١٥٥- خطبة سعيد بن العاص حين قدم الكوفة واليًا عليها:
عزل عثمان ﵁ الوليد بن عقبة بن أبي معيط من إمارة الكوفة، وكان قد اتهم بشرب الخمر، وولى مكانه سعيد بن العاص سنة ٣٠هـ، فلما قدم الكوفة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ولكني لم أجد بدًا إذ أمرت أن ائتمر، ألا إن الفتنة قد أطلعت خطمها١ وعينيها، ووالله لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني٢، وإني لرائد٣ نفسي اليوم" ثم نزل.
"تاريخ الطبري ٥: ٦٣".
стр. 457
١٥٦- خطبة عبد الله بن الزبير حين قدم بفتح إفريقية: ١
قدم عبد الله بن الزبير على عثمان بن عفان بفتح إفريقية، فأخبره مشافهة، وقص عليه كيف كانت الوقعة، فأعجب عثمان ما سمع منه، فقال له: أتقوم بمثل هذا الكلام على الناس! فقال: يا أمير المؤمنين، إني أهيب لك مني لهم، فقام عثمان في الناس خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس: إن الله قد فتح عليكم إفريقية، وهذا عبد الله بن الزبير يخبركم خبرها إن شاء الله، وكان عبد الله بن الزبير إلى جانب المنبر، فقام خطيبًا –وكان أول من خطب إلى جانب المنبر- فقال:
"الحمد لله الذي ألف بين قلوبنا، وجعلنا متحابين بعد البغضة، الذي لا تجحد نعماؤه، ولا يزول ملكه، له الحمد كما حمد نفسه، وكما هو أهله، انتخب محمدًا صلى الله
стр. 458
عليه وسلم، فاختاره بعلمه، وأتمنه على وحيه، واختار له من الناس أعوانًا، قذف في قلوبهم تصديقه ومحبته، فآمنوا به وعزروه١ ووقروه، وجاهدوا في الله حق جهاده، فاستشهد٢ الله منهم من استشهد على المنهاج الواضح، والبيع الرابح، وبقي منهم من بقي، لا تأخذهم في الله لومة لائم.
أيها الناس: رحمكم الله إنا خرجنا للوجه الذي علمتم، فكنا مع والٍ حافظ، حفظ وصية أمير المؤمنين، كان يسير بنا الأبردين٣، ويخفض٤ بنا في الظهائر، ويتخذ الليل جملًا، يعجل الرحلة من المنزل الجدب، ويطيل البث في المنزل الخصب، فلم نزل على أحسن حالة نعرفها من ربنا، حتى انتهينا إلى إفريقية، فنزلنا منها حيث يسمعون صهيل الخيل، ورغاء الإبل، وقعقعة السلاح، فأقمنا أيامًا نجم كراعنا٥، ونصلح سلاحنا، ثم دعوناهم إلى الإسلام والدخول فيه، فأبعدوا منه، فسألناهم الجزية عن صغار أو الصلح، فكانت هذه أبعد، فأقمنا عليهم ثلاث عشرة ليلة نتأناهم، وتختلف رسلنا إليهم، فلما يئس منهم قام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر فضل الجهاد، وما لصاحبه إذا صبر واحتسب، ثم نهضنا إلى عدونا، وقاتلناهم أشد القتال، يومنا ذلك، وصبر فيه الفريقان فكانت بيننا وبينهم قتلى كثيرة، واستشهد الله فيهم رجالًا من المسلمين، فبتنا وباتوا، وللمسلمين دوي بالقرآن كدوي النحل، وبات المشركون في خمورهم وملاعبهم، فلما أصبحنا أخذنا مصافنا التي كنا عليها بالأمس، فزحف بعضنا على بعض، فأفرغ الله علينا صبره، وأنزل علينا نصره، ففتحناها من آخر النهار، فأصبنا غنائم كثيرة، وفيئًا واسعًا، بلغ فيه الخمس خمسمائة ألف، فصفق٦ عليها مروان بن الحكم، فتركت المسلمين قد
стр. 459
قرت أعينهم، وأغناهم النفل، وأنا رسولهم إلى أمير المؤمنين، أبشره وإياكم بما فتح الله من البلاد، وأذل من الشرك، فاحمدوا الله عباد الله على آلائه، وما أحل بأعدائه، من بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين".
ثم سكت فنهض إليه أبوه الزبير، فقبل بين عينيه وقال: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يا بني ما زلت تنطق بلسان أبي بكر حتى صمت.
"العقد الفريد ٢: ١٤٩".
стр. 460
١٥٧- خطبة عبد الله بن مسعود "المتوفى سنة ٣٢ه ـ":
أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرا كلمة التقوى، أكرم الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد ﷺ ، خير الأمور أوساطها، وشر الأمور محدثاتها. ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، خير الغنى غنى النفس، وخير ما ألقي في القلب اليقين. الخمر جماع الآثام، النساء حبالة الشيطان، الشباب شعبة من الجنون، حسب الكفاية مفتاح المعجزة، شر الناس من لا يأتي الجماعة إلا دبرًا، ولا يذكر الله إلا هجرًا١، أعظم الخطايات اللسان الكذوب، سباب المؤمن فسق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، من يتأل٣ على الله يكذبه، ومن يغفر يغفر له، مكتوب في ديوان المحسنين: من عفا عفا الله عنه، الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، الأمور بعواقبها، ملاك العمل خواتيمه، أشرف الموت الشهادة، من يعرف البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرف البلاء ينكره.
"إعجاز القرآن ١٢٢، العقد الفريد ٢: ١٥٦، البيان والتبيين ٢: ٢٧".
стр. 461
١٥٨- أبو زبيد الطائي يصف الأسد:
قال عثمان بن عفان ﵁ يومًا لأبي زبيد: حرملة بن المنذر الطائي –وكان نصرانيًا- يا أخا تبع المسيح، أسمعنا بعض قولك، فقد أنبئت أنك تجيد، فأنشده قصيدة له في وصف الأسد، فقال عثمان: تالله تفتأ تذكر الأسد ما حييت! والله إني لأحسبك جبانًا هرابًا، قال: كلا، يا أمير المؤمنين، ولكني رأيت منه منظرًا، وشهدت منه مشهدًا، لا يبرح ذكره يتجدد ويتردد في قلبي، ومعذور أنا يا أمير المؤمنين غير ملوم، فقال له عثمان: وأنى كان ذلك؟ قال:
"خرجت في صُيَّابَة١ أشراف من أبناء قبائل العرب، ذوي هيئة وشارة٢ حسنة، ترمى بنا المهارى٣ بأكسائها٤، ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشأم، فاخروَّط٥ بنا السير في حمارة القيظ، حتى إذا عصبت الأفواه، وذبلت الشفاه، وشالت٦ المياه، وأذكت الجوزاء المعزاء٧، وذاب الصيهب٨، وصر الجندب٩ وأضاف العصفور الضب في وكره، وجاوره في جحره، قال قائل: أيها الركب، غوروا١٠ بنا في دوح هذا الوادي، وإذا واد قد بدا لنا كثير الدغل١١، دائم الغلل١٢
стр. 462
أشجاره مغنة١، وأطياره مرنة٢، فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات٣، فأصبنا من فضلات المزاود، وأتبعناها الماء البارد، فإنا لنصف حر يومنا ومماطلته، إذ صر أقصى الخيل أذنيه٤، وفحص الأرض بيديه، فوالله ما لبث أن جال، ثم حمحم٥ فبال، ثم فعل فعله الفرس الذي يليه واحدًا فواحدًا، فتضعضعت الخيل، وتكعكعت٦ الإبل، وتقهقرت البغال، فمن نافر بشكاله٧، وناهض بعقاله، فعلمنا أنا قد أتينا، وأنه السبع لا شك فيه، ففزع كل واحد منا إلى سيفه، فاستله من جربانه٨، ثم وقفنا رزدقًا أرسالا٩، وأقبل أبو الحارث من أجمته، يتظالع١٠ في مشيته، كأنه مجنوب أو في هجار١١، لصدره نحيط١٢ ولبلاعمه غطيط١٣، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض١٤ كأنما يخبط هشيمًا، أو يطأ صريمًا١٥، وإذا هامة كالمجن١٦ وخد كالمسن، وعينان سجراوان١٧ كأنهما سراجان يتقدان،
стр. 463
وقصرة ربلة١، ولهزمة رهلة٢، وكتد مغبط٣ وزور مفرط٤ وساعد مجدول، وعضد مفتول، وكف شثنة البراثن٥ إلى مخالب كالمحاجن٦، فضرب بيديه فأرهج٧ وكشر٨ فأفرج عن أنياب كالمعاول، مصقولة، غير مفلولة، وفم أشد٩ كالغار الأخوق١٠، ثم تمطى فأسرع بيديه، وحفز١١ وركيه برجليه، حتى صار ظله مثليه، ثم أقعى١٢ فاقشعر، ثم مثل فاكفهر١٣، ثم تجهم فازبأر١٤ فلا وذو١٥ بيته في السماء، ما اتقيناه إلا بأخ لنا من فزارة، كان ضخم الجزارة١٦، فوقصه١٧ ثم نقضه نقضة، فقضقض١٨ متنيه، فجعل يلغ في دمه، فذمرت١٩ أصحابي، فبعد لأيٍ٢٠ ما استقدموا، فهجهجنا٢١ به فكر مقشعر الزبرة ٢٢،
стр. 464
كأن به شيهما١ حوليًّا، فاختلج٢ رجلًا أعجر ذا حوايا، فنقضه نقضة تزايلت منها مفاصله، ثم همهم فقرقر٣، ثم زفر فبربر٤، ثم زأر فجرجر٥، ثم لحظ، فوالله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه، عن شماله ويمينه، فأرعشت الأيدي، واصطكت الأرجل، وأطت٦ الأضلاع، وارتجت الأسماع، وشخصت٧ العيون، وتحققت الظنون، وانخزلت٨ المتون، ولحقت الظهور بالبطون، ثم ساءت الظنون، فقال له عثمان: اسكت قطع الله لسانك! فقد أرعبت قلوب المسلمين".
"الأغاني ١١: ٢٣ والمحاسن والأضداد ص١١٢".
стр. 465
خلافة الإمام علي كرم الله وجهه:
١٥٩- وصية علي لقيس بن سعد:
ولما قتل عثمان ﵁ وولي علي بن أبي طالب الأمر، دعا قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري وولاه مصر سنة ٣٦هـ.
وقال له:
"سر إلى مصر فقد وليتكها، واخرج إلى رحلك، واجمع إليك ثقاتك، ومن أحببت أن يصحبك حتى تأتيها ومعك جند، فإن ذلك أرعب لعدوك، وأعز لوليك، فإذا أنت قدمتها إن شاء الله فأحسن إلى المحسن، واشتد على المريب، وارفق بالعامة والخاصة فإن الرفق يمن".
"تاريخ الطبري ٥: ٢٢٧".
стр. 466
١٦٠- خطبة لقيس بن سعد:
ولما دخل قيس مصر قام خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد ﷺ وقال:
"الحمد لله الذي جاء بالحق وأمات الباطل، وكبت الظالمين،
أيها الناس إنا قد بايعنا خير من نعلم بعد محمد نبينا ﷺ ، فقوموا أيها الناس، فبايعوا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم".
فقام الناس فبايعوا.
"تاريخ الطبري ٥: ٢٢٨".
стр. 467
فتنة أصحاب الجمل
مدخل
...
فتنة أصحاب الجمل:
ولما قدمت السيدة عائشة ﵂ البصرة، للطلب بدم عثمان، خرج إليها من أهلها من أراد أن يكون معها، واجتمع القوم بالمربد، وجعلوا يثوبون، حتى غص بالناس، فتكلم طلحة، فأنصتوا له:
стр. 468
١٦١- خطبة طلحة:
حمد الله وأثنى عليه، وذكر عثمان ﵁ وفضله، والبلد وما استحل منه، وعظم ما أتى إليه، ودعا إلى الطلب بدمه وقال:
"إن في ذلك إعزاز دين الله وسلطانه، وأما الطلب بدم الخليفة المظلوم، فإنه حد من حدود الله، وإنكم إن فعلتم أصبتم، وعاد أمركم إليكم، وإن تركتم لم يقم لكم سلطان، ولم يكن لكم نظام".
وتكلم الزبير بمثل ذلك، ثم تكلمت السيدة عائشة وكانت جهورية الصوت.
стр. 469
١٦٢- خطبة السيدة عائشة بالمربد:
حمدت الله ، وأثنت عليه وقالت:
"كان الناس يتجنون١ على عثمان ﵁، ويزرون٢ على عماله، ويأتوننا بالمدينة، فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم، فننظر في ذلك فنجده بريًّا، تقيًّا وفيًّا،
стр. 470
ونجدهم فجرة غدرة كذبة، يحاولون غير ما يظهرون، فلما قووا على المكاثرة كاثروه، واقتحموا عليه داره، واستحلوا الدم الحرام، والمال الحرام، والبلد الحرام، لا ترة١ ولا عذر، ألا إن ما ينبغي، لا ينبغي لكم غيره، أخذ قتلة عثمان ﵁، وإقامة كتاب الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية".
"تاريخ الطبري ٥: ١٧٥، والكامل لابن الأثير ٣: ١٠٥".
стр. 471
١٦٣- خطبة لعلي:
وخطب علي لما سار الزبير وطلحة من مكة ومعهما عائشة يريدون البصرة، فقال:
"أيها الناس: إن عائشة سارت إلى البصرة ومعها طلحة والزبير، وكل منهما يرى الأمر له دون صاحبه، أما طلحة فابن عمها، وأما الزبير فختنها، والله لو ظفروا بما أرادوا –ولن ينالوا ذلك أبدًا- ليضربن أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد، والله إن راكبة الجمل الأحمر ما تقطع عقبة ولا تحل عقدة، إلا في معصية الله وسخطه، حتى تورد نفسها ومن معها موارد الهلكة، إي والله ليقتلن ثلثهم، وليهربن ثلثهم، وليتوبن ثلثهم، وإنها التي تنبحها كلاب الحوأب، وإنهما ليعلمان أنهما مخطئان، ورب عالم قتله جهله، ومعه علمه لا ينفعه، وحسبنا الله ونعم الوكيل، فقد قامت الفتنة فيها الفئة الباغية، أين المحتسبون؟ أين المؤمنون؟ ما لي ولقريش! أما والله لقد قتلتهم كافرين، ولأقتلنهم مفتونين، وما لنا إلى عائشة من ذنب إلا أننا أدخلناها في حيزنا، والله لأبقرن الباطل حتى يظهر الحق من خاصرته، فقل لقريش فلتضج ضجيجها" ثم نزل.
"ابن أبي الحديد م ١: ص ٧٨".
стр. 472
١٦٤- خطبة لعلي:
ولما رجعت رسل علي من عند طلحة والزبير وعائشة يؤذنونه بالحرب قام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال:
"أيها الناس: إني قد راقبت هؤلاء القوم كي يرعووا أو يرجعوا، ووبختهم بنكثهم، وعرفتهم بغيهم فلم يستحيوا، وقد بعثوا إلي أن ابرز للطعان، واصبر للجلاد، وإنما تمنيك نفسك أماني الباطل، وتعدك الغرور، ألا هبلتهم١ الهبول، لقد كنت وما أهدد بالحرب، ولا أرهب بالضرب، ولقد أنصف القارة٢ من راماها، فليرعدوا وليبرقوا، فقد رأوني قديمًا، وعرفوا نكايتي، فكيف رأوني؟ أنا أبو الحسن الذي فللت حد المشركين، وفرقت جماعتهم، وبذلك القلب ألقى عدوي اليوم، وإني لعلى ما وعدني ربي من النصر والتأييد، وعلى يقين من أمري، وفي غير شبهة من ديني.
أيها الناس: إن الموت لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، ليس عن الموت محيد ولا محيص، من لم يقتل مات، إن أفضل الموت القتل، والذي نفس علي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موتة واحدة على الفراش.
اللهم إن طلحة نكث بيعتي، وألب على عثمان حتى قتله، ثم عضهني٣ به ورماني، اللهم فلا تمهله.
اللهم إن الزبير قطع رحمي، ونكث بيعتي، وظاهر علي عدوي، فاكفنيه اليوم بما شئت" ثم نزل.
"ابن أبي الحديد م ١: ١٠١".
стр. 473
١٦٥-خطبة لعلي:
حمد الله وصلى على رسوله ثم قال:
"أما بعد فإنه لما قبض الله نبيه ﵌، قلنا نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقنا طامع، إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا، فصارت الإمرة لغيرنا، وصرنا سوقة يطمع فينا الضعيف، ويتعزز علينا الذليل، فبكت الأعين منا لذلك، وخشنت الصدور، وجزعت النفوس. وايم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر ويبور الدين، لكنا على غير ما كنا لهم عليه، فولي الأمر ولاة لم يألوا الناس خيرًا، ثم استخرجتموني أيها الناس من بيتي، فبايعتموني على شين مني لأمركم، وفراسة تصدقني ما في قلوب كثير منكم، وبايعني هذان الرجلان في أول من بايع –تعلمون ذلك- وقد نكثا وغدرا ونهضا إلى البصرة بعائشة، ليفرقا جماعتكم، ويلقيا بأسكم بينكم، اللهم فخذهما بما عملا أخذة واحدة رابية، ولا تنعش لهما صرعة، ولا تقل لهما عثرة، ولا تمهلهما فواقا١، فإنهما يطلبان حقًّا تركاه، ودمًا سفكاه، اللهم إني أقتضيك وعدك، فإنك قلت وقولك الحق: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ اللهم فأنجز لي موعودك، ولا تكلني إلى نفسي، إنك على كل شيء قدير".
"ابن أبي الحديد م ١: ١٠١".
стр. 474
١٦٦- خطبة عدي بن حاتم، يستنفر قومه لنصرة الإمام علي:
ولما شخص الإمام علي كرم الله وجهه من المدينة إلى البصرة وقد علم بمسير طلحة والزبير وعائشة إليها، قام عدي بن حاتم إليه فقال: يا أمير المؤمنين لو تقدمت إلى قومي
стр. 475
أخبرهم بمسيرك، وأستنفرهم، فإن لك من طيئ مثل الذي معك، فقال علي: نعم فافعل، فتقدم عدي إلى قومه، فاجتمعت إليه رؤساء طيئ، فقال لهم:
"يا معشر طيئ: إنكم أمسكتم عن حرب رسول الله ﷺ في الشرك، ونصرتم الله ورسوله في الإسلام على الردة، وعلي قادم عليكم، وقد ضمنت له مثل عدة من معه منكم، فخفوا١ معه، وقد كنتم تقاتلون في الجاهلية على الدنيا، فقاتلوا في الإسلام على الآخرة، فإن أردتم الدنيا فعند الله مغانم كثيرة، وأنا أدعوكم إلى الدنيا والآخرة، وقد ضمنت عنكم الوفاء، وباهيت بكم الناس، فأجيبوا قولي، فإنكم أعز العرب دارًا، لكم فضل معاشكم وخيلكم، فاجعلوا فضل المعاش للعيال٢، وفضول الخيل للجهاد، وقد أظلكم علي والناس معه من المهاجرين والبدريين٣ والأنصار، فكونوا أكثرهم عددًا، فإن هذا سبيل للحي فيه الغنى والسرور، وللقتيل فيه الحياة والرزق".
فصاحت طيئ: نعم نعم! حتى كاد أن يصم من صياحهم.
"الإمامة والسياسة ١: ٤٥".
стр. 476
١٦٧- خطبة زفر بن زيد يستنفر قومه لنصرة علي أيضًا:
وقام إلى علي زفر بن زيد الأسدي -وكان من سادة بني أسد- فقال: يا أمير المؤمنين، إن طيئًا إخواننا قد أجابوا عديًّا، ولي في قومي طاعة، فأذن لي فآتيهم، قال: نعم، فأتاهم فجمعهم، وقال:
стр. 477
"يا بني أسد: إن عدي بن حاتم ضمن لعلي قومه، فأجابوه، وقضوا عنه ذمامه١، فلم يعتل الغني بالغنى، ولا الفقير بالفقر، وواسى بعضهم بعضًا حتى كأنهم المهاجرون في الهجرة، والأنصار في الأثرة٢، وهم جيرانكم في الديار، وخلطاؤكم٣ في الأموال، فأنشدكم الله لا يقول الناس غدًا: نصرت طيئ، وخذلت بنو أسد، وإن الجار يقاس بالجار، كالنعل بالنعل، فإن خفتم، فتوسعوا في بلادهم، وانضموا إلى جبلهم، وهذه دعوة لها ثواب من الله في الدنيا والآخرة".
"الإمامة والسياسة ١: ٤٦".
стр. 478
١٦٨- خطبة علي بالربذة:
روى الطبري قال:
لما أتى عليًّا الخبر –وهو بالمدينة- بأمر عائشة وطلحة والزبير أنهم قد توجهوا نحو العراق، خرج يبادر وهو يرجو أن يدركهم ويردهم، فلما انتهى إلى الربذة١ أتاه عنهم أنهم قد أمعنوا، فأقام بالربذة أيامًا، وبقي بها يتهيأ، وأرسل إلى المدينة، فلحقه ما أراد من دابة وسلاح، وقام في الناس فخطبهم وقال:
"إن الله أعزنا بالإسلام، ورفعنا به، وجعلنا به إخوانًا بعد ذلة وقلة، وتباغض وتباعد، فجرى الناس على ذلك ما شاء الله، الإسلام دينهم، والحق فيهم، والكتاب إمامهم، حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان، لينزغ بين هذه الأمة، ألا إن هذه الأمة لا بد مفترقة كما افترقت الأمم قبلهم، فنعوذ بالله من شر ما هو كائن.
стр. 479
ثم عاد ثانية فقال: إنه لا بد مما هو كائن أن يكون. ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، شرها فرقة تنتحلني ولا تعمل بعملي، فقد أدركتم ورأيتم، فالزموا دينكم واهدوا بهدي نبيكم ﷺ ، واتبعوا سنته، واعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن، فما عرفه القرآن فالزموه، وما أنكره فردوه، وارضوا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا، وبالقرآن حكمًا وإمامًا".
"تاريخ الطبري ٥: ١٨٥".
стр. 480
١٧٠- خطبة الحسن بن علي:
ولما دخل الحسن وعمار الكوفة اجتمع إليهما الناس، فقام الحسن، فاستنفر الناس، فحمد الله، وصلى على رسوله، ثم قال:
"أيها الناس إنا جئنا ندعوكم إلى الله وإلى كتابه وسنة رسوله، وإلى أفقه من تفقه من المسلمين وأعدل من تعدلون، وأفضل من تفضلون، وأوفى من تبايعون، من لم يعبه القرآن، ولم تجهله السنة، ولم تقعد به السابقة، إلى من قربه الله تعالى ورسوله قرابتين قرابة الدين وقرابة الرحم، إلى من سبق الناس إلى كل مأثرة، إلى من كفى الله ورسوله والناس متخاذلون، فقرب منه وهم متباعدون، وصلى معه وهم مشركون، وقاتل معه وهم منهزمون، وبارز معه وهم محجمون، وصدقه وهم يكذبون، إلى من لم ترد له ولا تكافأ له سابقة، وهو يسألكم النصر، ويدعوكم إلى الحق، ويأمركم بالمسير إليه لتوازروه وتنصروه على قوم نكثوا بيعته، وقتلوا أهل الصلاح من أصحابه، ومثلوا بعماله، وانتهبوا بيت ماله، فاشخصوا إليه رحمكم الله، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، واحضروا بما يحضر به الصالحون".
"شرح ابن أبي الحديد م ٣: ٢٩٢".
стр. 481
١٧١- خطبة أخرى للحسن:
"الحمد لله العزيز الجبار، الواحد القهار، الكبير المتعال، سواء منكم من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار، أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النعماء، على ما أحببنا وكرهنا من شدة ورخاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده وسوله، امتن علينا بنبوته، واختصه برسالته، وأنزل عليه وحيه، واصطفاه على جميع خلقه، وأرسله إلى الإنس والجن، حين عبدت الأوثان، وأطيع الشيطان، وجحد الرحمن، وصلى الله عليه وعلى آله، وجزاه الله أفضل ما جزى المسلمين.
стр. 482
أما بعد، فإني لا أقول لكم إلا ما تعرفون، إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أرشد الله أمره، وأعز نصره، بعثني إليكم يدعوكم إلى الصواب، وإلى العمل بالكتاب، والجهاد في سبيل الله، وإن كان في عاجل ذلك ما تكرهون، فإن في آجله ما تحبون إن شاء الله.
ولقد علمتم أن عليًّا صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وحده، وإنه يوم صدق به لفى عاشرة من سنه، ثم شهد مع رسول الله صلى الله وآله جميع مشاهده، وكان من اجتهاده في مرضاة الله وطاعة رسوله وآثاره الحسنة في الإسلام ما قد بلغكم، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله راضيًا عنه، حتى غمضه بيده، وغسله وحده، والملائكة أعوانه، والفضل ابن عمه ينقل إليه الماء، ثم أدخله حفرته، وأوصاه بقضاء دينه وعداته وغير ذلك من أموره، كل ذلك من من الله عليه.
ثم والله ما دعا إلى نفسه، ولقد تداك الناس عليه تداك الإبل الهيم عند ورودها، فبايعوه طائعين، ثم نكث منهم ناكثون بلا حدث أحدثه، ولا خلاف أتاه، حسدًا له وبغيًا عليه.
فعليكم عباد الله بتقوى الله وطاعته والجد والصبر والاستعانة بالله والخفوف إلى ما دعاكم إليه أمير المؤمنين، عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه وأهل طاعته، وألهمنا وإياكم تقواه، وأعاننا وإياكم على جهاد أعدائه، وأستغفر الله العظيم لي ولكم".
"شرح ابن أبي الحديد م ٣: ٢٩٢".
стр. 483
١٧٢- خطبة عمار بن ياسر:
وقام بعده عمار، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال:
أيها الناس أخو نبيكم وابن عمه يستنفركم لنصر دين الله، وقد بلاكم الله بحق دينكم، وحرمة أمكم، فحق دينكم أوجب، وحرمته أعظم.
стр. 484
"أيها الناس عليكم بإمام لا يؤدب، وفقيه لا يعلم، وصاحب بأس لا ينكل، وذي سابقة في الإسلام ليست لأحد، وإنكم لو قد حضرتموه بين لكم أمركم إن شاء الله".
стр. 485
١٧٣- خطبة أبي موسى الأشعري:
فلما سمع أبو موسى الأشعري خطبة الحسن وعمار، قام فصعد المنبر، وقال:
الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد؛ فجمعنا بعد الفرقة، وجعلنا إخوانًا متحابين بعد العداوة، وحرم عليا دماءنا وأموالنا، قال الله سبحانه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ فاتقوا الله عباد الله. وضعوا أسلحتكم، وكفوا عن قتال إخوانكم.
أما بعد، يأهل الكوفة إن تطيعوا الله باديًا، وتطيعوني ثانيًا تكونوا جرثومة١ من جراثيم العرب، يأوي إليكم المضطر، ويأمن فيكم الخائف، إن عليًا إنما يستنفركم لجهاد أمكم عائشة وطلحة والزبير حواري رسول الله ومن معهم من المسلمين، وأنا أعلم بهذه الفتن. إنها إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت أسفرت، إني خائف عليكم أن يلتقي غاران منكم، فيقتتلا، ثم يتركا كالأحلاس الملقاة بنجوة من الأرض لا يدرى من أين تؤتى، تترك الحليم حيران، كأني أسمع رسول الله صلى الله عليه وآله بالأمس يذكر الفتن فيقول: أنت فيها نائمًا خير منك قاعدًا، وأنت فيها جالسًا خير منكم قائمًا، وأنت فيها قائمًَا خير منك ساعيًا، فثلموا سيوفكم، وقصفوا رماحكم، وأنصلوا٢ سهامكم، وقطعوا أوتاركم، وخلوا قريشًا ترتق فتقها، وترأب صدعها، فإن فعلت فلأنفسها ما فعلت، وإن أبت فعلى أنفسها ما جنت، سمنها في أديمها، واستنصحوني ولا تستغشوني، وأطيعوني ولا تعصوني، يتبين لكم رشدكم، وتصلى هذه الفتنة من جناها.
"شرح ابن الحديد م ٢٩٣".
стр. 486
صورة أخرى:
١٧٤- خطبة أبي موسى الأشعري:
وكاتب الإمام علي من الربذة أبا موسى الأشعري –وكان عامله على الكوفه- ليستنفر الناس لقتال عائشة ومن معها، فثبطهم وخطبهم، فقال:
"أيها الناس: إن أصحاب النبي ﷺ الذين صحبوه في المواطن، أعلم بالله جل وعز وبرسوله ﷺ ممن لم يصحبه، وإن لكم علينا حقًّا، فأنا مؤديه إليكم، كان الرأى ألا تستخفوا بسلطان الله ، ولا تجترئوا على الله ، وكان الرأي الثاني أن تأخذوا من قدم عليكم من المدينة، فتردوهم إليها، حتى يجتمعوا، وهم أعلم بمن تصلح له الإمامة منكم، ولا تكلفوا الدخول في هذا، فأما إذ كان ما كان، فإنها فتنة صماء، النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الراكب، فكونوا جرثومة١ من جراثيم العرب، فأغمدوا١ السيوف، وأنصلوا الأسنة، واقطعوا الأوتار، وآووا المظلوم والمضطهد، حتى يلتئم هذا الأمر، وتنجلي هذه الفتنة".
"تاريخ الطبري ٥: ١٨٧، والكامل لابن الأثير ٣: ١١٣".
стр. 487
١٧٥- صورة أخرى:
وخطب أيضًا في هذا الصدد، فقال:
"أيها الناس: أطيعوني تكونوا جرثومة من جراثيم العرب، يأوي إليكم المظلوم، ويأمن فيكم الخائف، إنا أصحاب محمد ﷺ أعلم بما سمعنا، إن الفتنة إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت بينت، وإن هذه الفتنة باقرة١ كداء البطن، تجري بها الشمال والجنوب، والصبا٢ والدبور، فتكن أحيانًا، فلا يدرى من أين تؤتى، تذر الحليم كابن أمس، شيموا٣ سيوفكم، وقصدوا ٤ رماحكم، وأرسلوا سهامكم، واقطعوا أوتاركم، والزموا بيوتكم، خلوا قريشًا إذا أبوا إلا الخروج من دار الهجرة، وفراق أهل العلم بالإمرة، ترتق٥ فتقها، وتشعب٦ صدعها، فإن فعلت فلأنفسها سعت، وإن أبت فعلى أنفسها جنت، سمنها تهريق في أديمها، استنصحوني ولا تستغشوني، وأطيعوني يسلم لكم دينكم ودنياكم، ويشقى بحر هذه الفتنة من جناها".
стр. 488
١٧٦- خطبة زيد بن صوحان:
فقام زيد بن صوحان، فشال١ يده المقطوعة، فقال:
"يا عبد الله٢ بن قيس، رد الفرات عن أدراجه٣، اردده من حيث يجيء،
стр. 489
حتى يعود كما بدأ، فإن قدرت على ذلك، فستقدر على ما تريد، فدع عنك ما لست مدركه، ثم قرأ: ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١-٢-٣] سيروا إلى أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وانفروا١ إليه أجمعين، تصيبوا الحق".
стр. 490
١٧٧- خطبة القعقاع بن عمرو:
فقام القعقاع بن عمرو فقال:
"إني لكم ناصح، وعليكم شفيق، أحب أن ترشدوا١، ولأقولن لكم قولًا هو الحق، أما ما قال الأمير فهو الأمر، لو أن إليه سبيلًا، وأما ما قال زيد فزيد عدو هذا الأمر، فلا تستنصحوه، فإنه لا ينتزع أحد من الفتنة طعن فيها، وجرى إليها، والقول الذي هو الحق أنه لا بد من إمارة تنظم الناس، وتزع٢ الظالم، وتعز المظلوم، وهذا علي يلي بما ولي، وقد أنصف في الدعاء، وإنما يدعو إلى الإصلاح، فانفروا وكونوا من هذا الأمر بمرأى ومسمع".
стр. 491
١٧٨- خطبة سيحان بن صوحان:
وقال سيحان:
"أيها الناس: إنه لا بد لهذا الأمر وهؤلاء الناس من والٍ، يدفع الظالم ويعز المظلوم، ويجمع الناس، وهذا واليكم يدعوكم لينظر فيما بينه وبين صاحبيه١، وهو المأمون على الأمة، الفقيه في الدين، فمن نهض إليه، فإنا سائرون معه".
стр. 492
١٧٩- خطبة الحسن بن علي:
وقام الحسن بن علي ﵁، فقال:
"أيها الناس: أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه، والله لأن يليه أولو النهى أمثل في العاجلة، وخير في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا، وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم، وإن أمير المؤمنين يقول: قد خرجت مخرجي هذا ظالمًا أو مظلومًا، وإني أذكر الله رجلاً رعى حق الله إلا نفر، فإن كنت مظلومًا أعانني، وإن كنت ظالمًا أخذ مني، والله إن طلحة والزبير لأول من بايعني، وأول من غدر، فهل استأثرت بمال، أو بدلت حكمًا؟ فانفروا، فمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر".
"تاريخ الطبري ٥: ١٨٨، والكامل لابن الأثير ٣: ١١٤".
стр. 493
١٨٠- وفادة القعقاع بن عمرو إلى أصحاب الجمل:
ولما نزل الإمام علي كرم الله وجهه بذي قار، دعا القعقاع بن عمرو، فأرسله إلى أهل البصرة، وقال له: الق هذين الرجلين –طلحة والزبير- يابن الحنظلية، "وكان القعقاع من أصحاب النبي ﷺ " فادعهما إلى الألفة والجماعة، وعظم عليهما الفرقة، وقال له: كيف أنت صانع فيما جاءك منهما، مما ليس عندك فيه وصاة١ مني؟ فقال: نلقاهم بالذي أمرت به، فإذا جاء منهما أمر ليس عندنا منك فيه رأي، اجتهدنا الرأي، وكلمناهم على قدر ما نسمع ونرى أنه ينبغي، قال: أنت لها.
стр. 494
فخرج القعقاع حتى قدم البصرة فبدأ بعائشة ﵂، فسلم عليها، وقال: أي أمه: ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني: إصلاح بين الناس، قال: فابعثي إلى طلحة والزبير، حتى تسمعي كلامي وكلامهما، فبعثت إليهما فجاءا، فقال: إني سألت أم المؤمنين ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان، قال: فأخبراني، ما وجه هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عرفناه لنصلحن، ولئن أنكرناه لا نصلح، قالا: قتلة عثمان ﵁، فإن هذا إن ترك كان تركًا للقرآن، وإن عمل به كان إحياء للقرآن، فقال: قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة، وأنتم قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة إلا رجلًا، فغضب لهم ستة آلاف، واعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم ذلك الذي أفلت -يعني حرقوص بن زهير- فمنعه ستة آلاف وهم على رجل، فإن تركتموه كنتم تاركين لما تقولون، فإن قاتلتموهم والذين اعتزلوكم فأديلوا١ عليكم، فالذي خذرتم وقربتم٢ به هذا الأمر أعظم مما أراكم تكرهون، وأنتم أحميتم مضر وربيعة من هذه البلاد، فاجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم، والذنب الكبير".
فقالت أم المؤمنين: فتقول أنت ماذا؟ قال: أقول هذا الأمر دواؤه التسكين، وإذا سكن اختلجوا٣، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خيرٍ، وتباشير رحمة، ودرك بثأر هذا الرجل، وعافية وسلامة لهذه الأمة، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه، كانت علامة شر وذهاب هذا الثأر، وبعثة الله في هذه الأمة هزاهزها٤، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح الخير، كما كنتم تكونون، ولا تعرضونا للبلاء، ولا تعرضوا
стр. 495
له، فيصرعنا وإياكم، وايم الله إني لأقول هذا وأدعوكم إليه، وإني لخائف ألا يتم حتى يأخذ الله حاجته من هذه الأمة، التي قل متاعها، ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي حدث ليس يقدَّر، وليس كالأمور، ولا كقتل الرجل الرجل، ولا النفر الرجل، ولا القبيلة الرجل".
فقالوا: نعم، إذن قد أحسنت وأصبت المقالة فارجع، فإن قدم علي، وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر، فرجع إلى علي فأخبره، فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح١.
"تاريخ الطبري ٥: ١٩١".