خطبة أخرى لعبد الرحمن بن شريح
...
٧٢- خطبة عبد الرحمن بن شريح:
فقام عبد الرحمن بن شريح، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: يا معشر الشيعة فإنا قد كنا أحببنا أن نستثبت لأنفسنا خاصة، ولجميع إخواننا عامة، فقدمنا على المهدي بن علي، فسألناه عن حربنا هذه، وعما دعانا إليه المختار منها، فأمرنا بمظاهرته ومؤازرته، وإجابته إلى ما دعانا إليه، فأقبلنا طيبة أنفسنا
стр. 912
منشرحة صدورنا، قد أذهب الله منها الشك والغل والريب، واستقامت لنا بصيرتنا في قتالنا عدونا، فليبلغ ذلك شاهدكم غائبكم، واستعدوا وتأهبوا" ثم جلس.
وقاموا رجلا فرجلا فتكلموا بنحو من كلامه، فاستجمعت له الشيعة وحَدَبَتْ١ عليه.
"تاريخ الطبري ٧: ٩٧"
стр. 913
٧٣- خطبة المختار في دار إبراهيم بن الأشتر:
ومضى المختار في بضعة عشر رجلا من وجوه أصحابه إلى دار إبراهيم بن الأشتر١ يدعوه أن يناصره، فاستأذن عليه فأذن له، وألقى لأصحابه وسائد فجلسوا عليها، وجلس المختار معه على فراشه، فقال المختار:
"الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وصلى الله على محمد والسلام عليه، أما بعد: فإن هذا كتاب إليك من المهدي محمد بن أمير المؤمنين الوصي، وهو خير أهل الأرض اليوم، وابن خير أهل الأرض كلها قبل اليوم، بعد أنبياء الله ورسله، وهو يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا، فإن فعلت اغتبطت، وإن لم تفعل فهذا الكتاب حجة عليك، وسيغني الله المهدي محمدًا وأولياءه عنك٢" فبايعه إبراهيم.
стр. 914
وجعل المختار وأصحابه يديرون أمورهم حتى اجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول سنة ٦٦، فثاروا بالكوفة، ونشب القتال بينهم وبين جند ابن مطيع.
"تاريخ الطبري ٧: ٩٨"
стр. 915
٧٤- خطبة يزيد بن أنس الأسدي:
ولما حمل خيل ابن مطيع على أصحاب المختار خطبهم يزيد بن أنس الأسدي محرضًا، فقال:
"يا معشر الشيعة: قد كنتم تقتلون وتقطع أيديكم وأرجلكم، وتسمل أعينكم، وترفعون على جذوع النخل، في حب أهل بيت نبيكم، وأنتم مقيمون في بيوتكم وطاعة عدوكم، فما ظنكم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم اليوم؟ إذن والله لا يدعون منكم عينا تطرف١، وليقتلنكم صبرًا٢، ولترون منهم في أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما الموت خير منه، والله لا ينجيكم منه إلا الصدق والصبر والطعن الصائب في أعينهم، والضرب الدَّرَّاك على هامهم، فتيسروا للشدة، وتهيئوا للحملة، فإذا حركت رايتي مرتين فاحملوا".
"تاريخ الطبري ٧: ١٠٤"
стр. 916
٧٥- خطبة عبد الله بن مطيع:
وحمل أصحاب المختار على جند ابن مطيع، فكشفوهم، وهزموهم، فخرج ابن مطيع، فقام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
стр. 917
"أيها الناس: إن من أعجب العجب عجزكم عن عصبة منكم، قليل عددها، خبيث دينها، ضالة مضلة، اخرجوا إليهم، فامنعوا منهم حريمكم، وقاتلوهم عن مصركم، وامنعوا منهم فيئكم، وإلا ليشاركنكم في فيئكم من لا حق له فيه، والله لقد بلغني أن فيهم خمسمائة رجل من محرَّرِيكم عليهم أمير منهم، وإنما ذهاب عزكم وسلطانكم، وتغير دينكم حين يكثرون". ثم نزل.
"تاريخ الطبري ٧: ١٠٦"
стр. 918
٧٦- تحريض ابن الأشتر أصحابه:
واستنفر ابن مطيع الناس لقتال المختار وصده، وأقبل إبراهيم بن الأشتر في أصحابه فقال لهم:
"قربوا خيولكم بعضها إلى بعض، ثم امشوا إليهم مصلتين١ السيوف، ولا يهولنكم أن يقال: جاءكم شبث بن ربعي، وآل عتيبة بن النهاس، وآل الأشعث، وآل يزيد بن الحارث، وآل فلان -فسمى بيوتات من بيوتات أهل الكوفة- ثم قال: إن هؤلاء لو قد وجدوا بهم حر السيوف قد انصفقوا٢ عن ابن مطيع انصفاق المعزى عن الذئب" ثم قال لأصحابه: شدوا عليهم، فدًا لكم عمي وخالي.
فما لبَّثهم أن هزمهم، فركب بعضهم بعضًا، ومضى بأصحابه في آثارهم حتى دخلوا السوق والمسجد، وحصروا ابن مطيع ثلاثًا.
"تاريخ الطبري ٧: ١٠٧"
стр. 919
٧٧- خطبة ابن مطيع وهو محصور:
فلما اشتد الحصار على ابن مطيع وأصحابه، أشار عليه شبث بن ربعي أن يخرج من القصر لا يشعر به أحد، حتى ينزل منزلا بالكوفة عند من يستنصحه، ويثق به، ولا يعلم بمكانه إلى أن يخرج، فيلحق بصاحبه "ابن الزبير".
стр. 920
وفي مساء اليوم الثالث دعا ابن مطيع أصحابه، فذكر الله بما هو أهله، وصلى على نبيه ﷺ وقال:
"أما بعد: فقد علمت الذين صنعوا هذا منكم من هم، وقد علمت إنما هم أراذلكم وسفهاؤكم وطغامكم وأخساؤكم، ما عدا الرجل أو الرجلين، وأن أشرافكم، وأهل الفضل منكم لم يزالوا سامعين مطيعين مناصحين، وأنا مبلغ ذلك صاحبي، ومعلمه طاعتكم وجهادكم عدوَّه، حتى كان الله الغالب على أمره، وقد كان من رأيكم وما أشرتم به عليَّ ما قد علمتم، وقد رأيت أن أخرج الساعة".
فقال له شبث: "جزاك الله من أمير خيرًا، فقد والله عففت عن أموالنا، وأكرمت أشرافنا، ونصحت لصاحبك، وقضيت الذي عليك، والله ما كنا لنفارقك أبدًا، إلا ونحن منك في إذن" فقال: جزاكم الله خيرًا، ثم خرج، وخلى القصر، وفتح أصحابه الباب، فقالوا: يابن الأشتر، آمنون نحن؟ قال: أنتم آمنون، فخرجوا، فبايعوا المختار.
"تاريخ الطبري ٧: ١٠٨"
стр. 921
٧٨- خطبة المختار بعد هرب ابن مطيع:
وجاء المختار حتى دخل القصر، فبات به، وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر، وخرج المختار، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، فقال:
"الحمد لله الذي وعد وليه النصر، وعدوه الخسر، وجعله فيه إلى آخر الدهر وعدًا مفعولا، وقضاء مقضيًّا، وقد خاب من افترى، أيها الناس: إنه رفعت لنا راية، ومدت لنا غاية، فقيل لنا في الراية أن ارفعوها ولا تضعوها، وفي الغاية أن اجروا إليها ولا تعدوها، فسمعنا دعوة الداعي، ومقالة الواعي، فكم من ناع وناعية، لقتلى
стр. 922
في الواعية١ وبعدًا لمن طغى، وأدبر وعصى، وكذب وتولى، ألا فادخلوا أيها الناس فبايعوه بيعة هدى، فلا والذي جعل السماء سقفًا مكفوفًا٢، والأرض فجاجًا٣ سبلا، ما بايعتم بعد بيعة علي بن أبي طالب وآل علي أهدى منها".
ثم نزل، ودخل عليه أشراف الناس، فبسط يده وابتدره الناس فبايعوه، وجعل يقول: تبايعونني على كتاب الله وسنة نبيه، والطلب بدماء أهل البيت، وجهاد المحلِّين، والدفع عن الضعفاء، وقتال من قاتلنا، وسلم من سالمنا، والوفاء ببيعتنا، لا نقيلكم ولا نستقيلكم" فإذا قال الراجل نعم: بايعه.
ثم وثب المختار بمن كان بالكوفة من قتلة الحسين ﵁ والمشايعين على قتله، فقتل من قدر عليه منهم، وهرب من الكوفة بعضهم فلم يقدر عليه، وكان ممن قتلهم عمر بن سعد بن أبي وقاص وابنه، وبعث برأسيهما إلى محمد بن الحنفية.
"تاريخ الطبري ٧: ١٠٨"
стр. 923
٧٩- خطبة المختار وقد استنصره ابن الحنفية:
ولما كتب محمد بن الحنفية ﵁ إلى المختار يعلمه بما ناله هو ومن معه من ابن الزبير من سجنهم وتوعدهم بالقتل والتحريق بالنار إن لم يبايعوا له١ نادى المختار في الناس، وقرأ عليهم الكتاب، وقال:
стр. 924
"هذا كتاب مهديكم، وصريح١ أهل بيت نبيكم، وقد تُرِكُوا محظورًا٢ عليهم كما يحظر على الغنم، ينتظرون القتل والتحريق بالنار، في آناء الليل وتارات٣ النهار، ولست أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصرًا مؤزرًا٤، وإن لم أسرب إليهم الخيل في إثر الخيل، كالسيل يتلوه السيل، حتى يحل بابن الكاهلية٥ الويل".
"تاريخ الطبري ٧: ١٣٦"
٨٠- خطبته وقد شيع ابن الأشتر لقتال عبيد الله بن زياد: ١
وخرج يشيع٢ إبراهيم بن الأشتر حين شخص لقتال عبيد الله بن زياد٣ فقال للناس:
стр. 927
"إن استقمتم فبنصر الله، وإن حصتم حيصة١ فإني أجد في محكم الكتاب، وفي اليقين والصواب، أن الله مؤيدكم بملائكة غِضَابٍ، تأتي في صور الحمام دوين٢ السحاب".
"الكامل للمبرد ٢: ١٦٩"
стр. 928
٨١- خطبته وقد سار إليه مصعب بن الزبير:
ولما بلغ المختار مسير مصعب بن الزبير إليه من البصرة١ قام في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"يأهل الكوفة، يأهل الدين، وأعوان الحق، وأنصار الضعيف، وشيعة الرسول، وآل الرسول، إن فُرَّارَكم الذين بغوا عليكم أتوا أشباههم من الفاسقين فاستغْوَوْهم عليكم، ليمْصَحَ٢لحق، وينتعش الباطل، ويقتل أولياء الله، والله لو تهلكون ما عبد الله في الأرض إلا بالفري٣على الله، واللعن لأهل بيت نبيه،
стр. 929
انتدبوا١ مع أحمر بن شميط: فإنكم لو قد لقيتموهم لقد قتلتموهم إن شاء الله قتل عاد٢ وإرم".
وتزاحف الجندان، وانهزم أصحاب المختار، وقتل "في رمضان سنة ٦٧"٣.
"تاريخ الطبري ٧: ١٤٨"
стр. 930
٨٢- خطبة محمد بن الحنفية يرد على عبد الله بن الزبير وقد تنقص الإمام:
خطب ابن الزبير، فنال من الإمام علي كرم الله وجهه، فبلغ ذلك ابنه محمد ابن الحنفية ﵁، فأقبل حتى وضع له كرسي قدامه، فعلاه وقال:
"يا معشر قريش، شاهت الوجوه١، أينتقص علي وأنتم حضور؟ إن عَلِيًّا كان سهمًا صادقًا، أحد مرامي الله على أعدائه، يقتلهم لكفرهم، ويهوعهم٢ مآكلهم، فثقل عليهم، فرموه بصرفة الأباطيل٣، وإنا معشر له على نهج٤ من أمره بنو الحسبة٥ من الأنصار، فإن تكن لنا الأيام دولة ننثر عظامهم، ونحسر٦
стр. 931
عن أجسادهم، والأبدان يومئذ بالية: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ .
فعاد ابن الزبير إلى خطبته وقال: "عذرت بني الفواطم يتكلمون، فما بال بني الحنفية؟ " فقال محمد: "يابن أم رومان١، ومالي لا أتكلم؟ أليست فاطمة بنت محمد حليلة٢ أبي وأم إخوتي؟ أو ليست فاطمة٣ بنت أسد بن هاشم جدتي؟ أو ليست فاطمة٤ بنت عمرو بن عائذ جدة أبي؟ أما والله لولا خديجة بنت خويلد٥ ما تركت في بني أسد عظمًا إلا هشمته، وإن نالتني فيه المصائب صبرت".
"مروج الذهب ٢: ١٠٢".
стр. 932
٨٣- عبد الله بن عباس ومعاوية:
ودخل عبد الله بن عباس على معاوية وعنده وجوه قريش، فلما سلم وجلس، قال له معاوية: "إني أريد أن أسألك عن مسائل" قال: "سل عما بدا لك" قال: "ما تقول في أبي بكر؟ " قال: "رحم الله أبا بكر، كان والله للقرآن تاليًا، وعن المنكر ناهيًا، وبذنبه عارفًا، ومن الله خائفًا، وعن الشبهات زاجرًا، وبالمعروف آمرًا، وبالليل قائمًا، وبالنهار صائمًا، فاق أصحابه ورعًا وكفافًا١، وسادهم زهدًا وعفافًا، فغضب الله على من أبغضه وطعن عليه" قال معاوية: إيهًا٢ يابن عباس، فما تقول في عمر بن الخطاب؟ " قال: "رحم الله أبا حفص عمر، كان والله حليف الإسلام،
стр. 933
ومأوى الأيتام، ومنتهى الإحسان، ومحل الإيمان، وكهف١ الضعفاء، ومعقل الحنفاء٢، قام بحق الله صابرًا محتسبًا٣، حتى أوضح الدين، وفتح البلاد وأمَّنَ العباد، فأعقب الله على من ينقصه اللعنة إلى يوم الدين". قال: "فما تقول في عثمان؟ " قال: "رحم الله أبا عمرو كان والله أكرم الجعدة٤، وأفضل البررة، هجادًا٥ بالأسحار، كثير الدموع عند ذكر النار، نهاضًا عند كل مكرمة، سباقًا إلى كل منحة، حييًّا أبيًّا وفيًّا، صاحب جيش العسرة٦، وخَتَنَ٧ رسول الله ﷺ ، فأعقب اللهُ على من يلعنه لعنة اللاعنين، إلى يوم الدين" قال: "فما تقول في علي؟ " قال: رضي الله عن أبي الحسن، كان والله علم الهدى، وكهف التقى، ومحمل الحجا٨، وبحر الندى، وطود النهى٩، وكهف العلا، للورى داعيًا إلى المحجة١٠، متمسكًا بالعروة الوثقى، خير من آمن واتقى، وأفضل من تقمص وارتدى، وأبر من انتعل وسعى١١، وأفصح من تنفس وقرا، وأكثر من شهد النجوى -سوى الأنبياء والنبي المصطفى- صاحب القبلتين، فهل يوازيه أحد؟ وأبو السبطين١٢ فهل يقارنه بشر، وزوج خير النسوان١٣، فهل يفوقه قاطن بلد؟ للأسود قتال، وفي الحروب ختال١٤، لم تر عيني مثله ولن ترى، فعلى من انتقصه
стр. 934
لعنة الله والعباد، إلى يوم التناد١" قال: "إيهًا يا بن عباس، لقد أكثرت في ابن عمك" قال: "فما تقول في أبيك العباس؟ " قال: "رحم الله العباس أبا الفضل، كان صنو٢ نبي الله ﷺ ، وقرة عين صفي الله، سيد الأعمام، له أخلاق آبائه الأجواد، وأحلام أجداده الأمجاد، تباعدت الأسباب في فضيلته، صاحب البيت والسقاية والمشاعر٣ والتلاوة، ولم لا يكون كذلك، وقد ساسه أكرم من دبَّ٤" فقال معاوية: "يابن عباس، أنا أعلم أنك كلماني٥ أهل بيتك" قال: "ولم لا أكون كذلك، وقد قال رسول الله ﷺ : "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل".
ثم قال ابن عباس بعد هذا الكلام: "يا معاوية، إن الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، خص محمدًا ﷺ بصحابة آثروه على الأنفس والموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال، ووصفهم الله في كتابه فقال: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ، قاموا بمعالم الدين، وناصحوا الاجتهاد للمسلمين، حتى تهذبت طرقه، وقويت أسبابه، وظهرت آلاء٦ الله، واستقر دينه، ووضحت أعلامه، وأذل الله بهم الشرك، وأزال روحه، ومحا دعائمه، وصارت كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية، والأرواح الطاهرة العالية، فقد كانوا في الحياة لله أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء أصحاء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها"، فقطع عليه معاوية الكلام، وقال: إيها ابن عباس، حدثنا في غير هذا.
"مروج الذهب ٢: ٨٤"
стр. 935
عبد الله بن عباس ومعاوية أيضا
مدخل
...
عبد الله بن عباس ومعاوية أيضًا:
اجتمعت قريش الشامِ والحجازِ عند معاوية، وفيهم عبد الله بن عباس، وكان جريئًا على معاوية حقارًا له١ فبلغه عنه بعض ما غمه، فقال معاوية:
стр. 936
٨٤- مقال معاوية:
رحم الله أبا سفيان والعباس، كانا صَفِيِّيْن١ دون الناس، فحفظتُ الميت في الحي، والحي في الميت، استعملك علي يابن عباس على البصرة، واستعمل عبيد الله أخاك على اليمن، واستعمل أخاك٢ على المدينة، فلما كان من الأمر ما كان، هنأتكم٣ ما في أيديكم، ولم أكشفكم عما وعت غراركم٤، وقلت: آخذ اليوم وأعطى غدًا مثله، وعلمت أن بدء اللؤم يضر بعاقبة الكرم، ولو شئت لأخذت بحلاقيمكم وقيأتكم ما أكلتم، لا يزال يبلغني عنكم ما تبرُك له الإبل، وذنوبكم إلينا أكثر من ذنوبنا إليكم، خذلتم عثمان بالمدينة، وقتلتم أنصاره يوم الجمل، وحاربتموني بصفين، ولعمري لبنو تيم وعدي٥ أعظم ذنوبًا منا إليكم، إذ صرفوا عنكم هذا الأمر، وسنُّوا فيكم هذه السنة، فحتى متى أُغْضِي الجفونَ على القَذَى٦، وأسحب الذيول على الأذى، وأقول لعل الله وعسى! ما تقول يابن عباس؟
стр. 937
٨٥- مقال ابن عباس:
فتكلم ابن عباس فقال:
رحم الله أبانا وأباك، كانا صَفِيَّيْنِ متفاوضين١، لم يكن لأبي من مال إلا ما فَضَلَ لأبيك، وكان أبوك كذلك لأبي، ولكن من هنَّأ أباك بإخاء أبي أكثر ممن هنَّأ أبي بإخاء أبيك، نصر أبي أباك في الجاهلية، وحقن دَمَه في الإسلام٢، وأما استعمال علي إيانا فلنفسه دون هواه، وقد استعملت أنت رجالا لهواك لا لنفسك، منهم ابن الحضرمي على البصرة فَقُتِلَ، وبسر بن أرطأة على اليمن فخان، وحبيب بن مرة على الحجاز فَرُدَّ، والضحاك بن قيس الفهري على الكوفة فحُصِبَ، ولو طلبت ما عندنا وقينا أعراضنا، وليس الذي يبلغك عنا بأعظم من الذي يبلغنا عنك، ولو وضع أصغر ذنوبكم إلينا على مائة حسنة لمحقها، ولو وضع أدنى عذرنا إليكم على مائة سيئة لحسَّها، وأما خذلنا عثمان فلو لزمنا نصْرُهُ لَنَصَرْنَاهُ، وأما قَتْلُنا أنصارَه يوم الجمل، فعلى خروجهم مما دخلوا فيه، وأما حَرْبنا إياك بصفين، فعلى تركك الحق وادعائك الباطل، وإما إغراؤك إيانا بتيم وعدي فلو أردناها ما غلبونا عليه" وسكت.
"العقد الفريد ٢: ١١٠".
стр. 938
عبد الله بن عباس ومعاوية أيضًا:
٨٦- مقال معاوية لابن عباس:
أقبل معاوية يومًا على ابن عباس، فقال:
"لو وليتمونا ما أتيتم إلينا ما أتينا إليكم من الترحيب والتقريب وإعطائكم الجزيل، وإكرامكم على القليل، وصبري على ما صبرت عليه منكم، إني لا أريد أمرًا إلا أظمأتم
стр. 939
صدره١، ولا آتي معروفًا إلا صغرتم خطره٢، وأعطيكم العطية فيها قضاء حقوقكم، فتأخذونها متكارهين عليها، تقولون: قد نقص الحق دون الأمل، فأي أمل بعد ألف ألف أعطيها الرجل منكم، ثم أكون أسرَّ بإعطائها منه بأخذها؟ والله لئن انخدعت لكم في مالي، وذللت لكم في عرضي، أرى انخداعي كرمًا، وذلي حلمًا، ولو وليتمونا رضينا منكم بالانتصاف، ولا نسألكم أموالكم؛ لعلمنا بحالكم وحالنا، ويكون أبغضها إلينا أحبها إليكم أن نعفيكم".
стр. 940
٨٧- مقال ابن عباس:
فقال ابن عباس:
"لو ولينا أحسنا المواساة، وامتننا بالأَثَرَة١، ثم لم نغشم٢ الحي، ولم نشتم الميت٣، فلستم بأجود منا أكفًّا، ولا أكرم أنفسًا، ولا أصون لأعراض المروءة، ونحن والله أعطى للآخرة منكم للدنيا، وأعطى في الحق منكم في الباطل، وأعطى على التقوى منكم على الهوى، والقسم بالسوية والعدل في الرعية يأتيان على المنى والأمل، ما أرضاكم منا بالكفاف، فلو رضيتم منا لم نرضَ بأنفسنا به لكم، والكفاف رضا من لا حق له، فلا تُبَخِّلُونا٤ حتى تسألونا، ولا تَلْفِظُونا حتى تذوقونا".
العقد الفريد: ٢: ١١١".
стр. 941
عبد الله بن عباس ومعاوية أيضًا:
٨٨- مقال معاوية لبني هاشم:
اجتمع بنو هاشم عند معاوية، فأقبل عليهم، فقال:
"يا بني هاشم، والله إن خيري لكم لممنوح، وإن بابي لكم لمفتوح، فلا يقطع خيري عنكم علة، ولا يُوصِد١ بابي دونكم مسألةٌ، ولما نظرت في أمري وأمركم رأيت أمرًا مختلفًا، إنكم لترون أنكم أحق بما في يدي مني، وإذا أعطيتكم عطية فيها قضاء حقكم قلتم: أعطانا دون حقنا، وقصَّر بنا عن قدرنا، فصرت كالمسلوب، والمسلوب لا حمد له، وهذا مع إنصاف قائلكم، وإسعاف سائلكم".
стр. 942
٨٩- مقال ابن عباس:
فأقبل عليه ابن عباس فقال:
"والله ما منحتنا شيئًا حتى سألناه، ولا فتحت لنا بابًا حتى قرعناه، ولئن قطعت عنا خيرك، لَلَّهُ أوسعُ منك، ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفن أنفسنا عنك، وأما هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل من المسلمين، ولنا في كتاب الله حقان: حق في الغنيمة وحق في الفيء. فالغنيمة: ما غلبنا عليه، والفيء: ما اجتبيناه، ولولا حقنا في هذا المال لم يأتك منا زائرٌ، يحمله خف ولا حافر، أكفاك أم أزيدك؟ قال: كفاني فإنك لا تُعَزُّ١، ولا تُشَجُّ٢".
"العقد الفريد ٢: ١١١".
стр. 943
مقال آخر لمعاوية
...
عبد الله بن عباس ومعاوية أيضًا:
٩٠- مقال معاوية:
وقال يومًا معاوية وعنده ابن عباس: "إذا جاء بنو هاشم١ بقديمها وحديثها، وجاءت بنو أمية٢ بأحلامها وسياستها، وبنو أسد٣ بن عبد العزى بوافدها ودياتها، وبنو عبد الدار٤ بحجابتها ولوائها، وبنو مخزوم٥ بأموالها وأفعالها، وبنو تيم٦ بصدِّيقها وجوادها، وبنو عدي٧ بفاروقها ومتفكرها، وبنو سهم٨ بآرائها ودهائها، وبنو جمح٩ بشرفها وأنوفها١٠، وبنو عامر بن لؤي بفارسها وقريعها١١، فمن ذا يُجَمِّلُ مضمارها، ويجرى إلى غايتها، ما تقول يابن عباس؟ ".
стр. 944
٩١- مقال ابن عباس:
قال: "أقول ليس حي يفخرون بأمر إلا وإلى جنبهم من يشركهم إلا قريشًا، فإنهم يفخرون بالنبوة التي لا يُشاركون فيها، ولا يُساوون بها، ولا يُدفعون عنها، وأشهد أن الله لم يجعل محمدًا من قريش إلا وقريش خير البرية، ولم يجعله في بني عبد المطلب إلا وهم خير بني هاشم، يريد أن يفخر عليكم إلا بما تفخرون به، إن بنا فُتح الأمر وبنا يُختم، ولك مُلكٌ مُعَجَّل، ولنا مُلكٌ مُؤَجَّل، فإن يكن ملككم قبل ملكنا، فليس بعد ملكنا ملك، لأنَّا أهلُ العافية، والعاقبة للمتقين".
"العقد الفريد ٢: ١١٢"
стр. 945
٩٢- عبد الله بن عباس ومعاوية أيضًا:
لما بلغ معاوية نعي الحسن بن علي ﵁ أظهر الفرح والسرور، حتى سَجَدَ وسَجَدَ من كان معه، فبلغ ذلك عبد الله بن عباس، وكان بالشام يومئذ، فدخل على معاوية، فلما جلس قال معاوية: يابن عباس هلك الحسن بن علي، ولم يُظهِر حزنًا؛ فقال ابن عباس:
"نعم هلك إنا لله وإنا إليه راجعون، ترجيعًا مكررًا، وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته، أما والله ما سَدَّ جَسَدُه حفرتَك، ولا زادَ نقصانُ أجلِهِ في عُمرِك، ولقد مات وهو خيرٌ منك، ولئن أُصِبنا به لقد أُصِبنا بمن كان خيرًا منه، جَدِّه رسول الله ﷺ ، فجبر الله مصيبتَه، وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة.
فقال له معاوية: كم كانت سنه؟ قال: مولده أشهر من أن تُتَعَرّف سنه! قال: أحسبه ترك أولادًا صغارًا؟ قال: كلنا كان صغيرًا فكبر، ولئن اختار الله لأبي محمد
стр. 946
ما عنده وقبضه إلى رحمته، لقد أبقى الله أبا عبد الله "يعني الحسين"، وفي مثله الخلف الصالح، ثم شهق وبكى، وبكى من حضر في المجلس، وبكى معاوية".
"الإمامة والسياسة ١: ١٢٧، ومروج الذهب ٢: ٥٢ والبيان والتبيين ٣: ٢٢١".
стр. 947
٩٣- عبد الله بن عباس وعتبة بن أبي سفيان:
قال عتبة بن أبي سفيان لابن عباس: "ما منع أمير المؤمنين أن يبعثك مكان أبي موسى يوم الحكمين؟ " قال: "منعه والله من ذلك حاجز القدر، وقصر المدة، ومحنة الابتلاء، أما والله لو بعثني مكانه لاعترضت له في مدارج نفسه، ناقضا لما أبرم، ومبرما لما نقض، أُسِفُّ١ إذا طار، وأطير إذا أَسَفَّ، ولكن مضى قدر، وبقى أسف ومع يومنا غدٌ، والآخرة خير لأمير المؤمنين من الأولى".
"إعجاز القرآن ١٢٢، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص١٩٥، وأمالي المرتضى ١: ٢٠٧".
стр. 948
مخاصمة بين عبد الله بن عباس وبين معاوية وأصحابه
مدخل
...
مخاصمة بين عبد الله بن عباس وبين معاوية وأصحابه:
قال ابن أبي الحديد: "روى المدائني قال: وفد عبد الله بن عباس على معاوية مرة، فقال معاوية لابنه يزيد، ولزياد بن سمية، وعتبة بن أبي سفيان، ومروان بن الحكم، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن أم الحكم: إنه قد طال العهد بعبد الله بن عباس، وما كان شجر١ بيننا وبينه وبين ابن عمه، ولقد كان نَصَبه للتحكيم فدُفِعَ عنه٢، فحركوه على الكلام لنبلغ حقيقة صفته، ونقف على كنه معرفته، ونعرف ما صرف عنا من شبا٣ حده، وَوُوري عنا من دهاء رأيه، فربما وصف المرء بغير ما هو فيه، وأُعطِي من النعت والاسم ما لا يستحقه، ثم أرسل إلى عبد الله بن عباس، فلما دخل واستقر به المجلس ابتدأه ابن أبي سفيان فقال: يابن عباس ما منع عَلِيًّا أن يوجه بك حكمًا؟
стр. 949
٩٤- جواب ابن عباس:
فقال: "أما والله لو فعل لقرن عَمْرًا بصعبة من الإبل، يوجع كتفيه مراسها١ ولأذهلت عقله، وأجرضته بريقه٢، وقدحت في سويداء قلبه، فلم يبرم أمرًا،
стр. 950
ولم ينفض ترابًا إلا كنت منه بمرأى ومسمع، فإن نكثه أرمت١ قواه، وإن أرمه فصمت٢ عراه، بغرب٣ مِقْوَلٍ لا يُفَلُّ حده، وأصالة رأي كمتاح٤ الأجل لا وزر منه، أصدع٥ به أديمه، وأفل به شبا حده، وأشحذ به عزائم المعتنز٦، وأزيح به شُبَه الشاكِّين".