← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

٢٤٤- خطبة هاشم بن عتبة المرقال: وشد هاشم بن عتبة المرقال١ في عصابة من أصحابه على أهل الشأم مرارًا،

стр. 597

فليس من وجه يحمل عليه، إلا صبر له، وقاتل فيه قتالًا شديدًا. فقال لأصحابه: "لا يهولنكم ما ترون من صبرهم. فوالله ما ترون فيهم إلا حمية العرب، وصبرها تحت راياتها، وعند مراكزها، وإنهم لعلى الضلال، وإنكم لعلى الحق، يا قوم اصبروا وصابروا واجتمعوا، وامشوا بنا إلى عدونا، على تؤدة رويدًا، ثم اثبتوا وتناصروا، واذكروا الله، ولا يسأل رجل أخاه، ولا تكثروا الالتفات، واصمدوا١ صمدهم، وجاهدوا محتسبين، حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين". "تاريخ الطبري ٦: ٢٣".

стр. 598

٢٤٥- خطبة عمار بن ياسر: وقام عمار بن ياسر يوم صفين، فقال: "انهضوا معي: عباد الله إلى قوم يزعمون أنهم يطلبون بدم ظالم، إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان، فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم، ولو درس١ هذا الدين، لم قتلتموه؟ فقلنا: لأحداثه، فقالوا: إنه لم يحدث شيئًأ؛ وذلك لأنه مكنهم من الدنيا، فهم يأكلونها، ويرعونها، ولا يبالون لو انهدمت الجبال، والله ما أظنهم يطلبون بدم، ولكن القوم ذاقوا الدنيا، فاستحلوها واستمرءوها٢، واعلموا أن صاحب الحق لو وليهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون منها، إن القوم لم يكن لهم سابقة في الإسلام، يستحقون بها الطاعة والولاية، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلومًا: ليكونوا بذلك جبابرة وملوكًا، تلك

стр. 599

مكيدة قد بلغوا ما ترون، ولولاها ما تابعهم من الناس رجل، اللهم إن تنصرنا، فطالما نصرت، وإن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الأليم". "شرح ابن أبي الحديد م ١: ص ٥٠٤، وتاريخ الطبري ٦: ٢١ والكامل لابن الأثير ٣: ١٢٣".

стр. 600

٢٤٦- خطبة الأشعث بن قيس: وخطب الأشعث بن قيس أصحابه من كندة ليلة الهرير بصفين فقال: "الحمد لله أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وأستنصره وأستغفره، وأستجيره، وأستهديه وأستشيره، وأستشهد به، فإنه من هداه الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله ثم قال: قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي، وما قد فني فيه من العرب، فوالله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ، فما رأيت مثل هذا اليوم قط، ألا فليبلغ الشاهد الغائب أنا نحن إن تواقفنا غدًا إنه لفنيت العرب، وضُيعت الحرمات، أما والله ما أقول هذه المقالة جزعًا من الحرب، ولكني رجل مسن أخاف على النساء والذراري غدًا إذا فنينا. اللهم إنك تعلم أني قد نظرت لقومي ولأهل ديني فلم آل، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، والرأي يخطئ ويصيب، وإذا قضى الله أمرًا أمضاه على ما أحب العباد أو كرهوا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم". فانطلقت عيون معاوية إليه بخطبة الأشعث فاغتنمها وبنى عليها تدبيره. "شرح ابن أبي الحديد م ١: ١٨٥".

стр. 601

٢٤٧- خطبة الأشترالنخعي: وقام الأشتر يخطب الناس بقناصرين، وهو يومئذ على فرس أدهم مثل حلك١ الغراب، فقال: "الحمد لله الذي خلق السموات العلى، الرحمن على العرش استوى، له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النعماء، حمدًا كثيرًا، بكرة وأصيلًا، من هداه الله فقد اهتدى، ومن يضلل فقد غوى، أرسل محمدًا بالصواب والهدى، فأظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله عليه وآله. ثم قد كان مما قضى الله سبحانه وقدر، أن ساقتنا المقادير إلى أهل هذه البلدة من الأرض، فلفت بيننا وبين عدو الله وعدونا، فنحن بحمد الله ونعمه ومنه وفضله، قريرة أعيننا، طيبة أنفسنا، نرجو بقتالهم حسن الثواب، والأمن من العقاب، معنا ابن عم نبينا، وسيف من سيوف الله، علي بن أبي طالب، صلى مع رسول الله ﷺ ، لم يسبقه إلى الصلاة ذكر، حتى كان شيخًا لم يكن له صبوة٢، ولا نبوة٣، ولا هفوة، ولاسقطة، فقيه في دين الله تعالى، عالم بحدود الله، ذو رأي أصيل، وصبر جميل، وعفاف قديم، فاتقوا الله وعليكم بالحزم والجد، واعلموا أنكم على الحق، وأن القوم على الباطل، إنما تقاتلون معاوية وأنتم مع البدريين قريب من مائة بدري، سوى من حولكم من أصحاب محمد، أكثر ما معكم رايات قد كانت مع رسول الله ﷺ ، ومعاوية مع رايات قد كانت مع المشركين على رسول الله ﷺ ،

стр. 602

فمن يشك في قتال هؤلاء؟ إلا ميت القلب، أنتم على إحدى الحسنيين، إما الفتح، وإما الشهادة، عصمنا الله وإياكم بما عصم به من أطاعه واتقاه، وألهمنا وإياكم طاعته وتقواه، وأستغفر الله لي ولكم". "شرح ابن أبي الحديد م ١: ص ٤٨٤".

стр. 603

٢٤٨- خطبة الأشتر في المنهزمين من الميمنة: ولما انهزمت ميمنة العراق، قال له علي: يا مالك، قال: لبيك، قال: ائت هؤلاء القوم فقل لهم: "أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه، إلى الحياة التي لن تبقى لكم" فمضى فاستقبل الناس منهزمين، فقال لهم هذه الكلمات، وقال: إلي أيها الناس، أنا مالك بن الحاث، أنا مالك بن الحارث، ثم ظن أنه بالأشتر أعرف في الناس، فقال: أنا الأشتر، إلي أيها الناس، فأقبلت إليه طائفة، وذهبت عنه طائفة، فنادى: أيها الناس، عضضتم بهن١ آبائكم، ما أقبح ماقاتلتم منذ اليوم! أيها الناس: أخلصوا إلي مذحجا٢، فأقبلت إليه مذحج فقال: "عضضتم بصتم٣ الجندل، ما أرضيتم ربكم، ولا نصحتم له في عدوكم، وكيف بذلك وأنتم أبناء الحروب، وأصحاب الغارات، وفتيان الصباح٤، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، ومذحج الطعان، الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم، ولا تطل دماؤهم، ولا يعرفون في موطن بخسف٥، وأنتم حد أهل مصركم، وأعز حي في قومكم، وما تفعلوا في هذا اليوم، فإنه مأثور بعد اليوم، فاتقوا مأثور الأحاديث في غد، واصدقوا عدوكم اللقاء، فإن الله مع الصادقين، والذي نفس مالك بيده ما من هؤلاء "وأشار بيده

стр. 604

إلى أهل الشأم" رجل على مثال جناح بعوضة من محمد ﷺ ، أنتم ما أحسنتم القراع١، اجلوا سواد وجهي، يرجع في وجهي دمي، عليكم بهذا السواد الأعظم، فإن الله لو قد فضه، تبعه من بجانبيه كما يتبع موخر السبيل مقدمه". قالوا: خذ بنا حيث أحببت. "تاريخ الطبري ٦: ١١، وشرح ابن أبي الحديد م ١: ص ٤٨٧".

стр. 605

٢٤٩- خطبة أخرى له فيهم: وروى أنه لما اجتمع إليه عظم من كان انهزم من الميمنة حرضهم ثم قال: "عضوا على النواجذ من الأضراس، واستقبلوا القوم بهامكم، وشدوا عليهم شدة قوم موتورين١ ثأرًا بآبائهم وإخوانهم، حناقًا على عدوهم، قد وطنوا على الموت أنفسهم، كيلا يسبقوا بوتر، ولا يلحقوا في الدنيا عارًا، وايم الله ما وتر قوم قط بشيء أشد عليهم من أن يوتروا دينهم، وإن هؤلاء القوم لا يقاتلونكم إلا عن دينكم، ليميتوا السنة ويحيوا البدعة، ويعيدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله منها بحسن البصيرة، فطيبوا عباد الله أنفسًا بدمائكم دون دينكم، فإن ثوابكم على الله، والله عنده جنات النعيم وإن الفرار من الزحف فيه السلب للعز، والغلبة على الفيء، وذل المحيا والممات، وعار الدنيا والآخرة، وسخط الله وأليم عقابه". "تاريخ الطبري ٦: ١٢، وشرح ابن أبي الحديد م ١: ص ٤٨٧".

стр. 606

٢٥٠- خطبة علي فيهم وقد عادوا إلى مواقفهم: ولما رأى الإمام كرم الله وجهه ميمنته قد عادت إلى مواقفها ومصافها، وكشفت من بإزائها من عدوها، حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم، أقبل حتى انتهى إليهم فقال: "إني قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم، يحوزكم الطغاة الجفاة، وأعراب أهل الشأم، وأنتم لهاميم١ العرب، والسنام الأعظم، وعمار الليل بتلاوة القرآن، وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون. فلولا إقبالكم بعد إدباركم وكركم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المولي يوم الزحف دبره، وكنتم من الهالكين، ولكن هون وجدي، وشفى بعض أحاح٢ نفسي، أني رأيتكم بأخرة٣ حزتموهم كما حازوكم، وأزلتموهم عن مصافكم كما أزالوكم، تحسونهم٤ بالسيوف تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطرودة الهيم٥، فالآن فاصبروا؛ نزلت عليكم السكينة، وثبتكم الله باليقين، وليعلم المنهزم أنه مسخط ربه، وموبق٦ نفسه، إن في الفرار موجدة٧ الله عليه، والذل اللازم له، والعار الباقي، واعتصار الفيء من يده، وفساد العيش عليه، وإن الفار لا يزيد الفرار في عمره، ولا يرضي ربه، فموت المرء محقا قبل إتيان هذه الخصال، خير من الرضا بالتلبس بها والإصرار عليه". "تاريخ الطبري ٦: ١٣، وشرح ابن أبي الحديد م ١: ص ٤٨٨".

стр. 607

٢٥١- خطبة خالد بن معمر: ولما ولى الإمام خالد بن معمر راية ربيعة، وحمل عليها أهل الشأم حملة شديدة، وانهزم ناس من قومه، صاح بمن انهزم، وقال يومئذ: "يا معشر ربيعة: إن الله قد أتى بكل رجل منكم من منبته، ومسقط رأسه، فجمعكم في هذا المكان جمعًا لم يجمعكم مثله منذ نشركم في الأرض، فإن تمسكوا أيديكم وتنكلوا١ عن عدوكم، وتزولوا عن مصافكم، لا يرضَ الله فعلكم ولا تعدموا من الناس معيرا يقول: فضحت ربيعة الذمار٢، وحاصت٣ عن القتال، وأتيت من قبلها العرب، فإياكم أن تتشاءم بكم العرب والمسلمون اليوم، وإنكم إن تمضوا مقبلين مقدمين، وتصبروا محتسبين، فإن الإقدام لكم عادة، والصبر منكم سجية، واصبروا ونيتكم أن تؤجروا، فإن ثواب من نوى ما عند الله شرف الدنيا وكرامة الآخرة، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملًا". "تاريخ الطبري ٦: ١٩، وشرح ابن أبي الحديد م ١: ص ٤٩٦".

стр. 608

٢٥٢- خطبة عقبة بن حديد النمري: وقال عقبة بن حديد النمري يوم صفين لأهله وأصحابه: "ألا إن مرعى الدنيا قد أصبح هشيمًا١، وأصبح شجرها خضيدًا٢، وجديدها سملًا٣، وحلوها مر المذاق، ألا وإني أنبئكم نبأ امرئ صادق: إني قد سئمت الدنيا

стр. 609

وعزفت١ نفسي عنها، وقد كنت أتمنى الشهادة، وأتعرض لها في كل جيش وغارة، فأبى الله إلا أن يبلغني هذا اليوم، ألا وإني متعرض لها من ساعتي هذه، قد طمعت ألا أحرمها، فما تنتظرون -عباد الله- بجهاد من عادى الله، أخوفا من الموت القادم عليكم، الذاهب بأنفسكم لا محالة؟ أو من ضربة كف بالسيف؟ أتستبدلون الدنيا بالنظر في وجه الله ، ومرافقة النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين في دار القرار؟ ما هذا بالرأي السديد! ". ثم مضى فقال: "يا إخوتي إني قد بعت هذه الدار بالتي أمامها، وهذا وجهي إليها. لا تبرح وجوهكم، ولا يقطع الله رجاءكم" فتبعه إخوته وقالوا: "لا نطلب رزق الدنيا بعدك، فقبح الله العيش بعدك: اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندك" فاستقدموا فقاتلوا حتى قتلوا. "تاريخ الطبري ٦: ١٥، شرح ابن أبي الحديد م ١: ص٤٩٠".

стр. 610

٢٥٣- خطبة خنثر بن عبيدة بن خالد: وكان من "محارب" رجل يقال له: خنثر بن عبيدة بن خالد، وكان من أشجع الناس، فلما اقتتل الناس يوم صفين، جعل يرى أصحابه منهزمين، فأخذ ينادي: "يا معشر قيس، أطاعة الشيطان آثر١ عندكم من طاعة الرحمن؟ ألا إن الفرار فيه معصية الله سبحانه وسخطه، وإن الصبر فيه طاعة الله ورضوانه، أفتختارون سخط الله تعالى على رضوانه، ومعصيته على طاعته؟ ألا إنما الراحة بعد الموت لمن مات محاسبًا نفسه، ثم قال:

стр. 611

لا وألتْ نفس امرئ ولَّى الدبرْ١ ... أنا الذي لا ينثني ولا يفرْ ولا يرى مع المعازيل الغدر٢ "تاريخ الطبري ٦: ١٨، شرح ابن أبي الحديد م ١: ص ٤٩٥".

стр. 612

٢٥٤- تحريض معاوية أيضًا: وخطب معاوية الناس بصفين فقال: "الحمد لله الذي دنا في علوه، وعلا في دنوه، وظهر وبطن، وارتفع فوق كل ذي منظر، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، يقضي فيفصل، ويقدر فيغفر، ويفعل ما يشاء، إذا أراد أمرًا أمضاه، وإذا عزم على شيء قضاه، لا يؤامر١ أحدًا فيما يملك، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، والحمد لله رب العالمين على ما أحببنا وكرهنا". وقد كان فيما قضاه الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه البقعة من الأرض، ولفت بيننا وبين أهل العراق، فنحن من الله بمنظر، وقد قال : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ انظروا يأهل الشأم، إنكم غدًا تلقون أهل العراق، فكونوا على إحدى ثلاث خصال: إما أن تكونوا طلبتم ماعند الله في قتال قوم بغوا عليكم، فأقبلوا من بلادهم حتى نزلوا في بيضتكم٢، وإما أن تكونوا قومًا تطلبون بدم خليفتكم وصهر نبيكم، وإما أن تكونوا قومًا تذبون عن نسائكم وأبنائكم، فعليكم بتقوى الله والصبر الجميل، واسألوا الله لنا ولكم النصر، وأن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق، وهو خير الفاتحين". "شرح ابن أبي الحديد م ١١ ص ٤٩٧".

стр. 613

٢٥٥- ما خاطب به النعمانُ بنُ بشيرٍ قيسَ بنَ سعد في وقعة صفين: وقف النعمان بن بشير الأنصاري بين الصفين بصفين فقال: "يا قيس بن سعد: أما أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه؟ إنكم يا معشر الأنصار، أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار، وقتلكم أنصاره يوم الجمل، وإقحامكم، على أهل الشأم بصفين، فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليًا، كان هذا بهذا، ولكنكم خذلتم حقا، ونصرتم باطلًا، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس، شعلتم٣ الحرب، ودعوتم إلى البراز، فقد والله وجدتم رجال الحرب من أهل الشأم سراعًا إلى برازكم، غير أنكاس٢ عن حربكم، ثم لم ينزل بعلي أمر قط إلا هونتم عليه المصيبة، ووعدتموه الظفر، وقد والله أخلفتموه، وهان علينا بأسكم، وما كنتم لتخلوا به أنفسكم من شدتكم في الحرب، وقدرتكم على عدوكم، وقد أصبحتم أذلاء على أهل الشأم، لا يرون حربكم شيئًا، وأنتم أكثر منهم عددًا ومددًا، وقد والله كاثروكم بالقلة، فكيف لو كانوا مثلكم في الكثرة، والله لا تزالون أذلاء في الحرب بعدها أبدًا، إلا أن يكون معكم أهل الشأم، وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم، ونحن أحسن بقية وأقرب إلى الظفر، فاتقوا الله في البقية" فضحك قيس وقال:

стр. 614

٢٥٦- جواب قيس بن سعد: "والله ما كنت أراك يا نعمان تجترئ على هذا المقام، أما المنصف المحق فلا ينصح أخاه من غش نفسه، وأنت والله الغاش لنفسه، المبطل فيما نصح غيره، أما ذكر عثمان فإن كان الإيجاز يكفيك فخذه، قتل عثمان من لست خيرًا منه، وخذله من هو خير منك. وأما أصحاب الجمل فقتلناهم على النكث. وأما معاوية، فلو اجتمعت العرب على بيعته لقاتلتهم الأنصار، وأما قولك إنا لسنا كالناس، فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول الله، نلقى السيوف بوجوهنا، والرماح بنحورنا، حتى جاء الحق، وظهر أمر الله وهم كارهون، ولكن انظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلا طليقًا أعرابيًا، أو يمانيًّا مستدرجًا١، وانظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك٢، ولستما والله بدريين ولا عقبيين٣، ولا لكما سابقة في الإسلام، ولا آية في القرآن". "الإمامة والسياسة ١: ٨٣".

стр. 615

خطب الشيعيات في وقعة صفين: ٢٥٧- خطبة عكرشة بنت الأطرش: دخلت عكرشة بنت الأطرش على معاوية متوكئة على عكاز، فسلمت عليه بالخلافة ثم جلست، فقال لها معاوية: الآن يا عكرشة صرت عندك أمير المؤمنين؟ قالت: نعم، إذ لا علي حي، قال: ألست المتقلدة حمائل السيوف بصفين، وأنت واقفة بين الصفين تقولين: "أيها الناس: عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، إن الجنة لا يرحل من أوطنها، ولا يهرم من سكنها، ولا يموت من دخلها، فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها ولا تنصرم همومها، وكونوا قومًا مستبصرين في دينهم مستظهرين١ بالصبر على طلب حقهم، إن معاوية دلف٢ إليكم بعجم العرب، غلف٣ القلوب، لا يفقهون الإيمان، ولا يدرون الحكمة، دعاهم بالدنيا فأجابوه، واستدعاهم إلى الباطل فلبوه، فالله الله عباد الله في دين الله، إياكم والتواكل فإن ذلك ينقض عرا الإسلام، ويطفئ نور الحق، هذه بدر الصغرى، والعقبة٤ الأخرى، يا معشر المهاجرين والأنصار،

стр. 616

امضوا على بصيرتكم، واصبروا على عزيمتكم، فكأني بكم غدا، وقد لقيتم أهل الشأم كالحمر الناهقة، تصقع١ صقع البعير". فكأني أراك على عصاك هذه، وقد انكفأ عليك العسكران، يقولون: هذه عكرشة بنت الأطرش بن رواحة، فإن كدت لتفلين أهل الشام لولا قدر الله، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين يقول الله جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية. وإن اللبيب إذا كره أمرًا لا يحب إعادته، قال صدقت، فاذكري حاجتك، قالت: إنه كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا، فترد على فقرائنا، وإنا قد فقدنا ذلك، فما يجبر لنا كسير ولا ينعش لنا فقير، فإن كان ذلك عن رأيك، فمثلك تنبه من الغفلة، وراجع التوبة، وإن كان عن غير رأيك، فما مثلك من استعان بالخونة ولا استعمل الظلمة، قال معاوية: يا هذه إنه ينوبنا من أمور رعيتنا أمور تنبثق٢، وبحور تنفهق٣، قالت: يا سبحان الله! والله ما فرض الله لنا حقًّا، فجعل فيه ضررًا على غيرنا، وهو علام الغيوب. قال معاوية: يا أهل العراق، نبهكم علي بن أبي طالب، فلم تطاقوا، ثم أمر برد صدقاتهم فيهم، وإنصافهم. "العقد الفريد ٢: ١٣١، وصبح الأعشى ١: ٢٥٣".

стр. 617

٢٥٨- خطبة أم الخير بنت الحريش: كتب معاوية إلى واليه بالكوفة أن يحمل إليه أم الخير بنت الحريش بن سراقة البارقي برحلها، وأعلمه أنه مجازيه بالخير خيرًا، وبالشر شرًا بقولها فيه، فلما ورد عليه

стр. 618

كتابه، ركب إليها، فأقرأها كتابه، فقالت: أما أنا فغير زائغة عن طاعة، ولا معتلة بكذب، ولقد كنت أحب لقاء أمير المؤمنين، لأمور تختلج في صدري، فلما شيعها، وأراد مفارقتها، قال لها: يا أم الخير إن أمير المؤمنين كتب إلي أنه مجازيني بقولك في بالخير خيرًا، وبالشر شرًّا، فما لي عندك؟ قالت: يا هذا، لا يطمعك برك بي، أن أسرك بباطل، ولا يؤيسك معرفتي بك، أن أقول فيك غير الحق، فسارت خير مسير، حتى قدمت على معاوية، فأنزلها مع الحرم، ثم أدخلها في اليوم الرابع وعنده جلساؤه، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! فقال لها: وعليك السلام يا أم الخير؟ بحق ما دعوتني بهذا الاسم؟ قالت: مه يا أمير المؤمنين، فإن بديهة١ السلطان مدحضة٢ لما يجب علمه، ولكل أحل كتاب، قال: صدقت، فكيف حالك يا خالة، وكيف كنت في مسيرك؟ قالت: لم أزل يا أمير المؤمنين في خير وعافية، حتى صرت إليك، فأنا في مجلس أنيق، عند ملك رفيق. قال معاوية: بحسن نيتي ظفرت بكم. قالت: يا أمير المؤمنين، يعيذك الله من دحض٣ المقال، وما تردي عاقبته، قال: ليس هذا أردنا، أخبرينا كيف كان كلامك إذ قتل عمار بن ياسر؟ قالت: لم أكن والله زورته٤ قبل، ولا رويته بعد، وإنما كانت كلمات نفثها لساني عند الصدمة، فإن أحببت أن أحدث لك مقالًا غير ذلك فعلت، فالتفت معاوية إلى جلسائه، فقال: أيكم يحفظ كلامها؟ فقال رجل منهم: أنا أحفظ بعض كلامها يا أمير المؤمنين. قال: هات؟ قال: كأني بها بين بردين زئبريين٥ كثيفي النسيج، وهي على جمل أرمك٦، وبيدها سوط منتشر الضفيرة، وهي كالفحل يهدر٧ في شقشقته تقول:

стр. 619

"يأيها الناس: اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، إن الله قد أوضح لكم الحق، وأبان الدليل، وبين السبيل، ورفع العلم، ولم يدعكم في عمياء مدلهمة، فأين تريدون رحمكم الله؟ أفرارًا عن أمير المؤمنين، أم فرارًا من الزحف، أم رغبة عن الإسلام، أم ارتدادًا عن الحق؟ أما سمعتم الله جل ثناؤه يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: اللهم قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشرت الرغبة، وبيدك يا رب أزمة القلوب، فاجمع الكلمة على التقوى، وألف القلوب على الهدى، واردد الحق إلى أهله، هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل، والرضي التقي، والصديق الأكبر، إنها إحن١ بدرية، وأحقاد جاهلية، وضغائن أحدية٢ وثب بها معاوية حين الغفلة، ليدرك ثارات بني عبد شمس، ثم قالت: ﴿قَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُون﴾ صبرًا يا معشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربكم، وثبات من دينكم، فكأني بكم غدا، وقد لقيتم أهل الشأم كحمر مستنفرة فرت من قسورة٣، لا تدري أنى يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا، واشتروا الضلالة بالهدى، وعما قليل ليصبحن نادمين، حين تحل بهم الندامة، فيطلبون الإقالة، ولات حين مناص، إنه من ضل والله عن الحق وقع في الباطل، ألا إن أولياء الله استقصروا عمر الدنيا فرفضوها، واستطابوا الآخرة فسعوا لها، فالله الله أيها الناس، قبل أن تبطل الحقوق، وتعطل الحدود، وتقوى كلمة الشيطان، فإلى أين تريدون رحمكم الله عن ابن عم رسول الله ﷺ ، وصهره، وأبي سبطيه، خلق من طينته، وتفرع من نبعته٤،

стр. 620

وجعله باب دينه، وأبان ببغضه المنافقين، وها هو ذا مفلق الهام، ومكسر الأصنام، صلى والناس مشركون، وأطاع والناس كارهون، فلم يزل في ذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وهزم الأحزاب، وقتل الله به أهل خيبر، وفرق به جمع هوازن، فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقًا، وردة وشقاقًا، وزادت المؤمنين إيمانًا، قد اجتهدت في القول، وبالغت في النصيحة، وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله". فقال معاوية: يا أم الخير، ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي، ولو قتلتك ما حرجت١ في ذلك. قالت: والله ما يسوءني يابن هند أن يجري قتلي على يدي من يسعدني الله بشقائه. قال: هيهات يا كثيرة الفضول! ما تقولين في عثمان بن عفان ﵀؟ قالت: وما عسيت أن أقول في عثمان! استخلفه الناس وهم به راضون، وقتلوه وهم له كارهون. قال معاوية: يا أم الخير هذا ثناؤك الذي تثنين؟ قالت: لكن الله يشهد، وكفى بالله شهيدًا، ما أردت بعثمان نقصًا، ولقد كان سباقًا إلى الخيرات، وإنه لرفيع الدرجة غدًا، قال: فما تقولين في طلحة بن عبيد الله؟ قالت: وما عسى أن أقول في طلحة؟ اغتيل من مأمنه، وأتي من حيث لم يحذر. وقد وعده رسول الله ﷺ الجنة. قال: فما تقولين في الزبير؟ قالت: وما أقول في ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه٢. وقد شهد له رسول الله ﷺ بالجنة. وأنا أسألك بحق الله يا معاوية "فإن قريشًا تحدثت أنك أحلمها" أن تعفيني من هذه المسائل، وتسألني عما شئت من غيرها. قال: نعم ونعمة٣ عين، قد أعفيتك منها، ثم أمر لها بجائزة رفيعة، وردها مكرمة. "العقد الفريد ١: ١٣٢، ونهاية الأرب ٧: ٢٤١. وصبح الأعشى ١: ٢٤٨".

стр. 621

٢٥٩- خطبة الزرقاء بنت عدي الهمداني ة: وذكرت الزرقاء بنت عدي بن قيس الهمدانية عند معاوية يومًا، فقال لجلسائه: أيكم يحفظ كلامها؟ قال بعضهم: نحن نحفظه يا أمير المؤمنين. قال: فأشيروا علي في أمرها، فأشار بعضهم بقتلها، فقال: بئس الرأي أيحسن بمثلي أن يقتل امرأة! ثم كتب إلى عامله بالكوفة أن يوفدها إليه مع ثقة من ذوي محارمها، وعدة من فرسان قومها، وأن يمهد لها وطاءً١ لينًا، ويسترها بستر خصيف٢، ويوسع لها في النفقة، فأرسل إليها، فأقرأها الكتاب، فقالت: إن كان أمير المؤمنين جعل الخيار إلي، فإني لا آتيه، وإن كان حتَّم فالطاعة أولى، فحملها وأحسن جهازها، على ما أمر به، فلما دخلت على معاوية. قال: مرحبًا بك وأهلا! قدمت خير مقدمة قدمه وافد، كيف حالك؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، أدام الله لك النعمة. قال: كيف كنت في مسيرك؟ قالت: ربيبة بيت، أو طفلًا ممهدًا. قال: بذلك أمرناهم، أتدرين فيم بعثت إليك؟ قالت: وأنى لي بعلم ما لم أعلم؟ قال: ألست الراكبة الجمل الأحمر، والواقفة بين الصفين بصفين، تحضين على القتال، وتوقدين الحرب؟ فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، مات الرأس وبتر الذنب، ولن يعود ما ذهب، والدهر ذو غير٣ ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعده الأمر، قال لها معاوية: أتحفظين كلامك يومئذ؟ قالت: لا والله لا أحفظه، ولقد أنسيته. قال: لكني أحفظه، لله أبوك حين تقولين: "أيها الناس: ارعووا وارجعوا، إنكم قد أصبحتم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم، وجارت بكم عن قصد المحجة٤. فيا لها فتنة عمياء صماء بكماء لا تسمع لناعقها، ولا تنساق

стр. 622

لقائدها، إن المصباح لا يضيء في الشمس، ولا تنير الكواكب مع القمر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد. ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه. أيها الناس: إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها، فصبرًا يا معشر المهاجرين والأنصار على العصص، فكأن قد اندمل شعب الشتات، والتأمت كلمة الحق، ودمغ الحق الظلمة، فلا يجهلن أحد فيقول: كيف، وأنى؟ ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ألا وإن خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء، ولهذا اليوم ما بعده، والصبر خير في الأمور عواقبا: إيهًا١ في الحرب قدما، غير ناكصين، ولا متشاكسين". ثم قال لها: والله يا زرقاء لقد شركت عليًا في كل دم سفكه. قالت: أحسن الله بشارتك، وأدام سلامتك! فمثلك بشر بخير وسر جليسه. قال: أويسرك ذلك؟ قالت: نعم. والله لقد سررت بالخبر! فأنى لي بتصديق الفعل! فضحك معاوية، وقال: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته، اذكري حاجتك. قالت: يا أمير المؤمنين آليت على نفسي ألا أسأل أميرًا أعنت عليه أبدًا، ومثلك أعطى عن غير مسألة، وجاد عن غير طلبة. قال: صدقت، وأمر لها وللذين جاءوا معها بجوائز وكسًا. "العقد الفريد ١: ١٣٠، وصبح الأعشى ١: ٢٥٢".

стр. 623

اختلاف أهل العراق في الموادعة مدخل ... اختلاف أهل العراق في الموادعة: وذكروا أنه لما اشتد الأمر واستعر القتال، قال رأس من أهل العراق لعلي: إن هذه الحرب قد أكلتنا، وأذهبت الرجال، والرأي الموادعة. وقال بعضهم: لا، بل نقاتلهم اليوم على ما قاتلناهم عليه أمس، وكانت الجماعة قد رضيت الموادعة، وجنحت إلى الصلح والمسالمة، فقام علي خطيبًا، فقال:

стр. 624

٢٦٠- خطبة الإمام علي كرم الله وجهه: "أيها الناس: إنه لم أزل من أمري على ما أحب، حتى فدحتكم الحرب، وقد والله أخذت منكم وتركت، وهي لعدوكم أنهك، وقد كنت بالأمس أميرًا، فأصبحت اليوم مأمورًا، وكنت ناهيًا، فأصبحت اليوم منهيًا، فليس لي أن أحملكم على ما تكرهون".

стр. 625

٢٦١- خطبة كردوس بن هانئ: وقام كردوس بن هانئ، فقال: "إنه والله ما تولينا معاوية منذ تبرأنا منه، ولا تبرأنا من علي منذ توليناه، وإن قتلينا لشهيد، وإن حينا لفائز، وإن عليًا على بينة من ربه، وما أجاب القوم إلا إنصافًا، وكل محق منصف، فمن سلم له نجا، ومن خالفه هوى".

стр. 626

٢٦٢- خطبة سفيان بن ثور: وقام سفيان بن ثور، فقال: "أيها الناس: إنا دعونا أهل الشأم إلى كتاب الله، فردوه علينا فقاتلناهم، وإنهم دعونا إلى كتاب الله، فإن رددناه عليهم، حل لهم منا ما حل لنا منهم، ولسنا نخاف أن يحيف الله علينا ورسوله، وإن عليًا ليس بالراجع الناكص، وهو اليوم على ما كان عليه أمس، وقد أكلتنا هذه الحرب، ولا نرى البقاء إلا في الموادعة".

стр. 627

٢٦٣- خطبة حريث بن جابر: ثم قام حريث بن جابر فقال: "إن عليًّا لو كان خِلوًا من هذا الأمر لكان المرجع إليه، فكيف وهو قائده وسائقه، وإنه والله ما قبل من القوم اليوم إلا الأمر الذي دعاهم إليه أمس، ولو رده عليهم كنتم له أعيب، ولا يلحد في هذا الأمر إلا راجع على عقبيه، أو مستدرج مغرور، وما بيننا وبين من طعن علينا إلا السيف".

стр. 628

٢٦٤- خطبة خالد بن معمر: ثم قام خالد بن معمر فقال: "يا أمير المؤمنين: إنا والله ما أخرجنا هذا المقام أن يكون أحد أولى به منا، ولكن قلنا أحب الأمور إلينا ما كفينا مئونته، فأما إذ استغنينا، فإنا لا نرى البقاء إلا فيما دعاك القوم إليه اليوم، إن رأيت ذلك، وإن لم تره فرأيك أفضل".

стр. 629

٢٦٥- خطبة الحصين بن المنذر: ثم قام الحصين بن المنذر وكان أحدث القوم سنًا، فقال: "إنما بني هذا الدين على التسليم، فلا تدفعوه بالقياس، ولا تهدموه بالشبهة، وإنا والله لو أنا لا نقبل من الأمور إلا ما نعرف، لأصبح الحق في الدنيا قليلًا، ولو تركنا وما نهوى، لأصبح الباطل في أيدينا كثيرًا، وإن لنا راعيًا قد حمدنا ورده وصدره، وهو المأمون على ما قال وفعل، فإن قال: لا. قلنا: لا، وإن قال: نعم، قلنا: نعم".

стр. 630

٢٦٦- خطبة عثمان بن حنيف: ثم قام عثمان بن حنيف، وكان من صحابة رسول الله ﷺ ، وكان عاملًا لعلي على البصرة وله فضل، فقال: "أيها الناس: اتهموا رأيكم، فقد والله كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية يوم أبي جندل١، وإنا لنريد القتال إنكارًا للصلح حتى ردنا عنه رسول الله

стр. 631

صلى الله عليه وسلم، وإن أهل الشأم دعونا إلى كتاب الله اضطرارًا، فأجبناهم إليه إعذارًا، فلسنا والقوم سواء، إنا والله ما عدلنا الحي بالحي، ولا القتيل بالقتيل، ولا الشامي بالعراقي، ولا معاوية بعلي، وإنه لأمر منعه غير نافع، وإعطاؤه غير ضائر، وقد كلت البصائر التي كنا نقاتل بها، وقد حمل الشك اليقين الذي كنا نئول إليه، وذهب الحياء الذي كنا نماري به، فاستظلوا في هذا الفيء١، واسكنوا في هذه العافية، فإن قلتم نقاتل على ما كنا نقاتل عليه أمس، فهيهات هيهات ذهب والله قياس أمس وجاء غد".

стр. 632

٢٦٧- خطبة عدي بن حاتم: ثم قام عدي بن حاتم فقال: "أيها الناس: إنه والله لو غير علي دعانا إلى قتال أهل الصلاة ما أجبناه، ولا وقع بأمر قط إلا ومعه من الله برهان، وفي يديه من الله سبب، وإنه وفق عن عثمان بشبهة، وقاتل أهل الجمل على النكث، وأهل الشأم على البغي، فانظروا في أموركم وأمره، فإن كان له عليكم فضل فليس لكم مثله فسلموا له وإلا فنازعوا عليه، والله لإن كان إلى العلم بالكتاب والسنة إنه لأعلم الناس بهما، ولئن كان إلى الإسلام إنه لأخو نبي الله والرأس في الإسلام، ولئن كان إلى الزهد والعبادة إنه لأظهر الناس زهدًا، وأنهكهم عبادة، ولئن كان إلى العقول والنحائز١ إنه لأشد الناس عقلًا، وأكرمهم نحيزة، ولئن كان إلى الشرف والنجدة إنه لأعظم الناس شرفًا ونجدة، ولئن كان إلى الرضا لقد رضي عنه المهاجرون والأنصار في شورى عمر ﵃، وبايعوه بعد عثمان ونصروه على أصحاب الجمل وأهل الشأم، فما الفضل الذي قركم إلى الهدى، وما النقص الذي قربه إلى الضلال؟ والله لو اجتمعتم جميعًا على أمر واحد، لأتاح الله له من يقاتل لأمر ماض، كتاب سابق". فاعترف أهل صفين لعدي بن حاتم بعد هذا المقام، ورجع كل من تشعب على علي ﵁.

стр. 633

٢٦٨- خطبة عبد الله بن حجل: ثم قام عبد الله بن حجل، فقال: "يا أمير المؤمنين، إنك أمرتنا يوم الجمل بأمور مختلفة، كانت عندنا أمرًا واحدًا، فقبلناها بالتسليم، وهذه مثل تلك الأمور، ونحن أولئك أصحابك، وقد أكثر الناس في هذه القضية، وايم الله ما المكثر المنكر بأعلم بها من المقل المعترف، وقد أخذت الحرب بأنفاسنا، فلم يبق إلا رجاء ضعيف، فإن تجب القوم إلى ما دعوك إليه، فأنت أولنا إيمانًا، وآخرنا بنبي الله عهدًا، وهذه سيوفنا على أعناقنا، وقلوبنا بين جوانحنا، وقد أعطيناك بقيتنا، وشرحت بالطاعة صدورنا، ونفذت في جهاد عدوك بصيرتنا، فأنت الوالي المطاع، ونحن الرعية الأتباع. أنت أعلمنا بربنا، وأقربنا بنبينا، وخيرنا في ديننا، وأعظمنا حقًّا فينا، فسدد رأيك نتبعك، واستخر الله تعالى في أمرك، واعزم عليه برأيك، فأنت الوالي المطاع". فسر علي كرم الله وجهه بقوله، وأثنى خيرًا.

стр. 634

٢٦٩- خطبة صعصعة بن صوحان: ثم قام صعصعة بن صوحان فقال: "يا أمير المؤمنين: إنا سبقنا الناس إليك، يوم قدوم طلحة والزبير عليك، فدعانا حكيم١إلى نصرة عاملك عثمان بن حنيف٢ فأجبناه، فقاتل عدوك، حتى أصيب في قوم من بني عبد قيس عبدوا الله حتى كانت أكفهم مثل أكف الإبل، وجباههم مثل

стр. 635

ركب المعز، فأسر الحي، وسلب القتيل، فكنا أول قتيل وأسير، ثم رأيت بلاءنا بصفين، وقد كلت البصائر، وذهب الصبر، وبقي الحق موفورًا، وأنت بالغ بهذا حاجتك والأمر إليك ما أراك الله فمرنا به".
следующие страницы →