٢٩٤- خطبة علي:
فخرج جارية فعسكر، وخرج أبو الأسود فحشر الناس، فاجتمع إلى جارية ألف وسبعمائة، ثم أقبل حتى وافاه علي بالنخيلة، فلم يزل بالنخيلة حتى وافاه هذان الجيشان من البصرة ثلاثة آلاف ومائتا رجل، فجمع إليه رءوس أهل الكوفة ورءوس الأسباع ورءوس القبائل ووجوه الناس.
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "يأهل الكوفة، أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق، وصحابتي على جهاد عدوي المحلين، بكم أضرب المدبر، وأرجو تمام طاعة المقبل، وقد بعثت إلى أهل البصرة فاستنفرتهم إليكم، فلم يأتني منهم إلا ثلاثة آلاف ومائتا رجل، فأعينوني بمناصحة جلية خلية من الغش، وإنكم ... ١ مخرجنا إلى صفين، بل استجمعوا بأجمعكم، وإني أسألكم أن يكتب لي رئيس كل قوم ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال وعبدان عشيرته ومواليهم، ثم يرفع ذلك إلينا".
فقام سعيد بن قيس الهمداني فقال: يا أمير المؤمنين سمعًا وطاعة وودا ونصيحة، أنا أول الناس جاء بما سألت وبما طلبت، وقام معقل بن قيس الرياحي فقال له نحوًا من ذلك، وقام عدي بن حاتم وزياد بن خصفة وحجر بن عدي وأشراف الناس والقبائل فقالوا مثل ذلك، ثم إن الرءوس كتبوا من فيهم ثم رفعوهم إليه.
"تاريخ الطبري ٤: ٤٥".
стр. 667
٢٩٥- خطبة علي:
وكتب علي إلى سعد بن مسعود الثقفي، وهو عامله على المدائن: "أما بعد فإني قد بعثت إليك زياد بن خصفة فأشخص معه من قبلك من مقاتلة أهل الكوفة، وعجل ذلك إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله"
وبلغ عليا أن الناس يقولون: لو سار بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم، فإنا فرغنا منهم وجهنا من وجهنا ذلك إلى المحلين. فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد فإنه قد بلغني قولكم: لو أن أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجت عليه، فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم وجهنا إلى المحلين.
وأن غير هذه الخارجة أهم إلينا منهم، فدعوا ذكرهم، وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكًا، ويتخذوا عباد الله خولا١".
فتنادى الناس من كل جانب: سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت، وقام إليه صيفي بن فسيل الشيباني فقال: يا أمير المؤمنين، نحن حزبك وأنصارك، نعادي من عاديت، ونشايع من أناب إلى طاعتك، فسر بنا إلى عدوك من كانوا وأينما كانوا، فإنك إن شاء الله لن تؤتى من قلة عدد، ولا ضعف نية أتباع.
وقام إليه محرز بن شهاب التميمي من بني سعد قال: يا أمير المؤمنين: شيعتك كقلب رجل واحد في الإجماع على بصرك، والجد في جهاد عدوك، فأبشروا بالنصر، وسر بنا إلى أي الفريقين أحببت، فإنا شيعتك الذين نرجو في طاعتك، وجهاد من خالفك صالح الثواب، ونخاف في خذلانك والتخلف عنك شدة الوبال
"تاريخ الطبري ٦: ٤٥".
стр. 668
٢٩٦- خطبة لمعاوية:
ولما فشل التحكيم بايع أهل الشأم معاوية بالخلافة، واختلف الناس بالعراق على علي فما كان لمعاوية هم إلا مصر، فدعا أصحابه ليستشيرهم في أمرها، وكان فيهم عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد فقد رأيتم كيف صنع الله بكم في حربكم عدوكم، جاءوكم وهم لا ترون إلا أنهم سيقبضون بيضتكم١، ويخربون بلادكم، ما كانوا يرون إلا أنكم في أيديهم، فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرًا مما أحبوا، وحاكمناهم إلى الله فحكم لنا عليهم، ثم جمع لنا كلمتنا وأصلح ذات بيننا، وجعلهم أعداء متفرقين يشهد بعضهم على بعض بالكفر، ويسفك بعضهم دم بعض، والله إني لأرجو أن يتم لنا هذا الأمر، وقد رأيت أن نحاول أهل مصر فكيف ترون ارتئاءنا لها؟ ".
وكان عمرو بن العاص قد صالح معاوية حين بايعه على قتال علي بن أبي طالب، على أن له مصر طعمة ما بقي، فقال لمعاوية: فإني أشير عليك كيف تصنع: أرى أن تبعث جيشًا كثيفًا عليهم رجل حازم صارم تأمنه وتثق به، فيأتي مصر حتى يدخلها.. فسيره إليها.
"تاريخ الطبري ٦: ٥٦".
стр. 669
٢٩٧- وصية معاوية لعمرو بن العاص:
وجهز معاوية عمرو بن العاص، وبعثه في ستة آلاف رجل، وخرج وودعه، وقال له عند وداعه إياه:
стр. 670
"أوصيك يا عمرو بتقوى الله والرفق، فإنه يمن، وبالمهل والتؤدة، فإن العجلة من الشيطان، وبأن تقبل ممن أقبل، وأن تعفو عمن أدبر، فإن قبل فبها ونعمت، وإن أبى فإن السطوة بعد المعذرة أبلغ في الحجة، وأحسن في العاقبة، وادع الناس إلى الصلح والجماعة، فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك، وكل الناس فأوْلِ حسنا".
"تاريخ الطبري ٦: ٥٧".
стр. 671
خطبة محمد بن أبي بكر
...
٢٩٨- خطبة بن أبي بكر:
وقدم محمد بن أبي بكر مصر واليًا عليها من قبل علي بن أبي طالب "سنة ٣٦هـ" فقام خطيبًا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"الحمد لله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق، وبصرنا وإياكم كثيرًا بما عمي عنه الجاهلون، ألا إن أمير المؤمنين ولاني أموركم، وعهد إلي ما قد سمعتم، وأوصاني بكثير منه مشافهة، ولن آلوكم خيرًا ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، فإن يكن ما ترون من إمارتي وأعمالي طاعة لله وتقوى، فاحمدوا الله على ما كان من ذلك، فإنه هو الهادي. وإن رأيتم عاملًا لي عمل غير الحق زائفًا، فارفعوه إلي وعاتبوني فيه، فإني بذلك أسعد، وأنتم بذلك جديرون، وفقنا الله وإياكم لصالح الأعمال برحمته".
"تاريخ الطبري ٥: ٢٣٢".
стр. 672
٢٩٩- خطبة لمحمد بن أبي بكر:
وأقبل عمرو بن العاص حتى قصد مصر، فقام محمد بن أبي بكر في الناس، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال:
"أما بعد معاشر المسلمين والمؤمنين، فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة،
стр. 673
وينعشون الضلالة، ويشبون نار الفتنة، ويتسلطون بالجبرية، قد نصبوا لكم العداوة، وساروا إليكم بالجنود.
عباد الله فمن أراد الجنة والمغفرة، فليخرج إلى هؤلاء القوم، فليجاهدهم في الله. انتدبوا إلى هؤلاء. رحمكم الله مع كنانة بن بشر" ثم انتهى الأمر بقتل محمد بن أبي بكر.
"تاريخ الطبري ٦: ٥٩".
стр. 674
٣٠٠- خطبة لعلي وقد استصرخه محمد بن أبي بكر:
ولما سير معاوية عمرو بن العاص إلى مصر "سنة ٣٨هـ" -وكان عليها محمد بن أبي بكر من قبل علي- بعث ابن أبي بكر إلى علي يستصرخه، فقام علي في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد ﷺ ثم قال:
"أما بعد، فإن هذا صريخ محمد بن أبي بكر، وإخوانكم من أهل مصر، قد سار إليهم ابن النابغة، عدو الله، وولي من عادى الله، فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت، أشد اجتماعًا منكم على حقكم هذا، فإنهم قد بدءوكم وإخوانكم بالغزو، فاعجلوا إليهم بالمؤاساة والنصر.
عباد الله: إن مصر أعظم من الشأم، أكثر خيرًا، وخير أهلًا، فلا تغلبوا على مصر، فإن بقاء مصر في أيديكم عز لكم، وكبت لعدوكم، اخرجوا إلى الجرعة بين الحيرة والكوفة، فوافوني بها هناك غدًا إن شاء الله".
"تاريخ الطبري ٦: ٦١ وشرح ابن أبي الحديد م ٢: ٣٤".
стр. 675
٣٠١- خطبة علي حين بلغه مقتل محمد بن أبي بكر:
ولما بلغ عليا مقتل محمد بن أبي بكر، حزن عليه حتى رئي ذلك في وجهه وتبين فيه وقام في الناس خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله ﷺ وقال:
"إلا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور والظلم، الذين صدوا عن سبيل الله، وبغوا الإسلام عوجا، ألا وإن محمد بن أبي بكر قد استشهد ﵀، فعند الله نحتسبه، أما والله إن كان -ما علمت- لممن ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويبغض شكل الفاجر، ويحب هدى المؤمن.
إني والله ما ألوم نفسي على التقصير، وإني لمقاساة الحرب نجد١ خبير، وإني لأقدم على الأمر وأعرف وجه الحزم، وأقوم فيكم بالرأي المصيب، فأستصرخكم معلنا، وأناديكم نداء المستغيث معربًا، فلا تسمعون لي قولًا، ولا تطيعون لي أمرًا، حتى تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر، ولا ينقض بكم الأوتار، دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة، فتجرجرتم جرجرة٢ الجمل الأشدق، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليس له نية في جهاد العدو، ولا اكتساب الأجر، ثم خرج إلي منكم جنيد متذائب٣ كأنما يساقون إلى الموت، وهم ينظرون، فأفٍّ لكم" ثم نزل:
"تاريخ الطبري ٦: ٦٢".
стр. 676
فتنة الخوارج:
٣٠٢- مناظرة عبد الله بن عباس لهم:
لما رجع الإمام علي كرم الله وجهه من صفين إلى الكوفة -بعد كتابة صحيفة التحكيم بينه وبين معاوية- اعتزله جماعة من أصحابه ممن رأوا التحكيم ضلالًا، ونزلوا حروراء١ في اثني عشر ألفًا، وأمروا على القتال شبث بن ربعي، وعلى الصلاة عبد الله بن الكواء، فبعث إليهم علي عبد الله بن عباس، فقال: لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك، فخرج إليهم حتى أتاهم، فأقبلوا يكلمونه، فلم يصبر حتى راجعهم فقال:
"ما نقمتم من الحكمين؟ وقد قال الله : ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ ٢ فكيف بأمة محمد ﷺ ؟ فقالت الخوارج: قلنا: أما ما جعل حكمه إلى الناس وأمر بالنظر فيه والإصلاح له، فهو إليهم كما أمر به، وما حكم فأمضاه، فليس للعباد أن ينظروا فيه، حكم في الزانى مائة جلدة، وفي السارق بقطع يده، فليس للعباد أن ينظروا في هذا، قال ابن عباس: فإن الله يقول: ﴿يَحْكُمُ بِهِ
стр. 677
ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ١، فقالوا له: "أو تجعل الحكم في الصيد، والحدث يكون بين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين؟ " وقالت الخوارج: قلنا له: فهذه الآية بيننا وبينك، أعدل عندك ابن العاص وهو بالأمس يقاتلنا، ويسفك دماءنا؟ فإن كان عدلًا فلسنا بعدول، ونحن أهل حربه، وقد حكمتم في أمر الله الرجال، وقد أمضى الله حكمه في معاوية وحزبه أن يقتلوا أو يرجعوا٢، وقبل ذلك ما دعوناهم إلى كتاب الله فأبوه، ثم كتبتم بينكم وبينه كتابًا، وجعلتم بينكم وبينه الموادعة والاستفاضة٣ وقد قطع الله الاستفاضة والموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة، إلا من أقر بالجزية".
"تاريخ الطبري ٦: ٣٦، والكامل للمبرد ٢: ١٢٠".
стр. 678
٣٠٣- مناظرة الإمام علي لهم:
ثم خرج إليهم علي حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس، فقال: انته عن كلامهم ألم أنهك رحمك الله؟
стр. 679
ثم تكلم، فحمد الله ، وأثنى عليه، ثم قال:
"اللهم إن هذا مقام من أفلج١ فيه كان أولى بالفلج يوم القيامة، ومن نطق فيه وأوعث٢ فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا، ثم قال لهم: من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكواء، قال علي: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتكم يوم صفين. قال: أنشدكم بالله أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف، فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله، قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم، إنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني صحبتهم وعرفتهم أطفالًا ورجالًا، فكانوا شر أطفال وشر رجال، امضوا على حقكم وصدقكم، فإنما رفع القوم هذه المصاحف خديعة وإدهانًا٣ ومكيدة، فرددتم علي رأيي، وقلتم: لا، بل نقبل منهم، فقلت لكم: اذكروا قولي لكم ومعصيتكم إياي، فلما أبيتم إلا الكتاب، اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وإن يميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن، فليس لنا أن نخالف حكمًا يحكم بما في القرآن، وإن أبيا فنحن من حكمها برآء، قالوا له: فخبرنا أتراه عدلًا تحكيم الرجال في الدماء؟ فقال: إنا لسنا حكمنا الرجال، إنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق، إنما يتكلم به الرجال، قالوا: فخبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بينك وبينهم؟ قال: ليعلم الجاهل، ويتثبت العالم، ولعل الله يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة، ادخلوا مصركم رحمكم الله، فدخلوا من عند آخرهم".
"تاريخ الطبري ٦: ٣٧، الكامل للمبرد ٢: ١٢٨".
стр. 680
٣٠٤- صورة أخرى:
وروى صاحب العقد المناظرة بين علي وبين الخوارج بصورة أخرى وهاكها:
"قالوا: إن عليًأ لما اختلف عليه أهل النهروان والقرى وأصحاب البرانس، ونزلوا قرية يقال لها حروراء -وذلك بعد وقعة الجمل- رجع إليهم علي بن أبي طالب، فقال لهم: يا هؤلاء من زعيمكم! قالوا: ابن الكواء، قال: فليبرز إلي، فخرج إليه ابن الكواء، فقال له علي: يابن الكواء، ما أخرجكم علينا بعد رضاكم بالحكمين، ومقامكم بالكوفة؟ قال: قاتلت بنا عدوا لا نشك في جهاده، فزعمت أن قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار، فبينما نحن كذلك إذ أرسلت منافقًا، وحكمت كافرًا، وكان من شكك في أمر الله أن قلت للقوم حين دعوتهم: كتاب الله بيني وبينكم، فإن قضى علي بايعتكم، وإن قضى عليكم بايعتموني، فلولا شكك لم تفعل هذا، والحق في يدك. قال علي: يابن الكواء، إنما الجواب بعد الفراغ، أفرغت فأجيبك؟ قال: نعم، قال علي: أما قتالك معي عدوا لا نشك في جهاده فصدقت، ولو شككت فيهم لم أقاتلهم، وأما قتلانا وقتلاهم، فقد قال الله في ذلك ما يستغنى به عن قولي، وأما إرسالي المنافق وتحكيمي الكافر، فأنت أرسلت أبا موسى مبرنسًا، ومعاوية حكم عمرًا، أتيت بأبي موسى مبرنسًا، فقلت: لا نرضى إلا أبا موسى، فهلا قام إلي رجل منكم فقال: يا علي لا تعط هذه الدنية؛ فإنها ضلالة؟ وأما قولي لمعاوية: إن جرني إليك كتاب الله تبعتك، وإن جرك إلي تبعتني. زعمت أني لم أعطَ ذلك إلا من شك، فقد علمت أن أوثق ما في يديك هذا الأمر، فحدثني ويحك عن اليهودي والنصراني ومشركي العرب، أهم أقرب إلى كتاب الله أم معاوية وأهل الشأم؟ قال: بل معاوية وأهل الشأم أقرب، قال علي: أفرسول الله ﷺ كان أوثق بما في يديه من كتاب الله أو أنا؟ قال: بل رسول الله ﷺ ، قال: أفرأيت الله ﵎ حين يقول: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾
стр. 681
﴿بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . أما كان رسول الله ﷺ يعلم أنه لا يؤتى بكتاب هو أهدى في يديه؟ قال: بلى، قال فلم أعطى رسول الله ﷺ القوم ما أعطاهم؟ قال: إنصافًا وحجة، قال: فإني أعطيت القوم ما أعطاهم رسول الله ﷺ ، قال ابن الكواء: فإني أخطأت. هذه واحدة. زدني، قال علي: فما أعظم ما نقمتم علي؟ قال: تحكيم الحكمين، نظرنا في أمرنا، فوجدنا تحكيمهما شكًّا وتبذيرًا، قال علي: فمتى سمي أبو موسى حكمًا، حين أرسل، أو حين حكم؟ قال: حين أرسل، قال: أليس قد سار وهو مسلم، وأنت ترجو أن يحكم بما أنزل الله؟ قال: نعم، قال علي: فلا أرى الضلال في إرساله، فقال ابن الكواء: سمي حكمًا حين حكم، قال: نعم إذن فإرساله كان عدلًا، أرأيت يا بن الكواء لو أن رسول الله ﷺ بعث مؤمنًا إلى قوم مشركين يدعوهم إلى كتاب الله، فارتد على عقبه كافرًا، كان يضر نبي الله شيئًا؟ قال: لا، قال علي: فما كان ذنبي إن كان أبو موسى ضل، هل رضيت حكومته حين حكم، أو قوله إذ قال؟ قال ابن الكواء: لا، ولكنك جعلت مسلمًا وكافرًا يحكمان في كتاب الله، قال علي: ويلك يا بن الكواء! هل بعث عمرًا غير معاوية؟ وكيف أحكمه وحكمه على ضرب عنقي، إنما رضي به صاحبه، كما رضيت أنت بصاحبك، وقد يجتمع المؤمن والكافر يحكمان في أمر الله، أرأيت لو أن رجلًا مؤمنًا تزوج يهودية أو نصرانية، فخافا شقاق بينهما، ففزع الناس إلى كتاب الله، وفي كتابه: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ فجاء رجل من اليهود، أو رجل من النصارى، ورجل من المسلمين، اللذين يجوز لهما أن يحكما في كتاب الله فحكما. قال ابن الكواء: وهذه أيضًا، أمهلنا حتى ننظر، فانصرف عنهم علي.
فقال له صعصعة بن صوحان: يا أمير المؤمنين، ائذن لي في كلام القوم، قال: نعم ما لم تبسط يدًا، فنادى صعصعة ابن الكواء، فخرج إليه فقال: أنشدكم الله يا معشر
стр. 682
الخارجين أن لا تكونوا عارًا على من يغزو لغيره١، وأن لا تخرجوا بأرض تسمون بها بعد اليوم، ولا تستعجلوا ضلال العام قابل، فقال له ابن الكواء: إن صاحبك لقينا بأمر، قولك فيه صغير، فأمسك.
قالوا: إن عليًّا خرج بعد ذلك إليهم، فخرج إليه ابن الكواء، فقال له علي: يابن الكواء: إنه من أذنب في هذا الدين ذنبًا يكون في الإسلام حدثًا، استتبناه من ذلك الذنب بعينه، وإن توبتك أن تعرف هدى ما خرجت منه، وضلال ما دخلت فيه. قال ابن الكواء: إننا لا ننكر أنا قد فتنا، فقال له عبد الله بن عمرو بن جرموز: أدركنا والله هذه الآية ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ -وكان عبد الله من قراء أهل حروراء، فرجعوا فصلوا خلف علي الظهر، وانصرفوا معه إلى الكوفة، ثم اختلفوا بعد ذلك في رجعتهم ولام بعضهم بعضًا، ثم خرجوا على علي، فقتلهم بالنهروان.
"العقد الفريد ٢: ٢٤٠".
стр. 683
٣٠٥- مناظرة ابن عباس لهم:
فلما استقروا بالكوفة أشاعوا أن عليًّا رجع عن التحكيم، وتاب منه، ورآه ضلالًا، فأتى الأشعث بن قيس عليًّا، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس قد تحدثوا أنك رأيت الحكومة ضلالًا، والإقامة عليها كفرًا وتبت، فخطب علي الناس فقال:
"من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب، ومن رآها ضلالًا فهو أضل منها، فخرجت الخوارج من المسجد فحكمت، فقيل لعلي: إنهم خارجون، فقال: لا أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسيفعلون، فوجه إليهم عبد الله بن العباس.
فلما سار إليهم رحبوا به وأكرموه، فرأى منهم جباها قرحت لطول السجود،
стр. 684
وأيديا كثفنات١ الإبل، وعليهم قمص مرحضة٢ وهم مشمرون. قالوا: ما جاء بك يابن عباس؟ قال: جئتكم من عند صهر رسول الله ﷺ وابن عمه، وأعلمنا بربه وسنة نبيه، ومن عند المهاجرين والأنصار، فقالوا: إنا أتينا عظيما حين حكمنا الرجال في دين الله، فإن تاب كما تبنا، ونهض لمجاهدة عدونا رجعنا، فقال ابن عباس: نشدتكم الله إلا ما صدقتم أنفسكم. أما علمتم أن الله أمركم بتحكيم الرجال في أرنب تساوي ربع درهم تصاد في الحرم، وفي شقاق امرأة ورجلها، فقالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم الله هل علمتم أن رسول الله ﷺ أمسك عن القتال، للهدنة بينه وبين الحديبية٣، قالوا: نعم ولكن عليًّا محا نفسه من خلافة المسلمين، قال ابن عباس: أذلك يزيلها عنه؟ وقد محا رسول الله ﷺ اسمه من النبوة، قال سهيل٤ بن عمرو: لو علمت أنك رسول الله ما حاربتك، فقال للكاتب٥: اكتب محمد بن عبد الله وقد أخذ على الحكمين أن لا يجورا، فعلي أولى من معاوية وغيره، قالوا: إن معاوية يدعي مثل دعوى علي، قال: فأيهما رأيتموه أولى فولوه، قالوا: صدقت، قال ابن عباس: ومتى جار الحكمان فلا طاعة لهما، ولا قبول لقولهما".
فاتبعه منهم ألفان وبقي أربعة آلاف، فلم يزالوا على ذلك حتى اجتمعوا على البيعة لعبد الله بن وهب الراسبي.
"العقد الفريد ١: ٢١٢".
стр. 685
٣٠٦- خطبة يزيد بن عاصم المحاربي:
وخرج الإمام علي كرم الله وجهه ذات يوم يخطب، فإنه لفي خطبته، إذ حكمت١ المحكمة في جوانب المسجد، فقال علي: الله أكبر، كلمة حق يراد بها باطل: إن سكتوا عممناهم، وإن تكلموا حججناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم، فوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال:
"الحمد لله غير مودع٢ ربنا ولا مستغنى عنه، اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية٣ في ديننا، فإن إعطاء الدنية في الدين إدهان٤ في أمر الله ، وذل راجع بأهله إلى سخط الله، يا علي أبالقتل تخوفنا؟ أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات٥، ثم لتعلمن أينا أولى بها صليًّا٦".
ثم خرج بهم هو وإخوة له ثلاثة هو رابعهم، فأصيبوا مع الخوارج بالنهر، وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنخيلة.
"تاريخ الطبري ٦: ٤١".
стр. 686
خطبة عبد الله بن وهب الراسي
...
٣٠٧- خطبة عبد الله بن وهب الراسبي:
ولما بعث الإمام علي أبا موسى الأشعري لإنفاذ الحكومة، لقيت الخوارج بعضها بعضًا، فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
стр. 687
"أما بعد: فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه الدنيا –التي الرضا بها والركون إليها، والإيثار إياها عناء وتبار١- آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقول بالحق، وإن من ٢ وضر، فإنه من يمن ويضر في هذه الدنيا، فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله ، والخلود في جناته، فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القربة الظالم أهلها، إلى بعض كور٣ الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن، منكرين لهذه البدع المضلة".
стр. 688
٣٠٨- خطبة حرقوص بن زهير السعدي:
فقام حرقوص بن زهير السعدي فقال:
"إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك١، فلا تدعونكم زينتها، وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنكم عن طلب الحق، وإنكار الظلم، فإن الله مع الذي اتقوا والذين هم محسنون".
стр. 689
٣٠٩- خطبة حمزة بن سنان الأسدي:
فقام حمزة بن سنان الأسدي فقال:
"يا قوم إن الرأي ما قد رأيتم، والحق ما قد ذكرتم، فولوا أمركم رجلًا منكم فإنه لا بد لكم من عماد وسناد، وراية تحفون بها، وترجعون إليها".
فعرضوها على زيد بن حصين الطائي فأبى، وعلى حرقوص بن زهير فأبى، وعلى
стр. 690
حمزة بن سنان، وشريح بن أوفى العبسي فأبيا، وعلى عبد الله بن وهب فقال: "هاتوها، أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا، ولا أدعها فرقًا١ من الموت" فبايعوه "لعشر خلون من شوال سنة ٣٧ هـ".
стр. 691
٣١٠- خطبة شريح بن أوفى العبسي: ١
ثم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي، فقام شريح فقال:
"إن الله أخذ عهودنا ومواثيقنا على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقول بالحق، والجهاد في تقويم السبيل، وقد قال لنبيه ﵊: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فاشهدوا على أهل دعوتنا أن قد اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم القرآن، وجاروا في الحكم والعمل، وأن جهادهم على المؤمنين فرض، وأقسم بالذي تعنو٢ له الوجوه، وتخشع دونه الأبصار، لو لم يكن أحد على تغيير المنكر، وقتال القاسطين٣ مساعدًا، لقاتلتهم وحدي فردًا حتى ألقى الله ربي، فيرى أني قد غيرت "إرادة رضوانه" بلساني، يا إخواننا، اضربوا جباههم ووجوههم بالسيف، حتى يطاع الرحمن ، فإن
стр. 692
يطع الله كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له الآمرين بأمره، وإن قتلتم فأي شيء أعظم من المسير إلى رضوان الله وجنته؟ واعلموا أن هؤلاء القوم خرجوا لإقصاء حكم الضلالة، فاخرجوا بنا إلى بلد نتعد فيه الاجتماع من مكاننا هذا، فإنكم قد أصبحتم بنعمة ربكم وأنتم أهل الحق بين الخلق، إذ قلتم بالحق، وصمدتم لقول الصدق، فاخرجوا بنا إلى "المدائن١" نسكنها فنأخذ بأبوابها، ونخرج منها سكانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة، فيقدمون علينا".
стр. 693
٣١١- مقال زيد بن حصين الطائي:
فقال زيد بن حصين الطائي:
"إنكم إن خرجتم مجتمعين أتبعتم، ولكن اخرجوا وحدانًا مستخفين، فأما المدائن، فإن بها قومًا يمنعونكم منها، ويمنعونها منكم، ولكن اكتبوا إلى إخوانكم من أهل البصرة، فأعلموهم بخروجكم، وسيروا حتى تنزلوا جسر النهروان١".
قالوا: هذا هو الرأي، فاجتمعوا على ذلك، وكتبوا به إليهم.
"تاريخ الطبري ٥: ٤٢، والإمامة والسياسة ١: ١٠٤".
стр. 694
٣١٢- خطبة علي في تخويف أهل النهروان:
فلما نزلوا بالنهروان، وأتوا بها ما أتوا من الأحداث١، وأتاهم الإمام علي كرم الله وجهه، فوقف عليهم فقال:
"أيها العصابة التي أخرجها عداوة المراء واللجاجة، وصدها عن الحق الهوى، وطمح بها النزق٢ وأصبحت في اللبس والخطب العظيم، إني نذير لكم أن تصبحوا تلفيكم الأمة غدًا صرعى بأثناء٣ هذا النهر، وبأهضام٤ هذا الغائط٥، على غير بينة من ربكم، ولا سلطان مبين معكم، وقد طوحت بكم الدار، واحتبلكم٦ المقدار.
ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، وأخبرتكم أن طلب القوم إياها منكم دهن٧ ومكيدة لكم؟ ونبأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأني أعرف بهم منكم؟
стр. 695
"عرفتهم أطفالًا ورجالًا، فهم أهل المكر والغدر" وأنكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم؟ فعصيتموني وأكرهتموني حتى حكمت، فلما أن فعلت شرطت واستوثقت، فأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة، وعملا بالهوى، فنبذنا أمرهما، ونحن على أمرنا الأول، فما الذي بكم، ومن أين أتيتم؟ ".
قالوا: إنا حكمنا، فلما حكمنا أثمنا، وكنا بذلك كافرين، وقد تبنا، فإن تبت كما تبنا، فنحن منك ومعك، وإن أبيت فاعتزلنا، فإنا منابذوك على سواء١ إن الله لا يحب الخائنين".
فقال علي: "أصابكم حاصب٢، ولا بقي منكم وابر٣، أبعد إيماني برسول الله ﷺ ، وهجرتي معه، وجهادي في سبيل الله، أشهد على نفسي بالكفر؟ لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين، فأوبوا شر مآب٤، وارجعوا على أثر الأعقاب٥ أما إنكم ستلقون بعدي ذلًّا شاملًا، وسيفًا قاطعًا، وأثرة٦ يتخذها الظالمون فيكم سنة".
стр. 696
٣١٣- صورة أخرى:
وفي رواية أخرى أن عليًّا قال لأهل النهر:
"يا هؤلاء: إن أنفسكم قد سولت لكم فراق هذه الحكومة، التي أنتم ابتدأتموها وسألتموها١ وأنا لها كاره، وأنبأتكم أن القوم سألوكموها مكيدة ودهنًا، فأبيتم علي إباء المخالفين المنابذين، وعدلتم عني عدول النكداء٢ العاصين، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم، وأنتم والله معاشر أخفاء الهام٣، سفهاء الأحلام، فلم آت "لا أبا لكم" بجرًا٤، ولا أردت بكم ضرًّا، والله ما خبلتكم٥ عن أموركم، ولا أخفيت شيئًا من هذا الأمر عنكم، ولا أوطأتكم عشوةً٦، ولا دنيت٧ لكم الضراء، وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهرًا فأجمع رأي ملئكم على أن اختاروا رجلين، فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه، فتاها٨ وتركا الحق وهما يبصرانه، وكان الجور هواهما "وقد سبق استيثاقنا عليهما في الحكم بالعدل" والصد للحق بسوء رأيهما وجور حكمهما، والثقة في أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحق، وأتيا بما لا يعرف، فبينوا لنا بماذا تستحلون قتالنا، والخروج من جماعتنا؟ أن اختار الناس رجلين٩ أحل لكم أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم، ثم تستعرضوا الناس تضربون رقابهم، وتسفكون
стр. 697
دماءهم؟ إن هذا لهو الخسران المبين، والله لو قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند الله قتلها، فكيف بالنفس التي قتلها عند الله حرام؟ ".
فتنادوا لا تخاطبوهم ولا تكلموهم، وتهيئوا للقاء الرب، الرواح الرواح إلى الجنة، فزحف عليهم علي فأفناهم، وقتل ابن وهب في المعركة، ولم يفلت منهم إلا عشرة "وكان ذلك سنة ٣٧، وقيل سنة ٣٨هـ".
"تاريخ الطبري ٦: ٤٧، والإمامة والسياسة ١: ١٠٩ ونهج البلاغة ١: ٤٤- ٥٤".
стр. 698
٣١٤- خطبة المستورد بن علفة:
واجتمع بعد وقعة النهروان بالنخيلة جماعة من الخوارج، ممن فارق عبد الله بن وهب، وممن لجأ إلى راية أبي أيوب١، وممن كان أقام بالكوفة فقال: لا أقاتل عليًّا ولا أقاتل معه، فتواصوا فيما بينهم وتعاضدوا وتأسفوا على خذلانهم أصحابهم، فقام منهم قائم يقال له المستورد بن علفة من بني سعد بن زيد مناة، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه ثم قال: "إن رسول الله ﷺ أتانا بالعدل تخفق راياته، معلنًا مقالته، مبلغًا عن ربه، ناصحًا لأمته، حتى قبضه الله مخيرًا مختارًا، ثم قام الصديق، فصدق عن نبيه، وقاتل من ارتد عن دين ربه، وذكر أن الله قرن الصلاة بالزكاة، فرأى أن تعطيل إحداهما طعن على الأخرى، لا بل على جميع منازل الدين، ثم
стр. 699
قبضه الله إليه موفورًا، ثم قام الفاروق ففرق بين الحق والباطل، مسويًّا بين الناس في إعطائه، لا مؤثرًا لأقاربه، ولا محكمًا في دين ربه، وهأنتم تعلمون ما حدث، والله يقول: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: من الآية ٩٥] فكل أجاب وبايع١.
"الكامل للمبرد ٢: ١٥٤".
стр. 700
خور أصحاب الإمام
خطبة عبد الله بن عباس في أهل البصرة
...
خور أصحاب الإمام وتقاعسهم عن نصرته:
٣١٥- خطبة عبد الله بن عباس في أهل البصرة:
ورأى الإمام علي كرم الله وجهه بعد فشل التحكيم أن يمضي لمناجزة معاوية وأهل الشأم؛ فكتب إلى عبد الله بن عباس -وكان على البصرة- أن يشخص١ إليه من قبله من الناس؛ فأمرهم ابن عباس بالشخوص مع الأحنف بن قيس؛ فشخص معه منهم ألف وخمسمائة رجل، فاستقلهم ابن عباس، فقام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"يا أهل البصرة: قد جاءني كتاب أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصكم، فأمرتكم بالمسير إليه مع الأحنف بن قيس؛ فلم يشخص إليه منكم إلا ألف وخمسمائة، وأنتم في الديوان٢
стр. 701
ستون ألفًا، سوى أبنائكم وعبدانكم١ ومواليكم، ألا فانفروا٢، ولا يجعل امرؤ على نفسه سبيلًا؛ فإني موقع بكل من وجدته تخلف عن دعوته، عاصيًا لإمامه، حزنًا يعقب ندمًا، وقد أمرت أبا الأسود بحشدكم، فلا يلم امرؤ جعل السبيل على نفسه إلا نفسه".
"الإمامة والسياسة ١: ١٠٦، تاريخ الطبري ٦: ٤٤".
стр. 702
خطبة الإمام وقد أراد الانصراف من النهروان
...
٣١٧- مقال الأشعث بن قيس:
فقام الأشعث بن قيس فقال:
"يا أمير المؤمنين: نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونصلت١ أسنة رماحنا وعاد
стр. 703
أكثرها قصدا١ فارجع بنا إلى مصرنا؛ فلنستعد بأحسن عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عددنا مثل من هلك منا؛ فإنه أقوى لنا على عدونا".
فأقبل علي بالناس حتى نزل بالنخيلة٢، ثم دخل الكوفة.
"الإمامة والسياسة ١: ١١٠، وتاريخ الطبري ٦: ٥١، ومروج الذهب ٢: ٣٨، وشرح ابن أبي الحديد م ١: ص١٧٩".
стр. 704
٣١٨- خطبة الإمام بالكوفة بعد قدومه من حرب الخوارج يستنفر الناس لقتال معاوية:
وخطب الناس بالكوفة بعد قدومه من حرب الخوارج فقال:
"أيها الناس استعدوا لقتال عدوٍّ، في جهادهم القربة إلى الله ، ودرك الوسيلة عنده، قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه، موزعين١ بالجور والظلم لا يعدلون به، جفاة عن الكتاب، نكب٢ عن الدين، يعمهون٣ في الطغيان ويتسكعون٤ في غمرة الضلال، فـ ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ ٥ الْخَيْلِ﴾ ، ﴿وَتَوَكَّلْوا عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ .
стр. 705
فما نفروا ولا تيسروا؛ فتركهم أيامًا حتى إذا أيس من أن يفعلوا دعا رؤساءهم ووجوههم؛ فسألهم عن رأيهم، وما الذي ينظرهم١، فمنهم المعتل، ومنهم المتكره، وأقلهم من نشط، فقام فيهم خطيبًا فقال:
"شرح ابن أبي الحديد م ١: ص١٧٩، والإمامة والسياسة ١: ١١٠، وتاريخ الطبري ٦: ٥١".