← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

خروج الحسين إلى الكوفة: ٢٧- نصيحة ابن عباس له: ولما أجمع الحسين بن علي ﵁ المسير إلى الكوفة، أتاه عبد الله بنُ عباس، فقال: "يابن عم إنك قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟ " قال: "إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى"، فقال له ابن عباس: "فإني أعيذك بالله من ذلك، أخبرني –رحمك الله- أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوهم؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلك، فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم، وأميرهم عليهم، قاهر لهم، وعمالُهُ تَجْبى بلادهم، فإنهم إنما دعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك، وأن يُسْتَنْفَرُوا إليك، فيكونوا أشد الناس عليك". فقال له الحسينُ: "وإني أستخير الله وأنظر ما يكون". فخرج ابن عباس من عنده، وأتاه ابن الزبير، فحدثه ساعة ثم قال: "ما أدري ما تَرْكُنا هؤلاء القومِ وكفُّنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين، وولاة هذا الأمر دونهم، خبرني ما تريد أن تصنع؟ " فقال الحسين: والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إلي شيعتي بها وأشرافُ أهلها، وأستخير الله" فقال له ابن الزبير: "أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عَدَلتُ بها" ثم إنه خشي أن يتهمه، فقال: "أما إنك لو أقمتَ بالحجاز، ثم أردت هذا الأمر هاهنا ما خولف عليك إن شاء الله" ثم قام، فخرج من عنده، فقال الحسين: "ها، إن هذا ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحبَّ إليه من أن

стр. 842

أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم أنه ليس له من الأمر معي شيء، وأن الناس لم يعدلوه١ بي، فود أني خرجتُ منها لتخلوَ له". فلما كان من العشي أو من الغدِ، أتى الحسينَ عبدُ الله بنُ العباس، قال: "يابن عم، إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذه الوجه الهلاك والاستئصال، إن أهل العراق قومٌ غُدُرٌ٢، فلا تقربنهم، أقم بهذا البلد، فإنك سيد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا، فاكتب إليهم فَلْيَنفُوا عدوهم، ثم أقدم عليهم، فإن أبيت إلا أن تخرج، فسر إلى اليمن، فإن بها حصونًا وشعابًا٣ وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عزلة، فتكتب إلى الناس وترسل، وتبث دعاتك، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية. فقال له الحسين: "يابن عم، إني والله لأعلم أنك ناصح مشفق ولكني قد أزمعت وأجمعت٤ على المسير" فقال له ابن عباس: "فإن كنت سائرًا، فلا تسر بنسائك وصبيتك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان، ونساؤه وولده ينظرون إليه" ثم قال ابن عباس: "لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه والحجاز، والخروج منها، وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك٥، والله الذي لا إله إلا هو، لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني، لفعلت ذلك" ثم خرج ابن عباس من عنده، فمر بعبد الله بن الزبير فقال: قرت عينك يابن الزبير، ثم قال:

стр. 843

يا لك من قْبَّرَةٍ بِمَعْمَرِ ... خلا لك الجوُّ فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري١ هذا حسين يخرج إلى العراق، وعليك بالحجاز.

стр. 844

٢٨- نصيحة أبي بكر بن عبد الرحمن المخزومي له: ودخل أبو بكر عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام١على الحسين ﵁ فقال: "يابن عم، إن الرحم يظائرني٢عليك، ولا أدري كيف أنا في النصيحة لك، فقال: يا أبا بكر، ما أنت ممن يستغش، فقال أبو بكر: "كان أبوك أشد بأسًا، والناس له أرجى، ومنه أسمع، وعليه أجمع، فسار إليه معاوية، والناس مجتمعون عليه –إلا أهل الشام- وهو أعز منه، فخذلوه، وتثاقلوا عنه؛ حرصًا على الدنيا وضنا بها، فجرعوه الغيظ وخالفوه، حتى صار إلى ما صار إليه من كرامة الله ورضوانه، ثم صنعوا بأخيك بعد أبيك ما صنعوا، وقد شهدت ذلك كله ورأيته. ثم

стр. 845

أنت تريد أن تسير إلى الذين عدوا على أبيك وأخيك، تقاتل بهم أهل الشام وأهل العراق، ومن هو أعد منك وأقوى، والناس منه أخوف، وله أرجى، فلو بلغهم مسيرك إليهم لاستطغوا الناس بالأموال، وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فاذكر الله في نفسك. فقال الحسين: "جزاك الله خيرًا يابن عم، فقد أجهدك رأيك، ومهما يقضِ الله يكن" فقال: "وعند الله نحتسب أبا عبد الله".

стр. 846

٢٩- خطبة عبيد الله بن زياد: ولما نمى إلى عبيد الله بن زياد خبر الكتاب الذي كتبه الحسين ﵁ إلى أشراف البصرة يستنصرهم صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد فوالله لا تقرن بي الصعبة، ولا يقعقع لي بالشنان١، وإني لنكل٢ لمن عاداني، وسُمٌّ لمن حاربني، أنصف القارة٣ من راماها. يأهل البصرة: إن أمير المؤمنين ولاني الكوفة، وأنا غاد إليها الغداة؛ وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان، وإياكم والخلاف والإرجاف، فوالذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف، لأقتلنه وعريفه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تستمعوا لي، ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق. أنا ابن زياد، أشبهته من بين من وطئ الحصى، ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم".

стр. 847

٣٠- خطبة للحسين ﵁: ولما بلغ عبيد الله بن زياد أمير الكوفة إقبال الحسين بعث الحصين بن نمير التميمي، فأمره أن ينزل القادسية، وأن يضع المسالح١، وقدَّم الحرَّ بن يزيدٍ التميمي بين يديه، في ألف فارس من القادسية، فيستقبل حسينًا، وكان الحسين قد سبقه إلى ذي حسم ونزل به، فسار إليه الحُرُّ حتى وقف هو وخيله مقابله في حر الظهيرة، وحضرت صلاة الظهر؛ فخرج الحسين، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس: إنها معذرة إلى الله وإليكم، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم، وقدمت عليَّ رُسُلُكُم: أنِ اقْدَمْ علينا؛ فإنه ليس لنا إمام، لعل الله يجمعنا بك على الهدى، فإن كنتم على ذلك، فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا وأنتم لمقدمي كارهين، انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه إليكم" فسكتوا عنه، ثم أقيمت الصلاة. فقال الحسين للحُرِّ: أتريد أن تصلي بأصحابك؟ قال: لا بل تصلي أنت، ونصلي بصلاتك، فصلى بهم الحسين.

стр. 848

٣١- خطبة أخرى له: فلما كان وقت العصر، أمر الحسين أن يتهيئوا للرحيل، ثم إنه خرج، فأمر مناديه، فنادى بالعصر، وصلى ثم سلم، وانصرف إلى القوم بوجهه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: أيها الناس فإنكم إن تتقوا وتعرفوا الحق لأهله، يكن أرضى لله،

стр. 849

ونحن أهلَ البيتِ أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدَّعِين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجَوْرِ والعدوان، وإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقَّنا، وكان رأيكم غير ما أتتني كتبكم، وقدمت به علي رسلكم انصرفت عنكم". فقال له الحْرُّ: إنا والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر؟ فأخرج له الحسين خُرْجَيْنِ مملوءين صحفًا، فنشرها بين أيديهم، ثم سار الحسين في أصحابِهِ والحُرُّ يسايِرُهُ.

стр. 850

خطبة أخرى للحسين ... ٣٢- خطبة أخرى له: وقام الحسين ﵁ بذي حُسُم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر معروفها، واستمرَّت١ جدًّا، فلم يبق منها إلا صُبابة كصبابة الإناء، وخسيسُ عيشٍ كالمرعى الوبيل، ألا ترون أن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا، فإني لا أرى الموت إلا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلا برمًا٢".

стр. 851

٣٣- خطبة زهير بن القين البجلي: فقام زهير بن القين البجلي، فقال لأصحابه: تكلمون أم أتكلم؟ قالوا: لا، بل تكلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

стр. 852

"قد سمعنا -هداك الله- بابن رسول الله مقالتك، والله لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلدين، إلا أن فراقها في نصرك ومواساتك، لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها" فدعا له الحسين، ثم قال له خيرًا.

стр. 853

٣٤- خطبة للحسين أيضًا: وخطب الحسين أصحابه وأصحاب الحُرِّ بالبيضة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس، إن رسول الله ﷺ قال: من رأى سلطانًا جائرًا مستحلا لحرم الله، ناكثًا لعهد الله، مخالفًا لسنة رسول الله ﷺ ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقًّا على الله أن يدخله مدخله" ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وأنا أحق من غيّر، وقد أتتني كتبكم، وقدمت علي رسلكم ببيعتكم أنكم لا تسلموني١ ولا تخذلوني، فإن تممتم علي بيعتكم تصيبوا رشدكم، وأنا الحسين بن علي، وابن فاطمة بنتِ رسولِ اللهِ ﷺ ، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم في أسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم، وخلعتم بيعتي من أعناقكم، فلعمري ما هي لكم بِنُكر٢؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم، والمغرورُ من اغترَّ بكم، فحظكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

стр. 854

٣٥- خطبته ليلة قتله: وسيَّر إليه ابن زياد عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف، فعدل الحسين إلى كربلاء، وكانت بينهما مقابلات غير مجدية١. فنهض عمر إليه عشية الخميس "٩ من المحرم سنة ٦١هـ" فجمع الحسين أصحابه عند قرب المساء فقال: "أثني على الله ﵎ أحسن الثناء، وأحمده على السراء والضراء، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة، وعلمتنا القرآن، وفقهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعًا وأبصارًا وأفئدة، ولم تجعلنا من المشركين. أما بعد: فإني لا أعلم أصحابًا أولى ولا خيرًا من أصحابي، ولا أهل بيت أبرَّ ولا أوصلَ من أهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعًا خيرًا ألا وإني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدًا. ألا وإني قد رأيت لكم، فانطلقوا جميعًا في حلٍّ، ليس عليكم من ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جَمَلا، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيدِ رجلٍ من أهل بيتي، ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم، حتى يفرج الله، فإن القوم إنما يطلبونني، ولو قد أصابوني لَهَوْا عن طلب غيري".

стр. 855

٣٦- رد أهل بيته عليه: فقال أهل بيته: "لم نفعل؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبدًا" فقال الحسين: "يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذنت لكم" قالوا: "فما يقول الناس؟ يقولون إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا، لا والله لا نفعل، ولكن تفديك أنفسنا وأموالنا وأهلونا، ونقاتل معك حتى نرد موردك، فقبح الله العيش بعدك".

стр. 856

٣٧- رد أصحابه: وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال: "أنحن نخلي عنك ولما نعذر إلى الله في أداء حقك؟ أما والله حتى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولا أفارقك، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به، لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك". وقال سعد بن عبد الله الحنفي: "والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله ﷺ فيك، والله لو علمت أني أُقْتَلُ، ثم أَحْيَا، ثم أُحْرَقُ حَيًّا، ثم أُذَرُّ، يُفعَل ذلك بي سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك، وإنما هي قَتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدًا". وقال زهير بن القيْن: "والله لوددت أني قُتِلت، ثم نشرت١، ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك".

стр. 857

وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضًا في وجه واحد، فقالوا: "والله لا نفارقك ولكن أنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، فإذا نحن قتلنا كنا وفينا، وقضينا ما علينا".

стр. 858

٣٨- خطبته غداة يوم قتله: وخطب الحسين غداة اليوم الذي استشهد فيه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "يا عباد الله، اتقوا الله، وكونوا من الدنيا على حذر، فإن الدنيا لو بقيت على أحد، أو بقي عليها أحد، لكانت الأنبياء أحق بالبقاء، وأولى بالرضاء، وأرضى بالقضاء، غير أن الله تعالى خلق الدنيا للفناء، فجديدها بالٍ، ونعيمها مضمحلّ، وسرورها مكفهر، والمنزل تَلْعَة١، والدار قُلْعَة٢، فتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقوا الله لعلكم تفلحون".

стр. 859

٣٩- دعاؤه وقد صَبَّحَتُهُ الخيل: ولما صَبَّحَتُهُ الخيل رفع يديه فقال: "اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثِقَةٌ وَعُدَّة، كم من هَمٍّ يضعف فيه الفؤاد، وتَقِلُّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديقُ، ويشمت فيه العدو، أَنْزَلْتُهُ بِكَ، وَشَكَوْتُهُ إليك؛ رغبةً مني إليك عمن سواك، فَفَرَّجْتَهُ وَكَشَفْتَهُ، فأنت وليُّ كلِّ نعمةٍ، وصاحبُ كلِّ حسنةٍ، ومنتهَى كلِّ رغبة".

стр. 860

٤٠- خطبته وقد دنا منه القوم: ولما دنا منه القوم دعا براحلته فركبها، ثم نادى بأعلى صوته: "أيها الناس: اسمعوا قولي، ولا تُعجلوني حتى أعظكم، بما لِحَقٍّ لكم عليَّ، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري، وصدقتم قولي، وأعطيتموني النَّصَفَ، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليَّ سبيلٌ، وإن لم تقبلوا مني العذر، ولم تعطوا النصف من أنفسكم. فأجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، ثم اقضوا إليَّ ولا تنظرون، إن وَليِّيَ اللهُ الذي نزَّل الكتاب وهو يتولى الصالحين". فلما سمع أخَواتُهُ كلامَهُ هذا صِحْن وبَكَيْنَ وَبَكَى بناتُهُ، فارتفعَتْ أصواتُهُنَّ، فأرسل إليهن أخاه العباس بن علي وعَلِيًّا ابنه، وقال لهما: أسكتاهن، فلعمري لَيَكْثُرَنَّ بكاؤهن.

стр. 861

٤١- خطبة أخرى: فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه، وذكر الله بما هو أهله، وصلى على محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَلائكَتِهِ وَأَنْبِيائِهِ، ثم قال: "أما بعد: فانسبوني فانظروا من أنا؟ ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا هل يحل لكم قتلى، وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم ﷺ وابن وصيِّهِ، وابن عمه! وأول المؤمنين بالله، والمصدق لرسوله بما جاء به من عند الله؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمي؟ أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم أن رسول الله ﷺ قال لي ولأخي:

стр. 862

هذان سيدا شبابِ أهلِ الجنةِ؟ فإن صدقتموني بما أقول -وهو الحق- والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، ويضر به من اختلقه، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم سلوا جابرَ بنَ عبد الله الأنصاري، أو أبا سعيد الخدري أو سهل بن سعد الساعدي، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك، يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله ﷺ لي ولأخي، أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟ ". ثم قال: "فإن كنتم في شكٍّ من هذا القول، أفتشكوني أثرا١ ما أنى ابن بنت نبيكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم، ولا من غيركم، أنا ابن بنت نبيكم خاصة، أخبروني أتطلبونني بقتيل منكم قتلته، أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟ ". فأخذوا لا يكلمونه، فنادى: يا شبث بن ربعي، ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وطمت الجمام، وإنما تَقْدَم على جندٍ لك مجنَّدٍ، فَأَقْبِلْ؟ قالوا: لم نفعل، فقال: سبحان الله بلى، والله لقد فعلتم، ثم قال: "أيها الناس: إذ كرهتموني، فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض". فقال له قيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم بني عمك؟ فإنهم لن يُرُوك إلا ما تحبُّ، ولن يصل إليك منهم مكروه, فقال له الحسين: "أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟ لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرُّ إقرارَ العبيد، عبادَ اللهِ، إني عذتُ بربي وربكم أن ترجمونِ، أعوذ بربي وربكم من كل متكبرٍ لا يؤمن بيوم الحساب"، فأقبلوا يزحفون نحوه.

стр. 863

٤٢- خطبة زهير بن القين: فلما زحفوا قِبَلَهُ خرج إليهم زهير بن القين على فرس له ذنوب١ شاكٍ٢ في السلاح فقال: "يأهل الكوفة، نَذَارِ لكم من عذاب الله نَذَارِ، إن حقًّا على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتى الآن إخوة، وعلى دين واحد، وملة واحدة، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، وأنتم للنصيحة منا أهل، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة٣، وكنا أمة وأنتم أمة، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد ﷺ ، لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنا ندعوكم إلى نصرهم، وخذلان الطاغية عبيد الله بن زياد، فإنكم لا تُدْرَكُون منهما إلا بسوء، عُمْرَ سلطانهما كلِّه، ليسملان أعينكم٤، ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلان أماثلكم وقُرَّاءكم؛ أمثال حجر بن عدي٥ وأصحابه، وهانئ بن عروة وأشباهه".

стр. 864

فسبوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد، ودعوا له، وقالوا: والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه، أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله سلمًا. فقال لهم: "عباد الله، إن ولد فاطمة رضوان الله عليها أحق بالود والنصر من ابن سمية، فإن لم تنصروهم، فأعيذكم بالله أن تقتلوهم، فخلوا بين هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية، فلعمري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين". فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم وقال: "اسكت، أسكت الله نأمتك١، أبرمتنا بكثرة كلامك" فقال له زهير: يا بن البوَّالِ على عَقِبَيْه، ما إياك أخاطب؛ إنما أنت بهيمة، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم" فقال له شمر: "إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة" قال: "أفبالموت تخوفني؟ فوالله لَلْمَوْتُ معه أحبُّ إليَّ مِنَ الخلد معكم". ثم أقبل على الناس رافعًا صوته فقال: "عبادَ الله، لا يغُرَّنَّكُم من دينكم هذا الجِلْفُ الجافي وأشباهُهُ، فواللهِ لا تَنال شفاعةُ محمدٍ ﷺ قومًا هراقوا دماء ذريته وأهل بيته، وقتلوا من نَصَرَهم، وذبَّ عن حريمهم". فناداه رجل فقال له: "إن أبا عبد الله يقول: "أقبل، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه، وأبلغ في الدعاء، لقد نصحت لهؤلاء، وأبلغت لو نفع النصحُ والإبلاغ".

стр. 865

٤٣- خطبة الحر بن يزيد: ولما زحف عمر بن سعد قال له الحرُّ بن يزيد: "أصلحك الله: مقاتلٌ أنت هذا الرجل؟ قال: "إي والله قتالا أيسره أن تسقط الرءوس، وتطيح الأيدي" قال: "أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضًا؟ " قال عمر: "أما والله لو كان الأمر إلي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى ذلك". ثم ضرب الحرُّ فرسه، ولحق بالحسين ﵇ وانحاز إليه، واستقدم أمام أصحابه ثم قال: "أيها القوم: ألا تقبلون من حسين خصلة من هذه الخصال التي عرض عليكم، فيعافيكم الله من حربه وقتاله؟ قالوا: هذا الأمير عمر بن سعد فَكَلِّمْهُ، فَكَلَّمَهُ بمثل ما كَلَّمَهُ به من قبل، وبمثل ما كلم به أصحابه" فقال عمر: "قد حرصت لو وجدت إلى ذلك سبيلا فعلت". فقال: "يأهل الكوفة: لأُمِّكم الهَبَل والعَبَر١ إذ دعوتموه، حتى إذا أتاكم أسلمتموه٢، وزعَمتُم أنكم قاتلُو أنفسِكُم دونه، ثم عدوتم عليه؛ لتقتلوه، أمسكتم بِنَفَسه، وأخذتُم بكظَمه٣، وأحطتم به من كل جانب، فمنعتموه التوجهَ في بلاد الله العريضة، حتى يأمنَ ويأمن أهل بيته، وأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعًا، ولا يدفع ضرًّا، وحَلَّأْتُموه٤ ونساءهُ وَأُصَيْبِيتَه٥ وأصحابه عن ماء الفرات الجاري،

стр. 866

الذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني، وتمرَّغُ فيه خنازير السواد وكلابه، وهاهم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمدًا في ذريته، لا أسقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا، وتنزعوا عما أنتم عليه، من يومكم هذا، في ساعتكم هذه". ثم نشب القتال بين الفريقين، واستمات أصحاب الحسين في القتال حتى فنُوا، وقتل الحسين رضوان الله عليه، قتله سِنان بن أنس "وكان قتله بالطَّفِّ١ يوم عاشوراء سنة ٦١هـ" وأمر ابن سعد أصحابَه أن يوطئوا خيلهم الحسين، فوطئوه بخيلهم، ثم حمل النساء ورأسه إلى يزيد بن معاوية بدمشق. "تاريخ الطبري ٦: ١٨٨ إلى ٢٧٠، ومروج الذهب ٢: ٨٦، وزهر الآداب ١: ٧١"

стр. 867

طلب التوابين بدم الحسين مدخل ... طلب التوابين بدم الحسين ﵁: وفي سنة خمس وستين تحركت الشيعة بالكوفة، واتَّعدوا الاجتماع بالنخيلة للمسير إلى أهل الشام للطلب بدم الحسين بن علي ﵄؛ وذلك أنهم بعد مقتله تلاقوا بالتلاوم والتندم، ورأوا أنهم قد أخطئوا خطأ كبيرًا بدعائهم إياه إلى النصرة وتركهم إجابته، ومقتله إلى جانبهم لم ينصروه، ورأوا أنه لا يغسل عارَهُم والإثم عنهم في مقتله إلا بقتل من قتله أو القتل فيه، وتابوا مما فرط منهم في ذلك "فَسُمُّوا التوابين" وفزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رءوس الشيعة: إلى سليمان بن صرد الخزاعي، وكانت له صحبة مع النبي ﷺ ، وإلى المسيب بن نجبة الفزاري، وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وإلى عبد الله بن والٍ التيمي، وإلى رفاعة بن شداد البجلي، ثم إن هؤلاء النفر اجتمعوا في منزل سليمان بن صرد، ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوهم، فبدأ المسيب بن نجبة بالكلام فتكلم:

стр. 868

٤٤- خطبة المسيب بن نجبة الفزاري: فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ﷺ ، ثم قال: "أما بعد، فإنا قد ابتلينا بطول العمر، والتعرض لأنواع الفتن، فنرغب إلى ربنا ألا يجعلنا ممن يقول له غدا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ فإن أمير المؤمنين قال: "العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة" وليس فينا رجل إلا وقد بلغه، وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا، وتقريظ شيعتنا، حتى

стр. 869

بلا الله أخيارنا، فَوجَدَنا كاذبين في موطنين من مواطن ابن ابنة نبينا ﷺ ، وقد بلغَتْنا قبل ذلك كتبه، وقدمت علينا رسُلُه، وأعذر إلينا يسألنا نَصْرَهُ عَوْدًا وبَدْءًا، وعلانية وسرًّا، فبخلنا عنه بأنفسنا، حتى قتل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قويناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا؛ فما عُذْرُنا إلى ربنا، وعند لقاءِ نبينا ﷺ ؛ وقد قتل فينا ولده وحبيبه وذريته ونسله، لا والله لا عذرَ دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه، أو تُقْتَلُوا في طلب ذلك؛ فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ذلك؛ وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمنٍ، أيها القوم وَلُّوا عليكم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من أميرٍ تَفْزَعُون إليه، ورايةٍ تَحُفُّون بها، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم". فَبَدَرَ١ القومَ رفاعةُ بنُ شداد بعد المسيب الكلامَ.

стр. 870

٤٥- خطبة رفاعة بن شداد: فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال: "أما بعد: فإن الله قد هداك لأصوب القول، ودعوتَ إلى أرشدِ الأمور، بدأتَ بحمدِ الله والثناء عليه، والصلاةِ على نبيه ﷺ ، ودعوتَ إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموعٌ منك، مستجابٌ لك، مقبولٌ قولُك: قلتَ: وَلُّوا أمركم رجلا منكم تَفزعون إليه، وَتَحُفُّون برايته، وذلك رأيٌ، قد رأينا مثل الذي رأيت، فإن تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيًا، وفينا مُنْتَصَحًا، وفي جماعتنا مُحَبًّا، وإن رأيت "ورأى أصحابُنا ذلك" ولينا هذا الأمر شيخ الشيعة صاحب رسول الله ﷺ ، وذا السابقة والقدم سليمان بن صرد، المحمودَ في بأسه ودينه، والموثوقَ بحزمه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم".

стр. 871

ثم تكلم عبد الله بن والٍ، وعبد الله بن سعد، فحمدا ربهما وأثنيا عليه، وتكلما بنحو من كلام رفاعة بن شداد، فذكرا المسيب بن نجية بفضله، وذكرا سليمان بن صرد بسابقته ورضاهما بتوليته، فقال المسيب بن نجبة: "أصبتم ووفقتم، وأنا أرى مثل الذي رأيتم، فولوا أمركم سليمان بن صرد".

стр. 872

٤٦- خطبة سليمان بن صرد: قال حميد بن مسلم: والله إني لشاهد بهذا اليوم يوم ولوا سليمان بن صرد١ وإنا يومئذ لأكثر من مائة رجل من فرسان الشيعة ووجوههم في داره، قال: فتكلم سليمان، فشدد، وما زال يردد ذلك القول في كل جمعة حتى حفظته، بدأ فقال: "أثنى على الله خيرًا، وأحمد آلاءه وبلاءه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، أما بعد: فإني والله لخائف ألا يكون أخَّرَنا إلى هذا الدهر، الذي نكدت فيه المعيشة، وعظُمت فيه الرزية، وشمل فيه الجور أولي الفضل من هذه الشيعة" لما هو خير، إنا كنا نمد أعناقنا إلى قدوم آل نبينا، ونمنيهم النصر، ونحثهم على القدوم؛ فلما قدموا وَنَيْنَا وعجزنا وأَدْهَنَّا وتربصنا وانتظرنا ما يكون حتى قُتِلَ فينا ولدينا وَلَدُ نَبِيِّنا وسُلَالَته وَعُصَارته وَبَضْعَة٢ من لحمِهِ ودمِهِ، إذ جعل يستصرخ ويسأل النَّصَفَ٣ فلا يُعْطَاه، اتخذه الفاسقون غَرَضًا للنبل، ودربةً٤ للرماح، حتى أقصدوه٥ وعدوا عليه فسلبوه، ألا انهضوا فقد سخط ربكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل٦ والأبناء حتى يرضى الله، والله ما أظنه راضيًا دون أن تناجزوا من قتله أو تُبِيرُوا٧، ألا لا تهابوا

стр. 873

الموتَ، فوالله ما هابه امرؤ إلا ذَلَّ، كونوا كالأولى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيهم: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ فما فعل القوم؟ جثوا على الركب والله، ومدوا الأعناق، ورضوا بالقضاء حتى حين علموا أنه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلا الصبرُ على القتل، فكيف بكم لو قد دُعِيتُم إلى مثل ما دُعِيَ القوم إليه؟ اشحذوا السيوف، وركِّبُوا الأسنة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ١﴾ حتى تُدْعَوا وتستنفروا".

стр. 874

٤٧- خطبة خالد بن سعد بن نفيل: فقام خالد بن سعد بن نفيل فقال: "أما أنا فوالله لو أعلم أن قتلي نفسي يخرجني من ذنبي، ويرضي عني ربي لقتلتها، ولكن هذا أُمِرَ به قومٌ كانوا قبلنا ونُهِينا عنه، فأشهد الله ومن حضر من المسلمين أن كل ما أصبحت أملكه سوى سلاحي الذي أقاتل به عدوي صدقة على المسلمين أقويهم به على قتال القاسطين١". وقام أبو المعتمر حنش بن ربيعة الكناني، فقال: "وأنا أشهدكم على مثل ذلك" فقال سلمان بن صرد: "حسبكم، من أراد من هذا شيئًا فليأت بماله عبد الله بن والٍ التيمي تيم بكر بن وائل، فإذا اجتمع عنده كل ما تريدون إخراجه من أموالكم، جهزنا به ذوي الخَلَّة٢ والمسكنة من أشياعكم".

стр. 875

٤٨- خطبة سعد بن حذيفة بن اليمان: وكتب سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة بن اليمان بالمدائن كتابًا يستنهض فيه همم إخوانه هنالك، ويدعوهم أن يجدوا ويستعدوا، وضرب لهم غرة ربيع الآخر سنة ٦٥ أجلا يلقونه فيه، والنُّخَيلة موطنًا يوافونه إليه، فبعث سعد إلى من كان بالمدائن من الشيعة، فقرأ عليهم كتاب سليمان بن صرد، ثم إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فإنكم قد كنتم مجمعين مزمعين على نصر الحسين، وقتال عدوه، فلم يفجأكم أول من قتله، والله مثيبكم على حسن النية، وما أجمعتم عليه من النصر أحسن المثوبة، وقد بعث إليكم إخوانكم يستنجدونكم ويستمدونكم، ويدعونكم إلى الحق وإلى ما ترجون لكم به عند الله أفضلَ الأجر والحظ، فماذا ترون؟ وماذا تقولون؟ ". فقال القوم بأجمعهم: "نجيبهم ونقاتل معهم، ورأينا في ذلك مثل رأيهم".

стр. 876

خطبة عبد الله بن بن الحنظل الطائى ... ٤٩- خطبة عبد الله بن الحنظل الطائي: فقام عبد الله بن الحنظل الطائي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإنا قد أجبنا إخواننا إلى ما دعونا إليه، وقد رأينا مثل الذي قد رَأَوْا، فَسَرِّحْنِي إليهم في الخيل". فقال له: "رويدًا لا تَعْجَل، استعدوا للعدو، وأعدوا له الحرب، ثم نسير وتسيرون" وكتب سعد إلى ابن صرد بإجابة دعوته، وأنهم في انتظار أمره.

стр. 877

٥٠- خطبة عبيد الله بن عبد الله المري: وحدَّثَ رجلٌ من مُزَينة قال: "ما رأيت من هذه الأمة أحدًا كان أبلغ من عبيد الله بن عبد الله المري في منطقٍ ولا عظةٍ، وكان من دعاة أهل المصر زمان سليمان بن صرد، وكان إذا اجتمعت إليه جماعة من الناس فوعظهم، بدأ بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله ﷺ ، ثم يقول: أما بعد: فإن الله اصطفى محمدًا ﷺ على خلقه بنبوته، وخصَّه بالفضل كله، وأعزكم باتباعه، وأكرمكم بالإيمان به، فحقن به دماءكم المسفوكة، وآمن به سبلكم المخوفة ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا ١ حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ فهل خلق ربكم في الأولين والآخرين أعظم حقًّا على هذه الأمة من نبيها؟ وهل ذرية أحد من النبيين والمرسلين أو غيرهم أعظم حقًّا على هذه الأمة من ذرية رسولها؟ لا والله ما كان ولا يكون، لله أنتم! ألم تروا ويبلغكم ما اجترم٢ إلى ابن بنت نبيكم؟ أما رأيتم إلى انتهاك القوم حرمته، واستضعافهم وحدته، وترميلهم٣ إياه بالدم، وَتَجْرَارِهُمُوهُ على الأرض؟ لم يراقبوا فيه ربهم ولا قرابته من الرسول ﷺ ! اتخذوه للنبل غرضًا، وغادروه للضِّباع جَزَرا٤، فلله عيناَ مَنْ رأى مثله! ولله حسين بن عليّ! ماذا غادروا به؟ ذا صدق وصبر، وذا أمانة ونجدة وحزم، ابن أول المسلمين إسلامًا، وابن بنت رسول رب العالمين، قلَّتْ حُماتُهُ، وكثُرتْ عُداته٥ حوله، فقتله عدُوه وخَذَلَهُ وَلِيُّهُ، فويل للقاتل، وملامة للخاذل، إن الله لم يجعل لقاتله حجة، ولا لخاذله معذرة، إلا أن يناصح لله في التوبة، فيجاهد القاتلين، وينابذ القاسطين، فعسى الله عند ذلك أن يقيل العثرة

стр. 878

إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء أهل بيته، وإلى جهاد المُحِلين والمارقين، فإن قتلنا فما عند الله خيرٌ للأبرار، وإن ظهرنا رددنا هذا الأمر إلى أهل بيتِ نبينا". قال: "وكان يعيد هذا الكلام علينا في كل يوم حتى حفظه عامتنا". وكان الشيعة بالكوفة منذ قتل الحسين ﵁ "سنة ٦١هـ" يجدُّون في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال ودعاء الناس في السرِّ من الشيعة وغيرها إلى الطلب بدمه حتى كثر تبعهم، وكان الناس إلى اتباعهم بعد هلاك يزيد بن معاوية "في ١٤ ربيع الأول سنة ٦٤هـ" أسرعَ منهم قبل ذلك. وقدم المختار بن أبي عبيد الثقفي الكوفة في النصف من رمضان سنة ٦٤، وقد اجتمعت رءوس الشيعة ووجوهها مع سليمان بن صرد، فليس يعدلونه به، فكان المختار إذا دعاهم إلى نفسه وإلى الطلب بدم الحسين، قالت له الشيعة: "هذا سليمان بن صرد شيخ الشيعة قد انقادوا له واجتمعوا عليه" فأخذ يقول للشيعة: "إني قد جئتكم من قبل المهدي محمد بن علي "ابن الحنفية" مؤتمنًا مأمونًا، مُنْتَجَبًا١ ووزيرًا" فما زال بهم حتى انشعبت إليه طائفة تعظمه وتجيبه وتنتظر أمره، وعظم الشيعة مع سليمان بن صرد. وقدم عبد الله بن يزيد الأنصاري من قبل عبد الله بن الزبير أميرًا على الكوفة على حربها وثغرها، وقدم معه إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي أميرًا على خراجها "وذلك بعد مقدم المختار بثمانية أيام" وكان سليمان بن صرد وأصحابه يريدون أن يثبوا بالكوفة، ونمى إلى عبد الله بن يزيد اعتزام الشيعة الخروج، فخرج حتى صعد المنبر ثم قام في الناس.

стр. 879

٥١- خطبة عبد الله بن يزيد الأنصاري: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، قد بلغني أن طائفة من أهل هذا المصر أرادوا أن يخرجوا علينا، فسألت عن الذي دعاهم إلى ذلك ما هو؟ فقيل لي: زعموا أنهم يطلبون بدم الحسين بن عليٍّ، فرحم الله هؤلاء القوم، قد والله دُلِلْتُ على أماكنهم، وَأُمِرْتُ بأخذهم، وقيل: ابدأهم قبل أن يبدءوك، فأبيتُ ذلك، فقلت: إن قاتلوني قاتلتهم، وإن تركوني لم أطلبهم، وعلام يقاتلونني؟ فوالله ما أنا قتلتُ حسينًا ولا أنا ممن قاتَلَهُ، ولقد أُصِبْتُ بِمَقْتَلِهِ رحمةُ اللهِ عليه، فإنَّ هؤلاءِ القومَ آمنونَ، فليخرجوا ولينتشروا ظاهرين، ليسيروا إلى من قَاتَلَ الحسين فقد أقبل إليهم، وأنا لهم على قاتله ظهيرٌ١، هذا ابنُ زيادٍ قاتلُ الحسينِ وقاتلُ خيارِكُم وأماثِلِكُم، قد توجه إليكم عَهْدُ العاهدِ بِهِ٢ على مسيرة ليلةٍ من جسر مَنْبِج٣، فَقِتالُهُ والاستعدادُ له أولى وأرشدُ من أن تجعلوا بأسَكُم بينكم، فيقتلَ بعضُكُم بعضًا، ويسفكَ بعضُكُم دماءَ بعضٍ، فيلقاكم ذلك العدو غدًا وقد رَقَقْتُم٤، وتلك واللهِ أمنيةُ عدوِّكُم، وإنه قد أقبلَ إليكُم أعدَى خلقِ اللهِ لَكُم، مَنْ وَلِيَ عليكم هو وأبوه سَبْعَ سِنِينَ، لا يُقْلِعَانِ عن قَتْلِ أهلِ العفافِ والدِّينِ، هو الذي قَتَلَكُم، ومِنْ قِبَلِهِ أُتِيتُم، والذي

стр. 880

قتل من تَثْأرُون بدمه قد جاءكم، فاستقبلوه بحدكم وشوكتكم، واجعلوها به ولا تجعلوها بأنفسكم، إني لم آلُكم نصحًا١، جَمَعَ اللهُ لنا كلمتَنا، وأصلحَ لنا أَئِمَّتَنا.
следующие страницы →