٢٠١- مقال من ثبطوه عن المسير:
ولما أمر الإمام بالمسير إلى الشأم، دخل عليه عبد الله بن المعتم العبسي وحنظلة بن الربيع التميمي، في رجال كثير من غطفان وبني تميم، فقال له حنظلة:
"يا أمير المؤمنين: إنا قد مشينا إليك في نصيحة، فاقبلها، ورأينا لك رأيًا فلا تردنه علينا، فإنا نظرنا لك ولمن معك، أقم وكاتب هذا الرجل، ولا تعجل إلى قتال أهل الشأم، فإنا والله ما ندري ولا تدري لمن تكون الغلبة إذا التقيتم، ولا على من تكون الدبرة١".
وقال ابن المعتم مثل قوله، وتكلم القوم الذين دخلوا معهما بمثل كلامهما.
стр. 527
٢٠٢- رد الإمام عليهم:
فحمد علي ﵇ الله وأثنى، ثم قال:
"أما بعد: فإن الله وارث العباد والبلاد، ورب السموات السبع والأرضين السبع، وإليه ترجعون، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، أما الدبرة، فإنها على الضالين العاصين، ظفروا أو ظفر بهم، وايم الله إني لأسمع كلام قوم ما أراهم يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا".
فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال:
"يا أمير المؤمنين: إن هؤلاء والله ما آثروك بنصح، ولا دخلوا عليك إلا بغش، فاحذرهم، فإنهم أدنى العدو".
стр. 528
وقال له مالك بن حبيب: "إنه بلغني يا أمير المؤمنين أن حنظلة هذا يكاتب معاوية، فادفعه إلينا نحبسه، حتى تنقضي غزاتك وتتصرف".
وقام من بني عبس قائد بن بكير، وعياش بن ربيعة، فقالا:
"يا أمير المؤمنين، إن صاحبنا عبد الله بن المعتم قد بلغنا أنه يكاتب معاوية، فاحبسه أو مكنا من حبسه، حتى تنقضي غزاتك ثم تتصرف".
فقالا: "هذا جزاء لمن نظر لكم، وأشار عليكم بالرأي فيما بينكم وبين عدوكم؟ "
فقال لهما علي ﵇: "الله بيني وبينكم وإليه أكلكم، وبه أستظهر عليكم، اذهبوا حيث شئتم١".
стр. 529
٢٠٣- خطبة عدي بن حاتم الطائي:
وقام عدي بن حاتم الطائي، بين يدي علي ﵇، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال:
"يا أمير المؤمنين، ما قلت إلا بعلم، ولا دعوت إلا إلى حق، ولا أمرت إلا برشد، ولكن إذا رأيت أن تستأني١ هؤلاء القوم وتستديمهم، حتى تأتيهم كتبك، وتقدم عليهم رسلك، فعلت، فإن يقبلوا يصيبوا رشدهم، والعافية أوسع لنا ولهم، وإن يتمادوا في الشقاق، ولا ينزعوا عن الغي، نسر إليهم، وقد قدمنا إليهم العذر، ودعوناهم إلى ما في أيدينا من الحق، فوالله لهم من الحق أبعد، وعلى الله أهون
стр. 530
من قوم قاتلناهم أمس بناحية البصرة، لما دعوناهم إلى الحق فتركوه، ناوخناهم براكاء القتال١، حتى بلغنا منهم ما نحب، وبلغ الله منهم رضاه".
стр. 531
٢٠٤- خطبة زيد بن حصين الطائي:
فقام زيد بن حصين الطائي –وكان من أصحاب البرانس المجتهدين- فقال:
"الحمد لله حتى يرضى، ولا إله إلا الله ربنا، أما بعد: فوالله إن كنا في شك في قتال من خالفنا، ولا تصلح لنا النية في قتالهم حتى نستديمهم ونستأنيهم، فما الأعمال إلا تباب١، ولا السعي إلا في ضلال، والله تعالى يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ إننا والله ما ارتبنا طرفة عين فيمن يتبعونه، فكيف بأتباعه القاسية قلوبهم، القليل من الإسلام حظهم، أعوان الظلمة، وأصحاب الجور والعدوان؟ ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار، ولا التابعين بإحسان".
فقام رجل من طيئ فقال: "يا زيد بن حصين، أكلام سيدنا عدي بن حاتم يهجن٢؟ " فقال زيد: "ما أنتم بأعرف بحق عدي مني، ولكني لا أدع القول بالحق وإن سخط الناس".
стр. 532
٢٠٥- خطبة أبي زينب بن عوف:
ودخل أبو زينب بن عوف على الإمام علي فقال:
"يا أمير المؤمنين، لئن كنا على الحق لأنت أهدانا سبيلًا، وأعظمنا في الخير نصيبًا، ولئن كنا على ضلال إنك لأثقلنا ظهرًا١، وأعظمنا وزرًا، قد أمرتنا بالمسير
стр. 533
إلى هذا العدو، وقد قطعنا ما بيننا وبينهم من الولاية، وأظهرنا لهم العداوة، نريد بذلك ما يعلم الله تعالى من طاعتك، أليس الذي نحن عليه هو الحق المبين، والذي عليه عدونا هو الحوب١ الكبير؟ ".
فقال ﵇: "بلى، شهدت أنك إن مضيت معنا ناصرًا لدعوتنا، صحيح النية في نصرنا، قد قطعت منهم الولاية، وأظهرت لهم العداوة، كما زعمت، فإنك ولي الله تسبح في رضوانه، وتركض في طاعته، فأبشر أبا زينب" وقال له عمار بن ياسر: "اثبت أبا زينب، ولا تشك في الأحزاب أعداء الله ورسوله" فقال أبو زينب: "ما أحب أن لي شاهدين من هذه الأمة، شهدا لي عما سألت من هذا الأمر الذي أهمني مكانكما".
стр. 534
٢٠٦- خطبة يزيد بن قيس الأرحبي:
ودخل يزيد بن قيس الأرحبي١ على علي ﵇ فقال:
"يا أمير المؤمنين: نحن أولو جهاز٢ وعدة، وأكثر الناس أهل قوة، ومن ليس به ضعف ولا علة، فمر مناديك فليناد الناس يخرجوا إلى معسكرهم بالنخيلة، فإن أخا الحرب ليس بالسئوم ولا النئوم، ولا من إذا أمكنته الفرص أجلها، واستشار فيها، ولا من يؤخر عمل الحرب اليوم لغد، وبعد غد".
стр. 535
٢٠٧- خطبة زياد بن النضر:
فقال زياد بن النضر:
"لقد نصح لك يزيد بن قيس يا أمير المؤمنين، وقال: ما يعرف، فتوكل
стр. 536
على الله، وثق به، واشخص بنا إلى هذا العدو راشدًا مُعانًا، فإن يرد الله بهم خيرًا لا يتركوك، رغبة عنك إلى من ليس له مثل سابقتك وقدمك، وإلا ينيبوا ويقبلوا، وأبوا إلا حربنا نجد حربهم علينا هينا، ونرجو أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم ثم١ بالأمس".
стр. 537
٢٠٨- خطبة عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي:
ثم قام عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي فقال:
"يا أمير المؤمنين: إن القوم لو كانوا الله يريدون، ولله يعملون، ما خالفونا، ولكن القوم إنما يقاتلوننا فرارًا من الأسوة١، وحبًّا للأثرة٢، وضنًّا بسلطانهم، وكرهًا لفراق دنياهم التي في أيديهم، وعلى إحن٣ في نفوسهم، وعداوة يجدونها في صدورهم، لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قديمة، قتلت فيها آباءهم وأعوانهم" ثم التفت إلى الناس فقال: "كيف يبايع معاوية عليا، وقد قتل أخاه حنظلة، وخاله الوليد، وجده عتبة، في موقف واحد٤ والله ما أظنهم يفعلون، ولن يستقيموا لكم دون أن تقصف فيهم قنا المران٥، وتقطع على هامهم٦ السيوف، وتنثر حواجبهم بعمد الحديد، وتكون أمور جمة بين الفريقين".
стр. 538
٢٠٩- أدب الإمام علي، وكرم خلقه:
وخرج حجر بن عدي، وعمر بن الحمق، يظهران البراءة من أهل الشأم، فأرسل علي ﵇ إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما، فأتياه فقالا: "يا أمير المؤمنين: ألسنا محقين؟ " قال: بلى، قالا: "أو ليسوا مبطلين؟ " قال: بلى، قالا: "فلم منعتنا من شتمهم؟ " قال:
"كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين، تشتمون وتبرءون، ولكن لو وصفتم مساوي أعمالهم فقلتم: من سيرتهم كذا وكذا، ومن أعمالهم كذا وكذا، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان لعنكم إياهم، وبراءتكم منهم: اللهم احقن دماءهم ودماءنا، وأصلح ذات بينهم وبيننا، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق منهم من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان منهم من لهج به، لكان أحب إلي، وخيرًا لكم".
فقالا: يا أمير المؤمنين، نقبل عظتك، ونتأدب بأدبك.
стр. 539
٢١٠- مقال عمرو بن الحمق:
وقال له عمرو بن الحمق يومئذ:
"والله يا أمير المؤمنين، إني ما أحببتك ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك، ولا إرادة مال تؤتينيه، ولا التماس سلطان ترفع ذكري به، ولكني أحببتك بخصال خمس، إنك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله، ووصيه، وأبو الذرية التي بقيت فينا من رسول اله صلى الله عليه وآله، وأسبق الناس إلى الإسلام، وأعظم المهاجرين سهمًا
стр. 540
في الجهاد، فلو أني كلفت نقل الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي١ حتى يأتي علي يومي في أمر أقوي به وليك وأهين عدوك، ما رأيت أني قد أديت فيه كل الذي يحق علي من حقك".
فقال علي ﵇: "اللهم نور قلبه بالتقى، واهده إلى صراطك المستقيم، ليت أن في جندي مائة مثلك، فقال حجر: إذن والله يا أمير المؤمنين صح جند، وقل فيهم من يغشك.
стр. 541
٢١١- مقال حجر بن عدي:
وقام حجر بن عدي فقال:
"يا أمير المؤمنين نحن بنو الحرب. وأهلها الذين نلقحها١ وننتجها، قد ضارستنا٢ وضارسناها، ولنا أعوان وعشيرة ذات عدد، ورأي مجرب، وبأس محمود، وأزمتنا، منقادة لك بالسمع والطاعة، فإن شرقت شرقنا، وإن غربت غربنا، وما أمرتنا به من أمر فعلنا".
فقال علي ﵇: أكل قومك يرى مثل رأيك؟ قال: ما رأيت منهم إلا حسنًا، وهذه يدي عنهم بالسمع والطاعة وحسن الإجابة، فقال له علي ﵇ خيرًا.
стр. 542
٢١٢- مقال هاشم بن عتبة:
وقال زياد بن النضر الحارثي لعبد الله بن بديل الخزاعي:
"إن يومنا ليوم عصبصب١، ما يصبر عليه إلا كل مشبع القلب، صادق النية
стр. 543
رابط الجأش، وايم الله ما أظن ذلك اليوم يبقي منهم ولا منا إلا الرذال١" فقال عبد الله بن بديل: أنا والله أظن ذلك، فبلغ كلامهما عليًا ﵇، فقال لهما: "ليكن هذا الكلام مخزونا في صدروكما، لا تظهراه، ولا يسمعه منكما سامع، إن الله كتب القتل على قوم والموت على آخرين، وكل آتيه منيته كما كتب الله له، فطوبى للمجاهدين في سبيله، والمقتولين في طاعته" فلما سمع هاشم بن عتبة ما قالاه أتى عليا ﵇ فقال:
"سر بنا يا أمير المؤمنين، إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم، الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وعملوا في عباد الله، بغير رضا الله، فأحلوا حرامه، وحرموا حلاله، واستهوى٢ بهم الشيطان، ووعدهم الأباطيل، ومناهم الأماني، حتى أزاغهم عن الهدى، وقصد بهم قصد الردى، وحبب إليهم الدنيا، فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها، كرغبتنا في الآخرة، وانتجاز موعد ربنا، وأنت يا أمير المؤمنين أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وآله رحما، وأفضل الناس سابقة وقدما، وهم يا أمير المؤمنين يعلمون منك مثل الذي نعلم، ولكن كتب عليهم الشقاء، ومالت بهم الأهواء، وكانوا ظالمين. فأيدينا مبسوطة لك بالسمع والطاعة، وقلوبنا منشرحة لك ببذل النصيحة، وأنفسنا تنصرك على من خالفك، وتولي الأمر دونك، جذلة، والله ما أحب أن لي ما على الأرض فما أقلت٣، ولا ما تحت السماء فما أظلت، وأني واليت عدوًا لك، وعاديت وليًا لك".
فقال علي ﵇: "اللهم ارزقه الشهادة في سبيلك والموافقة لنبيك".
стр. 544
٢١٣- خطبة الإمام علي:
ثم إن عليًّا ﵇ صعد المنبر، فخطب الناس ودعاهم إلى الجهاد، فبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم قال:
"إن الله قد أكرمكم بدينه، وخلقكم لعبادته، فانصبوا أنفسكم في أداء حقه، وتنَجَّزوا موعوده، واعلموا أن الله جعل أمراس١ الإسلام متينة، وعراه وثيقةً، ثم جعل الطاعة حظ الأنفس ورضا الرب، وغنيمة الأكياس٢ عند تفريط العجزة، وقد حملت أمر أسودها وأحمرها، ولا قوة إلا بالله، ونحن سائرون إن شاء الله إلى من سفه٣، نفسه وتناول ما ليس له، وما لا يدركه، معاوية وجنده، الفئة الطاغية الباغية، يقودهم إبليس، ويبرق لهم ببارق تسويفه، ويدليهم٤ بغرروه، وأنتم أعلم الناس بالحلال والحرام، فاستغنوا بما علمتم، واحذورا ما حذركم الله من الشيطان، وارغبوا فيما عنده من الأجر والكرامة، واعلموا أن المسلوب من سلب دينه وأمانته، والمغرور من آثر الضلالة على الهدى، فلا أعرفن أحدًا منكم تقاعس٥ عني، وقال في غيري كفاية، فإن الذود إلى الذود إبل٦: ومن لا يذد من حوضه يتهدم.
ثم إني آمركم بالشدة في الأمر، والجهاد في سبيل الله، وأن لا تغتابوا مسلمًا، وانتظروا النصر العاجل من الله، إن شاء الله".
стр. 545
٢١٤- خطبة الحسن بن علي:
ثم قام بعده ابنه الحسن ﵁ فقال:
"الحمد لله لا إله غيره، ولا شريك له، ثم قال: إن مما عظم الله عليكم من حقه وأسبغ عليكم من نعمه، ما لا يحصى ذكره، ولا يؤدى شكره، ولا يبلغه قول ولا صفة، ونحن إنما غضبنا لله ولكم، إنه لم يجتمع قوم قط على أمر واحد إلا اشتد أمرهم، واستحكمت عقدتهم، فاحتشدوا في قتل عدوكم معاوية وجنوده، ولا تخاذلوا، فإن الخذلان يقطع نياط القلوب١، وإن الإقدام على الأسنة نخوة وعصمة، لم يتمنع قوم قط إلا رفع الله عنهم العلة، وكفاهم جوائح الذلة، وهداهم إلى معالم الملة، ثم أنشد:
والصلح تأخذ منه ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع
стр. 546
٢١٥- خطبة الحسين بن علي:
ثم قام الحسين ﵁، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"يا أهل الكوفة: أنتم الأحبة الكرماء، والشعار١ دون الدثار، جدوا في إطفاء ما وتر٢ بينكم، وتسهيل ما توعر عليكم، ألا إن الحرب وريع٣، وطعمها
стр. 547
فظيع، فمن أخذ لها أهبتها، واستعد لها عدتها، ولم يألم كلومها١ قبل حلولها، فذاك صاحبها، ومن عاجلها قبل أوان فرصتها، واستبصار سعيه فيها، فذاك قمن٢ أن لا ينفع قومه، وأن يهلك نفسه، نسأل الله بقوته أن يدعمكم بالفيئة٣" ثم نزل.
"شرح ابن أبي الحديد م ١: ص ٢٧٨".
стр. 548
٢١٦- خطبة عبد الله بن عباس:
وكتب علي إلى ابن عباس بالبصرة:
"أما بعد فاشخص إلي بمن قبلك من المسلمين والمؤمنين، وذكرهم بلائي عندهم، وعفوي عنهم في الحرب، وأعلمهم الذي لهم في ذلك من الفضل والسلام".
فلما وصل كتابه إلى ابن عباس قام في الناس فقرأ عليهم الكتاب وحمد الله وأثنى عليه، وقال:
"أيها الناس: استعدوا للشخوص إلى إمامكم، وانفروا خفافًا وثقالًا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم، فإنكم تقاتلون المحلين القاسطين، الذين لا يقرءون القرآن ولا يعرفون حكم الكتاب، ولا يدينون دين الحق، مع أمير المؤمنين وابن عم رسول الله، الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، والصادع بالحق، والقيم بالهدى، والحاكم بحكم الكتاب، الذي لا يرتشي في الحكم، ولا يداهن الفجار ولا تأخذه في الله لومة لائم".
"شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٨٣".
стр. 549
٢١٧- خطبة لمعاوية:
ولما نزل على النخيلة متوجهًا إلى الشأم، وبلغ معاوية خبره، وهو يومئذ بدمشق قد ألبس منبر دمشق قميص عثمان مخضبًا بالدم وحول المنبر سبعون ألف شيخ يبكون حوله لا تجف دموعهم على عثمان، خطبهم وقال:
"يا أهل الشأم قد كنتم تكذبونني في علي، وقد استبان لكم أمره، والله ما قتل خليفتكم غيره، وهو أمر بقتله، وألب الناس عليه، وآوى قتلته، وهم جنده وأنصاره وأعوانه، وقد خرج بهم قاصدًا بلادكم ودياركم لإبادتكم.
يأهل الشأم، الله الله في دم عثمان، فأنا وليه وأحق من طلب بدمه، وقد جعل الله لولي المقتول ظلمًا سلطانًا، فانصروا خليفتكم المظلوم، فقد صنع القوم ما تعلمون، قتلوه ظلمًا وبغيا، وقد أمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله"، ثم نزل.
فأعطوه الطاعة وانقادوا له وجمع إليه أطرافه واستعد للقاء علي.
"شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٨٦.
стр. 550
وفد علي على معاوية
مدخل
...
وفد علي على معاوية:
بعد أن نزل الإمام علي كرم الله وجهه بصفين، دعا بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري، وسعيد بن قيس الهمداني، وشبث بن ربعي التميمي، فقال: ائتوا هذا الرجل، فادعوه إلى الله، وإلى الطاعة والجماعة، فقال له شبث بن ربعي: يا أمير المؤمنين: ألا تطمعه في سلطان توليه إياه، ومنزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك؟ فقال علي: ائتوه فالقوه واحتجوا عليه، وانظروا ما رأيه؟ -وهذا في أول ذي الحجة سنة ٣٦هـ- فأتوه، ودخلوا عليه.
стр. 551
٢١٨- خطبة بشير بن عمرو:
فحمد الله أبو عمرة بشير بن عمرو، وأثنى عليه، وقال:
"يا معاوية: إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله محاسبك بعملك، وجازيك بما قدمت يداك، وإني أنشدك الله أن تفرق جماعة هذه الأمة، وأن تسفك دماءها بينها".
فقطع عليه الكلام، وقال: هلا أوصيت بذلك صاحبك؟ فقال أبو عمرة:
"إن صاحبي ليس مثلك، إن صاحبي أحق البرية كلها بهذا الأمر، في الفضل، والدين، والسابقة في الإسلام، والقرابة من الرسول ﷺ ، قال: فيقول ماذا؟ قال: يأمرك بتقوى الله ، وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق، فإنه أسلم لك في دنياك، وخير لك في عاقبة أمرك".
قال معاوية: ونطل دم عثمان ﵁! لا والله لا أفعل ذلك أبدًا، فذهب سعيد بن قيس يتكلم، فبادره شبث بن ربعي، فتكلم:
стр. 552
٢١٩- خطبة شبث بن ربعي:
فحمد الله، وأثنى عليه، وقال:
"يا معاوية، إني قد فهمت ما رددت على ابن محصن، إنه والله لا يخفى علينا ما تغزو وما تطلب، إنك لم تجد شيئًا تستغوي به الناس، وتستميل به أهواءهم، وتستخلص به طاعتهم، إلا قولك: "قتل إمامكم مظلومًا، فنحن نطلب بدمه" فاستجاب لك سفهاء طغام، وقد علمنا أن قد أبطأت عنه بالنصر، وأحببت له القتل، لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب، ورب متمني أمر وطالبه، الله يحول دونه بقدرته، وربما أوتي المتمني أمنيته، وفوق أمنيته، ووالله ما لك في واحدة منهما خير، لئن أخطأت ما ترجو، إنك لشر العرب حالًا في ذلك، ولئن أصبت ما تمنى لا تصيبه حتى تستحق من ربك صلي١ النار، فاتق الله يا معاوية، ودع ما أنت عليه، ولا تنازع الأمر أهله".
стр. 553
٣٢٠- خطبة معاوية:
فحمد الله معاوية وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: فإن أول ما عرفت فيه سفهك: وخفة حلمك، قطعك على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه، ثم عنيت بعد فيما لا علم لك به، فقد كذبت ولومت١،
стр. 554
أيها الأعرابي الجلف١ الجافي في كل ما ذكرت ووصفت، انصرفوا من عندي، فإنه ليس بيني وبينكم إلا السيف".
وغضب وخرج القوم وشبث يقول: أفعلينا تهول بالسيف؟ أقسم بالله ليعجلن بها إليك، فأتوا عليا، وأخبروه بالذي كان من قوله، فأخذ علي يأمر الرجل ذا الشرف، فيخرج معه جماعة، ويخرج إليه من أصحاب معاوية آخر معه جماعة، فيقتتلان في خيلهما ورجالهما، ثم ينصرفان، وكانوا يكرهون أن يلقوا بجمع أهل العراق أهل الشأم، لما يتخوفون أن يكون في ذلك الاستئصال والهلاك.
"تاريخ الطبري ٥: ٢٤٢".
стр. 555
وفد علي إلى معاوية أيضاً
مدخل
...
وفد علي إلى معاوية أيضًا:
ولما دخلت سنة ٣٧هـ توادعا على ترك الحرب في المحرم إلى انقضائه، طمعًا في الصلح واختلفت فيما بينهما الرسل في ذلك دون جدوى، فبعث علي عدي بن حاتم، ويزيد بن قيس، وشبث بن ربعي، وزياد بن خصفة إلى معاوية.
стр. 556
٢٢١- خطبة عدي بن حاتم:
فلما دخلوا حمد اللهَ عديُّ بن حاتم، ثم قال:
"أما بعد: فإنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا، ويحقن به الدماء، ويؤمن به السبل، ويصلح به ذات البين، إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام أثرًا، وقد استجمع له الناس، وقد أرشدهم الله بالذي رأوا، فلم يبق أحد غيرك وغير من معك، فانته يا معاوية، لا يصبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل".
стр. 557
٢٢٢- جواب معاوية:
فقال معاوية: "كأنك إنما جئت متهددًا، لم تأت مصلحًا! هيهات يا عدي، كلا والله، إني لابن حرب١ ما يقعقع٢ لي بالشنان، أما والله إنك لمن المجلبين على
стр. 558
ابن عفان ﵁، وإنك لمن قَتَلَتِه، وإني لأرجو أن تكون ممن يقتل١ الله به، هيهات يا عدي بن حاتم، قد حلبت بالساعد الأشد٢".
فقال له شبث بن ربعي وزياد بن خصفة -وتنازعا جوابًا واحدًا:
"أتيناك فيما يصلحنا وإياك، فأقبلت تضرب لنا الأمثال، دع ما لا ينتفع به من القول والفعل، وأجبنا فيما يعمنا وإياك نفعه".
стр. 559
٢٢٣- خطبة يزيد بن قيس:
وتكلم يزيد بن قيس فقال:
"إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إليك، ولنؤدي عنك ما سمعنا منك، ونحن -على ذلك- لن ندع أن ننصح لك، وأن نذكر ما ظننا أن لنا عليك به حجة، وأنك راجع به إلى الألفة والجماعة، إن صاحبنا من قد عرفت وعرف المسلمون فضله، ولا أظنه يخفى عليك، إن أهل الدين والفضل لن يعدلوا بعلي، ولن يميلوا١ بينك وبينه، فاتق الله يا معاوية، ولا تخالف عليا، فإنا والله ما رأينا رجلًا قط أعمل بالتقوى، ولا أزهد في الدنيا، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه".
стр. 560
٢٢٤- خطبة معاوية:
فحمد الله معاوية وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد: فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأما الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي،
стр. 561
وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها؛ إن صاحبكم قتل خليفتنا، وفرق جماعتنا، وآوى ثأرنا١ وقتَلَتَنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله، فنحن لا نرد ذلك عليه، أرأيتم قتلة صاحبنا، ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعهم إلينا، فلنقتلهم به، ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة".
فقال له شبث: أيسرك يا معاوية أنك أمكنت من عمار٢ تقتله؟ فقال معاوية:
стр. 562
وما يمنعني من ذلك؟ والله لو أمكنت من ابن سمية ما قتلته بعثمان ﵁ ولكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان، فقال شبث:
"وإله الأرض وإله السماء، ما عدلت معتدلًا١، لا والذي لا إله إلا هو، لا تصل إلى عمار، حتى تندر٢ الهام عن كواهل الأقوام، وتضيق الأرض الفضاء عليك برحبها٣ فقال له معاوية: "إنه لو قد كان ذلك كانت الأرض عليك أضيق" وتفرق القوم عن معاوية، فلما انصرفوا بعث معاوية إلى زياد بن خصفة التميمي فخلا به.
فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
"أما بعد يا أخا ربيعة، فإن عليًّا قطع أرحامنا، وآوى قتلة صاحبنا، وإني أسألك النصر بأسرتك وعشيرتك، ثم لك عهد الله جل وعز وميثاقه أن أوليك إذا ظهرت٤ أي المصرين أحببت، قال زياد: فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله وأثنيت عليه ثم قلت: "أما بعد فإني على بينة من ربي، وبما أنعم عليّ، فلن أكون ظهيرًا٥ للمجرمين" ثم قمت.
"تاريخ الطبري ٦: ٢".
стр. 563
وفد معاوية إلى علي
مدخل
...
وفد معاوية إلى علي:
وبعث معاوية إلى علي حبيب بن مسلمة الفهري، وشرحبيل بن السمط، ومعن بن يزيد بن الأخنس، فدخلوا عليه.
стр. 564
٢٢٥- خطبة حبيب بن مسلمة:
فحمد الله حبيب وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد فإن عثمان بن عفان ﵁ كان خليفة مهديًّا، يعمل بكتاب الله ، وينيب إلى أمر الله تعالى، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه، فقتلتموه ﵁، فادفع إلينا قتلة عثمان –إن زعمت أنك لم تقتله- نقتلهم به، ثم اعتزل أمر الناس، فيكون أمرهم شورى بينهم، يولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم".
فقال له علي بن أبي طالب: "وما أنت لا أم لك والعزل، وهذا الأمر؟ اسكت؛ فإنك لست هناك، ولا بأهل له" فقام، وقال له: "والله لتريني بحيث تكره"، فقال علي: "وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك؟ لا أبقى الله عليك إن أبقيت علي، أحقرة١ وسوءًا، اذهب فصوِّب وصعِّد ما بدا لك. وقال شرحبيل بن السمط:
стр. 565
إني إن كلمتك فلعمري ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي قبل، فهل عندك جواب غير الذي أجبته به؟ فقال علي: نعم لك ولصاحبك جواب غير الذي أجبته به.