← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ما دام معاوية حيًّا، فإن يهلك ونحن وأنتم أحياء، سألنا الله العزيمة على رشدنا، والمعونة على أمرنا، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ . "الإمامة والسياسة ١: ١٢٠".

стр. 807

١٢- خطبة له في عهد خلافته: ومن خطبه ﵁ في أيامه في بعض مقاماته أنه قال: "نحن حزب الله المفلحون، وعترة١ رسول الله ﷺ الأقربون، وأهل بيته الطاهرون الطيبون، وأحد الثقلين٢ اللذين خلفهما رسول الله ﷺ ، والثاني كتاب الله، فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعول عليه في كل شيء، لا يخطئنا تأويله، بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا، فإطاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله والرسول وأولي الأمر مقرونة٣: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ، وأحذركم الإصغاء لهتاف الشيطان، إنه لكم عدو مبين، فتكونون كأوليائه الذين قال لهم: ﴿لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي

стр. 808

أَرَى مَا لا تَرَوْنَ﴾ فتلقون للرماح أزرًا١، وللسيوف جزرًا٢، وللعمد٣ حظًا، وللسهام غرضًا، ثم: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ "مروج الذهب ٢: ٥٣"

стр. 809

١٣- خطبة أخرى له: ومن خطبه ﵁: "اعلموا أن الحلم زين، والوقار مودة، والصلة نعمة، والإكثار صلف١، والعجلة سفه، والسفه ضعف، والقلق ورطة، ومجالسة أهل الدناءة شين، ومخالطة أهل الفسوق ريبة". "صبح الأعشى ١: ٢١٥"

стр. 810

مخاصمة ومهاجاة مدخل ... مخاصمة ومهاجاة: بين الحسن بن علي، وبين عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، بحضرة معاوية: قال ابن أبي الحديد: روى الزبير بن بكار في كتاب المفاخرات قال: "اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، وقد كان بلغهم عن الحسن بن علي ﵇ قوارص١، وبلغه عنهم مثل ذلك، فقالوا: يا أمير المؤمنين إن الحسن قد أحيا أباه وذكره، وقال فصدق، وأمر فأطيع، وخفقت٢ له النعال، وإن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوءنا. قال معاوية: فما تريدون؟ قالوا: ابعث إليه فليحضر لنسبَّه ونسبَّ أباه ونعيره ونوبخه، ونخبره أن أباه قتل عثمان ونقرره بذلك، ولا يستطيع أن يغير علينا شيئًا من ذلك. قال معاوية: إني لا أرى ذلك ولا أفعله، قالوا: عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن، فقال: ويحكم لا تفعلوا، فوالله ما رأيته قط جالسًا عندي إلا خفت مقامه وعيبه لي قالوا: ابعث إليه على كل حال. قال: إن بعثت إليه لأنصفنه منكم، فقال عمرو بن العاص: أتخشى أن يأتي باطله على حقنا، أو يُرْبَى قوله على قولنا؟ قال معاوية: أما إني إن بعثت إليه لآمرنه أن يتكلم بلسانه كله. قالوا: مره بذلك، قال: أما إذا عصيتموني وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك، فلا تمرضوا٣ له

стр. 811

في القول، واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب، ولا يلصق بهم العار، ولكن اقذفوه بحجره؛ تقولون له: إن أباك قتل عثمان، وكره خلافة الخلفاء من قبله؛ فبعث إليه معاوية، فجاءه رسوله. فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك، قال: من عنده؟ فسماهم، فقال الحسن ﵇: ما لهم؟ خَرَّ عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، ثم قال: يا جارية ابغيني ثيابي، اللهم إني أعوذ بك من شرورهم، وأدرأ١ بك في نحورهم، وأستعين بك عليهم، فاكفنيهم كيف شئت، وأنى شئت، بحول منك وقوة، يا أرحم الراحمين، ثم قام، فلما دخل على معاوية أعظمه وأكرمه، وأجلسه إلى جانبه، وقد ارتاد٢ القوم، وخَطَرُوا٣ خَطَران الفحول، بَغْيًا في أنفسهم وعلوًّا، ثم قال: يا أبا محمد، إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني. فقال الحسن ﵇: سبحان الله! الدار دارك، والإذن فيها إليك؛ والله إن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا وما في أنفسهم إني لأستحيي لك من الفحش، وإن كانوا غلبوك على رأيك إني لأستحيي لك من الضعف، فأيهما تقر وأيهما تنكر؟ أما إني لو علمت بمكانهم جئت معي بمثلهم من بني عبد المطلب، وما لي أن أكون مستوحشًا منك أو منهم؟ إن وليي الله وهو يتولى الصالحين؛ فقال معاوية: يا هذا إني كرهت أن أدعوك، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له، وإن لك منهم النَّصَفَ٤ ومني، وإنما دعوناك لنقررك أن عثمان قتل مظلومًا، وأن أباك قتله، فاستمع منهم ثم أجبهم، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلم بكل لسانك، فتكلم عمرو بن العاص:

стр. 812

١٤- مقال عمرو بن العاص: فحمد الله وصلى على رسوله ﷺ ثم ذكر عليًّا ﵇، فلم يترك شيئًا يعيبه به إلا قاله، وقال: إنه شتم أبا بكر، وكره خلافته، وامتنع من بيعته، ثم بايعه مكرهًا، وشرك في دم عمر، وقتل عثمان ظلمًا، وادعى من الخلافة ما ليس له، ثم ذكر الفتنة يعيره بها، وأضاف إليه مساوئ، وقال: إنكم يا بني عبد المطلب لم يكن الله ليعطيكم الملك، على قتلكم الخلفاء، واستحلالكم ما حرم الله من الدماء، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يحل؛ ثم إنك يا حسن تحدث نفسك أن الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقل ذلك ولا لبه، كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك، وتركك أحمق قريش، يسخر منك، ويهزأ بك، وذلك لسوء عمل أبيك؛ وإنما دعوناك لنسُبَّك وأباك؛ فأما أبوك فقد تفرد الله به، وكفانا أمره، وأما أنت فإنك في أيدينا، نختار فيك الخصال، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله، ولا عيب من الناس؛ فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا؟ فإن كنت ترى أنا كذبنا في شيء فاردده علينا فيما قلنا، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان.

стр. 813

١٥- مقال الوليد بن عقبة بن أبي معيط: ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فقال: "يا بني هاشم: إنكم كنتم أخوال عثمان، فنعم الولد كان لكم، فعرف حقكم، وكنتم أصهاره، فنعم الصهر كان لكم يكرمكم، فكنتم أول من حسده، فقتله أبوك ظلمًا، لا عذر له ولا حجة، فكيف ترون الله طلب بدمه، وأنزلكم منزلتكم، والله إن بني أمية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أمية، وإن معاوية خير لك من نفسك".

стр. 814

١٦- مقال عتبة بن أبي سفيان: ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان، فقال: "يا حسن: كان أبوك شرَّ قريش لقريش، لسفكه لدمائها، وقطعه لأرحامها، طويل السيف واللسان، يقتل الحي ويعيب الميت، وإنك ممن قتل عثمان ونحن قاتلوك به. وأما رجاؤك الخلافة فلست في زندها١ قادحًا، ولا في ميزانها راجحًا، وإنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان، وإن في الحق أن نقتلك وأخاك به، فأما أبوك فقد كفانا الله أمره، وأقاد٢ منه، وأما أنت فوالله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم ولا عدوان".

стр. 815

١٧- مقال المغيرة بن شعبة: ثم تكلم المغيرة بن شعبة، فشتم عليًّا، وقال: والله ما أعيبه في قضية يخون، ولا في حكم يميل، ولكنه قتل عثمان، ثم سكتوا

стр. 816

١٨- رد الحسن بن علي عليهم: فتكلم الحسن بن علي ﵇، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله ﷺ ، ثم قال: "أما بعد يا معاوية، فما هؤلاء شتموني، ولكنك شتمتني، فحشًا ألفته، وسوء رأي عُرِفْتَ به، وخلقًا سيئًا ثَبَتّ عليه، وبغيًا علينا، عداوة منك لمحمد وأهله، ولكن اسمع يا معاوية واسمعوا، فلأقولن فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم، أنشدكم الله أيها الرهط، أتعلمون أن الذي شتمتموه منذ اليوم صلى القبلتين١ كلتيهما، وأنت يا معاوية

стр. 817

بهما كافر، تراها ضلالة وتعبد اللات والعزى١ غواية، وأنشدكم الله هل تعلمون أنه بايع البيعتين كلتيهما: بيعة الفتح٢ وبيعة الرضوان٣، وأنت يا معاوية بإحداهما كافر، وبالأخرى ناكث، وأنشدكم الله هل تعلمون أنه أول الناس إيمانًا، وأنك يا معاوية وأباك من المؤلفة قلوبهم، تسرون الكفر وتظهرن الإسلام، وتُستمالون بالأموال، وأنشدكم الله ألستم تعلمون أنه كان صاحب راية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يوم بدر، وأن راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه؟ ثم لقيكم يوم أحد ويوم الأحزاب ومعه راية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، ومعك ومع أبيك راية الشرك، وفي كل ذلك يفتح الله له، ويفلج٤ حجته، وينصر دعوته، ويصدق حديثه، ورسول الله ﷺ وآله في تلك المواطن كلها عنه راضٍ، وعليك وعلى أبيك ساخط؛ وأنشدك الله يا معاوية أتذكر يومًا جاء أبوك على جمل أحمر، وأنت تسوقه، وأخوك عتبة هذا يقوده، فرآكم رسول الله ﷺ فقال: "اللهم العن الراكب والقائد والسائق" أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك لما هم أن يسلم تنهاه عن ذلك: يا صخر لا تسلمن يومًا فتفضحنا ... بعد الذين ببدر أصبحوا مِزَقا٥ خالي وعمي وعم الأم ثالثهم ... وحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا٦

стр. 818

لا تركنن إلى أمر تُكَلِّفُنَا ... والراقصاتُ به في مكة الخرقا١ فالموت أهون من قول العداة "لقد ... حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا"٢ والله لَمَا أخفيتُ من أمرك، أكبر مما أبدي؛ وأنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون أن عليًّا حرم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فأنزل فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . وأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة، فنزلوا من حصنهم، فهزموا، فبعث عَلِيًّا بالراية؛ فاستنزلهم على حكم الله، وحكم رسوله، وفعل في خيبر مثلها، ثم قال: يا معاوية أظنك لا تعلم أني أعلم ما دعا به عليك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، لما أراد أن يكتب كتابا إلى بني جذيمَة٣، فبعث إليك ونَهَمك٤ إلى أن تموت، وأنتم أيها الرهط

стр. 819

نشدتكم الله ألا تعلمون أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردها؟ أولها: يوم لقي رسول الله ﷺ وآله خارجًا من مكة إلى الطائف يدعو ثقيفًا إلى الدين؛ فوقع به، وسبه، وسفهه، وشتمه، وكذبه، وتوعده، وهم أن يبطش به، فلعنه الله ورسوله، وصرف عنه، والثانية: يوم العير١ إذ عَرَضَ لها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وهي جائية من الشأم، فطردها أبو سفيان وساحل٢ بها، فلم يظفر المسلمون بها، ولعنه رسول الله ﷺ وآله ودعا عليه، فكانت وقعة بدر لأجلها. والثالثة: يوم أحد؛ حيث وقف تحت الجبل، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ في أعلاه، وهو ينادي: اُعْلُ هبل٣ مرارًا، فلعنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عشر مرات، ولعنه المسلمون. والرابعة: يوم جاء بالأحزاب، وغطفان، واليهود، فلعنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وابتهل. والخامسة: يوم جاء أبو سفيان في قريش، فصدوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عن المسجد والهدي معكوفا أن يبلغ محله٤، ذلك يوم الحديبية، فلعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أبا سفيان، ولعن القادة والأتباع، وقال: ملعونون كلهم، وليس فيهم من يؤمن. فقيل: يا رسول الله، أفما يرجى الإسلام لأحد منهم، فكيف باللعنة؟ فقال: لا تصيب اللعنة أحدا من الأتباع، وأما القادة فلا يفلح منهم أحد٥. والسادسة: يوم الجمل الأحمر. والسابعة: يوم وقفوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ في العقبة؛ ليستنفروا ناقته، وكانوا اثنى عشر رجلا منهم أبو سفيان. فهذا لك يا معاوية. وأما أنت يا بن العاص، فإن أمرك مشترك، وضعتك أمك مجهولا من عهر٦

стр. 820

وسفاح، فتحاكم فيك أربعة من قريش، فغلب عليك جزّارها؛ ألأمهم حسبا، وأخبثهم منصبا، ثم قام أبوك فقال: أنا شاني محمد الأبتر١. فأنزل الله فيه ما أنزل، وقاتلت رسول الله ﷺ وآله في جميع المشاهد، وهجوته وآذيته بمكة، وكدته كيدك كله، وكنت من أشد الناس له تكذيبا وعداوة، ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة؛ لتأتي بجعفرٍ وأصحابه إلى أهل مكة٢. فلما أخطأك ما رجوت، ورجعك الله خائبًا وأكذبك واشيًا، جعلت حسدك على صاحبك عمارة بن الوليد، فوشيت به إلى النجاشي حسدًا لما ارتكب من حليلته٣، ففضحك الله، وفضح صاحبك، فأنت عدو بني هاشم

стр. 821

في الجاهلية والإسلام. ثم إنك تعلم، وكل هؤلاء الرهط يعلمون أنك هجوت رسول الله ﷺ وآله بسبعين بيتًا من الشعر، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: اللهم إني لا أقول الشعر، ولا ينبغي لي. اللهم العنه بكل حرف ألف لعنة، فعليك إذن من الله ما لا يحصى من اللعن، وأما ما ذكرت من أمر عثمان؛ فأنت سعرت١ عليه الدنيا نارا، ثم لحقت بفلسطين، فلما أتاك قتله قلت: "أنا أبو عبد الله إذا نكأت قرحة أدميتها" ثم حبست نفسك إلى معاوية، وبعت دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بغض، ولا نعاتبك على ود، وبالله ما نصرت عثمان حيًّا ولا غضبت له مقتولا، ويحك يابن العاص! ألست القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشي: تقول ابنتي: أين هذا الرحيل؟ ... وما السير مني بمستنكر

стр. 822

فقلت: ذريني فإني امرؤ ... أريد النجاشي في جعفر لأكويه عنده كية ... أقيم بها نخوة الأصعر١ وشانئ أحمد من بينهم ... وأقولهم فيه بالمنكر وأجري إلى عتبة جاهدا ... ولو كان كالذهب الأحمر٢ ولا أنثني عن بني هاشم ... وما اسطعت في الغيب والمحضر فإن قبل العتب مني له ... وإلا لويت له مشفري٣ فهذا جوابك. هل سمعته؟ وأما أنت يا وليد، فوالله ما ألومك على بغض علي، وقد جلدك ثمانين في الخمر٤، وقتل أباك بين يدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ صَبْرًا٥، وأنت الذي سماه اللهُ الفاسق

стр. 823

وسَمَّى عَلِيًّا المؤمن، حيث تفاخرتما، فقلت له: اسكت يا عليُّ، فأنا أشجع منك جَنَانًا، وأطول منك لسانًا، فقال لك علي: اسكت يا وليد، فأنا مؤمن وأنت فاسق، فأنزل الله تعالى في موافقة قوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ثم أنزل فيك على موافقة قوله أيضًا ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ١ ويحك يا وليد؟ مهما نسيت فلا تنس قول الشاعر فيك وفيه: أنزل الله "والكتاب عزيز" ... في علي وفي الوليد قُرانا٢ فتبوَّا الوليد إذ ذاك فسقا ... وعلي مبوَّأٌ إيمانا٣ ليس من كان مؤمنًا "عمرك اللـ ... ـه" كمن كان فاسقا خوَّانا سوف يُدعَى الوليد بعد قليل ... وعلي إلى الحساب عيانا فعلي يجزى بذاك جنانا ... ووليد يجزى بذاك هوانا رب جد لعقبة بن أبان ... لابس في بلادنا تُبَّانا٤

стр. 824

وما أنت وقريش!، إنما أنت عِلْجٌ من أهل صفورية١، وأقسم بالله لأنت أكبر في الميلاد وأسن ممن تدعى إليه. وأما أنت يا عتبة، فوالله ما أنت بحصيف٢ فأجيبك، ولا أقل فأحاورك وأعاتبك، وما عندك خير يرجى، ولا شر يتقى، وما عقلك وعقل أمتك إلا سواء، وما يضر عَلِيًّا لو سببته على رءوس الأشهاد؟ وأما وعيدك إياي بالقتل، فهلا قتلت اللحياني إذ وجدته على فراشك؟ أما تستحيي من قول نصر بن حجاج فيك: يا للرجال وحادث الأزمان ... ولسبة تخزي أبا سفيان٣ نبئت عتبة خانه في عرسه ... جنس لئيم الأصل من لحيان٤ وبعد هذا ما أربأ بنفسي عن ذكره لفحشه، فكيف يخاف أحد سيفك؟ ولم تقتل فاضحك. وكيف ألومك على بغض عليٍّ، وقد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر، وشرك حمزة في قتل جدك عتبة، وأوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد. وأما أنت يا مغيرة، فلم تكن بخليق أن تقع في هذا وشبهه، وإنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة: "استمسكي فإني طائرة عنك" فقالت النخلة: وهل علمت بك واقعةً عليَّ، فأعلم بك طائرة عني؟ والله ما نشعر بعداوتك إيانا، ولا اغتممنا إذ علمنا بها ولا يشق علينا كلامك، وإنَّ حد الله في الزنا لثابت عليك ولقد درأ عمر عنك حقًّا، الله سائله عنه. ولقد سألتَ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها؟ فقال: لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزنا، لعلمه بأنك زانٍ، وأما

стр. 825

فخركم علينا بالإمارة، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا ١ مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ . ثم قام الحسن فنفض ثوبه فانصرف؛ فعلق عمرو بن العاص بثوبه وقال: يا أمير المؤمنين قد شهدت قوله في وقذفه أمي بالزنا، وأنا مطالب له بحد القذف. فقال معاوية: خل عنه، لا جزاك الله خيرًا، فتركه، فقال معاوية: قد أنبأتكم أنه ممن لا تطاق عارضته، ونهيتكم أن تسبوه فعصيتموني، والله ما قام حتى أظلم علي البيت، قوموا عني؟ لقد فضحكم الله وأخزاكم بترككم الحزم، وعدولكم عن رأي الناصح المشفق، والله المستعان. "شرح ابن أبي الحديد م٢ ص١٠١"

стр. 826

١٩- رثاء محمد بن الحنفية لأخيه الحسن لما مات الحسن بن علي ﵄، أدخله قبره الحسين ومحمد بن الحنفية١ وعبد الله بن عباس ﵃، ثم وَقَفَ محمدٌ على قبره، وقد اغرورقت عيناه، وقال: "رحمك الله أبا محمد فلئن عزَّتْ حياتُك لقد هَدَّتْ وفاتُك، ولنعم الروحُ روحٌ تضمَّنَهُ بدنُك، ولنعم الجسدُ جسدٌ تضمنه كفنك، ولنعم الكفنُ كفنٌ تضمنه لحدُك، وكيف لا تكون كذلك، وأنت سليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء٢؛ وخلف

стр. 827

أهل التقوى، وجدك النبي المصطفى، وأبوك علي المرتضى، وأمك فاطمة الزهراء،

стр. 828

وعمك جعفر١ الطيار في جنة المأوى، وغذَّتك أكف الحق، وربيت في حجر الإسلام، ورضعت ثدي الإيمان، فطبتَ حيًّا وميتًا، فلئن كانت الأنفسُ غيرَ طيبةٍ لفراقك، إنها غير شاكَّةٍ أنْ قد خِير لَكَ٢، وإنك وأخاك لسيدا شبابِ أهلِ الجنةِ، فعليك أَبَا محمدٍ منا السلام". "زهر الآداب ١: ٦٩، ومروج الذهب ٢: ٥١، والعقد الفريد ٢: ٧".

стр. 829

مقتل الحسين بن علي ﵁: تأبيه عن بيعة يزيد وخروجه إلى مكة: لما ولي الخلافة يزيدُ بنُ معاوية "في هلال رجب سنة ٦٠هـ" كتب إلى أمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أن يأخذ الحسين، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بالبيعة أخذًا شديدًا ليست فيه رخصة١، فبعث الوليد إلى الحسين ﵁، ونعى له معاوية، ودعاه إلى البيعة، فقال الحسين: "إن مثلي لا يعطي بيعتَهُ سِرًّا، ولا أراك تجترئ بها مني سِرًّا، دون أن تظهرها على رءوس الناس علانية، فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس، فكان أمرًا واحدًا" فقال له الوليد –وكان يحب العافية: "فانصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس". فلما كان من الغد بعث الرجال إلى الحسين عند المساء، فقال: "أصبحوا ثم ترون ونرى" فكفوا عنه تلك الليلة ولم يلحوا عليه، فخرج الحسين من تحت ليلته "ليومين بقيا من رجب سنة ٦٠هـ" ومعه بنوه وإخوته وبنو أخيه وجل أهل بيته إلا محمدَ بنَ الحنفيةِ فإنه قال له:

стр. 830

٢٠- نصيحة محمد بن الحنفية للحسين ﵄: "يا أخي: أنت أحب الناس إلي، وأعزهم علي، ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك، تنح بتبعتك١ عن يزيد بن معاوية، وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك إلى الناس، فادعهم إلى نفسك، فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك، إني أخاف أن تدخل مصرًا من هذه الأمصار، وتأتي جماعة من الناس، فيختلفوا بينهم، فمنهم طائفةٌ معك، وأخرى عليك، فيقتتلوا، فتكون لأول الأسنة، فإذا خيرُ هذه الأمة كلها نفسًا وأبًا وأمًّا أضيعها دمًا، وأذلها أهلا". قال له الحسين: "فإني ذاهب يا أخي". قال: "فانزلْ مكةَ، فإن اطمأنت بك الدار فسبيلٌ ذلك، وإن نبت٢ بك لحقت بالرمال، وشعف٣ الجبال، وخرجت من بلد إلى بلد، حتى تنظر إلام يصير أمر الناس، وتعرف عند ذلك الرأي، فإنك أصوب ما يكون رأيًا وأحزمه عملا، حتى تستقبل الأمور استقبالا، ولا تكون الأمور عليك أبدًا أشكل منها حين تستدبرها استدبارًا". قال: "يا أخي قد نصحت فأشفقت، فأرجو أن يكون رأيك سديدًا موفقًا". وسار إلى مكة، فأتاه أهل الكوفة ورسلهم، إنا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي فاقدَم علينا٤ -وكان النعمان بن بشير الأنصاري على الكوفة-

стр. 831

بعثه مسلم بن عقيل إلى الكوفة: فبعث الحسين إلى ابن عمه مسلم بن عقيل، فقال له: "سِرْ إلى الكوفة فانظر ما كتبوا به إلي، فإن كان حقًّا خرجنا إليهم، فخرج مسلم إلى الكوفة، ونزل دار المختار بن أبي عبيد، وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فقرأ عليهم كتاب الحسين، فأخذوا يبكون.

стр. 832

٢١- خطبة عابس بن أبي شبيب الشاكري: فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فإني لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرك منهم، والله أحدثك عما أنا موطن نفسي عليه، والله لأجيبنكم إذا دعوتم، ولأقاتلن معكم عدوكم، ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله، لا أريد بذلك إلا ما عند الله. فقام حبيب بن مظاهر الفقعسي فقال: "رحمك الله قد قضيت ما في نفسك بواجِزٍ من قولك" ثم قال: "وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه" وقال غيرهما مثل قولهما. فبلغ ذلك النعمان بن بشير، فخرج، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

стр. 833

٢٢- خطبة النعمان بن بشير: "أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيهما يهلك الرجال، وتسفك الدماء، وتغصب الأموال –وكان حليمًا ناسكًا يحب العافية- قال: إني لا أقاتل من لم يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب علي، ولا أشاتمكم، ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرفة١ ولا الظنة ولا التهمة، ولكنكم، إن أبديتم صفحتكم٢ لي ونكثم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولو لم يكن لي منكم ناصر، أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل". فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية، فقال:

стр. 834

"إنه لا يُصلِح ما ترى إلا الغَشْم١، إن هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأي المستضعفين" فقال: "أن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله" ثم نزل. وكتب عبد الله بن مسلم وغيره إلى يزيد أن يبعث إلى الكوفة رجلا قويًّا غير النعمان، فبعث إلى عبيد الله بن زياد –وكان على البصرة- وضم إليه الكوفة، فسار إليها، فلما نزل القصر نودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فخرج إليهم.

стр. 835

٢٣- خطبة عبيد الله بن زياد: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فإن أمير المؤمنين "أصلحه الله" ولَّانِي مِصْرَكُم وَثَغْرَكُم١، وأَمَرَنِي بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متبع فيكم أمره، ومنفذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البَرِّ، وسوطي وسيفي على من ترك أمري، وخالف عهدي، فَلْيُبْقِ امرؤٌ على نفسِهِ، الصدق ينبئ عنك لا الوعيد". ثم نزل فأخذ العرفاء٢ والناس أخذًا شديدًا، وبلغ ذلك مسلم بن عقيل، فخرج من دار المختار، حتى انتهى إلى دار هانئ بن عروة المرادي لائذًا به، ونمى خبره إلى ابن زياد، فبعث إلى هانئ فجاءه، فأمره أن يأتيه بمسلم، فقال: لا والله لا أجيئك به أبدًا أن أجيئك بضيفي تقتله! وطال بينهما اللجاج في ذلك، فضربه ابن زياد بالقضيب، فلم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده، حتى كسر أنفه، وسيل الدماء على ثيابه، ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته، حتى كسر القضيب، ثم أمر بحبسه.

стр. 836

٢٤- خطبة أخرى له: ولما ضرب عبيد الله هانئًا وحبسه، خشي أن يثب الناس به، فخرج، فصعد المنبر ومعه أشراف الناس، وشرطه، وحشمه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، أيها الناس: فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم، ولا تختلفوا، ولا تفرقوا، فتهلكوا وتذلوا وتقتلوا، وتجفوا وتحرموا، إن أخاك من صدقك، وقد أعذر من أنذر". وبلغ مسلم بن عقيل خبر ضرب هانئ وحبسه، فأمر أن ينادى في أصحابه -وكان قد بايعه من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفًا- وأقبل نحو القصر، فتحرز فيه ابن زياد وغلق الأبواب، وبعث إلى الأشراف فجمعهم إليه، ثم قال: "أشرفوا على الناس، فَمَنُّوا أهل الطاعة الزيادةَ والكرامةَ، وخَوِّفُوا أهل المعصية الحرمانَ والعقوبةَ، وأعلموهم فصولَ١ الجنود من الشأم إليهم".

стр. 837

٢٥- خطبة كثير بن شهاب: فتكلم كثير بن شهاب أول الناس فقال: "أيها الناس: الحقوا بأهاليكم، ولا تعجلوا الشرَّ، ولا تعرضوا أنفسكم للقتل، فإن هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى اللَّهَ الأميرُ عهدًا لئن تممتم١ على حربه، ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتلتكم في مغازي أهل الشام على غير طمع، وأن يأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتى لا يبقى له فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جرت٢ أيديها".

стр. 838

وتكلم الأشراف بنحو من كلام هذا، فلما سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرقون وينصرفون عن ابن عقيل، حتى أمسى وما معه إلا ثلاثون نفسًا، فخرج متوجها نحو أبواب كندة، فبلغ الأبواب ومعه منهم عشرة، ثم خرج من الباب وإذا ليس معه إنسان، فمضى على وجهه في أزقة الكوفة، حتى انتهى إلى باب عجوز، فسألها أن تؤويه، فآوته في دارها.

стр. 839

خطبة أخرى لعبيد الله بن زياد ... ٢٦- خطبة عبيد الله بن زياد: ولما انفضت جموع ابن عقيل، خرج عبيد الله بن زياد إلى المسجد، وأمر فنودي: "ألا برئتِ الذمةُ من رجل صَلَّى العتمةَ١ إلا في المسجد"، فلم يكن إلا ساعة حتى امتلأ من الناس، فصلى بهم، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: فإن ابن عقيل السفيه الجاهل، قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرئت ذمة الله من رجل وجدناه في داره، ومن جاء به فله ديته، اتقوا الله عباد الله، والزموا طاعتكم وبيعتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا. يا حصين بن نمير٢، ثكلتك٣ أمك إن صَاحَ٤ بابَ سكةٍ من سكك الكوفة، أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به، وقد سلطتك على دور أهل الكوفة، فابعث مراصدة على أفواه السكك، وأصبح غدًا واستبِرِ الدورَ٥، وجُسْ خلالها، حتى تأتيني بهذا الرجل" ثم نزل. وأصبح ابن تلك العجوز التي آوت مسلما، فدل على مكانه، فبعث ابن زياد محمد بن الأشعث في ستين أو سبعين رجلا فأتى به، وأمر به، فأصعد إلى أعلى القصر، وضرب

стр. 840

عنقه، فهوى رأسُهُ إلى الأرض، وأتبع جسده رأسه، ثم أمر بهانئ بن عروة، فأخرج إلى السوق، فضربت عنقه. وكان مسلم حيث تحول إلى دار هانئ، كتب إلى الحسين: "إني قد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفًا، فعجل الإقبال حين يأتيك كتابي، فإن الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى". فسار الحسين من مكة "في ٨ من ذي الحجة سنة ٦٠هـ" متوجهًا إلى الكوفة، وهو لا يعلم بحال مسلم.

стр. 841

خروج الحسين إلى الكوفة: ٢٧- نصيحة ابن عباس له: ولما أجمع الحسين بن علي ﵁ المسير إلى الكوفة، أتاه عبد الله بنُ عباس، فقال: "يابن عم إنك قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟ " قال: "إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى"، فقال له ابن عباس: "فإني أعيذك بالله من ذلك، أخبرني –رحمك الله- أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوهم؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلك، فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم، وأميرهم عليهم، قاهر لهم، وعمالُهُ تَجْبى بلادهم، فإنهم إنما دعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك، وأن يُسْتَنْفَرُوا إليك، فيكونوا أشد الناس عليك". فقال له الحسينُ: "وإني أستخير الله وأنظر ما يكون". فخرج ابن عباس من عنده، وأتاه ابن الزبير، فحدثه ساعة ثم قال: "ما أدري ما تَرْكُنا هؤلاء القومِ وكفُّنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين، وولاة هذا الأمر دونهم، خبرني ما تريد أن تصنع؟ " فقال الحسين: والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إلي شيعتي بها وأشرافُ أهلها، وأستخير الله" فقال له ابن الزبير: "أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عَدَلتُ بها" ثم إنه خشي أن يتهمه، فقال: "أما إنك لو أقمتَ بالحجاز، ثم أردت هذا الأمر هاهنا ما خولف عليك إن شاء الله" ثم قام، فخرج من عنده، فقال الحسين: "ها، إن هذا ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحبَّ إليه من أن

стр. 842

أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم أنه ليس له من الأمر معي شيء، وأن الناس لم يعدلوه١ بي، فود أني خرجتُ منها لتخلوَ له". فلما كان من العشي أو من الغدِ، أتى الحسينَ عبدُ الله بنُ العباس، قال: "يابن عم، إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذه الوجه الهلاك والاستئصال، إن أهل العراق قومٌ غُدُرٌ٢، فلا تقربنهم، أقم بهذا البلد، فإنك سيد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا، فاكتب إليهم فَلْيَنفُوا عدوهم، ثم أقدم عليهم، فإن أبيت إلا أن تخرج، فسر إلى اليمن، فإن بها حصونًا وشعابًا٣ وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عزلة، فتكتب إلى الناس وترسل، وتبث دعاتك، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية. فقال له الحسين: "يابن عم، إني والله لأعلم أنك ناصح مشفق ولكني قد أزمعت وأجمعت٤ على المسير" فقال له ابن عباس: "فإن كنت سائرًا، فلا تسر بنسائك وصبيتك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان، ونساؤه وولده ينظرون إليه" ثم قال ابن عباس: "لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه والحجاز، والخروج منها، وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك٥، والله الذي لا إله إلا هو، لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني، لفعلت ذلك" ثم خرج ابن عباس من عنده، فمر بعبد الله بن الزبير فقال: قرت عينك يابن الزبير، ثم قال:

стр. 843

يا لك من قْبَّرَةٍ بِمَعْمَرِ ... خلا لك الجوُّ فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري١ هذا حسين يخرج إلى العراق، وعليك بالحجاز.

стр. 844

٢٨- نصيحة أبي بكر بن عبد الرحمن المخزومي له: ودخل أبو بكر عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام١على الحسين ﵁ فقال: "يابن عم، إن الرحم يظائرني٢عليك، ولا أدري كيف أنا في النصيحة لك، فقال: يا أبا بكر، ما أنت ممن يستغش، فقال أبو بكر: "كان أبوك أشد بأسًا، والناس له أرجى، ومنه أسمع، وعليه أجمع، فسار إليه معاوية، والناس مجتمعون عليه –إلا أهل الشام- وهو أعز منه، فخذلوه، وتثاقلوا عنه؛ حرصًا على الدنيا وضنا بها، فجرعوه الغيظ وخالفوه، حتى صار إلى ما صار إليه من كرامة الله ورضوانه، ثم صنعوا بأخيك بعد أبيك ما صنعوا، وقد شهدت ذلك كله ورأيته. ثم

стр. 845

أنت تريد أن تسير إلى الذين عدوا على أبيك وأخيك، تقاتل بهم أهل الشام وأهل العراق، ومن هو أعد منك وأقوى، والناس منه أخوف، وله أرجى، فلو بلغهم مسيرك إليهم لاستطغوا الناس بالأموال، وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فاذكر الله في نفسك. فقال الحسين: "جزاك الله خيرًا يابن عم، فقد أجهدك رأيك، ومهما يقضِ الله يكن" فقال: "وعند الله نحتسب أبا عبد الله".
следующие страницы →