ستون ألفًا، سوى أبنائكم وعبدانكم١ ومواليكم، ألا فانفروا٢، ولا يجعل امرؤ على نفسه سبيلًا؛ فإني موقع بكل من وجدته تخلف عن دعوته، عاصيًا لإمامه، حزنًا يعقب ندمًا، وقد أمرت أبا الأسود بحشدكم، فلا يلم امرؤ جعل السبيل على نفسه إلا نفسه".
"الإمامة والسياسة ١: ١٠٦، تاريخ الطبري ٦: ٤٤".
стр. 702
خطبة الإمام وقد أراد الانصراف من النهروان
...
٣١٧- مقال الأشعث بن قيس:
فقام الأشعث بن قيس فقال:
"يا أمير المؤمنين: نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونصلت١ أسنة رماحنا وعاد
стр. 703
أكثرها قصدا١ فارجع بنا إلى مصرنا؛ فلنستعد بأحسن عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عددنا مثل من هلك منا؛ فإنه أقوى لنا على عدونا".
فأقبل علي بالناس حتى نزل بالنخيلة٢، ثم دخل الكوفة.
"الإمامة والسياسة ١: ١١٠، وتاريخ الطبري ٦: ٥١، ومروج الذهب ٢: ٣٨، وشرح ابن أبي الحديد م ١: ص١٧٩".
стр. 704
٣١٨- خطبة الإمام بالكوفة بعد قدومه من حرب الخوارج يستنفر الناس لقتال معاوية:
وخطب الناس بالكوفة بعد قدومه من حرب الخوارج فقال:
"أيها الناس استعدوا لقتال عدوٍّ، في جهادهم القربة إلى الله ، ودرك الوسيلة عنده، قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه، موزعين١ بالجور والظلم لا يعدلون به، جفاة عن الكتاب، نكب٢ عن الدين، يعمهون٣ في الطغيان ويتسكعون٤ في غمرة الضلال، فـ ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ ٥ الْخَيْلِ﴾ ، ﴿وَتَوَكَّلْوا عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ .
стр. 705
فما نفروا ولا تيسروا؛ فتركهم أيامًا حتى إذا أيس من أن يفعلوا دعا رؤساءهم ووجوههم؛ فسألهم عن رأيهم، وما الذي ينظرهم١، فمنهم المعتل، ومنهم المتكره، وأقلهم من نشط، فقام فيهم خطيبًا فقال:
"شرح ابن أبي الحديد م ١: ص١٧٩، والإمامة والسياسة ١: ١١٠، وتاريخ الطبري ٦: ٥١".
стр. 706
٣١٩- خطبة له أيضًا في استنفارهم لقتال معاوية:
"عباد الله: ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا في سبيل الله اثاقلتم١ إلى الأرض! أرضيتم بالحياة الدينا من الآخرة بدلًا، وبالذل والهوان من العز خلفًا؟ أوكلما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم؛ كأنكم من الموت في سكرة، وكأن قلوبكم مألوسة٢ فأنتم لا تعقلون، وكأن أبصاركم كمه٣ فأنتم لا تبصرون، لله أنتم! ما أنتم إلا أسود الشرى٤ في الدعة٥، وثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس! ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي٦، ما أنتم بركب يصال بكم، ولا ذي عز يعتصم إليه، لعمر الله لبئس حشاش٧ الحرب أنتم، إنكم تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم ولا تتحاشون٨، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون، إن أخا الحرب اليقظان ذو العقل، وبات لذل من وادع، وغلب المتخاذلون، والمغلوب مقهور ومسلوب، ثم قال:
стр. 707
"أما بعد: فإن لي عليكم حقًّا، وإن لكم علي حقًّا؛ فأما حقكم علي فالنصيحة لكم ما صحبتكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم؛ فالوفاء بالبيعة والنصح لي في الغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يرد الله بكم خيرًا تنزعوا عما أكره، وترجعون إلى ما أحب، تنالوا ما تطلبون، وتدركوا ما تأملون".
"تاريخ الطبري ٦: ٥١، الإمامة والسياسة ١: ١١٠".
وروى الشريف الرضي هذه الخطبة في نهج البلاغة بصورة أخرى وهي:
стр. 708
صورة أخرى١
مدخل
...
٣٢٠- صورة أخرى:
"أفٍ لكم، لقد سئمت عتابكم، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضًا، وبالذل من العز خلفًا؟ إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم؛ كأنكم من الموت في غمرة١، ومن الذهول في سكرة، يرتج٢ عليكم حواري فتعمهون! فكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون! ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي، وما أنتم بركن يمال بكم٣، ولا زوافر٤ عز يفتقر إليكم، ما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها؛ فكلما جمعت من جانب انتشرت من آخر، لبئس لعمر الله سعر٥ نار الحرب أنتم، تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم فلا تمتعضون٦، لا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون، غلب والله المتخاذلون، وايم الله إني لأظن بكم أن لو حمس٧ الوغى،
стр. 709
واستحر الموت، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب، انفراج الرأس١، والله إن امرأ يمكن عدوه من نفسه يعرق٢ لحمه، ويهثم عظمه، ويفري٣ جلده لعظيم عجزه، ضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره، أنت فكن ذاك إن شئت٤ فأما أنا: فوالله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية٥ تطير منه فراش٦ الهام، وتطيح السواعد والأقدام، ويفعل بعد ذلك ما يشاء.
أيها الناس: إن لي عليكم حقًّا، ولكم علي حق؛ فأما حقكم علي فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم".
стр. 710
وزاد ابن قتيبة في الإمامة والسياسة:
"والله يأهل العراق، ما أظن هؤلاء القوم من أهل الشأم إلا ظاهرين١ عليكم؛ فقالوا: أبعلم تقول ذلك يا أمير المؤمنين؟ " فقال:
"نعم والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إني أرى أمورهم قد علت، وأرى أموركم قد خبت٢، وأراهم جادين في باطلهم، وأراكم وانين٣ في حقكم، وأراهم مجتمعين، وأراكم متفرقين، وأراهم لصاحبهم معاوية مطيعين، وأراكم لي عاصين، أما والله لئن ظهروا عليكم بعدي، لتجدنهم أرباب سوء، كأنهم والله عن قريب قد شاركوكم
стр. 711
في بلادكم، وحملوا إلى بلادهم منكم، وكأني أنظر إليكم تكشون١ كشيش الضباب، لا تأخذون لله حقًّا، ولا تمنعون له حرمة، وكأني أنظر إليهم يقتلون صلحاءكم، ويخيفون علماءكم، وكأني أنظر إليكم يحرمونكم ويحجبونكم، ويدنون الناس دونكم؛ فلو قد رأيتم الحرمان، ولقيتم الذل والهوان، ووقع السيف، ونزل الخوف، لندمتم وتحسرتم على تفريطكم في جهاد عدوكم، وتذكرتم ما أنتم فيه من الخفض والعافية، حين لا ينفعكم التذكار".
стр. 712
٣٢١- خطبة أبي أيوب الأنصاري:
ثم قام أبو أيوب الأنصاري فقال:
"إن أمير المؤمنين -أكرمه الله- قد أسمع من كانت له أذن واعية، وقلب حفيظ إن الله قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حق قبولها؛ حيث نزل بين أظهركم ابن عم رسول الله ﷺ ، وخير المسلمين وأفضلهم وسيدهم بعده، يفقهكم في الدين ويدعوكم إلى جهاد المحلين؛ فوالله لكأنكم صم لا تسمعون، وقلوبكم غلف١ مطبوع عليها، فلا تستجيبون. عباد الله أليس إنما عهدكم بالجور والعدوان أمس، وقد شمل العباد وشاع في الإسلام، فذو حتى محروم مشتوم عرضه، ومضروب ظهره، وملطوم وجهه، وموطوء بطنه، وملقى بالعراء٢، فلما جاءكم أمير المؤمنين صدع بالحق ونشر العدل، وعمل بالكتاب؛ فاشكروا نعمة الله عليكم، ولا تتولوا مجرمين، ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، اشحذوا السيوف، وجددوا آلة الحرب، واستعدوا للجهاد، فإذا دعيتم فأجيبوا، وإذا أمرتم فأطيعوا، تكونوا بذلك من الصادقين".
"الإمامة والسياسة ١: ١١٢".
стр. 713
٣٢٢- خطبة الإمام وقد أغار النعمان بن بشير على عين التمر:
وفي سنة ٣٩هـ فرق معاوية جيوشه في أطراف علي؛ فبعث النعمان بن بشير الأنصاري في ألفين، فأتوا عين التمر١ فأغاروا عليها، وبها عامل لعلي في ثلثمائة، فكتب إلى علي يستمده، فأمر الناس أن ينهضوا إليه فتثاقلوا، فصعد المنبر فتشهد ثم قال:
"يأهل الكوفة: كلما سمعتم بمنسر٢ من مناسر أهل الشأم أظلكم، انجحر٣ كل امرئ منكم في بيته، وأغلق بابه، انجحار الضب في جحره، والضبع في وجارها٤، المغرور من غررتموه، ولمن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، لا أحرار عند النداء، ولا إخوان ثقة عند النجاء٥، إن لله وإنا إليه راجعون! ماذا منيت به منكم؟ عمي لا تبصرون، وبكم لا تنطقون، وصم لا تستمعون! إنا لله وإنا إليه راجعون! ".
"تاريخ الطبري ٦: ٧٧".
وروى الشريف الرضي في نهج البلاغة هذه الخطبة بصورة أخرى وهي:
стр. 714
٣٢٣- صورة أخرى:
منيت١ بمن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت! لا أبا لكم، ما تنتظرون بنصركم ربكم؟ أما دين يجمعكم، ولا حمية تحمشكم٢؟ أقوم فيكم مستصرخًا، وأناديكم متغوثًا٣ فلا تسمعون لي قولًا، ولا تطيعون لي أمرًا، حتى تكشف الأمور
стр. 715
عن عواقب المساءة؟ فما يدرك بكم ثأر، ولا يبلغ بكم مرام؟ دعوتكم إلى نصر إخوانكم فجرجرتم١ جرجرة الجمل الأسر٢ وتثاقلتم تثاقل النضو٣ الأدبر، ثم خرج إلي منكم جنيد متذائب٤ ضعيف؛ كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون".
"نهج البلاغة ١: ٤٦".
стр. 716
٣٢٤- خطبة الإمام وقد أغار الضحاك بن قيس على الحيرة ١:
ووجه معاوية الضحاك بن قيس فأغار على الحيرة وغنم أموال أهلها، وبلغ ذلك عليًًّا فاستصرخ الناس، فتقاعدوا عنه، فقام فيهم خطيبًا فقال:
"أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصم٢ الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء، تقولون في المجالس كيت وكيت٣؛ فإذا جاء القتال قلتم حيدي حياد٤، ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، أعاليل بأضاليل٥، دفاع ذي الدين المطول٦، هيهات لا يمنع الضيم الذليل، ولا يدرك
стр. 717
الحق إلا بالجد، أي دار بعد داركم تمنعون؟ ومع أي إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم؛ فقد فاز والله بالسهم الأخيب، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل١، وأصبحت والله لا أصدق قولكم، ولا أطمع في نصركم، ولا أوعد العدو بكم، ما بالكم؟ ما دواؤكم؟ ما طبكم؟ القوم رجال أمثالكم! أقولًا بغير علم، وغفلة من غير ورع، وطمعًا في غير حق! ".
وزاد ابن قتيبة في الإمامة والسياسة:
"فرق الله بيني وبينكم، وأعقبني بكم من خير لي منكم، وأعقبكم بعدي من شر لكم مني، أما إنكم ستلقون بعدي ذلًّا شاملًا، وسيفًا قاتلًا، وأثرة يتخذها الظالمون بعدي فيكم سنة، تفرق جماعتكم، وتبكي عيونكم، وتدخل الفقر بيوتكم، تمنون والله عندها أن لو رأيتموني ونصرتموني، وستعرفون ما أقول لكم عما قليل.
استنفرتكم فلم تنفروا! ونصحت لكم فلم تقبلوا! وأسمعتكم فلم تعوا؛ فأنتم شهود كأغياب، وصم ذوو أسماع، أتلو عليكم الحكمة، وأعظكم بالموعظة النافعة، وأحثكم على جهاد المحلين٢، الظلمة الباغين؛ فما آتي على آخر قولي، حتى أراكم متفرقين، وإذا تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقًا٣ عزين٤، تضربون الأمثال، وتناشدون الأشعار، تربت٥ أيديكم، وقد نسيتم الحرب واستعدادها، وأصبحت قلوبكم فارغة عن ذكرها، وشغلتموها بالأباطيل والأضاليل".
"نهج البلاغة ١: ٣٩، والإمامة والسياسة ٢: ١١١، والبيان والتبيين ٢: ٢٦".
стр. 718
٣٢٥- خطبة الإمام:
وقد أغار سفيان بن عوف الغامدي على الأنبار.
ووجه معاوية سفيان بن عوف الغامدي في جيش، فأغاروا على الأنبار١ وقتلوا عامل علي عليها وهو حسان بن حسان البكري، واحتملوا ما كان في الأنبار من الأموال وأموال أهلها، وانتهى الخبر إلى علي فخرج مغضبًا حتى أتى النخيلة، واتبعه الناس فرقي رباوة٢ من الأرض؛ فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ﷺ ، ثم قال:
"أما بعد: فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته٣ الوثيقة؛ فمن تركه رغبة عنه، ألبسه الله ثوب الذل، وشمله البلاء، وديث٤ بالصغار والقماءة٥، وضرب على قلبه بالإسهاب٦، وأديل٧ الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف٨، ومنع النصف٩، ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلًا ونهارًا، وسرًّا وإعلانًا، وقلت لكم اغزوهم من قبل أن يغزوكم؛ فوالله ما غزي قوم قط في عقر١٠ دارهم إلا ذلوا؛ فتخاذلتم
стр. 719
وتواكلتم وثقل عليكم قولي، واتخذتموه وراءكم ظهريًّا؛ حتى شنت١ عليكم الغارات، وملكت عليكم الأوطان، هذا أخو غامد٢ قد وردت خيله الأنبار، وقتل حسان بن حسان البكري، ورجالًا منهم كثيرًا ونساء، وأزال خيلكم عن مسالحها٣.
والذي نفسي بيده، لقد بلغني أنه كان يدخل على المرآة المسلمة، والأخرى المعاهدة٤، فينتزع حجلها٥ وقلبها٦، وقلائدها ورعثها٧، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع٨ والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين٩، ما نال رجلًا منهم كلم١٠، ولا أريق لهم دم؛ فلو أن امرأ مسلمًا مات من دون هذا أسفًا، ما كان عندي فيه ملومًا؛ بل كان به عندي جديرًا.
يا عجبًا كل العجب! عجب يميت القلب، ويشغل الفهم، ويكثر الأحزان! من تضافر١١ هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلكم عن حقكم، حتى أصبحتم غرضًا١٢ ترمون ولا ترمون، ويغار عليكم ولا تغيرون، ويعصى الله فيكم وترضون: إذا قلت لكم اغزوهم في الشتاء؛ قلتم هذا أوان قر١٣ وصر، وإن قلت لكم اغزوهم
стр. 720
في الصيف، قلتم حمارة١ القيظ، أنظرنا٢ ينصرم الحر عنا؛ فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون؛ فأنتم والله من السيف أفر! يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا طغام٣ الأحلام! ويا عقول ربات الحجال٤، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم، معرفة والله جرت ندمًا، وأعقبت سدمًا٥! قاتلكم الله! لقد ملأتم قلبي قيحًا٦، وشحنتم صدري غيظًا، وجرعتموني نغب التهام أنفاسًا٧، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان؛ حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا رأي له في الحرب! لله درهم٨! ومن ذا يكون أعلم بها مني، أو أشد لها مراسًا؟ فوالله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ولقد نيفت٩ اليوم على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع "يقولها ثلاثًا".
فقام إليه رجل ومعه أخوه١٠ فقال:
"يا أمير المؤمنين أنا وأخي هذا، كما قال الله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي
стр. 721
وَأََخِي﴾ فمرنا بأمرك؛ فوالله لننتهين إليه، ولو حال بيننا وبينه جمر الغضا١، وشوك القتاد٢" فدعا لهما بخير، ثم قال لهما: "وأين تقعان مما أريد؟ " ثم نزل.
"نهج البلاغة ١: ٣٥، الكامل للمبرد ١: ١١، البيان والتبيين ٢: ٢٥، والأغاني ١٥: ٤٣".
стр. 722
خطبة الحسن بن علي في يوم جمعة
...
٣٢٦- خطبة للحسن بن علي في يوم جمعة:
اعتل الإمام علي كرم الله وجهه يومًا، فأمر ابنه الحسن ﵁ أن يصلي بالناس يوم الجمعة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"إن الله لم يبعث نبيًّا إلا اختار له نفسًا ورهطًا وبيتًا، فوالذي بعث محمدًا بالحق، لا ينتقص من حقنا أهل البيت أحد، إلا نقصه الله من عمله مثله، ولا يكون علينا دولة إلا وتكون لنا العاقبة، ولتعلمن نبأه بعد حين".
"مروج الذهب ٢: ٥٣".
стр. 723
"أما بعد: فإنه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان، وقطعت إحدهما يوم صفين "يعني عمار بن ياسر"، وقطعت الأخرى اليوم "يعني الأشتر" ".
"تاريخ الطبري ٦: ٥٤".
стр. 724
٣٢٧- خطبة معاوية وقد بلغه هلاك الأشتر:
ولما نمى إلى معاوية هلاك الأشتر النخعي١، قام في الناس خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
стр. 725
فتنة البصرة
مدخل
...
فتنة البصرة:
تسيير معاوية عبد الله بن عامر الحضرمي إليها ومقتله.
لما قتل محمد بن أبي بكر بمصر وظهر معاوية عليها "سنة ٣٨هـ" دعا عبد الله بن عامر الحضرمي، فقال له: "سر إلى البصرة فإن جل أهلها يرون رأينا في عثمان، ويعظمون قتله، وقد قتلوا في الطلب بدمه، فهم موتورون حنقون لما أصابهم، ودوا لو يجدون من يدعوهم ويجمعهم، وينهض بهم في الطلب بدم عثمان، ودفع إليه كتابًا، وأمره إذا قدم أن يقرأه على الناس١، فمضى حتى نزل البصرة في بني تميم، فسمع بقدومه أهل البصرة، فجاءه كل من يرى عثمان، فاجتمع إليه رءوس أهلها.
стр. 726
٣٢٨- خطبة عبد الله بن عامر الحضرمي:
فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد أيها الناس: فإن إمامكم إمام الهدى عثمان بن عفان، قتله علي بن أبي طالب ظلمًا، فطلبتم بدمه، وقاتلتم من قتله، فجزاكم الله من أهل مصرٍ خيرًا، وقد أصيب منكم الملأ الأخيار، وقد جاءكم الله بإخوان لكم، لهم بأس يتقى وعدد لا يحصى، فلقوا عدوكم الذين قتلوكم، فلبلغوا الغاية التي أرادوا صابرين، ورجعوا وقد نالوا ما طلبوا، فمالئوهم١ وساعدوهم، وتذكروا ثأركم، لتشفوا صدوركم من عدوكم".
стр. 727
خطبة الضحاك بن عبد الله الهلاكي
...
٣٢٩- خطبة الضحاك بن عبد الله الهلالي:
فقام إليه الضحاك بن عبد الله الهلالي فقال:
"قبح الله ما جئتنا به، وما دعوتنا إليه، جئتنا والله بمثل ما جاء به صاحباك: طلحة والزبير، أتيانا وقد بايعنا عليًّا واجتمعنا له، فكلمتنا واحدة، ونحن على سبيل مستقيم، فدعوانا إلى الفرقة، وقاما فينا بزخرف القول، حتى ضربنا بعضنا ببعض عدوانًا وظلمًا، فاقتتلنا على ذلك، وايم الله ما سلمنا من عظيم وبال ذلك، ونحن الآن مجمعون على بيعة هذا العبد الصلاح، الذي أقال العثرة، وعفا عن المسيء، وأخذ بيعة غائبنا وشاهدنا، أفتأمرنا الآن أن نختلع أسيافنا من أغمادها، ثم يضرب بعضنا بعضا؛ ليكون معاوية أميرًا، وتكون له وزيرًا، ونعدل بهذا الأمر عن علي؟ والله ليوم من
стр. 728
أيام علي مع رسول الله صلى الله عليه وآله، خير من بلاء معاوية وآل معاوية، لو بقوا في الدنيا ما الدنيا باقية١".
فقام عبد الله بن حازم السلمي، فقال للضحاك: "اسكت فلست بأهل أن تتكلم في أمر العامة" ثم أقبل على ابن الحضرمي، فقال: "نحن يدك وأنصارك. والقول ما قلت، وقد فهمنا عنك، فادعنا أنى شئت" فقال الضحاك لابن حازم: "يا بن السوداء٢، والله لا يعز من نصرت، ولا يذل بخذلانك من خذلت" فتشاتما.
стр. 729
٣٣٠- خطبة عبد الرحمن بن عمير القرشي:
فقام عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي التميمي فقال:
"عباد الله: إنا لم ندعكم إلى الاختلاف والفرقة، ولا نريد أن تقتتلوا وتتنابزوا١ ولكنا إنما ندعوكم إلى أن تجمعوا كلمتكم، وتوازروا إخوانكم الذين هم على رأيكم، وأن تلموا شعثكم، وتصلحوا ذات بينكم، فمهلًا مهلًا رحمكم الله، استمعوا لهذا الكتاب، وأطيعوا الذي يقرأ عليكم".
فلما قرئ عليهم الكتاب، قال معظمهم: "سمعنا وأطعنا" وقال الأحنف بن قيس: "أما أنا فلا ناقة لي في هذا ولا جمل٢"، واعتزل أمرهم ذلك، وقال عمرو بن مرحوم من عبد القيس: "أيها الناس، الزموا طاعتكم، ولا تنكثوا بيعتكم، فتقع
стр. 730
بكم واقعة، وتصيبكم قارعة١، ولا يكن بعدها لكم بقية، ألا إني قد نصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين".
ثم إن الناس أقبلوا إلى ابن الحضرمي وكثر تبعه -وكان الأمير بالبصرة يومئذ زياد بن أبيه استخلفه عبد الله بن عباس وقدم الكوفة على علي ﵇ يعزيه عن محمد بن أبي بكر- فأفزع ذلك زيادًا وهاله، وخلى قصر الإمارة، واستجار بالأزد فأجاروه، وكتب إلى ابن عباس بالأمر، وطلب إليه أن يرفع ذلك إلى أمير المؤمنين، ليرى فيه رأيه، وغلب ابن الحضرمي على ما يليه من البصرة وجباها، وأجمعت الأزد على زياد، وأعدوا له منبرًا وسريرًا وشرطًا.
стр. 731
٣٣١- خطبة زياد بن أبيه:
فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"يا معشر الأزد: إنكم كنتم أعدائي، فأصبحتم أوليائي وأولى الناس بي، وإني لو كنت في بني تميم، وابن الحضرمي فيكم، لم أطمع فيه أبدًا، وأنتم دونه، فلا يطمع ابن الحضرمي في وأنتم دوني، وليس ابن آكلة الأكباد –في بقية الأحزاب وأولياء الشيطان- بأدنى إلى الغلبة من أمير المؤمنين في المهاجرين والأنصار، وقد أصبحت فيكم مضمونًا، وأمانة مؤداة، وقد رأينا وقعتكم يوم الجمل، فاصبروا مع الحق صبركم مع الباطل، فإنكم لا تحمدون إلا على النجدة، ولا تعذرون على الجبن".
стр. 732
٣٣٢- خطبة شيمان الأزدي:
فقام شيمان الأزدي –ولم يكن شهد يوم الجمل وكان غائبًا- فقال:
"يا معشر الأزد: ما أبقت عواقب الجمل عليكم إلا سوء الذكر، وقد كنتم أمس على علي ﵇، فكونوا اليوم له، واعلموا أن إسلامكم١ له ذل، وخذلانكم إياه عار، وأنتم حي مضماركم الصبر، وعاقبتكم الوفاء، فإن سار القوم بصاحبهم فسيروا بصاحبكم، وإن استمدوا معاوية فاستمدوا عليًّا ﵇، وإن وادعوكم فوادعوهم".
стр. 733
٣٣٣- خطبة صبرة بن شيمان:
ثم قام صبرة ابنه، فقال:
"يا معشر الأزد: إنا قلنا يوم الجمل نمنع مصرنا، ونطيع أمنا، ونطلب دم خليفتنا المظلوم، فجددنا في القتال، وأقمنا بعد انهزام الناس، حتى قتل منا من لا خير فينا بعده، وهذا زياد جاركم اليوم، والجار مضمون، ولسنا نخاف من علي ما نخاف من معاوية، فهبوا لنا أنفسكم، وامنعوا جاركم، أو فأبلغوه مأمنه".
فقالت الأزد: إنما نحن لكم تبع فأجيروه.
стр. 734
٣٣٤- خطبة الإمام علي:
واستنفر علي بني تميم أيامًا لينهض منهم إلى البصرة من يكفيه أمر ابن الحضرمي، ويرد عادية بني تميم الذين أجاروه بها، فلم يجبه أحد فخطبهم وقال:
стр. 735
"أليس من العجب أن ينصرني الأزد١، وتخذلني مضر؟ وأعجب من ذلك تقاعد تميم الكوفة بي، وخلاف تميم البصرة علي، وأن أستنجد بطائفة منها تشخص إلى إخوانها فتدعوهم إلى الرشاد، فإن أجابت وإلا فالمنابذة والحرب، فكأني أخاطب صمًّا بكمًا، لا يفقهون حوارًا، ولا يجيبون نداءً، كل هذا جبنًا عن البأس، وحبًّا للحياة، لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله نقتل آباءنا وأبناءنا، وإخواننا وأعمامنا٢، ما يزيدنا ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، ومضيًّا على اللقم٣، وصبرًا على مضض الألم، وجدًّا في جهاد العدو، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان٤ تصاول الفحلين يتخالسان٥ أنفسهما، أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا، فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت٦، وأنزل علينا النصر، حتى استقر الإسلام ملقيًا جرانه٧، ومتبوئًا أوطانه، ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم، ما قام للدين عمود، ولا اخضر للإيمان عود، وايم الله لتحتلبنها دمًا٨، ولتتبعنها ندمًا".
فقام إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي٩ فقال:
"أنا إن شاء الله أكفيك يا أمير المؤمنين هذا الخطب، وأتكفل لك بقتل ابن الحضرمي، أو إخراجه عن البصرة" فأمره بالتهيؤ للشخوص، فشخص إلى البصرة.
стр. 736
٣٣٥- خطبة أعين بن ضبيعة:
فلما قدمها دخل على زياد، وهو بالأزد مقيم فأخبره بأمره، ثم خرج فأتى رحله، فجمع إليه رجالًا من قومه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"يا قوم: على ماذا تقتلون أنفسكم، وتهريقون دماءكم، على الباطل مع السفهاء الأشرار؟ وإني والله ما جئتكم حتى عبيت إليكم الجنود، فإن تنيبوا إلى الحق يقبل منكم ويكف عنكم، وإن أبيتم فهو والله استئصالكم وبواركم".
فقالوا بل نسمع ونطيع، فنهض بهم إلى جماعة ابن الحضرمي، فخرجوا إليه مع ابن الحضرمي وواقفهم عامة يومه يناشدهم الله ويقول: "يا قوم لا تنكثوا بيعتكم، ولا تخالفوا إمامكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلًا، فقد رأيتم وجربتم كيف صنع الله بكم عند نكثكم بيعتكم وخلافكم".
فكفوا عنه وهم في ذلك يشتمونه وينالون منه فانصرف عنهم، فلما أوى إلى رحله تبعه عشرة نفر يظن الناس أنهم خوارج فقتلوه، وكتب زياد إلى الإمام بذلك، فأشخص إليهم جارية بن قدامة.
стр. 737
٣٣٦- خطبة جارية بن قدامة:
فلما دخل البصرة بدأ بزياد، فناجاه ساعة وساءله، ثم خرج من عنده، فقام في الأزد فقال:
"جزاكم الله من حي خيرًا، ما أعظم غناءكم١، وأحسن بلاءكم، وأطوعكم
стр. 738
لأميركم، لقد عرفتم الحق إذ ضيعه من أنكره، ودعوتم إلى الهدى إذ تركه من لم يعرفه" ثم قرأ عليهم كتاب علي ﵇، فقام صبرة بن شيمان، فقال: "سمعنا وأطعنا، ونحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب، ولمن سالم سلم، إن كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك، وإن أحببت أن ننصرك نصرناك" وقام وجوه الناس فتكلموا بمثل ذلك، فلم يأذن لأحد منهم أن يسير معه، ومضى نحو بني تميم.
стр. 739
٣٣٧- خطبة زياد:
فقام زياد في الأزد فقال:
"يا معشر الأزد: إن هؤلاء كانوا أمس سلمًا، فأصبحوا اليوم حربًا، وإنكم كنتم حربًا فأصبحتم سلمًا، وإني والله ما اخترتكم إلا على التجربة، ولا أقمت فيكم إلا على الأمل، فما رضيتم أن أجرتموني، حتى نصبتم لي منبرًا وسريرًا، وجعلتم لي شرطًا وأعوانًا، ومناديًا وجمعة، فما فقدت بحضرتكم شيئًا إلا هذا الدرهم لا أجيبه اليوم، فإن لم أجبه اليوم أجبه غدًا إن شاء الله، واعلموا أن حربكم اليوم معاوية أيسر عليكم في الدنيا والدين من حربكم أمس عليًّا، وقد قدم عليكم جارية بن قدامة، وإنما أرسله علي ليصدع أمر قومه، والله ما هو بالأمير المطاع، ولو أدرك أمله في قومه لرجع إلى أمير المؤمنين، ولكان لي تبعًا، وأنتم الهامة العظمى، والجمرة الحامية، فقدموه إلى قومه، فإن اضطر إلى نصركم، فسيروا إليه إن رأيتم ذلك".
стр. 740
٣٣٨- خطبة أبي صبرة شيمان:
فقام أبو صبرة شيمان فقال:
"يا زياد، إني والله لو شهدت قومي يوم الجمل رجوت ألا يقاتلوا عليًا، وقد مضى الأمر بما فيه، وهو يوم بيوم، وأمر بأمر، والله إلى الجزاء بالإحسان أسرع منه إلى الجزاء بالسيئ، والتوبة مع الحق، والعفو مع الندم، ولو كانت هذه فتنة لدعونا القوم إلى إبطال الدماء، واستئناف الأمور، ولكنها جماعة، دماؤها حرام، وجروحها قصاص ونحن معك نحب ما أحببت".
فعجب زياد من كلامه، وقال: "ما أظن في الناس مثل هذا".