خطبة عبد الله بن بن الحنظل الطائى
...
٤٩- خطبة عبد الله بن الحنظل الطائي:
فقام عبد الله بن الحنظل الطائي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد فإنا قد أجبنا إخواننا إلى ما دعونا إليه، وقد رأينا مثل الذي قد رَأَوْا، فَسَرِّحْنِي إليهم في الخيل".
فقال له: "رويدًا لا تَعْجَل، استعدوا للعدو، وأعدوا له الحرب، ثم نسير وتسيرون" وكتب سعد إلى ابن صرد بإجابة دعوته، وأنهم في انتظار أمره.
стр. 877
٥٠- خطبة عبيد الله بن عبد الله المري:
وحدَّثَ رجلٌ من مُزَينة قال: "ما رأيت من هذه الأمة أحدًا كان أبلغ من عبيد الله بن عبد الله المري في منطقٍ ولا عظةٍ، وكان من دعاة أهل المصر زمان سليمان بن صرد، وكان إذا اجتمعت إليه جماعة من الناس فوعظهم، بدأ بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله ﷺ ، ثم يقول:
أما بعد: فإن الله اصطفى محمدًا ﷺ على خلقه بنبوته، وخصَّه بالفضل كله، وأعزكم باتباعه، وأكرمكم بالإيمان به، فحقن به دماءكم المسفوكة، وآمن به سبلكم المخوفة ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا ١ حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ فهل خلق ربكم في الأولين والآخرين أعظم حقًّا على هذه الأمة من نبيها؟ وهل ذرية أحد من النبيين والمرسلين أو غيرهم أعظم حقًّا على هذه الأمة من ذرية رسولها؟ لا والله ما كان ولا يكون، لله أنتم! ألم تروا ويبلغكم ما اجترم٢ إلى ابن بنت نبيكم؟ أما رأيتم إلى انتهاك القوم حرمته، واستضعافهم وحدته، وترميلهم٣ إياه بالدم، وَتَجْرَارِهُمُوهُ على الأرض؟ لم يراقبوا فيه ربهم ولا قرابته من الرسول ﷺ ! اتخذوه للنبل غرضًا، وغادروه للضِّباع جَزَرا٤، فلله عيناَ مَنْ رأى مثله! ولله حسين بن عليّ! ماذا غادروا به؟ ذا صدق وصبر، وذا أمانة ونجدة وحزم، ابن أول المسلمين إسلامًا، وابن بنت رسول رب العالمين، قلَّتْ حُماتُهُ، وكثُرتْ عُداته٥ حوله، فقتله عدُوه وخَذَلَهُ وَلِيُّهُ، فويل للقاتل، وملامة للخاذل، إن الله لم يجعل لقاتله حجة، ولا لخاذله معذرة، إلا أن يناصح لله في التوبة، فيجاهد القاتلين، وينابذ القاسطين، فعسى الله عند ذلك أن يقيل العثرة
стр. 878
إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء أهل بيته، وإلى جهاد المُحِلين والمارقين، فإن قتلنا فما عند الله خيرٌ للأبرار، وإن ظهرنا رددنا هذا الأمر إلى أهل بيتِ نبينا".
قال: "وكان يعيد هذا الكلام علينا في كل يوم حتى حفظه عامتنا".
وكان الشيعة بالكوفة منذ قتل الحسين ﵁ "سنة ٦١هـ" يجدُّون في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال ودعاء الناس في السرِّ من الشيعة وغيرها إلى الطلب بدمه حتى كثر تبعهم، وكان الناس إلى اتباعهم بعد هلاك يزيد بن معاوية "في ١٤ ربيع الأول سنة ٦٤هـ" أسرعَ منهم قبل ذلك.
وقدم المختار بن أبي عبيد الثقفي الكوفة في النصف من رمضان سنة ٦٤، وقد اجتمعت رءوس الشيعة ووجوهها مع سليمان بن صرد، فليس يعدلونه به، فكان المختار إذا دعاهم إلى نفسه وإلى الطلب بدم الحسين، قالت له الشيعة: "هذا سليمان بن صرد شيخ الشيعة قد انقادوا له واجتمعوا عليه" فأخذ يقول للشيعة: "إني قد جئتكم من قبل المهدي محمد بن علي "ابن الحنفية" مؤتمنًا مأمونًا، مُنْتَجَبًا١ ووزيرًا" فما زال بهم حتى انشعبت إليه طائفة تعظمه وتجيبه وتنتظر أمره، وعظم الشيعة مع سليمان بن صرد.
وقدم عبد الله بن يزيد الأنصاري من قبل عبد الله بن الزبير أميرًا على الكوفة على حربها وثغرها، وقدم معه إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي أميرًا على خراجها "وذلك بعد مقدم المختار بثمانية أيام" وكان سليمان بن صرد وأصحابه يريدون أن يثبوا بالكوفة، ونمى إلى عبد الله بن يزيد اعتزام الشيعة الخروج، فخرج حتى صعد المنبر ثم قام في الناس.
стр. 879
٥١- خطبة عبد الله بن يزيد الأنصاري:
فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد، قد بلغني أن طائفة من أهل هذا المصر أرادوا أن يخرجوا علينا، فسألت عن الذي دعاهم إلى ذلك ما هو؟ فقيل لي: زعموا أنهم يطلبون بدم الحسين بن عليٍّ، فرحم الله هؤلاء القوم، قد والله دُلِلْتُ على أماكنهم، وَأُمِرْتُ بأخذهم، وقيل: ابدأهم قبل أن يبدءوك، فأبيتُ ذلك، فقلت: إن قاتلوني قاتلتهم، وإن تركوني لم أطلبهم، وعلام يقاتلونني؟ فوالله ما أنا قتلتُ حسينًا ولا أنا ممن قاتَلَهُ، ولقد أُصِبْتُ بِمَقْتَلِهِ رحمةُ اللهِ عليه، فإنَّ هؤلاءِ القومَ آمنونَ، فليخرجوا ولينتشروا ظاهرين، ليسيروا إلى من قَاتَلَ الحسين فقد أقبل إليهم، وأنا لهم على قاتله ظهيرٌ١، هذا ابنُ زيادٍ قاتلُ الحسينِ وقاتلُ خيارِكُم وأماثِلِكُم، قد توجه إليكم عَهْدُ العاهدِ بِهِ٢ على مسيرة ليلةٍ من جسر مَنْبِج٣، فَقِتالُهُ والاستعدادُ له أولى وأرشدُ من أن تجعلوا بأسَكُم بينكم، فيقتلَ بعضُكُم بعضًا، ويسفكَ بعضُكُم دماءَ بعضٍ، فيلقاكم ذلك العدو غدًا وقد رَقَقْتُم٤، وتلك واللهِ أمنيةُ عدوِّكُم، وإنه قد أقبلَ إليكُم أعدَى خلقِ اللهِ لَكُم، مَنْ وَلِيَ عليكم هو وأبوه سَبْعَ سِنِينَ، لا يُقْلِعَانِ عن قَتْلِ أهلِ العفافِ والدِّينِ، هو الذي قَتَلَكُم، ومِنْ قِبَلِهِ أُتِيتُم، والذي
стр. 880
قتل من تَثْأرُون بدمه قد جاءكم، فاستقبلوه بحدكم وشوكتكم، واجعلوها به ولا تجعلوها بأنفسكم، إني لم آلُكم نصحًا١، جَمَعَ اللهُ لنا كلمتَنا، وأصلحَ لنا أَئِمَّتَنا.
стр. 881
٥٢- خطبة إبراهيم بن محمد بن طلح ة: ١
فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة:
"أيها الناس: لايغرنكم من السيف والغشم٢ مقالة هذا المداهن الموادع؛ والله لئن خرج علينا خارج لنقتلنه، ولئن استيقنا أن قومًا يريدون الخروج علينا، لنأخذن الوالد بولده، والمولود بوالده، ولنأخذنَّ الحميمَ٣ بالحميمِ، والعريف٤ بما في عرافته، حتى يَدِينوا للحق، ويذِلُّوا للطاعة".
стр. 882
٥٣- رد المسيب بن نجبة:
فوثب إليه المسيب بن نجبة فقطع عليه منطقه، ثم قال:
"يابن الناكثين١: أنت تهددُنا بسيفِكَ وغشمِكَ؟ أنت والله أذلُّ من ذلك، إنا لا نلومك على بغضنا وقد قتلنا أباك٢ وجَدَّكَ، والله إني لأرجو أن لا يخرجك الله من بين ظهراني أهل المصر حتى يُثَلِّثُوا بك جدك وأباك، وأما أنت أيها الأمير، فقد
стр. 883
قلت قولا سديدًا، إني والله لأظن من يريد هذا الأمر١، مستنصحا لك، وقابلا قولك.
فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: "إي واللهِ لَيُقْتَلَنَّ وقد أَدْهَنَ ثم أَعْلَنَ".
стр. 884
٥٤- رد عبد الله بن وال التيمي:
فقام إليه عبد الله بن وال التيمي، فقال:
"ما اعتراضك يا أخا بني تيم بن مرة فيما بيننا وبين أميرنا؟ فوالله ما أنت علينا بأمير، ولا لك علينا سلطان! إنما أنت أمير الجزية، فأقبل على خراجك، فلعمر الله لئن كنت مفسدًا، ما أفسد أمر هذه الأمة إلا والدك وجدك الناكثانِ، فكانت بهما اليدان١ وكانت عليهما دائرةُ السَّوءِ".
ثم أقبل المسيب بن نجبة، وعبد الله بن وال على عبد الله بن يزيد فقالا:
"أما رأيك أيها الأمير فوالله إنا لنرجو أن تكون به عند العامة محمودًا، وأن تكون عند الذي عَنَيْتَ واعتريت مقبولا".
ثم نزل عبد الله بن يزيد ودخل.
فلما استهلَّ هلال ربيع الآخر سنة ٦٥ شخص سليمان بن صرد في وجوه أصحابه، وقد كان واعد أصحابه عامةً للخروج في تلك الليلة للمعسكر بالنخيلة، وأقام بها ثلاثًا يبعث ثقته من أصحابه إلى من تخلف عنه يذكرهم اللهَ وما أعطَوه من أنفسهم، فقام إليه المسيب بن نجبة، فقال: "رحمك الله إنه لا ينفعك الكاره، ولا يقاتل معك إلا من أخرجَتْهُ
стр. 885
النية، فلا تنتظرن أحدًا، واكمش١ في أمرك" قال: "فإنك واللهِ لَنِعِمَّا رأيت" فقام سليمان بن صرد في الناس متوكئًا على قوس له عربية، فقال:
стр. 886
خطبة أخرى لسليمان بن صرد
...
٥٥- خطبة سليمان بن صرد:
"أيها الناس: من كان إنما أخرجته إرادة وجه الله وثواب الآخرة، فذلك منا ونحن منه، فرحمة الله عليه حيًّا وميتًا. ومن كان إنما يريد الدنيا وحرثها١، فواللهِ ما نأتي فيئًا نستفِيئُه، ولا غنيمةً نغنَمُها، ما خلا رضوانَ اللهِ ربِّ العالمين، وما معنا من ذهبٍ ولا فضةٍ، ولا خزٍّ ولا حريرٍ، وما هو إلا سيوفنا في عواتقنا، ورماحنا في أكفنا، وزادٌ قدر البُلغَة٢ إلى لقاء عَدُوِّنا، فمن كان غيرَ هذا ينوي فلا يصحَبْنا".
стр. 887
٥٦- خطبة صخير بن حذيفة بن هلال:
فقام صخير بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني فقال:
"آتاك الله رشدَك، ولقَّاكَ حجتَكَ، واللهِ الذي لا إله غيرُهُ ما لنا خيرٌ في صحبةِ مَنِ الدُّنيا هِمَّتُهُ وَنِيَّتُهُ. أيها الناس: إنما أخرجتنا التوبةُ من ذنبِنا والطلبُ بدمِ ابنِ ابنةِ نبيِّنا ﷺ ، ليس معنا دينارٌ ولا درهمٌ، إنما نَقْدَمُ على حدِّ السيوفِ وأطرافِ الرماحِ".
فتنادى الناس من كل جانب: "إنا لا نطلب الدنيا وليس لها خرجنا".
стр. 888
٥٧- ما أشار به عبد الله بن سعد:
وكان الرأي بادئ الأمر أن يسيروا إلى عبيد الله بن زياد، فقال له عبد الله بن سعد، وعنده رءوس أصحابه جلوسٌ حوله:
стр. 889
"إني قد رأيت رأيًا، إن يكن صوابًا فالله وَفَّقَ، وإن يكن ليس بصواب فمن قِبَلِي، فإني ما آلُوكم ونفسي نُصْحًا، خطأ كان أم صوابًا، إنما خرجنا نطلب بدم الحسين وقتلة الحسين كلهم بالكوفة، منهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، ورءوس الأرباع١ وأشراف القبائل، فأنى نذهب ههنا وندع الأقتال والأوتار٢؟ ".
فقال سليمان بن صرد: فماذا ترون؟ فقالوا: "والله لقد جاء برأي، وإن ما ذَكَرَ لَكَمَا ذَكَرَ، والله ما نلقَى من قتلة الحسين –إن نحن مضينا نحو الشام- غيرَ ابنِ زيادٍ، وما طلبتنا إلا ههنا بالمصر".
стр. 890
٥٨- رأي ابن صرد:
فقال سليمان بن صرد: "لكن أنا ما أرى ذلك لكم، إن الذي قتل صاحبكم، وعبَّى الجنودَ إليه، وقال لا أمانَ له عندي دون أن يستسلم فَأُمْضِي فيه حُكْمِي، هذا الفاسق ابن الفاسق، ابن مرجانة، عبيد الله بن زياد، فسيروا إلى عدوكم على اسم الله، فإن يُظْهِرْكُم اللهُ عليه، رَجَوْنا أن يكونَ مَنْ بَعْدَهُ أهونَ شوكة منه، ورجونا أن يدين لكم من وراءكم من أهل مصركم في عافية، فتنظرون إلى كل من شرك في دم الحسين فتقاتلونه ولا تغشموا١، وإن تُسْتَشْهَدُوا فإنما قاتَلْتُم المُحِلين، وما عند الله خيرٌ للأبرار والصديقين، إني لأحب أن تجعلوا حدكم وشوكتكم بأول المحلين القاسطين، والله
стр. 891
لو قاتلتم غدًا أهل مصركم، ما عدم رجل أن يرى رجلا قد قتل أخاه وأباه وحميمه، أو رجلا لم يكن يريد قتله، فاستخيروا الله وسيروا" فتهيأ الناس للشخوص.
وبلغ عبد الله بن يزيد، وإبراهيم بن محمد بن طلحة خروج ابن صرد وأصحابه فرأيا أن يأتياهم، فخرجا إليهم في جماعة من أصحابهما، فلما انتهيا إلى ابن صرد دخلا عليه.
стр. 892
٥٩- خطبة عبد الله بن يزيد:
فحمد اللهَ عبدُ الله بن يزيد، وأثنى عليه، ثم قال:
"إن المسلم أخو المسلم، لا يخونه ولا يغشه، وأنتم إخواننا وأهل بلدنا، وأحب أهلِ مصرٍ خلقه الله إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، ولا تستبدوا علينا برأيكم، ولا تنقصوا عددنا بخروجكم من جماعتنا، أقيموا معنا حتى نتيسر ونتهيأ، فإذا علمنا أن عدونا قد شارف بلدنا، خرجنا إليهم بجماعتنا فقاتلناهم".
وتكلم إبراهيم بن محمد بنحو من هذا الكلام.
стр. 893
٦٠- خطبة سليمان بن صرد:
فحمد اللهَ سليمانُ بنُ صرد وأثنى عليه، ثم قال لهما:
"إني قد علمت أنكما قد محضتما١ في النصيحة، واجتهدتما في المشورة، فنحن بالله وله، وقد خرجنا لأمر، ونحن نسألُ اللهَ العزيمة على الرشد، والتسديد لأصوبه، ولا ترانا إلا شاخصين، إن شاء الله ذلك".
فقال عبدُ اللهِ بنُ يزيد: "فأقيموا حتى نُعَبِّي معكم جيشًا كثيفًا فتلقَوا عدوكم
стр. 894
بكثف١، وجمع وحدٍّ" فقال له سليمان: "تنصرفون ونرى فيما بيننا، وسيأتِيكُم إن شاء الله رأي".
وانصرف عبد الله بن يزيد، وإبراهيم بن محمد إلى الكوفة، وأجمع القوم على الشخوص، واستقبال ابن زياد.
стр. 895
٦١- خطبة أخرى له:
ثم إن سليمان بن صرد قام في الناس خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد أيها الناس، فإن الله قد علم ما تنوون، وما خرجتم تطلبون، وإن للدنيا تجارًا، وللآخرة تجارًا؛ فأما تاجر الآخرة فساع إليها متنصب١ بِتَطْلَابها، لا يشتري بها ثمنًا، لا يُرى إلا قائمًا وقاعدَا، وراكعًا وساجدًا، لا يطلب ذهبا ولا فضة، ولا دينًا ولا لذة؛ وأما تاجر الدنيا فمكب عليها، راتع فيها، لا يبتغي بها بدلا، فعليكم "يرحمكم الله" في وجهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل، وبذكر الله كثيرًا على كل حال، وتقربوا إلى الله جلَّ ذِكْرُهُ بكل خيرٍ قدرتم عليه، حتى تلقوا هذا العدو، والمحِلِّ القاسط فتجاهدوه، فإنكم لن تتوسلوا إلى ربكم بشيء هو أعظم عنده ثوابًا من الجهاد والصلاة، فإن الجهاد سنام العمل، جعلنا الله وإياكم من العباد الصالحين المجاهدين الصابرين على اللأواء٢ وإنا مدلجون٣ الليلة من منزلنا هذا إن شاء الله فأدلجوا".
فأدلج عشية الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر سنة ٦٥ للهجرة، وما زال يسير حتى انتهى إلى عين الوردة٤ فنزل في غربيها.
стр. 896
٦٢- خطبة أخرى
وأقبل أهل الشام في عساكرهم، حتى كانوا منها على مسيرة يوم وليلة. قال عبد الله ابن غَزِيَّة، فقام فينا سليمانُ فحمدَ الله فأطالَ، وأثنى عليه فأطنبَ، ثم ذكر السماء والأرض، والجبال والبحار وما فيهن من الآيات، وذكر آلاء الله ونعمَهُ، وذكر الدنيا فزَهَدَ فيها، وذكر الآخرة فَرَغَّبَ فيها، فذكر من هذا ما لم أحصه، ولم أقدر على حفظه، ثم قال:
"أما بعد فقد أتاكم الله بعدوكم الذي دأبتم في المسير إليه آناء١ الليل والنهار، تريدون فيما تظهرونَ التوبةَ النصوحَ، ولقاء الله مُعْذِرِين، فقد جاءوكم بل جئتموهم أنتم في دارهم وحيزهم، فإذا لقيتموهم فاصدقوهم، واصبروا إن الله مع الصابرين، ولا يُوَلِّهِمْ امرؤٌ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً٢ لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً٣ إِلَى فِئَةٍ، إلى فئة، لا تقتلوا مدبرًا، ولا تُجْهِزُوا على جريحٍ، ولا تقتلوا أسيرًا من أهل دعوتكم٤ إلا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه، أو يكون من قتلة إخواننا بالطَّفِّ رحمة الله عليهم، فإن هذه كانت سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في أهل هذه الدعوة".
ودارت رحى الحرب بينهم وبين جيوش عبيد الله بن زياد واستشْهِدَ في المعركة سليمان بن صرد، بعد أن قتل من القوم مقتلة عظيمة، وقُتِلَ أيضًا من رءوس أصحابه: المسيب بن نجبة، وعبد الله بن سعد بن نفيل، وعبد الله بن والٍ، فلما رأى من بقي
стр. 897
من التوابين أن لا طاقة لهم بمن بإزائهم من أهل الشأم انحازوا عنهم وارتحلوا، وعليهم رفاعة بن شداد البَجَلِيّ.
"وكان ذلك في ربيع الآخر سنة ٦٥هـ"١
стр. 898
٦٣- خطبة عبد الملك بن مروان:
وأُتِيَ عبدُ الملك بن مروان ببشارة الفتح، فصعد المنبر، فحمدَ اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: فإن الله قد أهلك من رءوسِ أهلِ العراقِ ملقحَ١ فتنةٍ، ورأسَ ضلالةٍ، سليمانَ بنَ صرد، ألا وإن السيوف تركتَ رأسَ المسيب بن نجبة خَذَارِيفَ٢، ألا وقد قُتِلَ من رُءوسِهِم رأسَين عظيمَين ضالَّين مُضِلَّين: عبد الله بن سعد أخا الأزد، وعبد الله بن والٍ أخا بكرِ بن وائل، فلم يبق بعد هؤلاء أحد عنده دفاعٌ ولا امتناعٌ".
"تاريخ الطبري ٧: ٤٧-٨٣، ومروج الذهب ٢: ١١٠"
стр. 899
طلب المختار بن أبي عبيد الثقفي بدم الحسين ﵁:
٦٤- خطبته حين قدم الكوفة:
وقدم المختار بن أبي عبيد الثقفي١ الكوفة في النصف من رمضان سنة ٦٤هـ، فأتاه بعض الشيعة ليلا، فساءلهم عن أمر الناس، وعن حال الشيعة، فقالوا له: إن الشيعة قد اجتمعت لسليمان بن صرد الخزاعي، وإنه لن يلبث إلا يسيرا حتى يخرج.
فحمدَ اللهَ وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال:
стр. 900
"أما بعد: فإن المهدي بن الوصي، محمد بن علي، بعثني إليكم أمينًا ووزيرًا، ومنتجبًا وأميرًا، وأمرني بقتال الملحدين والطلب بدماء أهل بيته، والدفع عن الضعفاء".
وأقبل يبعث إلى الشيعة، فيقول لهم: "إني قد جئتكم من قبل ولي الأمر، ومعدن الفضل، ووصيّ الوصيّ، والإمام المهدي، بأمر فيه الشفاء، وكشف الغطاء، وقتل الأعداء، وتمام النعماء إن سليمان بن صرد يرحمنا الله وإياه، إنما هو عَشَمة١ من العَشَم وحِفْشٌ٢ بالٍ، ليس بذي تجربة للأمور، ولا له علم بالحروب، إنما يريد أن يخرجكم فيقتلَ نفسَهُ ويقتُلَكُم، إني إنما أعمل على مِثَالٍ قد مُثِّلَ لي، وأمر قد بُيِّنَ لي، فيه عِزُّ وَلِيُّكم، وَقَتْلُ عَدُوِّكُم، وشفاءُ صدوركم، فاسمعوا مني قولي، وأطيعوا أمري، ثم أبشروا وتباشروا، فإني لكم بكل ما تأملون خيرُ زعيمٍ".
فما زال بهذا القول ونحوه، حتى استمال طائفة من الشيعة، وَعُظْمُهُم يومئذ مع سليمان بن صرد، فلما خرج ابن صرد نحو الجزيرة، خاف عبد الله بن يزيد الأنصاري -أمير الكوفة من قبل ابن الزبير- أن يثب المختارُ عليه، فزجه في السجن.
"تاريخ الطبري ٧: ٦٤".
стр. 901
٦٥- ما كان يردده على زائريه في سجنه:
وكان يردد على زائريه في سجنه هذا القول:
"أما وَرَبِّ البحار، والنخيل والأشجار، والمَهَامَهِ١ والقِفار، والملائكةِ الأبرار،
стр. 902
والمصطفين الأخيار، لأقتلن كل جبار، بكل لَدِنٍ خَطّارٍ١، ومهند بتار٢، في جموع من الأنصار، ليسوا بمِيلٍ أُغْمارٍ٣، ولا بِعَزْلٍ٤ أَشْرارٍ، حتى إذا أقمتُ عمودَ الدِّينِ، ورأيت شَعْبَ٥ صَدْعِ المسلمين، وشفيت غليل صدور المؤمنين، وأدركت بثأر النبيين، لم يكبُرْ عليَّ زوال الدنيا، ولم أحفل بالموت إذا أتى".
ثم خلى عبد الله بن يزيد سبيله، بشفاعة عبد الله بن عمر فيه، واختلفت إليه الشيعة بعد خروجه من السجن، واجتمعت عليه، واتفق رأيها على الرضا به، ولم يزل أصحابه يكثرون، وأمره يقوى ويشتد، حتى عزل ابن الزبير عبد الله بن يزيد عن الكوفة وولى عليها عبدَ اللهِ بن مطيع العدوي.
"تاريخ الطبري ٧: ٦٥".
стр. 903
٦٦- خطبة عبد الله بن مطيع العدوي حين قدم الكوفة:
وقدم عبد الله بن مطيع العدوي الكوفة "لخمس بقين من رمضان سنة ٦٥" فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
"أما بعد: فإن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بعثني على مصركم وثغوركم، وأمرني بجباية فيئكم، وأن لا أحمل فضل١ فيئكم عنكم إلا برضًا منكم، ووصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته٢، وبسيرة عثمان بن عفان التي سار بها في المسلمين، فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا، وخذوا على أيدي سفهائكم، وإلا تفعلوا
٦٧- رد السائب بن مالك الأشعري عليه:
فقام إليه السائب بن مالك الأشعري –وهو من رءوس أصحاب المختار- فقال:
"أما أمر ابن الزبير إياك ألا تحمل فضل فيئنا عنا إلا برضانا، فإنا نشهدك أنا لا نرضى أن تحمل فضل فيئنا عنا، وأن لا يُقَسَّمَ إلا فينا، وأن لا يسار فينا إلا بسيرة عليِّ بن أبي طالب، التي سار بها في بلادنا هذه، حتى هلك رحمة الله عليه، ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا، فإنها إنما كانت أَثَرَةً وَهَوًى، ولا في سيرة عمر بن الخطاب في فيئنا، وإن كانت أهون السيرتين علينا ضرًّا، وقد كان لا يألوا الناس خيرًا".
فقال يزيد بن أنس الأسدي: صدق السائب بن مالك وبرَّ، رأيُنَا مثلُ رأيِهِ، وَقُولُنا مثلُ قَوْلِهِ، فقال ابنُ مُطِيع: نسير فيكم بكل سيرة أحببتموها وهويتموها، ثم نزل. فقال يزيد بن أنس: ذهبتَ بفضلِها يا سائب، لا يَعْدَمك المسلمون!
"تاريخ الطبري ٧: ٩٥".
стр. 906
٦٨- خطبة عبد الرحمن بن شريح:
وبعث المختار إلى أصحابه، فأخذ يجمعهم في الدور حوله، وأراد أن يثب بالكوفة في المحرم، فجاء رجل منهم يقال له: عبد الرحمن بن شريح، فلقي جماعة من إخوانه، واجتمعوا في منزل أحدهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد، فإن المختار يريد أن يخرج بنا، وقد بايعناه، ولا ندري أرسله إلينا ابن الحنفية أم لا؟ فانهضوا بنا إلى ابن الحنفية فلنخبره بما قدم علينا به، وبما دعانا إليه، فإن رخص لنا في اتباعه اتبعناه، وإن نهانا عنه اجتنبناه، فوالله ما ينبغي أن يكون شيء من أمر الدنيا آثرَ عندنا من سلامة ديننا".
فقالوا له: أرشدك الله، فقد أصبت ووفقت، اخرج بنا إذا شئت، فأجمع رأيهم على أن يخرجوا إليه، فلما قدموا عليه بدأ عبد الرحمن بن شريح، فتكلم:
"تايخ الطبري ٧: ٩٦"
стр. 907
٦٩- خطبة أخرى له:
فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: فإنكم أهل بيت خصكم الله بالفضيلة، وشرفكم بالنبوة، وعظم حقكم على هذه الأمة، فلا يجهل حقكم إلا مغبون الرأي، مخسوس النصيب، قد أُصِبْتُم بحسينٍ رحمة الله عليه، عظمت مصيبة! ما قد خصكم بها، قد عُمَّ بها المسلمون وقد قدم علينا المختار بن أبي عبيد، يزعم لنا أنه قد جاءنا من تلقائكم، وقد دعانا إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، والطلب بدماء أهل البيت، والدفع عن الضعفاء، فبايعناه على ذلك، ثم إنا رأينا أن نأتيك فنذكر لك ما دعانا إليه، وندبنا له، فإن أمرتنا باتباعه اتبعناه، وإن نهيتنا عنه اجتنبناه".
ثم تكلموا واحدًا واحدًا بنحو مما تكلم به صاحبهم وهو يسمع حتى إذا فرغوا.
"تاريخ الطبري ٧: ٩٦"
стр. 908
٧٠- خطبة محمد بن الحنفية:
حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال:
"أما بعد: فأما ما ذكرتم مما خصصنا الله به من فضل، فإن الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فلله الحمد، وأما ما ذكرتم من مصيبتنا بحسين، فإن ذلك كان في الذكر الحكيم١، وهي ملحمة٢ كتبت عليه، وكرامة أهداها الله له، رفع بما كان منها درجات قوم عنده، ووضع بها آخرين، وكان أمر الله مفعولا، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وأما ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطلب بدمائنا، فوالله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم".
فخرجوا من عنده، وهم يقولون: قد أذن لنا، قد قال: "لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه" ولو كره لقال: "لا تفعلوا".
"تاريخ الطبري ٧: ٩٧"
стр. 909
٧١- خطبة المختار:
وبلغ المختار مخرجهم فشق ذلك عليه، وخشي أن يأتوه بأمر يخذل الشيعة عنه، فكان يقول:
"إن نفيرًا منكم ارتابوا، وتحيروا وخابوا، فإن هم أصابوا، أقبلوا وأنابوا، وإن هم
стр. 910
كبَوْا وهابوا، واعترضوا وانجابوا١، فقد ثَبَرُوا٢ وحابُوا٣" وأقبل القوم، فدخلوا على المختار، فقال لهم: ما وراءكم؟ قد فتنتم وارتبتم، فقالوا له: قد أمرنا بنصرتك، فقال: الله أكبر أنا أبو إسحق! اجمعوا إلي الشيعة، فجمع له منهم من كان منه قريبًا فقال:
"يا معشر الشيعة: إن نفرًا منكم أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى، والنجيب المرتضى، ابن خير من طشى٤ ومشى، حاشا النبي المجتبى٥ فسألوه عما قدمت به عليكم، فنبأهم أني وزيره وظهيره، ورسوله وخليله، وأمركم باتباعي وطاعتي فيما دعوتكم إليه، من قتال المحلين، والطلب بدماء أهل بيت نبيكم المصطفين".
стр. 911
خطبة أخرى لعبد الرحمن بن شريح
...
٧٢- خطبة عبد الرحمن بن شريح:
فقام عبد الرحمن بن شريح، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: يا معشر الشيعة فإنا قد كنا أحببنا أن نستثبت لأنفسنا خاصة، ولجميع إخواننا عامة، فقدمنا على المهدي بن علي، فسألناه عن حربنا هذه، وعما دعانا إليه المختار منها، فأمرنا بمظاهرته ومؤازرته، وإجابته إلى ما دعانا إليه، فأقبلنا طيبة أنفسنا
стр. 912
منشرحة صدورنا، قد أذهب الله منها الشك والغل والريب، واستقامت لنا بصيرتنا في قتالنا عدونا، فليبلغ ذلك شاهدكم غائبكم، واستعدوا وتأهبوا" ثم جلس.
وقاموا رجلا فرجلا فتكلموا بنحو من كلامه، فاستجمعت له الشيعة وحَدَبَتْ١ عليه.
"تاريخ الطبري ٧: ٩٧"
стр. 913
٧٣- خطبة المختار في دار إبراهيم بن الأشتر:
ومضى المختار في بضعة عشر رجلا من وجوه أصحابه إلى دار إبراهيم بن الأشتر١ يدعوه أن يناصره، فاستأذن عليه فأذن له، وألقى لأصحابه وسائد فجلسوا عليها، وجلس المختار معه على فراشه، فقال المختار:
"الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وصلى الله على محمد والسلام عليه، أما بعد: فإن هذا كتاب إليك من المهدي محمد بن أمير المؤمنين الوصي، وهو خير أهل الأرض اليوم، وابن خير أهل الأرض كلها قبل اليوم، بعد أنبياء الله ورسله، وهو يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا، فإن فعلت اغتبطت، وإن لم تفعل فهذا الكتاب حجة عليك، وسيغني الله المهدي محمدًا وأولياءه عنك٢" فبايعه إبراهيم.
стр. 914
وجعل المختار وأصحابه يديرون أمورهم حتى اجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول سنة ٦٦، فثاروا بالكوفة، ونشب القتال بينهم وبين جند ابن مطيع.
"تاريخ الطبري ٧: ٩٨"
стр. 915
٧٤- خطبة يزيد بن أنس الأسدي:
ولما حمل خيل ابن مطيع على أصحاب المختار خطبهم يزيد بن أنس الأسدي محرضًا، فقال:
"يا معشر الشيعة: قد كنتم تقتلون وتقطع أيديكم وأرجلكم، وتسمل أعينكم، وترفعون على جذوع النخل، في حب أهل بيت نبيكم، وأنتم مقيمون في بيوتكم وطاعة عدوكم، فما ظنكم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم اليوم؟ إذن والله لا يدعون منكم عينا تطرف١، وليقتلنكم صبرًا٢، ولترون منهم في أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما الموت خير منه، والله لا ينجيكم منه إلا الصدق والصبر والطعن الصائب في أعينهم، والضرب الدَّرَّاك على هامهم، فتيسروا للشدة، وتهيئوا للحملة، فإذا حركت رايتي مرتين فاحملوا".
"تاريخ الطبري ٧: ١٠٤"