صلى الله عليه وسلم، وإن أهل الشأم دعونا إلى كتاب الله اضطرارًا، فأجبناهم إليه إعذارًا، فلسنا والقوم سواء، إنا والله ما عدلنا الحي بالحي، ولا القتيل بالقتيل، ولا الشامي بالعراقي، ولا معاوية بعلي، وإنه لأمر منعه غير نافع، وإعطاؤه غير ضائر، وقد كلت البصائر التي كنا نقاتل بها، وقد حمل الشك اليقين الذي كنا نئول إليه، وذهب الحياء الذي كنا نماري به، فاستظلوا في هذا الفيء١، واسكنوا في هذه العافية، فإن قلتم نقاتل على ما كنا نقاتل عليه أمس، فهيهات هيهات ذهب والله قياس أمس وجاء غد".
стр. 632
٢٦٧- خطبة عدي بن حاتم:
ثم قام عدي بن حاتم فقال:
"أيها الناس: إنه والله لو غير علي دعانا إلى قتال أهل الصلاة ما أجبناه، ولا وقع بأمر قط إلا ومعه من الله برهان، وفي يديه من الله سبب، وإنه وفق عن عثمان بشبهة، وقاتل أهل الجمل على النكث، وأهل الشأم على البغي، فانظروا في أموركم وأمره، فإن كان له عليكم فضل فليس لكم مثله فسلموا له وإلا فنازعوا عليه، والله لإن كان إلى العلم بالكتاب والسنة إنه لأعلم الناس بهما، ولئن كان إلى الإسلام إنه لأخو نبي الله والرأس في الإسلام، ولئن كان إلى الزهد والعبادة إنه لأظهر الناس زهدًا، وأنهكهم عبادة، ولئن كان إلى العقول والنحائز١ إنه لأشد الناس عقلًا، وأكرمهم نحيزة، ولئن كان إلى الشرف والنجدة إنه لأعظم الناس شرفًا ونجدة، ولئن كان إلى الرضا لقد رضي عنه المهاجرون والأنصار في شورى عمر ﵃، وبايعوه بعد عثمان ونصروه على أصحاب الجمل وأهل الشأم، فما الفضل الذي قركم إلى الهدى، وما النقص الذي قربه إلى الضلال؟ والله لو اجتمعتم جميعًا على أمر واحد، لأتاح الله له من يقاتل لأمر ماض، كتاب سابق".
فاعترف أهل صفين لعدي بن حاتم بعد هذا المقام، ورجع كل من تشعب على علي ﵁.
стр. 633
٢٦٨- خطبة عبد الله بن حجل:
ثم قام عبد الله بن حجل، فقال:
"يا أمير المؤمنين، إنك أمرتنا يوم الجمل بأمور مختلفة، كانت عندنا أمرًا واحدًا، فقبلناها بالتسليم، وهذه مثل تلك الأمور، ونحن أولئك أصحابك، وقد أكثر الناس في هذه القضية، وايم الله ما المكثر المنكر بأعلم بها من المقل المعترف، وقد أخذت الحرب بأنفاسنا، فلم يبق إلا رجاء ضعيف، فإن تجب القوم إلى ما دعوك إليه، فأنت أولنا إيمانًا، وآخرنا بنبي الله عهدًا، وهذه سيوفنا على أعناقنا، وقلوبنا بين جوانحنا، وقد أعطيناك بقيتنا، وشرحت بالطاعة صدورنا، ونفذت في جهاد عدوك بصيرتنا، فأنت الوالي المطاع، ونحن الرعية الأتباع. أنت أعلمنا بربنا، وأقربنا بنبينا، وخيرنا في ديننا، وأعظمنا حقًّا فينا، فسدد رأيك نتبعك، واستخر الله تعالى في أمرك، واعزم عليه برأيك، فأنت الوالي المطاع".
فسر علي كرم الله وجهه بقوله، وأثنى خيرًا.
стр. 634
٢٦٩- خطبة صعصعة بن صوحان:
ثم قام صعصعة بن صوحان فقال:
"يا أمير المؤمنين: إنا سبقنا الناس إليك، يوم قدوم طلحة والزبير عليك، فدعانا حكيم١إلى نصرة عاملك عثمان بن حنيف٢ فأجبناه، فقاتل عدوك، حتى أصيب في قوم من بني عبد قيس عبدوا الله حتى كانت أكفهم مثل أكف الإبل، وجباههم مثل
стр. 635
ركب المعز، فأسر الحي، وسلب القتيل، فكنا أول قتيل وأسير، ثم رأيت بلاءنا بصفين، وقد كلت البصائر، وذهب الصبر، وبقي الحق موفورًا، وأنت بالغ بهذا حاجتك والأمر إليك ما أراك الله فمرنا به".
стр. 636
٢٧٠- خطبة المنذر بن الجارود:
ثم قام المنذر بن الجارود فقال:
"يا أمير المؤمنين إني أرى أمرًا لا يدين له الشأم إلا بهلاك العراق، ولا يدين له العراق إلا بهلاك الشأم، ولقد كنا نرى أن ما زادنا نقصهم، وما نقصنا أضرهم، فإذا في ذلك أمران، فإن رأيت غيره١ ففينا والله ما يفل به الحد٢ ويرد به الكلب٣. وليس لنا معك إيراد ولا صدر".
стр. 637
٢٧١- خطبة الأحنف بن قيس:
ثم قام الأحنف بن قيس، فقال:
"يا أمير المؤمنين: إن الناس بين ماض وواقف، وقائل وساكت، وكل في موضعه حسن، وإنه لو نكل الآخر عن الأول لم يقل شيئًا، إلا أن يقول اليوم ما قد قيل أمس، ولكنه حق يقضى، ولم نقاتل القوم لنا ولا لك، إنما قاتلناهم لله، فإن حال أمر الله دوننا ودونك فاقبله، فإنك أولى بالحق، وأحقنا بالتوفيق، ولا أرى إلا القتال".
стр. 638
٢٧٢- خطبة عمير بن عطارد:
ثم قام عمير بن عطارد، فقال:
"يا أمير المؤمنين: إن طلحة والزبير وعائشة كانوا أحب الناس إلى معاوية، وكانت البصرة أقرب إلينا من الشأم، وكان القوم الذين وثبوا عليك من أصحاب رسول الله ﷺ ، خيرًا من الذين وثبوا عليك من أصحاب معاوية اليوم، فوالله ما منعنا ذلك من قتل المحارب، وعيب الواقف، فقاتل القوم، إنا معك".
стр. 639
٢٧٣- خطبة علي بن أبي طالب:
ثم قام علي خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: إنه قد بلغ بكم وبعدوكم ما قد رأيتم، ولم يبق منهم إلا آخر نفس، وإن الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها، وقد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغوا منكم ما بلغوا، وأنا غاد عليهم بنفسي بالغداة، فأحاكمهم بسيفي هذا إلى الله".
وأشار عمرو بن العاص على معاوية أن يدعو عليًا إلى تحكيم كتاب الله، فأصبح أصحاب معاوية، وقد رفعوا المصاحف على الرماح، وقلدوها أعناق الخيل يقولون: "هذا كتاب الله بيننا وبينكم".
стр. 640
٢٧٤- مقال عدي بن حاتم:
فقام عدي بن حاتم، فقال:
"يا أمير المؤمنين: إن أهل الباطل، لا تعوق أهل الحق، وقد جزع القوم حين تأهبت للقتال بنفسك، وليس بعد الجزع إلا ما تحب، ناجز القوم".
стр. 641
٢٧٥- مقال الأشتر النخعي:
ثم قام الأشتر فقال:
"يا أمير المؤمنين، ما أجبناك لدنيا. إن معاوية لا خلف له من رجاله، ولكن بحمد الله الخلف لك، ولو كان مثل رجالك، لم يكن له مثل صبرك، ولا نصرتك، فافرج١ الحديد بالحديد، واستعن بالله".
стр. 642
٢٧٦- مقال عمرو بن الحمق:
ثم قام عمرو بن الحمق فقال:
"يا أمير المؤمنين، ما أجبناك لدينا، ولا نصرناك على باطل، ما أجبناك إلا لله تعالى وما نصرناك إلا للحق، ولو دعانا غيرك إلى ما دعوتنا إليه، لكثر فيه اللجاج، وطالت له النجوى١، وقد بلغ الحق مقطعه، وليس معك رأي".
стр. 643
٢٧٧- مقال الأشعث بن قيس:
ثم قام الأشعث بن قيس فقال:
"يا أمير المؤمنين، إنا لك اليوم على ما كنا عليه أمس، ولست أدري كيف يكون غدًا، وما القوم الذين كلموك بأحمد لأهل العراق مني، ولا بأوتر١ لأهل الشأم مني، فأجب القوم إلى كتاب الله، فإنك أحق به منهم، وقد أحب الله البقيا".
стр. 644
٢٧٨- مقال عبد الرحمن بن الحارث:
ثم قام عبد الرحمن بن حارث فقال:
"يا أمير المؤمنين، امض لأمر الله ولا يتسخفنك الذين لا يوقنون، أحكم بعد حكم وأمر بعد أمر؟ مضت دماؤنا ودماؤهم، ومضى حكم الله علينا وعليهم".
стр. 645
٢٧٩- مقال عمار بن ياسر:
فلما أظهر علي أنه قد قبل التحكيم قام عمار بن ياسر فقال:
"يا أمير المؤمنين، أما والله لقد أخرجها إليك معاوية بيضاء، من أقر بها هلك، ومن أنكرها ملك، ما لك يا أبا الحسن، شككتنا في ديننا، ورددتنا على أعقابنا، بعد مائة ألف قتلوا منا ومنهم، أفلا كان هذا قبل السيف، وقبل طلحة والزبير وعائشة قد دعوك إلى ذلك فأبيت، وزعمت أنك أولى بالحق، وأن ما خالفنا منهم ضال حلال الدم، وقد حكم الله تعالى في هذا الحال ما قد سمعت، فإن كان القوم كفارًا مشركين، فليس لنا أن نرفع السيف عنهم حتى يفيئوا١ إلى أمر الله، وإن كانوا أهل فتنة فليس لنا أن نرفع السيف عنهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، والله ما أسلموا، ولا أدوا الجزية، ولا فاءوا إلى أمر الله ولا طفئت٢ الفتنة" فقال علي: والله إني لهذا الأمر كاره.
ثم كثر اللجاج والجدال في الأمر، وجعل علي يبين لهم أنها خدعة ومكيدة يرام بها
стр. 646
توهين قوتهم، وتشتيت جمعهم، وهم لا يستمعون لقوله، ولا يذعنون لنصحه، وأقبل الأشعث بن قيس في ناس كثير من أهل اليمن، فقالوا لعلي: "لا ترد ما دعاك القوم إليه، قد أنصفك القوم، والله لئن لم تقبل هذا منهم لا وفاء معك، ولا نرمي معك بسهم ولا حجر، ولا نقف معك موقفًا".
وغلا أنصار التحكيم في تطرفهم فقالوا "يا علي أجب إلى كتاب الله إذ دعيت إليه، وإلا ندفعك برمتك إلى القوم، أو نفعل كما فعلنا بابن عفان" فلم ير بدًّا من الإذعان وقبول التحكيم.
"الإمامة والسياسة ١: ٨٩".
стр. 647
التحكيم بين علي ومعاوية:
٢٨٠- كلام عبد الله بن عباس لأبي موسى الأشعري:
ولما أجمع أهل العراق على طلب أبي موسى الأشعري وأحضروه للتحكيم على كره من علي ﵇، أتاه عبد الله بن العباس، وعنده وجوه الناس وأشرافهم، فقال له:
"أبا موسى: إن الناس لم يرضوا بك، ولم يجتمعوا عليك، لفضل لا تشارك فيه، وما أكثر أشباهك من المهاجرين والأنصار المتقدمين قبلك، ولكن أهل العراق أبوا إلا أن يكون الحكم يمانيًا، ورأوا أن معظم أهل الشام يمان، وايم الله إني لأظن ذلك شرًا لك ولنا، فإنه قد ضم إليك داهية العرب، وليس في معاوية خلة١ يستحق بها الخلافة، فإن نقذف بحقك على باطله، تدرك حاجتك منه، وإن يطمع باطله في حقك يدرك حاجته منك، واعلم يا أبا موسى أن معاوية طليق الإسلام، وأن أباه رأس الأحزاب، وأنه يدعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة، فإن زعم لك أن عمر وعثمان استعملاه، فلقد صدق، استعمله عمر وهو الوالي عليه بمنزلة الطبيب يحميه ما يشتهي، ويوجره٢ ما يكره، ثم استعمله عثمان برأي عمر، وما أكثر من استعملا ممن لم يدع الخلافة، واعلم أن لعمرو مع كل شيء يسرك خبأً٣ يسوءك، ومهما نسيت فلا تنس أن عليًا
стр. 648
بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وأنها بيعة هدى، وأنه لم يقاتل إلا العاصين والناكثين".
فقال أبو موسى: "رحمك الله، والله ما لي إمام غير علي، وإني لواقف عند ما رأى، وإن حق الله أحب إلي من رضا معاوية وأهل الشأم، وما أنت وأنا إلا بالله".
"شرح ابن أبي الحديد م ١: ص ١٩٥".
стр. 649
٢٨١- وصية شريح بن هانئ لأبي موسى الأشعري:
ولما أراد أبو موسى قام إليه شريح بن هانئ الحارثي، فأخذ بيده وقال:
"يا أبا موسى: إنك قد نصبت لأمر عظيم لا يجبر صدعه، ولا تستفال فلتته، ومهما تقل من شيء لك أو عليك، يثبت حقه، ويرى صحته وإن كان باطلًا، وإنه لا بقاء لأهل العراق إن ملكهم معاوية، ولا بأس على أهل الشأم إن ملكهم علي، وقد كانت منك تثبيطة١ أيام الكوفة والجمل، فإن تشفعها بمثلها يكن الظن بك يقينًا، والرجاء منك يأسًا، ثم قال:
أبا موسى: رميت بشر خصم ... فلا تضع العراق "فدتك نفسي"
وأعط الحق شامهم وخذه ... فإن اليوم في مهل كأمس
وإن غدًا يجيء بما عليه ... كذاك الدهر من سعد ونحس
ولا يخدعك عمرو، إن عمرًا ... عدو الله مطلع كل شمس
له خدع يحار العقل منها ... مموهة مزخرفة بلبس
стр. 650
فلا تجعل معاوية بن حرب ... كشيخ في الحوادث غير نكس١
هداه الله للإسلام فردا ... سوى عرس٢ النبي، وأي عرس؟
فقال أبو موسى: "ما ينبغي لقوم اتهموني أن يرسلوني لأدفع عنهم باطلًا، أو أجر إليهم حقًًّا".
"شرح ابن أبي الحديد م ١: ص ١٩٥، والإمامة والسياسة ١: ٩٩".
стр. 651
٢٨٢- وصية الأحنف بن قيس لأبي موسى الأشعري:
ولما حكم أبو موسى الأشعري أتاه الأحنف بن قيس، فقال له:
"يا أبا موسى، إن هذا مسير له ما بعده، من عز الدنيا أو ذلها آخر الدهر، ادع القوم إلى طاعة علي، فإن أبوا فادعهم أن يختار أهل الشأم من قريش العراق من أحبوا، ويختار أهل العراق من قريش الشأم من أحبوا، وإياك إذا لقيت ابن العاص أن تصافحه بنية، وأن يقعدك على صدر المجلس فإنها خديعة، وأن يضمك وإياه بيت، فيكمن لك فيه الرجال، ودعه فليتكم، لتكون عليه بالخيار، فالبادئ مستغلق١، والمجيب ناطق".
فما عمل أبو موسى إلا بخلاف ما قال الأحنف، وأشار به، فكان من الأمر ما كان، فلقيه الأحنف بعد ذلك، فقال له: "أدخل والله قدميك في خف واحدة".
" نهاية الأرب ٧: ٢٣٩، الإمامة والسياسة ١: ٩٩، وشرح ابن أبي الحديد م ١: ص ١٩٦".
стр. 652
٢٨٣- وصية معاوية لعمرو بن العاص:
وقال معاوية لعمرو:
"إن أهل العراق أكرهوا عليًّا على أبي موسى، وأنا وأهل الشأم راضون عنك، وأرجو في دفع هذه الحرب قوة لأهل الشأم، وفرقة لأهل العراق، وإمدادًا لأهل اليمن، وقد ضم إليك رجل طويل اللسان، قصير الرأي، وله على ذلك دين وفضل، فدعه يقول فإذا هو قال فاصمت، واعلم أن حسن الرأي زيادة في العقل، إن خوفك العراق فخوفه بالشام، وإن خوفك مصر فخوفه باليمن، وإن خوفك عليًا، فخوفه بمعاوية، وإن أتاك بالجميل فأته بالجميل".
стр. 653
٢٨٤- رد عمرو بن العاص عليه:
فقال عمرو:
"يا أمير المؤمنين، أقلل الإهتمام بما قبلي، وارج الله تعالى فيما وجهتني له، إنك من أمرك على مثل حد السيف، لم تنل في حربك ما رجوت، ولم تأمن ما خفت، ونحن نرجو أن يصنع الله تعالى لك خيرًا، وقد ذكر لأبي موسى دينًا، وإن الدين منصور، أرأيت إن ذكر عليًا، وجاءنا بالإسلام والهجرة واجتماع الناس عليه ما أقول؟ ".
فقال معاوية: "قل ما تريد وترى".
"الإمامة والسياسة ١: ٩٩".
стр. 654
٢٨٥- مقال شرحبيل بن السمط لعمرو:
ولما ودعه شرحبيل بن السمط قال له:
"يا عمرو إنك رجل قريش، وإن معاوية لم يبعثك إلا لعلمه أنك لا تؤتى من عجز ولا مكيدة، وقد علمت أن وطأة هذا الأمر لك ولصاحبك، فكن عند ظننا بك".
"شرح ابن أبي الحديد م ١: ص ١٩٦، والإمامة والسياسة ١: ١٠٠".
стр. 655
٢٨٦- خطبة أبي موسى الأشعري:
ولما التقى الحكمان أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص بدومة الجندل، ودار بينهما من الحوار ما دار، أقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فتقدم أبو موسى، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة، فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن نخلع عليًا ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر، فيولوا منهم من أحبوا عليهم، وإني قد خلعت عليا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم، وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلًا١". ثم تنحى.
стр. 656
٢٨٧- خطبة عمرو بن العاص:
وأقبل عمرو بن العاص فقام مقامه، فحمد الله وأثنى عليه وقال:
"إن هذا قد قال ما سمعتم، وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي عثمان بن عفان ﵁، والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه".
فقال أبو موسى: "مالك –لا وفقك الله- غدرت وفجرت! إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث١" قال عمرو: "إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا".
"تاريخ الطبري ٦: ٤٠، وشرح ابن أبي الحديد م ١: ص ١٩٨، والإمامة والسياسة ١: ١٠١ مروج الذهب ٢: ٣٢".
стр. 657
٢٨٨- خطبة الإمام علي بعد التحكيم:
وخطب الإمام علي كرم الله وجهه بعد فشل التحكيم فقال:
"الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح١، والحدث٢ الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه إله غيره، وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله. أما بعد فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب، تورث الحسرة، وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونخلت لكم مخزون رأيي، لو كان
стр. 658
يطاع لقصير١ أمر، فأبيتم علي إباء المخالفين الجفاة، والمنابذين العصاة، حتى ارتاب الناصح بنصحه، وضن الزند بقدحه، فكنت وإياكم كما قال أخو هوازن٢:
أمرتكم أمري بمنعرج اللوى ... فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد
ألا إن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه، بغير هدى من الله، فحكما بغير حجة بينة، ولا سنة ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، استعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشأم".
"نهج البلاغة ١: ٤٤، وتاريخ الطبري ٦: ٤٣، والإمامة والسياسة ١: ١٠٥".
стр. 659
٢٨٩- خطبة الحسن بن علي:
وقال الإمام علي: قم يا حسن فتكلم في أمر هذين الرجلين أبي موسى وعمرو، فقام الحسن فتكلم فقال:
"أيها الناس، قد أكثرتم في أمر أبي موسى وعمرو، وإنما بعثا ليحكما بالقرآن دون الهوى، فحكما بالهوى دون القرآن، فمن كان هكذا لم يكن حكمًا، ولكنه محكوم عليه، وقد كان من خطأ أبي موسى أن جعلها لعبد الله بن عمر، فأخطأ في ثلاث خصال: خالف "يعني أبا موسى" أباه عمر إذ لم يرضه لها، ولم يره أهلًا لها، وكان أبوه أعلم به من غيره، ولا أدخله في الشورى إلا على أنه لا شيء له فيها، شرطًا مشروطًا من
стр. 660
عمر على أهل الشورى، فهذه واحدة، وثانية: لم يجتمع عليه المهاجرين والأنصار، الذين يعقدون الإمامة، ويحكمون على الناس. وثالثة: لم يستأمر الرجل في نفسه، ولا علم ما عنده من رد أو قبول" ثم جلس.
стр. 661
٢٩٠- خطبة عبد الله بن عباس "توفي سنة ٦٨هـ":
ثم قال علي لعبد الله بن عباس: قم فتكلم، فقام عبد الله بن عباس وقال:
"أيها الناس: إن للحق أناسًا أصابوه بالتوفيق والرضا، والناس بين راض به، وراغب عنه، وإنما سار أبو موسى بهدى إلى ضلال، وسار عمرو بضلال إلى هدى، فلما التقيا رجع أبو موسى عن هداه، ومضى عمرو على ضلاله، فوالله لو كانا حكما عليه بالقرآن لقد حكما عليه، ولئن كانا حكما بهواهما على القرآن، ولئن مسكا بما سارا به، لقد سار أبو موسى وعلي إمامه، وسار عمرو ومعاوية إمامه" ثم جلس.
стр. 662
٢٩١- خطبة عبد الله بن جعفر:
فقال علي لعبد الله بن جعفر: قم فتكلم، فقام وقال:
"أيها الناس: هذا أمر كان النظر فيه لعلي، والرضا فيه إلى غيره، جئتم بأبي موسى فقلتم قد رضينا هذا فارض به، وايم الله ما أصلحا بما فعلا الشأم، ولا أفسدا العراق، ولا أماتا حق علي، ولا أحييا باطل معاوية، ولا يذهب الحق قلة رأي، ولا نفخة شيطان، وإنا لعلي اليوم كما كنا أمس عليه" ثم جلس.
"الإمامة والسياسة ١: ١٠٢".
стр. 663
٢٩٢- خطبة علي:
ولما نزل علي النخيلة وأيس من الخوارج، قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد: فإنه من ترك الجهاد في الله، وادهن في أمره، كان على شفا هلكة، إلا أن يتداركه الله بنعمة، فاتقوا الله، وقاتلوا من حاد الله، وحاول أن يطفئ نور الله، قاتلوا الخاطئين الضالين القاسطين المجرمين الذين ليسوا بقراء للقرآن، ولا فقهاء في الدين، ولا علماء في التأويل، ولا لهذا الأمر بأهل في سابقة الإسلام، والله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل، تيسروا وتهيئوا للمسير إلى عدوكم من أهل المغرب. وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم، فإذا قدموا فاجتمعتم شخصنا إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
"تاريخ الطبري ٦: ٤٤".
стр. 664
٢٩٣- خطبة عبد الله بن عباس:
وكتب علي إلى عبد الله بن عباس: "أما بعد: فإنا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة، وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب، فأشخص بالناس حين يأتيك رسولي، وأقم حتى يأتيك أمري والسلام".
فلما قدم عليه الكتاب قرأه على الناس، وأمرهم بالشخوص مع الأحنف بن قيس، فشخص معه منهم ألف وخمسمائة رجل، فاستقلهم عبد الله بن عباس، فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد يأهل البصرة فإنه جاءني أمر أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصكم، فأمرتكم بالنفير إليه مع الأحنف بن قيس، ولم يشخص معه منكم إلا ألف وخمسمائة، وأنتم ستوت ألفًا سوى أبنائكم وعبدانكم وموالكيم ألا انفروا مع جارية بن قدامة السعدي،
стр. 665
ولا يجعلن رجل على نفسه سبيلًا، فإني موقع بكل من وجدته متخلفًا عن مكتبه، عاصيًا لإمامه. وقد أمرت أبا الأسود الدؤلي بحشركم، فلا يلم رجل جعل السبيل على نفسه إلا نفسه".
"تاريخ الطبري ٦: ٤٤".
стр. 666
٢٩٤- خطبة علي:
فخرج جارية فعسكر، وخرج أبو الأسود فحشر الناس، فاجتمع إلى جارية ألف وسبعمائة، ثم أقبل حتى وافاه علي بالنخيلة، فلم يزل بالنخيلة حتى وافاه هذان الجيشان من البصرة ثلاثة آلاف ومائتا رجل، فجمع إليه رءوس أهل الكوفة ورءوس الأسباع ورءوس القبائل ووجوه الناس.
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "يأهل الكوفة، أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق، وصحابتي على جهاد عدوي المحلين، بكم أضرب المدبر، وأرجو تمام طاعة المقبل، وقد بعثت إلى أهل البصرة فاستنفرتهم إليكم، فلم يأتني منهم إلا ثلاثة آلاف ومائتا رجل، فأعينوني بمناصحة جلية خلية من الغش، وإنكم ... ١ مخرجنا إلى صفين، بل استجمعوا بأجمعكم، وإني أسألكم أن يكتب لي رئيس كل قوم ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال وعبدان عشيرته ومواليهم، ثم يرفع ذلك إلينا".
فقام سعيد بن قيس الهمداني فقال: يا أمير المؤمنين سمعًا وطاعة وودا ونصيحة، أنا أول الناس جاء بما سألت وبما طلبت، وقام معقل بن قيس الرياحي فقال له نحوًا من ذلك، وقام عدي بن حاتم وزياد بن خصفة وحجر بن عدي وأشراف الناس والقبائل فقالوا مثل ذلك، ثم إن الرءوس كتبوا من فيهم ثم رفعوهم إليه.
"تاريخ الطبري ٤: ٤٥".
стр. 667
٢٩٥- خطبة علي:
وكتب علي إلى سعد بن مسعود الثقفي، وهو عامله على المدائن: "أما بعد فإني قد بعثت إليك زياد بن خصفة فأشخص معه من قبلك من مقاتلة أهل الكوفة، وعجل ذلك إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله"
وبلغ عليا أن الناس يقولون: لو سار بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم، فإنا فرغنا منهم وجهنا من وجهنا ذلك إلى المحلين. فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد فإنه قد بلغني قولكم: لو أن أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجت عليه، فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم وجهنا إلى المحلين.
وأن غير هذه الخارجة أهم إلينا منهم، فدعوا ذكرهم، وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكًا، ويتخذوا عباد الله خولا١".
فتنادى الناس من كل جانب: سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت، وقام إليه صيفي بن فسيل الشيباني فقال: يا أمير المؤمنين، نحن حزبك وأنصارك، نعادي من عاديت، ونشايع من أناب إلى طاعتك، فسر بنا إلى عدوك من كانوا وأينما كانوا، فإنك إن شاء الله لن تؤتى من قلة عدد، ولا ضعف نية أتباع.
وقام إليه محرز بن شهاب التميمي من بني سعد قال: يا أمير المؤمنين: شيعتك كقلب رجل واحد في الإجماع على بصرك، والجد في جهاد عدوك، فأبشروا بالنصر، وسر بنا إلى أي الفريقين أحببت، فإنا شيعتك الذين نرجو في طاعتك، وجهاد من خالفك صالح الثواب، ونخاف في خذلانك والتخلف عنك شدة الوبال
"تاريخ الطبري ٦: ٤٥".
стр. 668
٢٩٦- خطبة لمعاوية:
ولما فشل التحكيم بايع أهل الشأم معاوية بالخلافة، واختلف الناس بالعراق على علي فما كان لمعاوية هم إلا مصر، فدعا أصحابه ليستشيرهم في أمرها، وكان فيهم عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد فقد رأيتم كيف صنع الله بكم في حربكم عدوكم، جاءوكم وهم لا ترون إلا أنهم سيقبضون بيضتكم١، ويخربون بلادكم، ما كانوا يرون إلا أنكم في أيديهم، فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرًا مما أحبوا، وحاكمناهم إلى الله فحكم لنا عليهم، ثم جمع لنا كلمتنا وأصلح ذات بيننا، وجعلهم أعداء متفرقين يشهد بعضهم على بعض بالكفر، ويسفك بعضهم دم بعض، والله إني لأرجو أن يتم لنا هذا الأمر، وقد رأيت أن نحاول أهل مصر فكيف ترون ارتئاءنا لها؟ ".
وكان عمرو بن العاص قد صالح معاوية حين بايعه على قتال علي بن أبي طالب، على أن له مصر طعمة ما بقي، فقال لمعاوية: فإني أشير عليك كيف تصنع: أرى أن تبعث جيشًا كثيفًا عليهم رجل حازم صارم تأمنه وتثق به، فيأتي مصر حتى يدخلها.. فسيره إليها.
"تاريخ الطبري ٦: ٥٦".
стр. 669
٢٩٧- وصية معاوية لعمرو بن العاص:
وجهز معاوية عمرو بن العاص، وبعثه في ستة آلاف رجل، وخرج وودعه، وقال له عند وداعه إياه:
стр. 670
"أوصيك يا عمرو بتقوى الله والرفق، فإنه يمن، وبالمهل والتؤدة، فإن العجلة من الشيطان، وبأن تقبل ممن أقبل، وأن تعفو عمن أدبر، فإن قبل فبها ونعمت، وإن أبى فإن السطوة بعد المعذرة أبلغ في الحجة، وأحسن في العاقبة، وادع الناس إلى الصلح والجماعة، فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك، وكل الناس فأوْلِ حسنا".
"تاريخ الطبري ٦: ٥٧".