← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها؛ إن صاحبكم قتل خليفتنا، وفرق جماعتنا، وآوى ثأرنا١ وقتَلَتَنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله، فنحن لا نرد ذلك عليه، أرأيتم قتلة صاحبنا، ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعهم إلينا، فلنقتلهم به، ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة". فقال له شبث: أيسرك يا معاوية أنك أمكنت من عمار٢ تقتله؟ فقال معاوية:

стр. 562

وما يمنعني من ذلك؟ والله لو أمكنت من ابن سمية ما قتلته بعثمان ﵁ ولكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان، فقال شبث: "وإله الأرض وإله السماء، ما عدلت معتدلًا١، لا والذي لا إله إلا هو، لا تصل إلى عمار، حتى تندر٢ الهام عن كواهل الأقوام، وتضيق الأرض الفضاء عليك برحبها٣ فقال له معاوية: "إنه لو قد كان ذلك كانت الأرض عليك أضيق" وتفرق القوم عن معاوية، فلما انصرفوا بعث معاوية إلى زياد بن خصفة التميمي فخلا به. فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "أما بعد يا أخا ربيعة، فإن عليًّا قطع أرحامنا، وآوى قتلة صاحبنا، وإني أسألك النصر بأسرتك وعشيرتك، ثم لك عهد الله جل وعز وميثاقه أن أوليك إذا ظهرت٤ أي المصرين أحببت، قال زياد: فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله وأثنيت عليه ثم قلت: "أما بعد فإني على بينة من ربي، وبما أنعم عليّ، فلن أكون ظهيرًا٥ للمجرمين" ثم قمت. "تاريخ الطبري ٦: ٢".

стр. 563

وفد معاوية إلى علي مدخل ... وفد معاوية إلى علي: وبعث معاوية إلى علي حبيب بن مسلمة الفهري، وشرحبيل بن السمط، ومعن بن يزيد بن الأخنس، فدخلوا عليه.

стр. 564

٢٢٥- خطبة حبيب بن مسلمة: فحمد الله حبيب وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد فإن عثمان بن عفان ﵁ كان خليفة مهديًّا، يعمل بكتاب الله ، وينيب إلى أمر الله تعالى، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه، فقتلتموه ﵁، فادفع إلينا قتلة عثمان –إن زعمت أنك لم تقتله- نقتلهم به، ثم اعتزل أمر الناس، فيكون أمرهم شورى بينهم، يولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم". فقال له علي بن أبي طالب: "وما أنت لا أم لك والعزل، وهذا الأمر؟ اسكت؛ فإنك لست هناك، ولا بأهل له" فقام، وقال له: "والله لتريني بحيث تكره"، فقال علي: "وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك؟ لا أبقى الله عليك إن أبقيت علي، أحقرة١ وسوءًا، اذهب فصوِّب وصعِّد ما بدا لك. وقال شرحبيل بن السمط:

стр. 565

إني إن كلمتك فلعمري ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي قبل، فهل عندك جواب غير الذي أجبته به؟ فقال علي: نعم لك ولصاحبك جواب غير الذي أجبته به.

стр. 566

٢٢٦- خطبة علي بن أبي طالب: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد فإن الله جل ثناؤه بعث محمدًا ﷺ بالحق، فأنقذ به من الضلالة، وانتاش١ به من الهلكة، وجمع به من الفرقة، ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه، ﷺ ، ثم استخلف الناس أبا بكر ﵁، واستخلف أبو بكر عمر ﵁، فأحسنا السيرة، وعدلا في الأمة، وقد وجدنا٢ عليهما أن توليا علينا، ونحن آل رسول الله ﷺ ، فغفرنا ذلك لهما، وولي عثمان ﵁ فعمل بأشياء عابها الناس عليه، فساروا إليه فقتلوه، ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورهم، فقالوا لي: بايع، فأبيت عليهم، فقالوا لي: بايع، فإن الأمة لا ترضى إلا بك، وإنا نخاف إن لم تفعل أن تفترق الناس، فبايعتهم، فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني٣، وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله له سابقة في الدين، ولا سلف صدق في الإسلام، طليق٤ بن طليق، حزب٥ من هذه الأحزاب، لم يزل الله ، ولرسوله ﷺ ، وللمسلمين عدوًّا، هو وأبوه، حتى دخلا في الإسلام كارهين،

стр. 567

فلا غرو١ إلا خلافكم معه، وانقيادكم له، وتدعون آل نبيكم ﷺ ، الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم، ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحدًا، ألا إني أدعوكم إلى كتاب الله ، وسنة نبيه ﷺ ، وإماتة الباطل، وإحياء معالم الدين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ولكل مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة". فقالا: "اشهد أن عثمان ﵁ قتل مظلومًا" فقال لهما: "لا أقول إنه قتل مظلومًا ولا إنه قتل ظالمًا". قالا: "فمن لم يزعم أن عثمان قتل مظلومًا، فنحن منه برآء" ثم قاما فانصرفا، فقال علي: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨٠- ٨١] . "تاريخ الطبري ٦: ٤".

стр. 568

التحريض على القتال من قبل معاوية: ٢٢٧- خطبة عمرو بن العاص "المتوفى سنة ٤٣هـ": لما بلغ معاوية أن الإمام عليًا "كرم الله وجهه" يجهز الجيوش لقتاله، دعا عمرو بن العاص، فاستشاره، فقال: "أما إذ بلغك أنه يسير فسر بنفسك، ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك". قال: "أما إذًا يا أبا عبد الله فجهز الناس". فجاء عمرو فحضض الناس، وضعف عليًا وأصحابه، وقال: "إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم، وأوهنوا شوكتهم، وفلوا حدهم، ثم إن أهل البصرة مخالفون لعلي، وقد وترهم وقتلهم، وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل، وإنما سار في شرذمة قليلة، منهم من قد قتل خليفتكم، فالله الله في حقكم أن تضيعوه، وفي دمكم أن تطلوه". "تاريخ الطبري ٥: ٢٣٦".

стр. 569

٢٢٨- خطبة أخرى لعمرو بن العاص: وخطب عمرو بن العاص قبل الوقعة العظمى بصفين، يحرض أهل الشأم "وقد كان منحنيًا على قوس" فقال: "الحمد لله العظيم في شأنه، القوي في سلطانه، العلي في مكانه، الواضح في برهانه، أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النعماء، في كل رزية من بلاء١، أو شدة أو رخاء،

стр. 570

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، ثم إنا نحتسب عند الله رب العالمين ما أصبح في أمة محمد ﷺ ، من اشتعال نيرانها، واضطراب حبلها، ووقوع بأسها بينها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين. أولا تعلمون أن صلاتنا وصلاتهم، وصيامنا وصيامهم، وحجنا وحجهم، وقبلتنا وقبلتهم، وديننا ودينهم واحد؟ ولكن الأهواء مختلفة، اللهم أصلح هذه الأمة بما أصلحت به أولها، واحفظ فيما بيننا، مع أن القوم قد وطئوا بلادكم، وبغوا عليكم، فجدوا في قتال عدوكم، واستعينوا بالله ربكم، وحافظوا على حرماتكم١" ثم جلس. "شرح ابن أبي الحديد م ١: ص ٥٠٤".

стр. 571

٢٢٩- خطبة معاوية بن أبي سفيان يحرض أهل الشأم: وقام معاوية في أهل الشأم خطيبًا، فقال: "أيها الناس: أعيرونا جماجمكم وأنفسكم١، لا تقتلوا٢، ولا تتخاذلوا٣، فإن اليوم يوم أخطار، ويوم حقيقة وحفاظ٤، إنكم لعلى حق، وبأيديكم حجة، إنما تقاتلون من نكث البيعة، وسفك الدم الحرام، فليس له من السماء عاذر، قدموا أصحاب السلاح المستلئمة٥، وأخروا الحاسر٦، واحملوا بأجمعكم، فقد بلغ الحق مقطعه، وإنما هو ظالم ومظلوم". "شرح ابن أبي الحديد ١: ٤٨١".

стр. 572

٢٣٠- خطبة ذي الكلاع الحميري: ١ وطلب معاوية إلى ذي الكلاع الحميري أن يخطب الناس، ويحرضهم على قتال علي ﵁ ومن معه من أهل العراق، فعقد فرسه "وكان من أعظم أصحاب معاوية خطرًا٢" وخطب الناس فقال: "الحمد لله حمدًا كثيرًا، ناميًا واضحًا منيرًا، بكرةً وأصيلًا، أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وكفى بالله وكيلًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالعرفان إمامًا، وبالهدى ودين الحق، حين ظهرت المعاصي، ودرست٣ الطاعة، وامتلأت الأرض جورًا وضلالة، واضطرمت الدنيا نيرانًا وفتنة، وورك٤ عدو الله إبليس على أن يكون قد عبد في أكنافها، واستولى على جميع أهلها، فكان محمد صلى الله عليه وآله هو الذي أطفأ الله به نيرانها، ونزع به أوتادها، وأوهن به قوى إبليس، وآيسه مما كان قد طمع فيه من ظفره بهم، وأظهره على الدين كله، ولو كره المشركون. ثم كان من قضاء الله أن ضم بيننا وبين أهل ديننا بصفين، وإنا لنعلم أن فيهم قومًا، قد كانت لهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله سابقة ذات شأن وخطر عظيم، ولكني ضربت الأمر ظهرًا وبطنًا، فلم أر يسعني أن يهدر دم عثمان، صهر نبينا صلى الله عليه وآله، الذي جهز جيش العسرة٥، وألحق في مصلى رسول الله صلى الله عليه وآله بيتًا،

стр. 573

وبنى سقاية١، وبايع له نبي الله بيده اليمنى على اليسرى٢، واختصه بكريمتيه أم كلثوم ورقية٣، فإن كان قد أذنب ذنبًا، فقد أذنب من هو خير منه، وقد قال الله سبحانه لنبيه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ وقتل موسى نفسًا٤، ثم استغفر الله

стр. 574

فغفر له، وقد أذنب نوح١، ثم استغفر الله فغفر له، وقد أذنب أبوكم آدم٢، ثم استغفر الله فغفر له، ولم يعر أحدكم من الذنوب، وإنا لنعلم. وقد كانت لابن أبي طالب سابقة حسنة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فإن لم يكن مالأ٣ على قتل عثمان فقد

стр. 575

خذله، وإنه لأخوه في دينه، وابن عمه١، وسلفه٢، وابن عمته٣، ثم قد أقبلوا من عراقهم حتى نزلوا شامكم وبلادكم وبيضتكم٤، وإنما عامتهم بين قاتل وخاذل، فاستعينوا بالله واصبروا، فلقد ابتليتم أيتها الأمة، ولقد رأيت في منامي في ليلتي هذه، لكأنا وأهل العراق اعتورنا٥ مصحفا نضربه بسيوفنا، ونحن في ذلك جميعًا ننادي: ويحكم الله! ومع أنا والله لا نفارق العرصة٦ حتى نموت، فيكم بتقوى الله، وليكن الثبات لله، فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: "إنما يبعث المقتتلون على الثبات" أفرغ الله علينا وعليكم الصبر، وأعز لنا ولكم النصر، وكان لنا ولكم في كل أمر، وأستغفر الله لي ولكم". "شرح ابن أبي الحديد: ١: ٤٨٤".

стр. 576

خطبة يزيد بن أبي أسد البجلي ... ٢٣١- خطبة يزيد بن أسد البجلي: وقام يزيد بن أسد البجلي في أهل الشأم يخطب بصفين، وعليه قباء من خز وعمامة سوداء، آخذًا بقائم سيفه، واضعًا نصل السيف في الأرض متوكئًا عليه، فقال: "الحمد لله الواحد الفرد، ذي الطول١ والجلال، العزيز الجبار، الحكيم الغفار، الكبير المتعال، ذي العطاء والفعال٢، والسخاء والنوال، والبهاء والجمال، والمن

стр. 577

والإفضال، مالك اليوم الذي لا بيع فيه١ ولا خلال٢، أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النعماء، وفي كل حال من شدة أو رخاء، أحمده على نعمه التوام، وآلائه العظام، حمدًا يستنير بالليل والنهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة النجاة في الحياة الدنيا وعند الوفاة، وفيها الخلاص يوم القصاص، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي المصطفى، وإمام الرحمة والهدى، صلى الله عليه وآله. ثم كان من قضاء الله أن جمعنا وأهل ديننا في هذه الرقعة من الأرض، والله يعلم أني كنت كارهًا لذلك، ولكنهم لم يبلعونا ريقنا، ولم يتركونا نرتاد لأنفسنا، وننظر لمعادنا، حتى نزلوا بين أظهرنا، وفي حريمنا وبيضتنا٣، وقد علمنا أن في القوم أحلامًا وطغامًا٤، ولسنا نأمن طغامهم على ذرارينا ونسائنا، ولقد كنا نحب أن لا نقاتل أهل ديننا، فأخرجونا حتى صارت الأمور إلى أن قاتلناهم عدا حمية٥، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين. أما والذي بعث محمدًا بالرسالة لوددت أني مت منذ سنة، ولكن الله إذا أراد أمرًا لم يستطع العباد رده، فنستعين بالله العظيم، وأستغفر الله لي ولكم". "شرح ابن أبي الحديد ١: ٤٨٥ والأغاني ١٩: ٥٥".

стр. 578

التحريض على القتال من قبل الإمام علي أيضًا: ٢٣٢- خطبة الإمام علي: وخطب الإمام علي كرم الله وجهه أصحابه، متوكئًا على قوسه، وقد جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله عنده فهم يلونه -كأنه أحب أن يعلم الناس أن الصحابة متوافرون معه- فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "أما بعد: فإن الخيلاء١ من التجبر، وإن النخوة٢ من التكبر، وإن الشيطان عدو حاضر، يعدكم الباطل. ألا إن المسلم أخو المسلم، فلا تنابذوا، ولا تخاذلوا، ألا إن شرائع الدين واحدة، وسبله قاصدة٣، من أخذ بها لحق٤، ومن فارقها محق٥، ومن تركها مرق٦، ليس المسلم بالخائن إذا اؤتمن، ولا بالمخلف إذا وعد، ولا بالكذاب إذا نطق، نحن أهل بيت الرحمة، وقولنا الصدق، وفعلنا الفضل، ومنا خاتم النبيين، وفينا قادة الإسلام، وفينا حملة الكتاب، ألا إنا ندعوكم إلى الله، وإلى رسوله، وإلى جهاد عدوه، والشدة في أمره، وابتغاء مرضاته، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام رمضان، وتوفير الفيء على أهله، ألا وإن من أعجب

стр. 579

العجائب أن معاوية بن أبي سفيان الأموي، وعمرو بن العاص السهمي، أصبحا يحرضان الناس على طلب الدين بزعمهما، ولقد علمتم أني لم أخالف رسول الله صلى الله عليه وآله قط، ولم أعصه في أمر، أقيه بنفسي في المواطن التي ينكص١ فيها الأبطال وترعد فيها الفرائص٢، بنجدة أكرمني الله سبحانه بها وله الحمد، ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن رأسه لفي حجري، ولقد وليت غسله بيدي وحدي تقلبه الملائكة المقربون معي، وايم الله ما اختلفت أمة قط بعد نبيها، إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها إلا ما شاء الله". "شرح ابن أبي الحديد م ١: ص ٤٨١".

стр. 580

٢٣٣- خطبة أخرى له: وروي أن الإمام عليًا قال في هذه الليلة: حتى متى لا نناهض القوم بأجمعنا؟ فقام في الناس فقال: "الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض، ولا ينقض ما أبرم، لو شاء ما اختلف اثنان من هذه الأمة، ولا من خلقه، ولا تنازع البشر في شيء من أمره، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار، حتى لفت بيننا في هذا الموضع، ونحن من ربنا بمرأى ومسمع، ولو شاء لعجل النقمة، ولكان منه النصر، حتى يكذب الله الظالم، ويعلم المحق أين مصيره، ولكنه جعل الدنيا دارالأعمال، والآخرة دار الجزاء والقرار، ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ألا إنكم لاقو العدوِّ غدًا إن شاء الله، فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، واسألوا الله الصبر والنصر، والقوهم بالحد والحزم وكونوا صادقين". "شرح ابن أبي الحديد م ١ ص ٤٨١ وتاريخ الطبري ٦: ٧".

стр. 581

٢٣٤- ومن كلام له كرم الله وجهه: كان يقوله لأصحابه في بعض أيام صفين. "معاشر المسلمين: استشعروا١ الخشية، وتجلببوا السكينة، وعضوا على النواجذ٢، فإنه أنبى للسيوف عن الهام٣، وأكملوا اللأمة٤، وقلقلوا السيوف في أغمادها، قبل سلها٥، والحظوا الخزر٦، واطعنوا الشزر٧، ونافحوا بالظبا٨، وصلوا السيوف بالخطا، واعلموا أنكم بعين٩ الله، ومع ابن عم رسول الله ﵌، فعاودوا الكر، واستحيوا من الفر، فإنه عار في الأعقاب، ونار يوم الحساب، وطيبوا عن أنفسكم نفسا، وامشوا إلى الموت مشيا سجحًا١٠، وعليكم بهذا السواد١١ الأعظم، والرواق المطنب١٢، فاضربوا ثبجه١٣، فإن الشيطان كامن في كسره١٤، قد قدم للوثبة يدا، وأخر للنكوص رجلًا، فصمدًا صمدًا١٥، حتى ينجلي لكم عمود الحق، وأنتم الأعلون، الله معكم، ولن يتركم١٦ أعمالكم". "نهج البلاغة ١: ٥٧".

стр. 582

٢٣٥- خطبة أخرى للإمام: وخطب الإمام علي ذلك اليوم أيضًا، فقال: "أيها الناس: إن الله تعالى ذكره، قد دلكم على تجارة تنجيكم من العذاب، وتشفي١ بكم على الخير، إيمان بالله ورسوله، وجهاد في سبيله، وجعل ثوابه مغفرة الذنوب، ومساكن طيبة في جنات عدن، ورضوان من الله أكبر، وأخبركم بالذي يحب فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص، وقدموا الدارع، وأخروا الحاسر، وعضوا على الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام، وأربط للجأش، وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل، وأولى بالوقار، والتووا في أطراف الرماح، فإنه أمْوَر٢ للأسنة، ورايتكم فلا تميلوها، ولا تزيلوها، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم، المانعي الذمار٣، والصبر عند نزول الحقائق، أهل الحفاظ الذين يخفرون٤ برايتكم ويكنفونها يضربون خلفها وأمامها، ولا يضيعونها، أجزأ كل امرئ مسلم قرنه٥، وواسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى أخيه، فيجمع عليه قرنه وقرن أخيه، فيكسب بذلك اللائمة، ويأتي به دناءة، أنى هذا، وكيف يكون هذا؟ هذا يقاتل اثنين، وهذا ممسك يده، قد خلى قرنه إلى أخيه هاربًا منه، أو قائمًا ينظر إليه؟ من يفعل هذا مقته الله، فلا تعرضوا لمقت الله، فإنما مردكم إلى الله، قال الله تعالى لقوم عابهم: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا

стр. 583

قَلِيلاً﴾ وايم الله إن فررتم من سيف الله العاجلة، لا تسلمون من سيف الآخرة، استعينوا بالصدق والصبر، فإنه بعد الصبر ينزل النصر". "شرح ابن أبي الحديد م ١: ص ٤٨٣ وتاريخ الطبري ٦: ٩".

стр. 584

٢٣٦- خطبة للإمام علي: ومر الإمام علي كرم الله وجهه على جماعة من أهل الشأم، فيها الوليد بن عقبة وهم يشتمونه، فخبر بذلك، فوقف فيمن يليهم من أصحابه، فقال: "انهدوا١ إليهم، عليكم السكينة والوقار، وقار الإسلام وسيمى الصالحين، فوالله لأقرب قوم من الجهل قائدهم ومؤذنهم٢ معاوية وابن النابغة٣ وأبو الأعور السلمي، وابن أبي معيط، شارب الخمر، المجلود حدًّا في الإسلام، وهم أولى من يقومون، فينقصونني ويجدبونني٤، وقبل اليوم ما قاتلوني، وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام، وهم يدعونني إلى عبادة الأصنام، الحمد لله قديمًا عاداني الفاسقون، فعبدهم٥ الله، ألم يفنخوا٦؟ إن هذا لهو الخطب الجليل، إن فساقا كانوا غير مرضيين، وعلى الإسلام وأهله متخوفين، خدعوا شطر هذه الأمة، وأشربوا قلوبهم حب الفتنة، واستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان، قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور الله ، اللهم فافضض خدمتهم٧، وشتت كلمتهم، وأبسلهم٨ بخطاياهم، فإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت"، "تاريخ الطبري ٦: ٢٤".

стр. 585

٢٣٧- خطبة أخرى له: ومر بأهل راية، فرآهم لا يزولون عن موقفهم، فحرض عليهم الناس -وذكر أنهم غسان- فقال: "إن هؤلاء لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دراك، يخرج منهم النسم١، وضرب يفلق منه الهام٢. ويطيح ٣ العظام، وتسقط منه المعاصم٤ والأكف. وحتى يصدع جباههم بعمد الحديد، وتنتشر حواجبهم على الصدور والأذقان، أين أهل الصبر، وطلاب الأجر؟ ". "تاريخ الطبري ٦: ٢٥".

стр. 586

٢٣٨- خطبة عبد الله بن عباس: وخطب عبد الله بن عباس أهل العراق بصفين، فقال: "الحمد لله رب العالمين، الذي دحا١ تحتنا سبعًا، وسمك٢ فوقنا سبعًا، وخلق فيما بينهن خلقًا، وأنزل لنا منهن رزقًا، ثم جعل لكل شيء قدرًا، يبلى ويفنى، غير وجهه الحي القيوم، الذي يحيا ويبقى.

стр. 587

إن الله تعالى بعث أنبياء ورسلًا، فجعلهم حججًا على عباده عذرًا ونذرًا١، لا يطاع إلا بعلمه وإذنه، يمن بالطاعة على من يشاء من عباده، ثم يثيب عليها، ويعصى بعلم منه، فيعفو ويغفر بحلمه، لا يقدر قدره، ولا يبلغ شيء مكانه، أحصى كل شيء عددًا، وأحاط بكل شيء علمًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام الهدى والنبي المصطفى. وقد ساقنا قدر الله إلى ما ترون، حتى كان مما اضطرب من حبل هذه الأمة، وانتشر من أمرها، أن معاوية بن أبي سفيان وجد من طغام الناس أعوانًا على ابن عم رسول الله ﷺ وصهره، وأول ذكر صلى معه، بدري٢ قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله كل مشاهده التي فيها الفضل، ومعاوية مشرك كان يعبد الأصنام، والذي ملك الملك وحده، وبان به وكان أهله، لقد قاتل علي بن أبي طالب ﵇ مع رسول الله ﷺ وهو يقول: صدق الله ورسوله، ومعاوية يقول: كذب الله ورسوله، فعليكم بتقوى الله، والجد والحزم والصبر، والله إنا لنعلم أنكم لعلى حق، وأن القوم لعلى باطل، فلا يكونن أولى بالجد على باطلهم منكم في حقكم، وإنا لنعلم أن الله سيعذبهم بأيديكم أو بأيدي غيركم، اللهم أعنا ولا تخذلنا، وانصرنا على عدونا، ولا تحل عنا، وافتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين". "شرح ابن أبي الحديد م ١: ص ٥٠٤".

стр. 588

٢٣٩- خطبة عبد الله بن بديل الخزاعي: وقام عبد الله بن بديل الخزاعي في أصحابه فخطبهم، فقال: "إن معاوية ادعى ما ليس له، ونازع الأمر أهله، ومن ليس مثله، وجادل بالباطل، ليدحض١ به الحق، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب، وزين لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حب الفتنة، ولبس٢ عليهم الأمور، وزادهم رجسًا٣ إلى رجسهم، وأنتم والله على نور وبرهان، قاتلوا الطغام الجفاة، قاتلوهم ولا تخشوهم، وكيف تخشونهم؟ وفي أيديكم كتاب من ربكم ظاهر مبين، قوله سبحانه: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ لقد قاتلتهم مع النبي صلى الله عليه وآله، والله ما هم في هذه بأزكى ولا أتقى ولا أبر، انهضوا إلى عدو الله وعدوكم، بارك الله عليكم". "شرح ابن أبي الحديد ١: ص ٤٨٣ وتاريخ الطبري ٦: ٩".

стр. 589

٢٤٠- خطبة أبي الهيثم بن التيهان: وكان أبو الهيثم بن التيهان يسوي صفوف أهل العراق، ويقول: "يا معشر أهل العراق، إنه ليس بينكم وبين الفتح في العاجل، والجنة في الآجل، إلا ساعة من النهار، فأرسلوا أقدامكم، وسووا صفوفكم، أعيروا ربكم جماجمكم، واستعينوا بالله إلهكم، وجاهدوا عدو الله وعدوكم، واقتلوهم قتلهم الله وأبادهم. واصبروا فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين". "شرح ابن أبي الحديد ١: ص ٤٨٤".

стр. 590

٢٤١- خطبة للإمام علي: وخطب علي ﵇ بصفين أيضًا فقال: "الحمد لله على نعمه الفاضلة على جميع من خلق من البر والفاجر، وعلى حججه البالغة على خلقه من أطاعه منهم ومن عصاه، إن يرحم؛ فبفضله ومنه، وإن عذب؛ فبما كسبت أيديهم، وإن الله ليس بظلام للعبيد، أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النعماء، وأستعينه على ما نابنا من أمر الدنيا والآخرة، وأتوكل عليه، وكفى بالله وكيلًا. ثم إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ارتضاه لذلك وكان أهله، واصطفاه لتبليغ رسالته وجعله رحمة منه على خلقه. فكان علمه فيه رءوفًا رحيمًا، أكرم خلق الله حسبًا، وأجملهم منظرًا، وأسخاهم نفسًا، وأبرهم لوالد، وأوصلهم لرحم، وأفضلهم علمًا، وأثقلهم حلمًا، وأوفاهم لعهد، وآمنهم على عقد، لم يتعلق عليه مسلم ولا كافر بمظلمة قط، بل كان يظلم فيغفر ويقدر فيصفح، حتى مضى صلى الله عليه وآله مطيعًا لله، صابرًا على ما أصابه، مجاهدًا في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وآله، فكان ذهابه أعظم المصيبة على أهل الأرض البر والفاجر، ثم ترك فيكم كتاب الله يأمركم بطاعة الله، وينهاكم عن معصيته. وقد عهد إلي رسول الله ﷺ عهدًا، فلست أحيد عنه، وقد حضرتم عدوكم، وعلمتم أن رئيسهم منافق يدعوهم إلى النار، وابن عم نبيكم معكم وبين أظهركم يدعوكم إلى الجنة، وإلى طاعة ربكم، والعمل بسنة نبيكم، ولا سواء١ من صلى قبل كل ذكر، لا يسبقني بصلاة مع رسول الله أحد. وأنا من أهل بدر، ومعاوية طليق،

стр. 591

والله إنا على الحق، وإنهم على الباطل، فلا يجتمعن على باطلهم، وتتفرقوا عن حقكم، حتى يغلب باطلهم حقكم، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، فإن لم تفعلوا يعذبهم بأيدي غيركم". "شرح ابن أبي الحديد م ١: ص ٥٠٣".

стр. 592

٢٤٢- خطبة سعيد بن قيس: وقام سعيد بن قيس يخطب أصحابه بقناصرين١، فقال: "الحمد لله الذي هدانا لدينه، وأورثنا كتابه، وامتن علينا بنبيه، فجعله رحمة للعالمين، وسيد المرسلين، وقائد المؤمنين، وختامًا للنبيين، وحجة الله العظيم، على الماضين والغابرين، ثم كان مما قضى الله وقدره -وله الحمد على ما أحببنا وكرهنا- أن ضمنا وعدونا بقناصرين، فلا يجمل بنا اليوم الحياص٢، وليس هذا بأوان انصراف، ولات حين مناص٣، وقد خصنا الله بمنه برحمة لا نستطيع أداء شكرها، ولا نقدر٤ قدرها، إن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله المصطفين الأخيار معنا وفي حيزنا، فوالله

стр. 593

الذي هو بالعباد بصير، أن لو كان قائدنا رجلًا مخدوعًا، إلا أن معنا من البدريين سبعين رجلًا، لكان ينبغي لنا أن تحسن بصائرنا، وتطيب أنفسنا، فكيف وإنما رئيسنا ابن عم نبينا، بدري صدق، صلى صغيرًا، وجاهد مع نبيكم ﷺ كثيرًا، ومعاوية طليق من وثاق١ الأسارى، إلا أنه أخو جفاة، فأوردهم النار، وأورثهم العار، والله محل بهم الذل والصغار٢، ألا إنكم ستلقون عدوكم غدًا، فعليكم بتقوى الله من الجد والحزم والصدق والصبر، فإن الله مع الصابرين، ألا إنكم تفوزون بقتلهم، ويشقون بقتلكم، والله لا يقتل رجل منكم رجلًا منهم إلا أدخل الله القاتل جنات عدن وأدخل المقتول نارًا تلظى، لا تفتر عنهم وهم فيها مبلسون٣، عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه، وجعلنا وإياكم ممن أطاعه واتقاه، وأستغفر الله العظيم لي ولكم والمؤمنين". "شرح بن أبي الحديد ١: ص ٤٨٣".

стр. 594

٢٤٣- خطبة يزيد بن قيس الأرحبي: وحرض يزيد بن قيس الأرحبي أهل العراق بصفين، فقال: "إن المسلم من سلم دينه ورأيه، وإن هؤلاء القوم والله ما إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيعناه، ولا على إحياء حق رأونا أمتناه، ولا يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا، ليكونوا فيها جبابرة وملوكًا، ولو ظهروا عليكم -لا أراهم الله ظهورًا ولا سرورًا- إذن

стр. 595

لوليكم مثل سعيد١ والوليد٢ وعبد الله بن عامر٣ السفيه، يحدث أحدهم في مجلسه بذيت وذيت٤، ويأخذ مال الله، ويقول: لا إثم علي فيه، كأنما أعطي تراثه من أبيه، كيف؟ إنما هو مال الله، أفاءه علينا بأسيافنا ورماحنا، قاتلوا -عباد الله- القوم الظالمين، الحاكمين بغير ما أنزل الله، ولا تأخذكم فيهم لومة لائم. إنهم إن يظهروا عليكم، يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم. وهم من قد عرفتم وجربتم. والله ما أرادوا باجتماعهم عليكم إلا شرًا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم". "تاريخ الطبري ٦: ١٠، شرح ابن أبي الحديد م ١: ص ٤٨٥".

стр. 596

٢٤٤- خطبة هاشم بن عتبة المرقال: وشد هاشم بن عتبة المرقال١ في عصابة من أصحابه على أهل الشأم مرارًا،

стр. 597

فليس من وجه يحمل عليه، إلا صبر له، وقاتل فيه قتالًا شديدًا. فقال لأصحابه: "لا يهولنكم ما ترون من صبرهم. فوالله ما ترون فيهم إلا حمية العرب، وصبرها تحت راياتها، وعند مراكزها، وإنهم لعلى الضلال، وإنكم لعلى الحق، يا قوم اصبروا وصابروا واجتمعوا، وامشوا بنا إلى عدونا، على تؤدة رويدًا، ثم اثبتوا وتناصروا، واذكروا الله، ولا يسأل رجل أخاه، ولا تكثروا الالتفات، واصمدوا١ صمدهم، وجاهدوا محتسبين، حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين". "تاريخ الطبري ٦: ٢٣".

стр. 598

٢٤٥- خطبة عمار بن ياسر: وقام عمار بن ياسر يوم صفين، فقال: "انهضوا معي: عباد الله إلى قوم يزعمون أنهم يطلبون بدم ظالم، إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان، فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم، ولو درس١ هذا الدين، لم قتلتموه؟ فقلنا: لأحداثه، فقالوا: إنه لم يحدث شيئًأ؛ وذلك لأنه مكنهم من الدنيا، فهم يأكلونها، ويرعونها، ولا يبالون لو انهدمت الجبال، والله ما أظنهم يطلبون بدم، ولكن القوم ذاقوا الدنيا، فاستحلوها واستمرءوها٢، واعلموا أن صاحب الحق لو وليهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون منها، إن القوم لم يكن لهم سابقة في الإسلام، يستحقون بها الطاعة والولاية، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلومًا: ليكونوا بذلك جبابرة وملوكًا، تلك

стр. 599

مكيدة قد بلغوا ما ترون، ولولاها ما تابعهم من الناس رجل، اللهم إن تنصرنا، فطالما نصرت، وإن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الأليم". "شرح ابن أبي الحديد م ١: ص ٥٠٤، وتاريخ الطبري ٦: ٢١ والكامل لابن الأثير ٣: ١٢٣".

стр. 600

٢٤٦- خطبة الأشعث بن قيس: وخطب الأشعث بن قيس أصحابه من كندة ليلة الهرير بصفين فقال: "الحمد لله أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وأستنصره وأستغفره، وأستجيره، وأستهديه وأستشيره، وأستشهد به، فإنه من هداه الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله ثم قال: قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي، وما قد فني فيه من العرب، فوالله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ، فما رأيت مثل هذا اليوم قط، ألا فليبلغ الشاهد الغائب أنا نحن إن تواقفنا غدًا إنه لفنيت العرب، وضُيعت الحرمات، أما والله ما أقول هذه المقالة جزعًا من الحرب، ولكني رجل مسن أخاف على النساء والذراري غدًا إذا فنينا. اللهم إنك تعلم أني قد نظرت لقومي ولأهل ديني فلم آل، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، والرأي يخطئ ويصيب، وإذا قضى الله أمرًا أمضاه على ما أحب العباد أو كرهوا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم". فانطلقت عيون معاوية إليه بخطبة الأشعث فاغتنمها وبنى عليها تدبيره. "شرح ابن أبي الحديد م ١: ١٨٥".
следующие страницы →