الليل، ومن المستغفرين بالأسحار، ومن الذاكرين الله على كل حال كثيرًا، ولا تشرب الخمر، ولا تزنين، ولا تعق والديك، ولا تأكل مال اليتيم، ولا تفر من الزحف، ولا تأكل الربا، ولا تدع الصلاة المكتوبة، ولا تضيع الزكاة المفروضة، وصل رحمك، وكن بالمؤمنين رحيمًا، ولا تظلم مسلمًا، وحج واعتمر وجاهد، ثم أنا لك زعيم بالجنة".
"فتوح الشام ص٢٤٤".
ومات ﵀، وقد استخلف عمرو بن العاص، فصلى عليه عمرو.
فلما دفنه قال:
"رحمك الله يا معاذ، فقد كنت –ما علمناك- من نصحاء المسلمين ومن خيارهم وأعلامهم، ثم كنت مؤدبًا للجاهل، شديدًا على الفاجر، رحيما بالمؤمنين، وايم الله لا يستخلف من بعدك مثلك".
"فتوح الشام ص٢٤٥".
стр. 423
ولما انتهى إلى عمر ﵁ هلاك أبي عبيدة وهلاك معاذ فرق عماله على كور الشأم، فبعث عبد الله بن قرط على حمص ثم عزله، وولى عبادة بن الصامت الأنصاري، واستعمل على دمشق أبا الدرداء الأنصاري، وكتب إلى يزيد بن أبي سفيان أن يسير إلى قيسارية.
стр. 424
١٣٣- خطبة عبادة بن الصامت:
فلما قدم عبادة على أهل حمص قام في الناس خطيبًا.
فحمد الله وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال:
"أما بعد، ألا إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، ألا وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك قادر، ألا وإنكم معروضون على أعمالكم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره، ألا وإن للدنيا بنين وللآخرة بنين، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها بنوها يوم القيامة".
"فتوح الشام ص٢٤٨".
стр. 425
١٣٤- خطبة شداد بن أوس:
ثم قال لشداد بن أوس: قم يا شداد فعظ الناس، وكان شداد مفوهًا، قد أعطي لسانًا وحكمةً وفضلًا وبيانًا، فقام شداد، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال:
"أما بعد، أيها الناس راجعوا كتاب الله وإن تركه كثير من الناس، فإنكم لم تروا من الخير إلا أسبابه، ولا من الشر إلا أسبابه، وإن الله جمع الخير كله بحذافيره فجعله في الجنة، وجمع الشر بحذافيره، فجعله في النار، ألا وإن الجنة وعرة حزنة، ألا وإن النار سهلة لينة، ألا وإن الجنة حفت بالكره والصبر، ألا وإن النار حفت
стр. 426
بالهوى والشهوة، ألا فمن كشف حجاب الكره والصبر أشفى على الجنة، ومن أشفى على الجنة كان من أهلها، ألا ومن كشف حجاب الهوى والشهوة أشفى على النار، وكان من أهلها، فاعملوا بالحق تنزلوا منازل أهل الحق يوم لا يقضى إلا بالحق".
"فتوح الشام ص٢٤٩".
стр. 427
١٣٥- خطبة أبي الدرداء:
وقام أبو الدرداء في أهل دمشق خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على النبي ﷺ ، ثم قال:
"أما بعد، يأهل دمشق اسمعوا مقالة أخ لكم ناصح، فما بالكم تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون؟ وقد كان من كان قبلكم جمعوا كثيرًا، وبنوا شديدًا، وأملوا بعيدًا، وماتوا قريبًا، فأصبحت أعمالهم بورًا، ومساكنهم قبورًا، وأملهم غرورًا، وإن عادًا وثمودًا كانوا قد ملئوا ما بين بصرى وعدن أموالًا وأولادًا ونعما، فمن يشتري مني ما تركوا بدرهمين؟ ".
"فتوح الشام ص٢٥٠".
стр. 428
٢٣٦- خطبة يزيد بن أبي سفيان:
وسار يزيد بن أبي سفيان إلى قيسارية فقام في جنده فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي ﷺ ثم قال:
"أما بعد: فإن كتاب أمير المؤمنين عمر المبارك الفاروق أتاني يحثني على المسير إلى قيسارية، وأن أدعوهم إلى الإسلام، وأن يدخلوا فيما دخل فيه أهل الكور من
стр. 429
أهل الشام، فيؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا نزلت عليهم فلم أزايلهم حتى أقتل مقاتلتهم وأسبي ذراريهم، فسيروا -رحمكم الله- إليهم، فإني أرجو أن يجمع الله لكم الغنيمة في الدنيا والآخرة".
"فتوح الشام ص٢٥١".
стр. 430
١٣٧- وصية العباس بن عبد المطلب "المتوفى سنة ٣٢هـ" لابنه عبد الله:
قال عبد الله بن عباس: قال لي أبي:
يا بني، إني أرى أمير المؤمنين -يعني عمر بن الخطاب- قد اختصك دون من ترى من المهاجرين والأنصار، وإني موصيك بخلال أربع: لا يجربن عليك كذبًا، ولا تغتابن عنده مسلمًا، ولا تفشين له سرًّا، ولا تطوِ عنه نصيحة، قال: فقلت: يا أبه، كل واحدة منها خير من ألف، فقال: كل واحدة منها خير من عشرة آلاف.
"تهذيب الكامل ١: ١٥ والعقد الفريد ١: ١١".
стр. 431
١٣٨- وصية عمر للخليفة من بعده:
وأوصى عمر الخليفة من بعده، فقال:
"أوصيك بتقوى الله لا شريك له، وأوصيك بالمهاجرين الأولين خيرًا، أن تعرف لهم سابقتهم، وأوصيك بالأنصار خيرًا، فاقبل من محسنهم، وتجاوز عن مسيئهم، وأوصيك بأهل الأمصار خيرًا، فإنهم ردء العدو، وجباة الفيء، لا تحمل فيئهم، إلا عن فضل منهم، وأوصيك بأهل البادية خيرًا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام أن تأخذ من حواشي أموال أغنيائهم، فترد على فقرائهم، وأوصيك بأهل الذمة خيرًا، أن
стр. 432
تقاتل من ورائهم، ولا تكلفهم فوق طاقتهم، إذا أدَّوا ما عليهم للمؤمنين طوعاً، أو عن يد وهم صاغرون، وأوصيك بتقوى الله وشدة الحذر منه، ومخافة مقته، أن يطلع منك على ريبة، وأوصيك أن تخشى الله في الناس، وتخشى الناس في الله، وأوصيك بالعدل في الرعية، والتفرغ لحوائجهم وثغورهم، ولا تؤثر غنيهم على فقيرهم، فإن ذلك بإذن الله سلامة لقلبك، وحط لوزرك، وخير في عاقبة أمرك، حتى تفضي من ذلك إلى من يعرف سريرتك، ويحول بينك وبين قلبك، وآمرك أن تشتد في أمر الله، وفي حدوده ومعاصيه، على قريب الناس وبعيدهم، ثم لا تأخذك في أحد رأفة حتى تنتهك منه، مثل ما انتهك من حرمة الله، واجعل الناس عندك سواء، لا تبالي على من وجب الحق، ثم لا تأخذك في الله لومة لائم، وإياك والأثرة والمحاباة فيما ولاك الله، مما أفاء الله على المؤمنين، فتجور وتظلم، وتحرم نفسك من ذلك ما قد وسعه الله عليك، وقد أصبحت بمنزلة من منازل الدنيا والآخرة، وأنت إلى الآخرة جد قريب، فإن اقترفت لدنياك عدلاًَ وعفة عما بسط الله لك، اقترفت به إيماناً ورضواناً، وإن غلبك الهوى، اقترفت به سخط الله، وأوصيك ألا ترخص لنفسك ولا لغيرك في ظلم أهل الذمة، وقد أوصيتك وحضضتك ونصحتك، فابتغ بذلك وجه الله والدار الآخرة، واخترت من دلالتك ما كنت دالا عليه نفسي وولدي، فإن عملت بالذي وعظتك، وانتهيت إلى الذي أمرتك، أخذت به نصيباً وافراً، وحظاً وافياً، وإن لم تقبل ذلك، ولم يهمك، ولم تنزل معاظم الأمور عند الذي يرضى الله به عنك، يكن ذلك بك انتقاصاً، ورأيك فيه مدخولاً؛ لأن الأهواء مشتركة، ورأس كل خطيئة إبليس، وهو داعٍ إلى كل هلكة، وقد أضل القرون السالفة قبلك، فأوردهم النار، ولبئس الثمن أن يكون حظ أمرئ موالاة عدو الله الداعي إلى معاصيه، ثم اركب الحق، وخض إليه الغمرات، وكن واعظا لنفسك، أنشدك الله لما رحمت على جماعة المسلمين، فأجللت كبيرهم، ورحمت صغيرهم، ووقرت عالمهم، ولا تضربهم فيذلوا، ولا تستأثر
стр. 433
عليهم بالفيء، فتبغضهم، ولا تحرمهم عطاياهم عند محلها، فتفقرهم، ولا تجمرهم١ في البعوث، فتقطع نسلهم، ولا تجعل المال دولة بين الأغنياء منهم، ولا تغلق بابك دونهم، فيأكل قويهم ضعيفهم. هذه وصيتي إياك، وأشهد الله عليك، وأقرأ عليك السلام.
"شرح ابن أبي الحديد م٣: ٩٦ والبيان والتبيين ٢: ٢٢ وتاريخ الطبري ٥: ١٣".
وفي رواية الطبري:
قال: "وأوصى الخليفة من بعدي بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان أن يحسن إلى محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم، وأوصى الخليفة من بعدي بالعرب، فإنهم مادة الإسلام، أن يؤخذ من صدقاتهم حقها، فتوضع في فقرائهم، وأوصى الخليفة من بعدي بذمة رسول الله ﷺ ، أن يوفي لهم بعهدهم، اللهم هل بلغت؟
تركت الخليفة من بعدي على أنقى من الراحة".
стр. 434
خطب يوم الشورى
مدخل
...
خطب يوم الشورى:
بعد دفن عمر اجتمع أهل الشورى، وهم: عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله -وكان طلحة غائبًا- فبدأ عبد الرحمن بن عوف بالكلام، فقال:
стр. 435
١٣٩- خطبة عبد الرحمن بن عوف:
"يا هؤلاء، إن عندي رأيًا، وإن لكم نظرًا، فاسمعوا تعلموا، وأجيبوا تفقهوا، فإن حابيًا١ خير من زاهق٢، وإن جرعة من شروب٣ بارد، أنفع من عذب موبٍ٤، أنتم أئمة يهتدى بكم، وعلماء يصدر٥ إليكم، فلا تفلوا المدى بالاختلاف بينكم، ولا تغمدوا السيوف عن أعدائكم، فتوتروا٦ ثأركم، وتؤلتوا٧ أعمالكم، لكل أجل كتاب، ولكل بيت إمام، بأمره يقومون، وبنهيه يرعون٨، قلدوا أمركم واحدًا منكم، تمشوا الهوينى، وتلحقوا الطلب، لولا فتنة عمياء، وضلالة حيراء، يقول أهلها ما يرون، وتحلهم الحبو كرى٩، ما عدت نياتكم معرفتكم، ولا أعمالكم
стр. 436
نياتكم، احذروا نصيحة الهوى، ولسان الفرقة، فإن الحيلة في المنطق أبلغ من السيوف في الكلم، علقوا أمركم رحب الذراع فيما حل، مأمون الغيب فيما نزل، رضا منكم وكلكم رضًا، ومقترعًا١ منكم وكلكم منتهًى، لا تطيعوا مفسدا يتنصح٢، ولا تخالفوا مرشدًا ينتصر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم":
ثم تكلم عثمان بن عفان، فقال:
стр. 437
١٤٠- خطبة عثمان بن عفان:
"الحمد لله الذي اتخذ محمدًا نبيًا، وبعثه رسولًا، صدقه وعده، ووهب له نصره على كل من بعد نسبًا، أو قرب رحمًا ﷺ ، جعلنا الله له تابعين، وبأمره مهتدين، فهو لنا نور، ونحن بأمره نقوم عند تفرق الأهواء، ومجادلة الأعداء، جعلنا الله بفضله أئمة، وبطاعته أمراء، لا يخرج أمرنا منا، ولا يدخل علينا غيرنا، إلا من سفه الحق، ونكل عن القصد، وأحرِ بها يابن عوف أن تترك، وأجدر بها أن تكون، إن خولف أمرك، وترك دعاؤك، فأنا أول مجيب لك، وداعٍ إليك، وكفيل بما أقول زعيم، وأستغفر الله لي ولكم".
ثم تكلم الزبير بن العوام بعده فقال:
стр. 438
١٤١- خطبة الزبير بن العوام:
"أما بعد: فإن داعي الله لا يجهل، ومجيبه لا يخذل، عند تفرق الأهواء، ولي الأعناق، ولن يقصر عما قلت إلا غوي، ولن يترك ما دعوت إليه إلا شقي، لولا حدود الله فرضت، وفرائض الله حدت، تراح١ على أهلها، وتحيا لا تموت، لكان
стр. 439
الموت من الإمارة نجاة، والفرار من الولاية عصمة، ولكن لله علينا إجابة الدعوة، وإظهار السنة، لئلا نموت ميتة عمية١، ولا نعمى عمى الجاهلية، فأنا مجيبك إلى ما دعوت، ومعينك على ما أمرت، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله لي ولكم".
стр. 440
١٤٢- خطبة سعد بن أبي وقاص:
ثم تكلم سعد بن أبي وقاص فقال:
"الحمد لله بديئًا١ كان، وآخرًا يعود، أحمده لما نجاني من الضلالة، وبصرني من الغواية، فبهدى الله فاز من نجا، وبرحمته أفلح من زكا، وبمحمد بن عبد الله ﷺ أنارت الطرق، واستقامت السبل، وظهر كل حق، ومات كل باطل، إياكم أيها النفر وقول الزور، وأمنية أهل الغرور، فقد سلبت الأماني قومًا قبلكم، ورثوا ما ورثتم، ونالوا ما نلتم، فاتخذهم الله عدوا، ولعنهم لعنًا كبيرًا، قال الله : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨-٧٩] إني نكبت٢ قرني، فأخذت سهمي الفالج٣، وأخذت لطلحة بن عبيد الله ما ارتضيت لنفسي، فأنا به كفيل، وبما أعطيت عنه زعيم، والأمر إليك يا ابن عوف بجهد النفس، وقصد النصح، وعلى الله قصد السبيل، وإليه الرجوع، وأستغفر الله لي ولكم، وأعوذ بالله من مخالفتكم".
стр. 441
١٤٣- خطبة علي بن أبي طالب:
ثم تكلم علي بن أبي طالب فقال:
"الحمد الله الذي بعث محمدًا منا نبيًّا، وبعثه إلينا رسولًا، فنحن بيت النبوة، ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حق إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل، ولو طال السرى، لو عهد إلينا رسول الله ﷺ عهدًا لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولًا لجادلنا عليه حتى نموت، لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق، وصلة رحم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اسمعوا كلامي، وعوا منطقي، عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا المجمع، تنتضى١ فيه السيوف، وتخان فيه العهود، حتى تكونوا جماعة، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة، وشيعة لأهل الجهالة، ثم أنشأ يقول:
فإن تك جاسم٢ هلكت فإني ... بما فعلت بنو عبد بن ضخم
مطيع في الهواجر كل عي ... بصير بالنوى من كل نجم
"تاريخ الطبري ٥: ٣٨، والكامل لابن الأثير ٣: ٣٦".
стр. 442
خطب عثمان بن عفان ﵁:
١٤٤- خطبته حين بايعه أهل الشورى:
روى الطبري قال: "لما بايع أهل الشورى عثمان خرج وهو أشدهم كآبة، فأتى منبر رسول الله ﷺ ، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، وقال:
"إنكم في دار قُلْعَة١، وفي بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم، صُبِّحتم أو مُسِّيتم، ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور، اعتبروا بمن مضى ثم جدوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم، أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين آثروها وعمروها، ومتعوا بها طويلًا، ألم تلفظهم؟ أرموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة فإن الله قد ضرب لها مثلًا، والذي هو خير، فقال : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً، الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ وأقبل الناس يبايعونه".
"تاريخ الطبري ٥: ٤٣".
стр. 443
١٤٥- خطبته بعد البيعة:
وقال أيضًا: خطب عثمان الناس بعد ما بويع، فقال:
"أما بعد، فإني قد حملت وقد قبلت، ألا وإني متبِّع، ولست بمبتدع، ألا وإن لكم علي بعد كتاب الله ، وسنة نبيه ﷺ ثلاثًا: اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم، وسن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملأ، والكف عنكم إلا فيما استوجبتم، ألا وإن الدنيا خضرة قد شهيت إلى الناس، ومال إليها كثير منهم، فلا تركنوا إلى الدنيا، ولا تثقوا بها، فإنها ليست بثقة، واعلموا أنها غير تاركة إلا من تركها".
"تاريخ الطبري ٥: ١٤٩".
стр. 444
١٤٦- خطبة أخرى:
وقال ابن قتيبة: لما ولي عثمان صعد المنبر، فجلس على ذروته، فرماه الناس بأبصارهم، فقال:
"إن أول مركب صعب، وإن مع اليوم أيامًا، وما كنا خطباء، وإن نعش لكم تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء الله تعالى".
"عيون الأخبار م٢ ص٢٣٥، والعقد الفريد ٢: ١٣٣".
стр. 445
١٤٧- خطبة لعثمان:
وبعث عثمان بدء الفتنة إلى عمال الأمصار، فقدموا عليه، فقال: ويحكم، ما هذه الشكاية وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقًا عليكم، وما يعصب هذا إلا بي، ثم قال: أشيروا عليّ، فأشار عليه كلٌّ بما يراه.
стр. 446
وقام عثمان، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال:
"كل ما أشرتم به علي قد سمعت، ولكل أمر باب يؤتى منه! إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن، وإن بابه يغلق عليه، فيكفكف به اللين والمؤاتاة والمتابعة إلا في حدود الله تعالى ذكره، التي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدها، فإن سده شيء فرفق، فذاك الله ليفتحن، وليست لأحد على حجة حق، وقد علم الله أني لم آل الناس خيرًا ولا نفسي، ووالله إن رحى الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها، كفكفوا الناس وهبوا لهم حقوقهم، واغتفروا لهم، وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها".
"تاريخ الطبري ٥: ١٠٠".
стр. 447
١٤٨- خطبة عثمان:
ولما حدثت الأحداث بالمدينة خرج منها رجال إلى الأمصار، ثم رجعوا جميعًا إلى المدينة إلا من كان بالشأم، فأخبروا عثمان بخبرهم، فقام عثمان في الناس خطيبًا فقال:
"يأهل المدينة، أنتم أصل الإسلام، وإنما يفسد الناس بفسادكم، ويصلحون بصلاحكم، والله والله والله لا يبلغني عن أحد منكم حدث أحدثه إلا سيرته، ألا فلا أعرفن أحدًا عرض دون أولئك بكلام ولا طلب، فإن من كان قبلكم كانت تقطع أعضاؤهم دون أن يتكلم أحد منهم بما عليه ولا له.
وايم الله لآخذن العفو من أخلاقكم، ولأبذلنه لكم من خلقي، وقد دنت أمور، ولا أحب أن تحل بنا وبكم، وأنا على وجل وحذر، فاحذروا، واعتبروا".
"تاريخ الطبري ٥: ١٣٥".
стр. 448
١٤١- خطبته حين نقم عليه الناس:
وخطب عثمان حين نقم عليه الناس ما نقموا فقال:
"أما بعد: فإن لكل شيء آفة، وإن لكل نعمة عاهة، وإن آفة هذه الأمة، وعاهة هذه النعمة، عيابون ظنانون، يظهرون لكم ما تحبون، ويسرون ما تكرهون، يقولون لكم وتقولون، طغام١ مثل النعام، يتبعون أول ناعق، أحب مواردهم إليهم النازح٢، لا يشربون إلا نغصا٣، ولا يردون إلا عسكرًا، لا يقوم لهم رائد، وقد أعيتهم الأمور، وتعذرت عليهم المكاسب.
لقد أقررتم لابن الخطاب بأكثر مما نقمتم علي، ولكنه وطئكم برجله، وضربكم بيده، ووقمكم وقمعكم٤ وزجركم زجر النعام المخزمة٥، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنت لكم وأوطأت لكم كنفي، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم علي.
أما والله إني لأقرب ناصرًا، وأعز نفرًا، وأكثر عددًا، وأقمن –إن قلت هلمَّ- أن تجاب دعوتي من عمر.
وقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولًا، وكشرت لكم عن نابي، وأخرجتم مني خلقًا لم أكن أحسنه، ومنطقًا لم أنطق به.
стр. 449
فكفوا عليكم ألسنتكم وطعنكم، وعيبكم على ولاتكم، فإني قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا.
ألا فما تفقدون من حقكم؟ فو الله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي، ومن لم تكونوا تختلفون عليه، فَضَل فَضْلٌ من مالي، فما لي لا أصنع في الفضل ما أريد؟ إذن فلم كنت إمامًا؟ ".
"تاريخ الطبري ٥: ٩٧ وإعجاز القرآن ص ١١٨، وصبح الأعشى ١: ٢١٤ والبيان والتبيين ١: ٢٠٠".
стр. 450
١٥٠- خطبته التي نزع فيها، وأعطى الناس من نفسه التوبة:
حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
"أما بعد أيها الناس: فوالله ما عاب من عاب منكم شيئًا أجهله، وما جئت شيئًا إلا وأنا أعرفه، ولكني منتني نفسي وكذبتني، وضل عني رشدي، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من زل فليتب، ومن أخطأ فليتب، ولا يتمادى في الهلكة، إن من تمادى في الجور، كان أبعد من الطريق" فأنا أول من اتعظ، أستغفر الله مما فعلت، وأتوب إليه، فمثلي نزع وتاب، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم، فليروني رأيهم، فوالله لئن ردني الحق عبدًا لأستنن بسنة العبد، ولأذلن ذل العبد، ولأكونن كالمرقوق، إن ملك صبر، وإن عتق شكر، وما عن الله مذهب إلا إليه، فلا يعجزن عنكم خياركم أن يدنوا إلي، لئن أبت يميني لتتابعني شمالي".
"تاريخ الطبري ٥: ١١١، والكامل لابن الأثير ٣: ٨٠".
стр. 451
١٥١- خطبته في الرد على الثوار:
وقال يرد على الثوار:
"الحمد لله، أحمده، وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، أما بعد: فإنكم لم تعدلوا في المنطق، ولم تنصفوا في القضاء، أما قولكم: تخلع نفسك، فلا أنزع قميصًا قمصنيه الله ، وأكرمني به، وخصني به على غيري، ولكني أتوب وأنزع، ولا أعود لشيء عابه المسلمون، فإني والله الفقير إلى الله، الخائف منه".
قالوا: إن هذا لو كان أول حدث أحدثته ثم تبت منه، ولم تقم عليه، لكان علينا أن نقبل منك، وأن ننصرف عنك ... إلى آخر ما قالوا.
فقال عثمان: "أما أن أتبرأ من الإمارة، فأن تصلبوني أحب إلي من أن أتبرأ من أمر الله وخلافته، وأما قولكم تقاتلون من دوني، فإني لا آمر أحدًا بقتالكم، فمن قاتل دوني فإنما قاتل بغير أمري، ولعمري لو كنت أريد قتالكم، لقد كنت كتبت إلى الأجناد، فقادوا الجنود، وبعثوا الرجال، أو لحقت ببعض أطرافي بمصر أو عراق، فالله الله في أنفسكم، فأبقوا عليها، إن لم تبقوا عليّ، فإنكم مجتلبون بهذا الأمر إن قتلتموني دمًا" فانصرفوا عنه، وآذنوه بالحرب.
"تاريخ الطبري ٥: ١٢١، والكامل لابن الأثير ٣: ٨٤".
стр. 452
١٥٢- خطبته وقد اشتد عليه الحصار:
ولما اشتد الحصار عليه أرسل إلى علي وطلحة والزبير، فحضروا، فأشرف عليهم، فقال:
"يأيها الناس: اجلسوا، فجلسوا؛ المحارب والمسالم، فقال لهم: يأهل المدينة، أستودعكم الله، وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي، ثم قال: أنشدكم بالله هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب عمر أن يختار لكم، ويجمعكم على خيركم؟ أتقولون: إن الله لم يستجب لكم، وهنتم عليه، وأنتم أهل حقه؟ أم تقولون: هان على الله دينه، فلم يبالِ من ولى، والدين لم يتفرق أهله يومئذ؟ أم تقولون: لم يكن أخذ عن مشورة، إنما كان مكابرة، فوكل الله الأمة إذ عصته، ولم يشاوروا في الإمامة، أم تقولون: إن الله لم يعلم عاقبة أمري؟ أنشدكم بالله أتعلمون لي من سابقة خير، وقدم خير، قدمه الله لي يحق على كل من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها؟ فمهلًا لا تقتلوني، فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد إحصانه، أو كفر بعد إيمانه، أو قتل نفسًا بغير حق، فإنكم إذا قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم، ثم لم يرفع الله عنكم الاختلاف أبدًا".
"تاريخ الكامل لابن الأثير ٣: ٨٤".
стр. 453
١٥٣- آخر خطبة خطبها عثمان:
"إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى، فلا تبطرنكم الفانية، ولا تشغلنكم عن الباقية، فآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى الله، اتقوا الله جل وعز،
стр. 454
فإن تقواه جنة من بأسه، ووسيلة عنده، واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم، لا تصيروا أحزابًا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانا".
"تاريخ الطبري ٥: ١٢٦، ١٤٩".
стр. 455
١٥٤- خطبة الوليد بن عقبة:
قال الطبري:
لما أصاب الوليد بن عقبة حاجته من أرمينية "سنة ٢٤هـ -وكان أهلها قد منعوا ما صالحوا عليه أهل الإسلام أيام عمر- ودخل الموصل، فنزل الحديثة، أتاه كتاب من عثمان ﵁:
"أما بعد فإن معاوية بن أبي سفيان كتب إليّ يخبرني أن الروم قد أجلبت على المسلمين بجموع عظيمة، وقد رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة، فإذا أتاك كتابي هذا، فابعث رجلًا ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته وإسلامه، في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف، من المكان الذي يأتيك فيه رسولي والسلام".
فقام الوليد في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: أيها الناس فإن الله أبلى المسلمين في هذا الوجه بلاء حسنًا، فرد عليهم بلادهم التي كفرت، وفتح بلادًا لم تكن فتحت، وردهم سالمين غانمين مأجورين، فالحمد لله رب العالمين.
وقد كتب إلي أمير الؤمنين يأمرني أن أندب منكم ما بين العشرة الآلاف إلى الثمانية الآلاف تمدون إخوانكم من أهل الشام، فإنهم قد جاشت عليهم الروم، وفي ذلك الأجر العظيم، والفضل المبين، فانتدبوا رحمكم الله مع سلمان بن ربيعة الباهلي".
فانتدب الناس.
"تاريخ الطبري ٥: ٤٦".
стр. 456
١٥٥- خطبة سعيد بن العاص حين قدم الكوفة واليًا عليها:
عزل عثمان ﵁ الوليد بن عقبة بن أبي معيط من إمارة الكوفة، وكان قد اتهم بشرب الخمر، وولى مكانه سعيد بن العاص سنة ٣٠هـ، فلما قدم الكوفة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ولكني لم أجد بدًا إذ أمرت أن ائتمر، ألا إن الفتنة قد أطلعت خطمها١ وعينيها، ووالله لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني٢، وإني لرائد٣ نفسي اليوم" ثم نزل.
"تاريخ الطبري ٥: ٦٣".
стр. 457
١٥٦- خطبة عبد الله بن الزبير حين قدم بفتح إفريقية: ١
قدم عبد الله بن الزبير على عثمان بن عفان بفتح إفريقية، فأخبره مشافهة، وقص عليه كيف كانت الوقعة، فأعجب عثمان ما سمع منه، فقال له: أتقوم بمثل هذا الكلام على الناس! فقال: يا أمير المؤمنين، إني أهيب لك مني لهم، فقام عثمان في الناس خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس: إن الله قد فتح عليكم إفريقية، وهذا عبد الله بن الزبير يخبركم خبرها إن شاء الله، وكان عبد الله بن الزبير إلى جانب المنبر، فقام خطيبًا –وكان أول من خطب إلى جانب المنبر- فقال:
"الحمد لله الذي ألف بين قلوبنا، وجعلنا متحابين بعد البغضة، الذي لا تجحد نعماؤه، ولا يزول ملكه، له الحمد كما حمد نفسه، وكما هو أهله، انتخب محمدًا صلى الله
стр. 458
عليه وسلم، فاختاره بعلمه، وأتمنه على وحيه، واختار له من الناس أعوانًا، قذف في قلوبهم تصديقه ومحبته، فآمنوا به وعزروه١ ووقروه، وجاهدوا في الله حق جهاده، فاستشهد٢ الله منهم من استشهد على المنهاج الواضح، والبيع الرابح، وبقي منهم من بقي، لا تأخذهم في الله لومة لائم.
أيها الناس: رحمكم الله إنا خرجنا للوجه الذي علمتم، فكنا مع والٍ حافظ، حفظ وصية أمير المؤمنين، كان يسير بنا الأبردين٣، ويخفض٤ بنا في الظهائر، ويتخذ الليل جملًا، يعجل الرحلة من المنزل الجدب، ويطيل البث في المنزل الخصب، فلم نزل على أحسن حالة نعرفها من ربنا، حتى انتهينا إلى إفريقية، فنزلنا منها حيث يسمعون صهيل الخيل، ورغاء الإبل، وقعقعة السلاح، فأقمنا أيامًا نجم كراعنا٥، ونصلح سلاحنا، ثم دعوناهم إلى الإسلام والدخول فيه، فأبعدوا منه، فسألناهم الجزية عن صغار أو الصلح، فكانت هذه أبعد، فأقمنا عليهم ثلاث عشرة ليلة نتأناهم، وتختلف رسلنا إليهم، فلما يئس منهم قام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر فضل الجهاد، وما لصاحبه إذا صبر واحتسب، ثم نهضنا إلى عدونا، وقاتلناهم أشد القتال، يومنا ذلك، وصبر فيه الفريقان فكانت بيننا وبينهم قتلى كثيرة، واستشهد الله فيهم رجالًا من المسلمين، فبتنا وباتوا، وللمسلمين دوي بالقرآن كدوي النحل، وبات المشركون في خمورهم وملاعبهم، فلما أصبحنا أخذنا مصافنا التي كنا عليها بالأمس، فزحف بعضنا على بعض، فأفرغ الله علينا صبره، وأنزل علينا نصره، ففتحناها من آخر النهار، فأصبنا غنائم كثيرة، وفيئًا واسعًا، بلغ فيه الخمس خمسمائة ألف، فصفق٦ عليها مروان بن الحكم، فتركت المسلمين قد
стр. 459
قرت أعينهم، وأغناهم النفل، وأنا رسولهم إلى أمير المؤمنين، أبشره وإياكم بما فتح الله من البلاد، وأذل من الشرك، فاحمدوا الله عباد الله على آلائه، وما أحل بأعدائه، من بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين".
ثم سكت فنهض إليه أبوه الزبير، فقبل بين عينيه وقال: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يا بني ما زلت تنطق بلسان أبي بكر حتى صمت.
"العقد الفريد ٢: ١٤٩".
стр. 460
١٥٧- خطبة عبد الله بن مسعود "المتوفى سنة ٣٢ه ـ":
أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرا كلمة التقوى، أكرم الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد ﷺ ، خير الأمور أوساطها، وشر الأمور محدثاتها. ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، خير الغنى غنى النفس، وخير ما ألقي في القلب اليقين. الخمر جماع الآثام، النساء حبالة الشيطان، الشباب شعبة من الجنون، حسب الكفاية مفتاح المعجزة، شر الناس من لا يأتي الجماعة إلا دبرًا، ولا يذكر الله إلا هجرًا١، أعظم الخطايات اللسان الكذوب، سباب المؤمن فسق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، من يتأل٣ على الله يكذبه، ومن يغفر يغفر له، مكتوب في ديوان المحسنين: من عفا عفا الله عنه، الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، الأمور بعواقبها، ملاك العمل خواتيمه، أشرف الموت الشهادة، من يعرف البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرف البلاء ينكره.
"إعجاز القرآن ١٢٢، العقد الفريد ٢: ١٥٦، البيان والتبيين ٢: ٢٧".